eKtab
EN ع
من المكلا الى الخبر
Read free sample

من المكلا الى الخبر

by د. عبدالله المدني

Page 1
(1)
 
يحب سالمين باسامر، الذي تجاوز العقد الثاني من العمر بسنة واحدة، مدينة المكلا كثيرا، ويطرب لسماع اسمها على لسان المطرب السوري فهد بلان في الأغنية المعروفة التي يقول مطلعها:
 
يا بنات المكلا
 
يا دوا كل عِـــــلـّة
 
رغم يقينه بأن الشطر الثاني ينطوي على الكثير من الكذب والنفاق والمجاملة·
 
فالمكلا بالنسبة لسالمين ليست فقط عاصمة وطنه، وإنما أيضا المدينة التي شهدت ولادته، والتراب الذي ترعرع فوقه، والسماء التي استظل بها، والشمس التي أكسبت وجهه الطويل وجبهته العريضة لونهما البرونزي الذي يتمنى رجال السلطة الإستعمارية الإنجليزية لو حصلوا على رُبْعه· وهي الحواري والأزقة التي احتضت مغامراته ومعاركه الطفولية مع أقرانه الأشقياء، وهي الساحل المطل على المحيط الهندي، الذي لطالما داعبت نسماته جسمه في ليالي الصيف الحارة·
 
غير أن كل هذا العشق للمكلا لم يقف حائلا دون تفكيره في الهجرة منها إلى بلد آخر في أواخر الخمسينات من القرن العشرين· يريد سالمين أن يبني لنفسه وأسرته الصغيرة المكونة من زوجته خديجة، وابنته سارة، ووالدته علوية، مستقبلا مضمونا قبل أن يمضي به قطار العمر أو يصاب بالعجز والوهن· يريد سالمين أن يرى ابنته سارة ذات السنوات الثلاث وقد أصبحت طبيبة مرموقة، تعالج أبناء وطنها وبناته وتنقذهم من الأمراض المزمنة والمعدية· يريد سالمين أن يمتلك المال اللازم لبناء منزل لائق تقضي فيه والدته المسنة ما تبقى لها من العمر في راحة ورفاهية، تعويضا لها عن سنوات الشقاء والحرمان التي تجرعتها منذ أن تركها والده عوض ليهاجر كغيره من الحضارم إلى أندونيسيا بحثا عن المغامرات التجارية والعلاقات النسائية مع حسنوات جاوه المثيرات جنسيا، واللواتي كان سالمين يجزم بأنهن - وليس بنات المكلا - دوا كل علة، وإلا لما تركه والده وهو لم يتعدَ الرابعة من العمر ليهاجر إلى جاوه
Page 2
لم تكن المكلا في أواخر الخمسينات سوى مدينة بائسة محصورة ما بين مياه بحر العرب والجبل المطل عليها، والذي كانت قمته تحتضن خمسة أبراج بيضاء قديمة· كانت مدينة ذات وجهين: القادم إليها من البحر يقف مأخوذا بروعة منازلها البيضاء، مكعبة الشكل، والمتلاصقة بجوار بعضها البعض، فوق لسان يمتد في الماء· لكن ما يكاد المرء أن يدخلها، حتى يصطدم بوجهها الثاني المؤلم· فطرقاتها، بما فيها الطريق الرئيسي الموازي للبحر، كانت قذرة وغير معبدة، يتسكع فيها الدجاج والأغنام والماعز وغيرها من الحيوانات الأليفة الجائعة التي اعتادت أن تأكل كل ما تجده في طريقها، بما في ذلك أوراق الشجر وصفحات الجرائد· وبين هذه الطرقات الشبيهة بالزرائب كان الصبية الأشقياء يمارسون ألعابهم البدائية وسط صراخ وضجيج يختلط بأصوات الباعة المحليين، وهرج ومرج المقاهي الشعبية·
 
كانت المكلا تختصر وقتذاك حضرموت كلها بتخلفها، وانكماشها على نفسها، وتعصب قبائلها ومشايختها لكل جديد ومستحدث، يحاول المهاجرون العائدون من الاغتراب زرعه في الوطن وتعويد المجتمع عليه كحل للخروج من نفق الظلام والتخلف· أما جديدها فقد اقتصر حينئذ على عودة عشرات الآلاف من المهاجرين الحضارم من ديار الاغتراب في جاوه وزنجبار وممباسا، بعدما صودرت أملاكهم هناك، وتعرضوا لمعاملة عنصرية، بسبب حدوث تغييرات سياسية في تلك البلاد·
 
هذا التطور ألقى بأعباء إضافية على الدولة القعيطية ذات الموازنة المحدودة التي لم تكن تكفي لبناء ميناء حديث مشابه لميناء عدن، أو رصف طريق بالإسفلت، أو إنشاء مدرسة عصرية متكاملة، أو استغلال ثروة البلاد الكبيرة من الأسماك استغلالا تجاريا صحيحا، بدلا من تجفيفها واستخدامها كسماد في زراعة التنمباك أو كغذاء للجمال والأغنام، أو إعادة تخطيط العاصمة بحيث تخرج من معضلة تكوم منازلها في رقعة صغيرة من الأرض تتوسطها مقبرة ضخمة تحتوي على ضريح شيخ يدعى يعقوب بن يوسف (وهو ما جعل المكلا تجسد بحق كلمة حضرموت المؤلفة من مقطعين: حضر وموت)· 
Page 3
تمنى سالمين، وهو يرى عودة المهاجرين، لو أن والده عوض كان بينهم ليكحل عينيه برؤيته من بعد طول غياب، غير أن الوالد لم يعد مثلما عاد غيره لأنه على ما يبدو فضّل البقاء والمقاومة، علّ الأمور تتبدل في ديار الاغتراب·
 
مع انتظاره الذي طال، وحكايات ما تعرض له المهاجرون الحضارم من مآزق ومشاكل في بلاد الاغتراب الآسيوية والأفريقية، صمم سالمين أن تكون وجهة هجرته مختلفة· أقنع نفسه أن  الأفضل له هو الهجرة إلى بلد عربي قريب· وهكذا اختار أن تكون وجهته البلاد العربية السعودية المجاورة التي كانت حينئذ تشهد نموا ورخاء لا مثيل لهما في بقية البلدان العربية بسبب اكتشاف النفط وإستغلاله بكميات تجارية من قبل شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو)· لم يفكر سالمين في السؤال المحوري وهو كيف سيتمكن من تحقيق أحلامه وطموحاته في تلك البلاد، وهو لا يملك إلا بضعة شلنات أفريقية؟(1) 
 
بنى الرجل أحلامه على فرضية أن من سبقوه إلى هناك من مواطنيه الحضارم، وقد صاروا رموزا في عوالم التجارة، ومصدرا مهما للتحويلات النقدية إلى ذويهم في حضرموت، لن يبخلوا عليه بالمساعدة والنصيحة، أو بالقروض للبدء في مشروع تجاري صغير· قال لنفسه وهو يحاورها حول فكرة الهجرة ذات مساء: بما أن هؤلاء حققوا ما حققوه من ريادة في عوالم المال والأعمال والصرافة وغيرها دون خبرة سابقة أو مؤهلات علمية عالية، فإن حالي ووضعي سوف يكونان بلا شك مماثلا أو أفضل! فأنا لا أحمل الطموح والرغبة الأكيدة في الكفاح، وموهبة الصبر على المتاعب فقط، وإنما امتلك أيضا مؤهلات القراءة والكتابة والحساب، علاوة على خبرة متواضعة تجمعت لديّ من عملي لبعض الوقت عند حسين محمد البار صاحب جريدة الرأي العام(2) ·
 
في ظهيرة أحد الأيام من شهر مارس 1959 كان منزل سالمين الواقع في الجزء القديم من المكلا، أو ما كان يـُعرف باسم البلاد، مركزاً لتجمهر الكثيرين ممن جاؤوا خصيصا لوداع صاحبه والدعاء له بالتوفيق في رحلة الهجرة، وأيضا لتحميله خطابات ورسائل الشوق إلى أحبابهم المهاجرين في البلاد السعودية·
Page 4
كانت بداية سالمين في رحلة الكفاح والهجرة هي الوصول إلى مدينة جدة، بوابة الحجاز والأراضي المقدسة، التي حلّ بها من بعد رحلة برية شاقة، وهو لا يحمل من متاع الدنيا سوى صندوق حديدي ملون، وضع فيه أشياءه الخاصة التافهة والخطابات التي أعطيت له من معارفه وجيرانه، ولا يغطي النصف العلوي من جسمه الضئيل سوى قميص قطني أبيض اللون، ولا يستر الجزء الأدنى منه سوى ما كانوا يطلقون عليه اسم الفوطة أو الصارون (قطعة من القماش الملون الشبيهة بالإزار)، إضافة إلى طاقية بيضاء خفيفة لحماية رأسه من أشعة الشمس الحارقة· كانت تلك الأشياء الثلاثة هي مقاييس الأناقة والرجولة عند الرجل الحضرمي·
 
لم يجد عند كل من تردد عليهم من مواطنيه الحضارم الموسرين في جدة الترحيب المأمول· كان الجميع غارقا في مشاغله وارتباطاته وطموحاته، خصوصا وأن الحضارم عـُرف عنهم الحرص الشديد على جمع المال وعدم تبذيره أو إقراضه أو إنفاقه على الآخر· وحده التاجر عبدالقادر بن سعيد السقاف قرر أن يستضيفه في إحدى الدور الملحقة بمنزله الفخم· وحده هذا الرجل المنحدر من الدولة الحضرمية الكثيرية (خصم الدولة الحضرمية القعيطية) زوده بثوب حجازي نظيف وكوفية وعقال لكي يرتديه بدلا من قميصه وإزاره وطاقيته المتسخة بعرق وأتربة السفر الطويل· علاوة على تلك الأشياء، التي لم يمنحها السقاف لسالمين مجانا وإنما بثمن مؤجل الدفع، تلقى الثاني من الأول نصيحة مفادها: أن التنافس شديد في جدة، وأن الأعمال لا تزدهر إلا أثناء موسم الحج، وبالتالي فإنه من الأفضل لمن كان في وضعه أن يجرب حظه في أماكن أخرى من البلاد السعودية مثل الرياض حيث الحضارم أقل عددا، والتنافس أقل حدة وضراوة
 
أخذ سالمين بنصيحة السقاف، واستقل مع آخرين حافلة قديمة شقت بطون الصحاري القاحلة، في رحلة مملة استغرقت يوما وليلة بكاملها· في الرياض افتقد الرجل الألفة والراحة النفسية اللذين وجدهما في جدة افتقد منظر البحر الذي كان يذكره بسواحل المكلا· افتقد المـَحـْضـَرة أو المقاهي والمجالس الشعبية المزدحمة على شاكلة ماكانت توفره المكلا والأحياء الحضرمية بجدة· بدت له الحياة في الرياض منذ الوهلة الأولى قاسية ومضجرة، واستشعر مبكراً أن أهلها متجهمون وغلاظ في تعاملهم مع الغريب القادم من الخارج، وإنْ كان عربياً مسلماً· بل واجه أيضا منافسة شرسة، كان مصدرها أبناء منطقة القصيم أو من يـُعرفون بـالقـُصـْمان الذين كانت لهم أساليبهم الخاصة في احتكار الأنشطة التجارية وتنمية الأعمال، وسط روابط عائلية وقبلية ومنافع تبادلية لا يستطيع أي غريب مواجهتها أو النفاذ منها بسهولة·
 
بسبب هذه الأمور مجتمعة، لم يستطع سالمين التأقلم مع الحياة في الرياض، فقرر ذات ليلة وهو مستلق على سريره في غرفته المشتركة البائسة داخل فندق القدس في حي البطحاء أن يحزم متاعه ويتجه في سيارة أجرة جماعية صوب أرض الخير والرخاء ·· صوب المنطقة الشرقية المطلة على سواحل الخليج، والتي كانت مركزاً لأنشطة شركة أرامكو النفطية، ومكاناً يبشر بحدوث طفرة اقتصادية وتجارية كبيرة، خصوصا مع حاجة الشركة المذكورة، في بداية انطلاقتها وتوسع أعمالها، إلى كل جهد ومشروع خدمي من أجل تعزيز دورها، وتقديم مختلف أنواع الخدمات لموظفيها من مواطنين وأجانب وافدين، ممن تحسنت مداخيلهم ضمن مدن النفط الجديدة·
 
Page 5
(2)
 
من بعد رحلة برية مضنية استغرقت أربع ساعات كاملة داخل سيارة أجرة جماعية من نوع شيفروليه بقيادة رجل بدوي أرعن، ألقى سالمين برحاله في مدينة الخـُبـَر التي كان المهاجرون من قبيلة الدواسر البحرينية أول من سكنها، قبل أن تقوم شركة أرامكو بتخطيطها تخطيطا هندسيا رائعا مستوحى من تخطيط مدينة نيويورك، حيث الشوارع الطولية المتوازية تتقاطع مع طرقات عرضية متوازية أيضا، وقبل أن تؤسس فيها أرامكو فرضة بحرية للمراكب الشراعية من أجل استيراد احتياجاتها التقنية وغيرها من البحرين القريبة، والأكثر تطورا وحداثة وانفتاحا وقتذاك·
 
سكن سالمين مؤقتا في الخبر لدى أحد أقاربه من آل باسامر بدأ على الفور عملية التفتيش عن دكان صغير ليزاول فيه تجارة المواد الغذائية، اعتماداً على حدسه بأن كثرة المتدفقين على المدينة من الداخل والخارج يلزمهم وجود بقالة وسط أحيائهم السكنية، كي تقدم لهم الخدمات الضرورية·
 
قاده بحثه عن الدكان المناسب للاستئجار إلى منطقة تتوسط المدينة، وقريبة من الشارع التجاري الرئيسي فيها والمسمى وقتذاك بـ شارع الأمير خالد(3)، وقريبة في الوقت نفسه من عمارات صدقة وسراج كعكي وعمارات عبدالرحمن السرور الصبان وعمارات الدغيثر الجديدة التي يقطنها الوافدون من مصر وبلاد الشام من مهندسين ومدرسين وأطباء ومحاسبين· في تلك المنطقة وجد مبتغاه سريعا، فاستأجر من عبدالله بن سعد الدوسري أحد الدكاكين الخمسة التي كان الأخير قد بناها بجوار منزله لأغراض التأجير والاستنفاع المادي· كان الدوسري مقاولا مبتدئا في أول الطريق، وكانت عائلته كبيرة نسبيا، وهو ما شجع سالمين على عقد صفقة معه· كانت الصفقة تقتضي بأن يحصل صاحب العقار على كل ما يحتاجه من المواد الغذائية من دكان سالمين، مقابل بدل الإيجار الشهري· وفي حالة تجاوز مشتريات الدوسري لقيمة الإيجار، يدفعها الأخير نقدا أو يخصمها من إيجارات الفترات التالية· بدت الصفقة مفيدة لطرفيها، خصوصا سالمين الذي لم يكن وقتها يملك مالا كي يدفعه كمقدم إيجار لمدة سنة كما جرى العرف·
Page 6
كانت عينا سالمين مصوبة نحو دكاكين الدوسري الواقعة في زاوية مطلة على شارعين· لكن هذه الدكاكين كان قد تم استئجارها في وقت سابق من قبل حضرمي آخر يدعى سعيد بادريس ومن سوء طالع سالمين أن هذا الأخير كان يتاجر في المواد الغذائية أيضا، وهو ما جعل صاحبنا يندب حظه ويطيل التفكير في كيفية اسئتثاره بأكبر عدد من الزبائن من سكان الفريج(4)· قاده تفكيره بسرعة إلى حل لهذه المعضلة· قرر أن يضيف إلى خدمة بيع المواد الغذائية خدمات أخرى لا يقدمها جاره ومواطنه سعيد بادريس 
 
وهكذا حرص على أن يخصص جزءا من دكانه لتقديم وجبات الطعام الخفيفة المطبوخة، أو تسخين ما في جوف المعلبات التي يشتريها زبائنه على موقد يدوي، ومناولتهم إياه داخل أكياس بلاستيكية لكي يحملونه إلى منازلهم· في موازاة تلك الخدمتين، تفتق ذهن سالمين عن خدمة أخرى هي توفير القهوة وشاي التلقيمة(5) الساخنين لكل من يطلبهما بأسعار متهاودة، إضافة إلى خدمة الاستماع المجاني إلى جهاز الراديو الذي لم يكن في مقدور الناس كافة وقتئذ شراؤه، وخدمة إتاحة الفرصة لزبائنه لاستخدام عنوان دكانه لمراسلاتهم الخاصة· لقيت هذه الأفكار والخدمات استحسانا وترحيبا كبيرين من قبل الكثيرين من سكان الفريج خصوصا وأن معظمهم كانوا عـُزّابا، ومن العمالة اليمنية والعمانية والعدنية ذات الدخل المحدود· وبقدر ما كان سالمين مسرورا بردود الفعل على الخدمات التي صار يقدمها، كان منافسه وجاره سعيد بادريس مستاء، ينخر صدره الحسد والغيرة، إلى الدرجة التي فكر فيها بالوشاية به لدى السلطات السعودية الأمنية التي كانت تشجع الناس في تلك الحقبة على الإبلاغ عن كل من يهيء مكانا للاجتماع والاستماع إلى إذاعة صوت العرب وتعليقاتها النارية ضد النظام الملكي السعودي· على أن سعيد بادريس لم ينفذ ما دار في رأسه خوفا من احتمالات استجوابه ووضع الفريج كله تحت المراقبة، وهو ما لم يكن يريده لأسباب سنعلمها فيما بعد·
 
خلال أقل من عامين استطاع سالمين أن يعزز مركزه التجاري، ويكسب ثقة الكثيرين ومحبتهم، ويبني لنفسه سمعة حسنة لا تشوبها شائبة، وذلك على حساب جاره سعيد بادريس الذي كان يمثل لمعظم سكان الفريج كتلة من الأسرار والغموض، خصوصا وأن جسمه الممتلىء، وبشرته الداكنة، ووجهه المحفور بآثار مرض الجدري، وعينيه الجاحظتين المُحـْمـَرّتين على الدوام، وقلة حديثه، وندرة خروجه من دكانه، كانت تثير الشك والخوف عند كل من يتعامل معه· ولعل ما زاد من حيرة ذلك المجتمع الصغير حيال هذا الرجل الغامض هو أنه كان يغيب لفترات طويلة داخل المساحة المخصصة لنومه ضمن نطاق دكانه، تاركا باب الدكان موارباً·
Page 7
قال البعض إن سعيداً ربما يتصيد صبية الفريج الصغار ويغريهم بالحلويات أو المياه الغازية أو الألعاب المجانية ليدخلهم إلى مخدعه من أجل ممارسة اللواط! البعض الآخر إستنكر مثل هذا الإتهام بحق رجل مسالم لم ير أحد قط منه شيئاً مسيئا، مضيفين أن الأيام سوف تكشف سره، إنْ كان هناك ثمة سر!
 
لم يمض وقت طويل إلا واللثام يـُماط عن السر! حدث ذلك حينما داهمت الشرطة الدينية(6) في ظهيرة أحد الأيام دكان سعيد، واعتقلته، وأخرجته أمام الملأ المتجمهر وهو مكبل اليدين، فيما تم إغلاق محله بالشمع الأحمر· تبين حينذاك فقط أن الرجل بريء تماما من تهمة ممارسة اللواط التي علكت سيرته وشوهت سمعته· تبين للجميع أن سبب غيابه المتكرر والطويل داخل مخدعه البائس، المؤثث بسرير حديدي قديم، وطاولة خشبية مهترئة، وموقد بدائي لطبخ الشاي وتسخين الفول، كان فقط من أجل تناول جرعات من الخمور المحلية التي كان يعدها بنفسه، بل ويروجها بيعاً في أوساط من يثق فيهم من أبناء الجاليات الوافدة·
 
انتابت سالمين مشاعر مختلطة إزاء هذا الحدث· فمن جهة كان حزينا لما سوف يؤول إليه مصير سعيد، وهو السجن ثم الجلد ثم التسفير إلى خارج البلاد، لكنه من جهة أخرى بدا سالمين فرحا بزوال منافس خطير من طريقه· منذ تلك اللحظة بدأ سالمين يتحرك ويخطط لوضع يده على دكان سعيد كي ينقل تجارته إليه، وبالتالي يستفيد من موقعه المتميز ومساحته الأكبر نسبيا·
 
حينما صدر الحكم بجلد سعيد 80 جلدة لشربه المنكر وبيعه، تجمهر عدد كبير من سكان وصبية الفريج وغيرهم من الفضوليين أمام الجامع الكبير(7) فيالخبر لمشاهدة العملية من ألفها إلى يائها· كانت أحكام الجلد وقطع الأطراف الصادرة بحق مروجي وصانعي وشاربي الخمور، والسراق واللصوص، وممارسي الزنا واللواط تنفذ على مرأى من الناس بعد صلاة يوم الجمعة لتكون عبرة وعظة· بعد سنوات طويلة غيرت السلطات هذا الأسلوب العلني في تنفيذ العقوبة، وصارت تنفذها داخل السجون· كان سالمين من ضمن الذين حضروا مهرجـــــان الجلد· ساءه المنظر كثيرا· ساءته أيضا تعليقات وشماتة بعض المتعصبين وذوي النزعة العنصرية· فعاهد نفسه ألا يتورط في أي عمل أو نشاط يؤذي سمعته أو يعيق ما جاء لتحقيقه من طموحات·
Page 8
ظل دكان سعيد مغلقا لفترة طويلة بعد تسفيره إلى الخارج، فيما كان سالمين ينتظر على أحر من الجمر قدوم اليوم الذي تعيد فيه السلطات افتتاحه وتسليمه لمالك العقار· ألحّ سالمين على عبدالله الدوسري أن يوسط معارفه لتحقيق هذه الغاية، خصوصا وأن بقاء الدكان مغلقا كان يشكل للأخير خسارة مادية كبيرة·
 
حينما قررت السلطات أخيرا إزالة الشمع الأحمر من فوق أبواب دكان سعيد، لم يأت أحد لاستلام ما بداخله من بضائع ومواد غذائية؛ إذ لم يكن لسعيد أهل أو أقارب أو أصدقاء مقربون أو ندماء· بل حتى لو كان هناك أحد من أهله لما نفعته تلك البضائع لأنها تحولت مع مرور الأسابيع والأشهر الطويلة إلى أشياء منتهية الصلاحية بسبب سوء التخزين وشدة الحرارة·
 
بحدوث هذا التطور، تنفس سالمين الصعداء، وراح يتفاوض على الفور مع عبدالله الدوسري حول منحه حق الإنتفاع بكل الدكاكين الخمسة الملاصقة لمنزل الأخير، مقابل إيجار مجز بأسعار تلك الحقبة· وبمجرد توصله إلى اتفاق مع صاحب العقار، بدأ سالمين عملية إفراغ دكان سعيد مما فيه، وتنظيفه، وتجديد رفوفه الخشبية، واستبدال ثلاجاته العتيقة بأخرى جديدة، لينقل تجارته إليه، تاركا أحد دكانيه السابقين لاستخدامه كمستودع لتخزين البضائع، والآخر لاستخدامه كمقهى ومطعم للوجبات الخفيفة· أما المكان الذي كان سعيد ينام ويتناول المسكرات فيه فقد طهـّره وجدد أثاثه ليكون مسكنا مؤقتا له، ريثما يجود الرب عليه بما يمكـّنه من شراء أو استئجار المنزل المناسب·
 
حرص سالمين ان يملأ دكانه بشتى أنواع المواد الغذائية كيلا يترك أية حجة لمن يطرق بابه للانصراف إلى بقالة أخرى· حرص أيضا أن يضع في صدر دكانه تشيكلة من معلبات شركة قها المصرية كمعلبات الفول والحمص والبازيلاء والفاصوليا والسبانخ والبامية، إضافة إلى العصائر المعلبة من إنتاج الشركة نفسها، وذلك جذبا وكسبا للوافدين المصريين، ولا سيما من كان يعمل منهم في سلك التعليم· من جهة أخرى ملأ أرفف بقالته بمعلبات الأناناس والخوخ والكمثرة والكرز التي كانت مطلوبة من ربات البيوت زمنئذ 
Page 9
لتقديمها لضيفاتهن بسبب عدم توفر الفواكه الطازجة، وملأ ثلاجاته الأمريكية الحديثة بتشكيلة واسعة من المواد الغذائية المجمدة والمثلجات التي كان يهربها البعض من كانتين أرامكو ليبيعها لأصحاب البقالات في الخبر بهامش ربح مجز· وأضاف إلى تلك الثلاجات صناديق لتبريد شتى أنواع المياه الغازية الرائجة وقتذاك من كوكاكولا، وبيبسي كولا، وسوبركولا، وكندادراي، وسينالكو، وسفن أب
 
تطلبت أعمال التحسينات والتجديدات هذه مبالغ كبيرة، لم تكن وقتها متوفرة لدى سالمين بطبيعة الحال· لكن الأخير كان قد نجح، بفضل سمعته وأمانته، في نسج علاقات جيدة ومتينة مع عدد من تجار الجملة المرموقين· كان قد وضع نصب عينيه منذ البداية أن يتقرب من مواطنيه الحضارم، ويكسب ثقتهم، ويقيم معهم علاقات منفعية متبادلة، من أجل أن يحصل منهم على تسهيلات في الدفع أو يضمن كفالتهم له حينما يتطلب الأمر ذلك·
 
من الأمثلة الحية التي جسدت فكرته حول إقامة علاقات منفعية متبادلة مع مواطنيه الحضارم على غرار ما لاحظه عند القصمان في الرياض، أنه لم يكن يشتري المواد الغذائية بالجملة إلا من عند باسمح أو بامجلي أو باوزير أو باعشن، ولم يكن يحصل على الأدوات الكمالية إلا من عند بادغيش أو باطوق أو بامردوف، ولم يكن يرسل تحويلاته النقدية إلى أسرته في المكلا إلا عن طريق مكتب صرافة يملكه بازهير وآخر يملكه باطرفي، بل حتى لوازمه الشخصية كالنظارة الطبية، التي كان يرتديها فوق أنفه العريض المنتهي بشارب أسود كثيف، لم يكن يتزود بها إلا من عند باغبـْره وبالمثل، لم يكن يحصل على صحفه ومجلاته المصرية المفضلة إلا من عند مكتبة بايزيد(8)، ولم يكن يحصل على لوازمه من الأدوات القرطاسية إلا من عند بابيضان، ولم يكن يتناول وجبات الفول الحضرمية اللذيذة إلا من عند باعاصم أو بامنقــّى، ولم يكن يفصل ملابسه إلا عند خياط حضرمي يسمى فرج بادَحـْدَح في المقابل كان معظم هؤلاء يتزودون بحاجات أسرهم اليومية من عند سالمين باسامر الذي كان قد اختار لبقالته اسم البركة، مقابل اسم الخير الذي أطلقه سعيد بادريس على بقالته·
Page 10
(3)
 
ارتبط سالمين بعلاقة صداقة مع سعد، الابن الوحيد لصاحب العقار عبدالله الدوسري الذي كان يقيم مع زوجته وأخته وأمه وعمته في منزل واحد· كان سعد البالغ من العمر وقتذاك نحو عشر سنوات لايزال يواصل دراسته في المرحلة الابتدائية داخل مدرسة الخبر الثانية الواقعة على بعد نحو أربعمائة متر من منزله وموقع بقالة البركة كانت تلك المدرسة من ضمن المدارس الحديثة التي بنتها شركة أرامكو وزودتها بكل احتياجاتها على أفضل وأرقى المستويات، وكانت إدارتها بيد تربويين حازمين وقساة(9)، الأمر الذي أكسبها سمعة رائعة كمصنع لتخريج أذكى الطلبة وأكثرهم تهذيبا ومناقبية، وأحسنهم سلوكا·
 
تمنى سالم، وهو يستمع من سعد لما يدور في مدرسته من أنشطة ثقافية ورياضية وكشفية ومسرحية وفنية، وما يتوفر فيها من تسهيلات وتجهيزات راقية، لو كانت المكلا تحتضن مدرسة مماثلة، بدلا من المدارس الكئيبة التي أسستها الدولة القعيطية من دون أن تزودها بمقاعد أو طاولات أو مراوح أو سبورات أو وسائل إيضاح، بل من دون تزويدها حتى بمصابيح للإنارة· تذكر كيف أنه حـُرم من حقه الطبيعي في التعليم لسنوات طويلة إلى أن افتتحت الدولة أول مدرسة ابتدائية بمساعدة من الكويت والأردن اللتين زودتاها بمعلمين وكتب دراسية وأدوات قرطاسية· عادت به الذاكرة إلى الوراء ·· إلى اليوم الأول لالتحاقه بتلك المدرسة، وكيف أن والده جره إليها جراً، قبل أن يسلمه إلى ناظرها فرج أحمد عبدالغفار، ليأخذه الأخير إلى مساعديه من أجل قص شعره، وغسل بدنه، وتقليم أظافره، وإلباسه ملابس جديدة، وتحديد مكان نومه·
 
كان سعد، تلميذا مواظبا وذكيا، بل كان، رغم صغر سنه، مستوعبا لمعظم ما يدور حوله، وملما أيضا بشئون العالم وشجونه كنتيجة لمواظبته على قراءة الكتب الخارجية والصحف والمجلات المصرية· رأى سالمين، الحريص على التوفير والاقتصاد في النفقات غير الضرورية، في هذا فرصة لعقد صفقة مع سعد· اقترح على الأخير أن يعيره كتب الروايات والصحف والمجلات المصرية بعد أن ينتهي من قراءتها، مقابل أن يمنحه ما شاء من الحلويات وزجاجات المياه الغازية من نوعي كوكاكولا و سينالكو بثمن مؤجل الدفع·