Page 1
1
ليست حياتي سوى نهرٍ جارٍ دون توقّف أو نهاية من الأحجيات المتتابعة والتي لم يكن بالإمكان تفسيرها أو حلّ رموزها.
فتارةً كان القدرُ ينسجُ بخيوطهِ الأيّام التي تملؤها الآلام وأحيانا أخرى كان الفرح يعبرني بقوة وتأخذني نفحات المحبة .
..
وفي أغلب الأوقات ومنذ أدركت أنفاسي وجه الحياة ولامسته، كان لا بد لي من الانتباه لتلك الخطوط السوداء من الحرمان والحيرة والوحدة..
وليست تلك الحياة التي حاولت التّأقلم مع مجرياتها بمنأى عن الأحداث التي ملأت القرى والمدن الفلسطينية كافة، بيد أنني كنت مثل ورقة بيضاء من مجموعة أوراق في ذلك الكتاب الذي طالته الرّيح فبعثرته وانتهكت أحرف التّاريخ أسطره بقسوة وعنجهية.
كانت تلك الكلمات لامرأة حملت بين تجاعيد وجهها هموم الكون كافّة. امرأة في السّبعين من عمرها تعيش في مدينة النّاصرة.
والتي أردفت قائلة وكأنّ ذاكرتها قد انتفضت فجأة على ما تختزنه من الأفكار..
قالت:
- نحن لا شك لا يمكننا أن نختار بأنفسنا الكيفية التي ستبنى عليها سنوات العمر، أو نعجز عن التوقف بالالتفات إلى الوراء ربّما لكي ننسى ونتابع ما تبقّى من الحياة أليس كذلك..؟
أجبتها:
- عفواً فأنا لا أملك تصوّراً كاملاً عمّا تلمّحين إليه بحديثك هذا، لكنّها لم تلتفت لملاحظتي هذه بل أكملت بهدوء
...
Page 2
ولأَننا كما ترى وهذا أمرٌ حتميٌّ، نقوم بفعل ما يتوجّب علينا فعله. لأنّ طبيعة الأمور وجدليتها تحكمنا بالقيام بذلك. هناك رموز وحالات لا يمكننا تجاهلها هي من يحدّد الخطوات... وكذلك فإنّ السّماء ترسم بوضوح ماهيّة هذه الخطوات والتي نصفها بعد ذلك بالمصير.
- ولكنّ هذا موضوع عميق جداً وله أبعاده.
- نعم.. نعم..
أنا لا ألمّح إلى لوم القدر وليس في أفكاري ما هو رديف لذلك، إنّما كنت أحاول القولَ إنّه كان مِنَ الجديرِ بنا أن نلتفت إلى ما هو أبعد من مجرّد الدّخول في نوبات من الغضب والشّعور بالظُلم، لأنّ ما وراء الأحداث هنالك سبب أكبر من ذلك، ومن أجله كان أو سيكون ما نحن عليه الآن.
كانت متعبة، قد غزت خصلات شعرها هموم السّنين الغابرة. ولكنّي وكما اكتشفت بعد ذلك أنّها كانت تستمدّ من حكايتها كلّ أسباب البقاء الفطريّ الذي كان يحتّم عليها النّظر للأمام ومجاراة ما سيأتي من الأَيّام...
أنا الآن في بيتها.. في زيارة عابرة لم أخطّط مسبقاً للحديث معها أو مجرّد الاستماع إليها... لكنّها ومنذ مكالمتها الأولى شعرت بأنّها تسحبني للانتباه لما تقوله، كان في بحّة صوتها حزن دفين، وألم يختبئ خلف نبرتها المرتعشة. وها هي تبدأ معي حديثاً عابراً ولكنّه وبعد فترة وجيزة اتّسم بالجدّيّة.
لقد تعثّرتُ عبر مساحة مفتوحة من الألم والدّهشة خلال استماعي لها، ممّا جعلني أتوقّف طويلاً أمام أَسئِلتها الفلسفيّة الحائرة الصّادقة التي كانت تبسطها أمامي. وأنا لا أنكر بأنّني أعشق الخوض في النّقاشات الفلسفيّة، لذلك كانت لحظات انتباهي تلك أشبه ما تكون بأغصان شجرة تغري أسراب الطّيور بالهبوط فوقها. كنت أصغي وأحلّل... ثمّ أتخيّل...
Page 3
وكأنّ مساحات من السّماء كانت تمتدّ أمام بصري وتنفتح على أحداث حقيقيّة تجري بوضوح فوق هذه الشّاشة الشّاسعة، بحيث أخذت الحقائق تعلن عن نفسها، تاركه سيلاً من التّساؤلات يتداخل بين حنايا الذّاكرة. فهل حدث هذا حقاً..؟ وما الحكمة من إخراج آخر قطرة ماء من قلب هذه الصّخرة الرّابضة فوق أنفاس صحراء الأمس الملتهبة..؟ ذلك الأمس الذي يخترق الحاضر بكلّ صلافة ويكاد يفجّر ينابيع الغضب من جوف الأفكار المتتالية.
قالت بعد أن اعتدلت في جلستها إنّ الذّكرى تتقنّع في كلّ محاولاتها اقتحام سكينة الحاضر بقناع لا يشبه الذي ارتدته في المرّة السّابقة، ولكن دعني أقول لك بأنّ أشدّ الأقنعة إيلاماً للنّفس البشريّة هو ذلك القناع الذي يحاول تكرار ذاته ويمعن في إثبات قدرته على هزيمتك والبقاء في عمق الذّاكرة ينخر فيما تبقى لك من أمل في مواصلة الحياة.
نظرت إليّ في محاولة لاستيضاح إن كنت قد التقطت كلماتها جيّداً، أو ربّما أنّها حاولت أن تثبت لي من خلال ذلك ما كانت تعتقده ثمّ أردفت قائلة:
- في الحقيقة أنا لم أفكّر حينذاك في تغيير ما حدث لي لأنّ الوهمَ أو التّوهّم، كلاهما كان مرادِفاً لسراب الحقائق. لكنّي كنت أتمنّى ولست أرجو لأنّ في التّمنّي محاولة لقهر المستحيل
كنت أرجو أن تمرّ العاصفة بعيداً بعض الشّيء عن مسار خطواتي. ربّما لكي يتسنّى لي معايشة الوجه الآخر من مرآة وجودي المتكسّرة.
وقبل أن تلتقط أنفاسها بادرتني على عجل:
- حين تجهل ما خلف الخطوة من مساحة فإنّ ذلك يشوّش مسار خطواتك التّالية، وهذا أيضاً ينفي عنك صفة المعرفة والقدرة على إبصار الحقائق، مما يترك للأشياء أو للأحداث حيّزاً من التّراجع نحو الأسوأ.. والطّامة الكبرى في أن يقترن جهلنا هذا مع الخيانة..
Page 4
أنت لا شكّ تدرك معنى قولي هذا (لقد تركنا هناك بين موتين في قلب الرّيح نصارع الجهل والخيانة دون أشرعة أو بوصلة فخان البحر سفننا وابتلعتنا الظّلمة..)
بيد أنّني أَستطيع القول لك الآن أن ما حدث لي في تلك الفترة كان بداية لكلّ الهزائم التي مررنا بها.
كنت أنصتُ إليها بانتباه محاولاً تحليل كلماتها وربطها فيما جرى حقّاً في ذلك الوقت بعد أن تعمّق الشّعور لديّ بأنّ ما وراء الظّلّ هنالك ظِلالٌ تُحاوِلُ العثور على أفق لحيّزها وبالرّغم من أنّني تعمّدت في الفترة الأخيرة إبقاء ذاكرتي المتعبة من هموم الحياة خارج نطاق الواقع والانزواء لبعض الوقت فيما هو غير حقيقي من التّخيّل.
كنت أحاول الإمساك بطرف خيط أصل من خلاله خلف أفكاري الكدرة. وعبثاً أحاول تسلّق الغيوم لمجرّد أن أَرتفع أبعد من مساحة القفزة التي تتقنها قدماي. كانت السّماء بعيدة جداً، أبعد من أن يحتويها نظري في اللحظة التي كنت من خلالها أمتلك الحُلم، والأرض هنا كانت تفيض عن حاجتها من النّزاعات والحروب.. أو لعلّني كنت أحاول التّمردّ على حقيقة الصّمت الذي يواكب الكارثة والعجز، ولكنّي كنت أنا أراه بدوري خنوعاً واستسلاماً في الهزيمة وها أنا أجد نفسي أمام جبال تتمادى في الارتفاع ثمّ لا تقوى على التّوقّف عن جلد الذّات...
كانت غزّة تُقتل وهي تتوّضأ بماء بحرها... من الفَجر إلى الفجر كان الضّوء يُسرق من قمرها... ولا أحد يكترث لأحدٍ. هذا الصّمت يوجع لكنّه لا يصل بنا إلى نهاية.
أخرجتني من شرود أفكاري حين سألتني:
- هل كنت تصغي إليّ؟
Page 5
- نعم لكنّي... عفواً..
- لا بأس. ثمّ أكملت:
- لطالما اعتقدت وما زلت أنّ لكلّ إنسان منّا فسحة من التّأمّل يرغب من خلالها وبشدّة الوقوف على حقيقة وجوده.. ومحاولة إشعار الآخرين بهذا الوجود..
- نعم أنا أيضاً أؤمن بذلك ولكنّ البعض منّا لا يحسن امتلاك هذه الفسحة إلى الأبد فينسحب منها فجأة ربمّا لعدم قدرته على اختزال هذه اللحظات والدّخول في حالة روحانيّة تجعله يصمد في تأمّله وإدراكه.
قلت بدوري:
- لكن هناك أيضاً من يحاول جاهداً مجاراة الأمور والتّعاطي معها على حقيقتها والتّعمّد في فهم الحالة ذاتها وبقدرة فائقة على التّحمّل والمواصلة، لكي يصل في النّهاية إلى الهدف المنشود.
- أرى أنّك بتّ قريباً مما أحاول إيصاله لك؟
- لا شكّ عندي أيضاً أنّ التّعمّق في اللامرئيّ من الحقائق - كما يحدث الآن لنا معاً -، يجعلنا ندرك عبر نشوة المعرفة التي تمثّل قيمنا ومعتقداتنا في حلقة الوجود مفاهيم هذا الكون، وهذا يجعلنا ندرك كما قلت إنّ هذه الفسحة تحتاجها النّفس البشريّة في الأوقات التي تحاصرنا بها المصاعب والهزائم أو في الحالات المصاحبة للأرق والإحباط والغضب من الأمور العادية والرّوتينيّة في أيّامنا.. والتي نكثر من خلالها التّساؤل والاهتمام الفكريّ الحادّ المفاجىء بما هو خارج عن نطاق الطّبيعي..
فيما كنت مسترسلاً بأفكاري المبهمة بعض الشّيء سمعتها تقول لي:
Page 6
كلما حاولتُ إدراك ما حدث حقاً لا أجد تفسيراً لذلك غير أنّ الصّدفة وحدها هي التي حدّدت لي مسار حياتي.
أجبتها:
- الصّدفة ما هي إلّا عدّة مواقف إنسانيّة ترتبط في تفاعلها في مسلك واحد فتكون الحدث، ولكنّها في النّهاية هي نتيجة لفعل إنساني، ولكنّي أعتقد أنّ القدر وحده مَنْ رسم لك خطوط هذه البداية.
- لا فرق بين كليهما
- كيف؟
- أنا أؤمن أنّ الصّدفة هي القدر والقدر هو ما يأتي به الغيب دون معرفتنا المسبقة وعلى غفلة منا.
- القدر هو القدر. هذا ما أؤمن به ولا يمكنني تسميته بمفهوم آخر غير ما هو عليه.
- كلّ ما قلته لك قبل الآن، ما زال يعتمل في فكري وأجدني غير قادرة على تخطّي الذّكرى وأن أكون في الجهة المقابلة للفعل الذي تمّ.
- كيف ذلك؟
- سأقول لك... فحين نفكّر بصمت ألا تبقى أفكارنا داخل حدود الذّات إذا لم يرافقها الصّراخ أو البوح..؟
- وما علاقة هذا الأمر بما حدث لك؟
- حين تراودك الأفكار وتبدأ بالتّساؤل ماذا لو لم يحدث كذا؟ أو كيف سيكون الأمر لو أنّ الأحداث أخذت منحىً آخر..؟ وماذا... وماذا..؟
Page 7
إلا أنّنا في العادة ما نعود إلى تلك الدّائرة المليئة بالتّساؤلات والحيرة.. مثل ما حدث لي فعلاً..
نظرتُ إلى ساعة يدي. كان يتوجّب عليّ أن أنهي هذا الحديث المفعم بالحزن والذكريات، ودّعتها على أمل العودة مرّة أخرى وإكمال ما بدأناه معاً من حديث إلّا أنّها قالت لي بثقة كبيرة:
- ولكنّك ستعود في المساء.. أليس كذلك؟
نظرتُ إليها بفضول ثمّ قلت:
- لا أعتقد ذلك، فأنا عائد إلى القدس الآن، ثمّ أردفتُ:
- ولكن لماذا أراكِ واثقة بعودتي؟
- لأنّني رأيت في عينيك لهفة شديدة إلى الاستماع إليّ..
- نعم أنا لا أنكر ذلك ولكنّي سأعود يوماً ما.. هذا وعد منّي.
- كما تشاء ولكنّي مصرّة على أنّني سأراك مساءً..
نظرتُ إليها مجدداً ثمّ استأذنتها بالانصراف، وخرجت إلى الشّارع.
في طريق العودة إلى القدس وبعد أن خرجت من مدينة النّاصرة كنت شارد الذّهن.. وتساءلت فجأة في أعماقي لماذا لا أكتب عنها..؟
وبدأت أُحلّل بفكري سرّ ثقتها تلك وتنبئها بعودتي هذا المساء.
ثمّ بدأت التّساؤلات تغزو أفكاري.
Page 8
فهل الكتابة بحدّ ذاتها تفريغ للمشاعر؟ أم أنّها توثيق لما حدث؟ وكيف بالإمكان ربط رغبتي في الإدراك مع ما أومن أنّه جديرٌ بالظّهور فوق الصّفحات؟ فليسَ كلّ ما يسمع يكتب. ولكنّي هنا أحسّ بنبض حياة يكاد يتسلّق الرّغبة حتّى الولادة. إنّ أفكارها حيَّة وذاكرتها مفعمة بما هو جديرٌ بالاستماع له، لكن أليست الكتابة شكلاً من تثبيت ما يعتمل بهذه الذّاكرة وترجمة حقيقيّة لأفكار ما انفكّت تؤرقها وأصبحت تؤرقني أنا أيضاً.. بيد أنّ الكتابة أيضاً تعلّمنا التّفكير والخوض في بواطن الأمور وليس المرور بعفويّة عن ظاهرها فقط. فكّرت لحظتها بقول قديم لكاتب لم أعد أذكر اسمه الآن
"من لا يكتب لا يفكّر." إذاً...
لقد كنت في حيرة من أمري لحظة انتباهي إلى أنّني أسير بسيّارتي على الطّريق السّريع الذي يؤدّي إلى حيفا. لم يكن بالإمكان الاستدارة والعودة إلى الشّارع الذي يؤدّي إلى القدس. ووجدت نفسي أدخل شوارع حيفا وأتجوّل فيها...
أفكار كثيرة مرّت بخاطري حين كنت أنظر نحو بحر حيفا، حدّقت لبرهة نحو قرص الشّمس الأصفر الذي بدأ منذ برهة بالانكماش والتّحوّل للأحمر القاني، متدارياً خلف خطّ البحر اللامتناهي. كانت غيوم هشّة تخترقه ببطْء مزعج فتحجب الأشعّة الباهتة بصمت ثم تنعكس تلك الصّورة فوق صفحات البحر اللازورديّ الذي تتخلّلهُ بقع تومض فوق صفحات الماء. فكّرت بصمت وأنا أنظر نحو سكون الموج في هذه السّاعة من اليوم وأنا أدرك أن النقاش الجدليّ لم يكن مجدياً مع تلك المرأة حول مفهوم الصّدفة والاعتقاد بالقدر، لأنّ الموضوع شائك وبحاجة للارتكاز على معرفة دينيّة وعلميّة واسعة، إلّا أنّني ورغم ذلك كنت أؤمن بالقدر، وعلى نحو ما كنت أركن إلى إيماني هذا بشكل مطلق.
والآن وأنا أقف أمام تراقص الموج الذي بدأ مع اشتداد حدّة الرّيح منذ برهة، وتحت خجل الظّلمة التي بدأت تتسرّب بتثاقل أمام انسحاب القرص الذّهبيّ تساءلت في قرارة ذاتي عن مقدرة البشر المحدودة في إدراك كنه الأحداث؛ لذلك اكتفيت بالتّحديق نحو تلك الموجات الزّاحفة بدلال واضح فتصل متكسّرة عند حافّة قدمي ناثرة بعض حبيبات الرّمل هنا وهناك.
Page 9
لا شيء يضاهي البحر في رهبته سوى الأفكار الشذرة حين تباغت الذّاكرة فجأة فتلح عليها وكأنّك تحاول إغلاق كفّ يدك على حفنة من الرّيح فتعجز عن الإمساكِ بها وإبقائها داخل حدود الكفّ.
كان المساء قد ارتمى بثقله فوق صفحات الماء وقد اختفى اللون اللازورديّ من تلك اللوحة وبدأت الظّلمة كأنّها وجوه خرافيّة تبحث عن حيّزها في هذا المدى الرّبانيّ.
وجدت نفسي تَنْساقُ إلى رغبتها في الصّعود إلى أعلى مساحةٍ لجبل الكرمل.......
حيفا دون الكرمل كمدينة بلا عيون. لذلك أردت إلقاء نظرة على الميناء البحريّ من علياء الكرمل. وكما يلقي الصّقر نظرته الخارقة نحو طريدته. تركت لعيني أن تعانقا الأنوار الممتدّة أمام بصري. كانت حيفا في تلك اللحظة تتشكّل في بطء رموش الجنين حين يواجه الضّوء لأوّل مرّة فيبدأ بكاؤه الأول وصراخه الوليد من حقيقة اللقاء الأوّل مع الوجود.
أعادني الأفق الخاشع أمام تراتيل الظّلمة التي كانت تمزّقها الأضواء السّاطعة هنا وهناك إلى مناورات ذاتي حيال تلك العجوز. فبدأت أكتشف رغبة عارمة ملحّة للاستماع لقصّتها كاملة.
وبدأ يراودني شعور دفين بأنّ زيارتي إلى النّاصرة لا بدّ وأن يكون ما وراءها لكي يتجلّى لي القدر واضحاً وإلا فلماذا ما زلت أفكر بها على هذا النّحو؟ ووجدت نفسي أقود السّيّارة عائداً إلى النّاصرة. لقد انتصرت الرّغبة لديّ على روتين الحياة، فتمردّت النّفس على الوقائع الآتية...
حين فتحت باب المنزل تبسّمت لي رغم ملامح الحزن التي استقرت فوق تجاعيد وجهها.
قالت:
- لقد عدت إذاً.
أومأت لها برأسي ثمّ انسللت نحو تلك الشّرفة من المنزل.
Page 10
2
لست أذكر بالتّحديد كيف بدأنا معاً بتكوين تلك اللحظة التي بدأت من خلالها رواية قصّتها، أو أحجية حياتها كما أرادت هي تسميتها. ولكنّي أذكر كيف حدّقت هي عبر شبّاك الشّرفة الزّجاجيّ المطلّة على كنيسة البشارة، حيث تمثال مرمريّ لسيّدنا عيسى النّاصري يداعب الرّيح بشموخه وصبره في مكانه ذلك، وكيف أخرجت فجأة صوتاً محمّلاً بثقل الذّكريات من صدرها قبل أن تبادر القول:
- كان ذلك في حيفا عام 1948.
سألتها مقاطعاً:
- هل يعني ذلك أنّ بداية الأحداث كانت في حيفا..؟
- نعم.. من حيفا بدأت خيوط الحياة الدّاكنة نسج ما سأرويه لك الآن. وفي حيفا ولدتُ أيضاً في بيت أبي الذي كان يعج بالحياة في حي وادي النّسناس حيث البحر والصيّادون والغروب الذي لا يضاهيه غروب في أنحاء الخليقة سوى غروب النّفس عمن تحبّه.
في ذلك الوقت من مساء يوم شديد الحَرّ كنت ألعب مع شقيقتي سلوى التي تناهز من العمر ستة أعوام، في حين كنت أنا لم أبلغ الثّالثة بعد. كنّا في غرفتنا نفترش الأرض ونلهو بدمية مصنوعة من القماش، كانت صنعتها أمّي لنا، حين التقط أبي (فارس) عصاه الخشبيّة بحركة سريعة من يده وكأنّ أمراً جللاً قد حدث. نظر أبي نحو محيط الغرفة الأخرى المعتمة بعض الشّيء حيث كانت أمّي ترقد فوق سريرها تعاني من آلام المخاض.
كانت تئن بصمت وجَلد. نظر نحوها وسألها:
- هل أذهب الآن؟
- نعم. أنا أشعر بذلك. أعتقد أنّني على وشك الولادة.