التوكل على الله
1- صلة بن أشم تابعي مخضرم لما كان في طريق عودته من إحدى المعارك مات فرسه فقال: اللهم لاتجعل لاحد عليّ منه (أي فضل) فإني أستحي أن أسأل غيرك فأحيا الله له الفرس فركبه ولما وصل إلى بيته قال لابنه محمد يابني انزع السرج من على الفرس فإنها عارية (أي أنني استعرتها من الله) فنزع السرج فمات الفرس( [1] ).
2- وهاهم أصحاب النبي ﷺ لما حققوا التوكل على الله ساروا على الأنهار بخيولهم بل وخاطبوا دواب الأرض حتى وقف عقبة بن نافع على أبواب مدينة القيروان وقال: أيتها الدواب أيتها الأسود أنا أصحاب محمد ﷺ جئنا لنعلي كلمة لا اله إلا الله فافسحوا لنا الطريق فخرجت الأسود بولدانها وخرجت الحيات والعقارب!!! وكل ذلك لأنهم علموا أن ربا لهم قد تكفل بالأرزاق([2]).
3- وكان الجزاء والأجر العظيم ليوشع بن نون أنه بعد وفاة موسى عليه الصلاة والسلام أم يوشع نبيا خليفة عن موسى عليه السلام ومات أكثر بني إسرائيل في تلك الفترة (التيه) ويقال أنه لم يبقى أحد سوى يوشع بن نون وكالب بن يوفنا فلما انقضت المدة خرج بهم يوشع أو بمن بقي منهم وسائر الجيل الثاني فقصد بهم بيت المقدس فحاصرها فكان فتحها يوم الجمعة وبعد العصر فلما تضيفت الشمس للغروب وخشي دخول السبت عليهم قال يوشع للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي... فحبسها الله حتى فتحها ودخل منتصراً.
صدقة
4- كان عبد العزيز عبد السلام بن أبي قاسم السلمي وهو أحد سلاطين العلم في دمشق كثير الصدقات باسط اليد فيما يملك يجود بماله ولو كان قليلاً وقد أعطته زوجته ذات مرة مصاغاً لها ليشتري به بستاناً فباعه وتصدق بثمنه ولما راجعته زوجته في ذلك قال لها: لقد اشتريت بستاناً في الجنة إني وجدت الناس في شدة فتصدقت بثمنه. فقالت له: جزاك الله خيراً([3]).
نستمر في عمل الخير
5- كان رجل من بني إسرائيل يحب أن يفعل الخير في كل وقت وحين وذات مرة كان على سفر فأراد أن يستثمر الوقت في فعل الخيرات فأخذ مجموعة من البذور وأخذ يلقيها عن يمينه وشماله – في الصحراء – حتى وصل إلى البلد التي يريدها ومكث في تلك البلدة عشر سنوات ثم أراد أن يرجع إلى وطنه فعاد ومن نفس الطريق فوجد أن الصحراء الموحشة التي كان يسير فيها منذ عشرة سنوات أصبحت مليئة بالأشجار والثمار والورود فتعجب الرجل وسال عن ذلك فقالوا له: (أن رجلاً مباركاً ألقى بذورها منذ عشرة سنوات فكانت تلك الأشجار بإذن الله (فكان هو الذي القاها) وهذا درس عملي لكل مسلم حتى لايفتر عن الدعوة إلى الله([4]).
الرزاق هو الله
6- يقول أحد العلماء والله لقد رأيت ثعباناً أعمى يعيش فوق نخلة عالية ويأتيه بين الوقت والآخر عصفور صغير فيقف عند هذا الثعبان يصدر له أصواتا فيفتح الثعبان فمه فيلقي العصفور الطعام في فم الثعبان الأعمى!!! فمن الذي سخر هذا العصفور لذاك الثعبان ومن الذي جعل الثعبان لا يفترس العصفور؟! إنه رب السماوات والأرض الذي يرزق الدود في بطن الحجر([5]).
رضا الناس غاية لاتدرك
7- ركب الشيخ ومشى الولد وراه فتعرض الشيخ للوم الناس، وركب الولد ومشى الشيخ فتعرض الولد للوم الرجال، وركبا معاً فتعرضا للوم دعاة الرفق بالحيوان ومشيا معاً والحمار أمامهما فتعرضا لنكت أولاد البلد واقترح الولد أن يحملا الحمار ليستريحا من لوم اللائمين فقال له الأب الشيخ: لو فعلنا لأتعبنا أنفسنا ولرمانا الناس بالجنون حيث جعلنا المركوب راكباً. يابني لا سبيل إلى إرضاء الناس([6]).
الهمة أعز شيء وضعه الله في الإنسان
8- حكي لنا عن فقيراً أنه سمع شيخه يقول يوماً من قصد شيئاً وجدّ وجد فقال: والله لاخطبن بنت الملك ولأبلغن فيها غاية الجد والاجتهاد فذهب إلى الملك فخطبها منه وكان الملك لبيباً عارفاً عاقلاً فكره أن يحقره ويقول له لست بكفء لها فقال له: أعلم أن مهر ابنتي جوهرة تسمى بالبهرمان لا توجد إلا في خزائن كسرى انو شروان فقال له: يا سيدي واين معدن هذه الجوهرة؟ فقال له: معدنه بحر سيلان فإن جئتنا بصداقها المطلوب مكناك من هذا النكاح المخطوب فذهب الفقير إلى البحر وأخذ يفرغ بقصعته منه ويفرغه في البر فمكث على ذلك مدة لا يأكل ولا يشرب وهو معتكف على ذلك المطلب ليلاً ونهاراً فأوقع صدقه خوف انتزاح البحر في قلوب الحيتان فأشتكت إلى الله تعالى فأمر الله تعالى الملك الموكل بذلك البحر أن يذهب إلى ذلك الرجل بنفسه ويسأله عن حاجته فيسعفه ببغيته فلما ساله عن مقصده وأجابه الرجل أمر البحر أن يقذف بموجه إلى البر ما عنده من جنس ذلك الجوهر فأمتلا الساحل جواهر ولآلئ فحمل وذهب بها إلى الملك وتزوج ابنته فانظر يا أخي ما فعلت الهمة([7]).
رجع بخفي حنين
9- قيل أن بدوياً جاء الحيرة ليشتري خفين من الإسكافي حنين، اختار البدوي خفين وطالت المساومة على ثمنه فغضب حنين وأراد الانتقام من الأعرابي، كمن حنين للبدوي على طريق عودته وقد وضع كلا من الخفين في مكان على الطريق، مر الأعرابي بالخف الأول فالتقطه وقال: انه شبيه بخف حنين لو كان الثاني معه لاخذته فتركه ومضى. وبعد قليل وجد الخف الثاني فقال في نفسه اعود وأحضر الخف الأول فعاد تاركاً ناقته عند الخف الثاني حيث كان حنين يكمن له فأخذ الراحلة وفر بها. عاد الأعرابي البدوي ومعه الخف الأول ليضمه إلى الآخر ولكنه فوجئ بعدم وجود راحلته فعلم ما فعل به حنين فحمل الخفين وعاد ماشياً إلى قومه فسألوه عما أحضر معه فأجابهم: جئتكم بخفي حنين. ويضرب هذا المثل لمن يعود من قصده بالخيبة([8]).
حكاية صبر أيوب عليه السلام
10- عن عقيل بن شهاب عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: أن أيوب نبي الله ﷺ لبث في بلائه ثمان عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من اقوامه كانا من أخص إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين؟! قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به! فلما راح إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال له أيوب: لا أدري ما تقول غير اني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده فلما كان ذات يوم أبطئ عليها فأوحى الله إلى أيوب في مكانه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [صٍ]. فاستبطأته فبلغته فأقبل عليها قد اذهب الله مابه من البلاء وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ والله على ذلك ما رأيت أحداً كان أشبه به منك إذا كان صحيحاً! قال: فإني أنا هو وكان له أندران أندر القمح وأندر الشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاضت([9]).
حديث الشفاء
11- روى التنوخي في الفرج بعد الشدة عن محمد بن جرير الطبري في كتاب الآداب الحميدة بسنده عن روح بن الحارث بن حبش الصنعاني عن ابيه عن جده انه قال لبنيه: يابني إذا ادهمكم أمر فلا يبيتن أحدكم إلا هو طاهر على فراش طاهر في لحاف طاهر ولاتبيتن معه امرأة ثم ليقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس] سبعاً و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ [الليل] سبعاً ثم ليقل: اللهم اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً فإنه يأتيه آت في أول ليلة أو في الثالثة أو في الخامسة وأظنه قال: أو في السابعة فيقول له المخرج مما أنت فيه كذا وكذا.
قال أنيس بن عمران المنافعي أبو زيد وهو الذي روى عن روح: أصابني وجع لم أدري كيف أزيله ففعلت أول ليلة هكذا فأتاني اثنان فجلسا أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ثم قال: أحدهما لصاحبه: جسه فلمس جسدي كله فلما انتهى إلى موضع من رأسي قال: احجم ها هنا ولا تحلق ولكن اطله بغراثم التفت أحدهما أو كلاهما فقال لي: كيف لو ضممت إليهما ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين]. قال: فلما أصبحت سألت: أي شيء الغرا؟ فقيل لي: الخطمي أو شيء تستمسك به المحجمة فاحتجمت فبرأت وأنا ليس أحدث بهذا الحديث أحداً إلا وجد فيه الشفاء بإذن الله تعالى (اضمم إليها والتين والزيتون) ([10]).
الامتحان وطريق النجاح
12- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدى لله عز وجل أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن قد قذرني الناس قال: فمسحه فذهب عنه فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل فأعطاه ناقة عشراء فقال: يبارك لك فيها. وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب هذا عني قد قذرني الناس قال: فمسحه فذهب وأعطي شعراً حسناً قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطاه بقرة حاملاً وقال: يبارك لك فيها. وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال: فمسحه فرد الله إليه بصره ثم قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم فأعطاه شاة والداً فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا وادي من البقر ولهذا وادي من الغنم. ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين تقطعت به الحبال فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي اعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به في سفري؟ فقال له: إن الحقوق كثيرة فقال له: كاني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس؟ فقيراً فأعطاك الله فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ماقال لهذا فرد عليه مثل مارد عليه هذا فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل تقطعت به الحبال في سفره فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري؟ فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري وفقيراً فقد اغناني ماشئت فوالله لا أجحدك اليوم بشيء أخذته لله قال: فأمسك عليك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك. (البخاري 3464) و(مسلم 2964) ([11]).
رجل من أهل النار
13- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر برسول الله ﷺ أعرابي أعجبه صحته وجلده قال فدعاه رسول الله ﷺ فقال: متى أحسست امملدم؟ قال: وأي شيء امملدم؟ قال: الحمى قال: وأي شيء الحمى؟ قال: سخنه تكون بين الجلد والعظام قال: لا مابذلك بي عهد قال: فمتى أحسست بالصداع؟ قال: وأي شيء الصداع؟ قال: ضربان يكون في الصدغين والرأس قال: مالي بذلك عهد قال: فلما قفى أو ولى الأعرابي قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه (أحمد 2/366) ([12]).
لبيب العابد
14- ذكر التنوخي في كتابه الفرج بعـد الشدة أن أبى الحسن يوسف ابن يعقوب بن البهلول التنوخي حدثه قال: كان ينزل بباب الشام من الجانب الغربي من بغداد رجل مشهور بالزهد والعبادة يقال له لبيب العابد لايعرف إلا بهذا وكان الناس ينتابونه وكان صديقاً لابي فحدثني لبيب وقال: كنت مملوكاً رومياً لبعض الجند فرباني وعلمني العمل بالسلاح حتى إذا صرت رجلاً ومات مولاي بعد أن أعتقني فتوصلت إلى أن حصلت رزقه لي وتزوجت بامرأته. وقد أعلم الله أنني لم ارد بذلك إلا صيانتها فأقمت معها مدة ثم أتفق أني رأيت يوماً حية داخلة في حجرها فأمسكت ذنبها فأنثنت علي فنهشت يدي فشلت ومضى على ذلك زمان طويل فشلت يدي الأخرى لغير سبب أعرفه ثم جفت رجلاي ثم عميت وخرست وكنت على ذلك الحال ملقى سنة كاملة لم تبق لي جارحة صحيحة الأسمعي وأسمع به ما اكره وأنا طريح على ظهري لا أقدر على الكلام ولا على الحركة وكنت أسقى وأنا ريان وأترك وأنا عطشان وأهمل وأنا جائع وأطعم وأنا شبعان فلما كان بعد سنة دخلت امرأة على زوجته فقالت: كيف أبو علي لبيب؟ فقالت لها زوجتي: لا حي فيرجى ولا ميت فيسلى فأقلقني ذلك وآلمني ألماً شديداً وبكيت ورغبت إلى الله عز وجل في سري بالدعاء. وكنت في جميع تلك العلل لا أجد ألماً في جسمي فلما كان في بقية ذلك اليوم ضرب على جسمي ضرباناً عظيماً كاد يتلفني ولم أزل على ذلك الحال إلى أن دخل الليل وانتصف فسكن الألم قليلاً فنمت فما أحسست إلا وقد انتبهت وقت السحر وإحدى يدي على صدري وقد كانت طول هذه السنة مطروحة على الفراش لاتنشال ثم وقع في قلبي أن أحركها فتحركت ففرحت بذلك فرحاً شديداً وقوي طمعي في تفضل الله عز وجل علي بالعافية فحركت الأخرى فتحركت فقبضت إحدى رجلي فانقبضت فرددتها فرجعت ففعلت مثل ذلك مراراً ثم رمت الانقلاب من غير أن يقلبني أحد كما كان يفعل بي أولاً فانقلبت بنفسي وجلست ورمت القيام فأمكنني فقمت ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحاً عليه فمشيت التمس الحائط في الظلمة لأنه لم يكن هناك سراج إلى أن وقعت على الباب وأنا لا أطمع في بصري فخرجت من البيت إلى صحن الدار فرأيت السماء والكواكب تزهر فكدت اموت فرحاً وأنطلق لساني بأن قلت: يا قديم الإحسان لك الحمد ثم صحت بزوجتي فقالت: أبو علي؟ فقلت: الساعة صرت أبو علي! أسرجي فاسرجت فقلت لها: جيئيني بمقراض فقصصت شارباً كان بزي الجند فقالت زوجتي: ما تصنع؟ الساعة يعيبك رفقائك فقلت: بعد هذا لا أخدم أحداً غير ربي فانقطعت إلى الله عز وجل وخرجت من الدار وطلقت الزوجة ولزمت عبادة ربي. قال أبو حسن: وخبر هذا الرجل معروف ومشهور وكانت هذه الكلمة يا قديم الإحسان لك الحمد صارت عادته يقولها في حشو كلامه وكان يقال أنه مجاب الدعوة فقلت له يوماً: أن الناس يقولون إنك رأيت النبي ﷺ في منامك فمسح يده عليك فبرأت؟ فقال: ما كان لعافيتي سبب غير ما قلت لك([13]).
نحن نرزقك والعاقبة للمتقين
15- عن بعض السلف أنه لبث ثلاثة أيام لم يطعم هو أولاده، فقالت زوجته: أن الصبيان لا يصبرون أكثر من هذا، فقال: قومي إلى الصلاة وخذي أولادك معك يصلون، ثم خرج يصلي في الصحراء، ثم عاد بعد قليل فقال: قد أجهدنا الجوع، فقال: صلي أنت وأولادك، ثم خرج، فوقف يصلي، فبينما هو كذلك، إذا جاء رجل فوقف عليه، فأوجز في صلاته، ثم قال: ما حاجتك؟ فقال: كنت في مركب أسير في البحر، فتذاكر أهل المركب صلحاء الزمان، فذكرت معهم، فعلق بقلبي ذكرك دون غيرك وما عرفتك قط، ثم هبت الرياح وأشرفنا على الهلكة، وانكسر المركب، وكل منا نذر شيئاً يفعله، ونذرت أن سلمت لك ثلث ربحي، وقد ربحت ألف وخمسمائة دينار! فهذا نصيبك، قال يا هذا قم وأطرق الباب على ساكني هذا الدار، فإذا خرجت إليك امرأة فسلم هذا المال إليها وقل لها: أنت واقفة مع ضعف اليقين، وهو يتجر إليك في البحر!؟ فلما عاد إلى بيته قالت له امرأته: مامعنى قولك لي صلي وأولادك؟ فقال إنما كنت أمرك لذلك لأنه الله يقول ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [طه] ([14]).
يابني آدم لايفتنكم الشيطان
16- روى أبو صالح بإسناده عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال: بينما موسى جالس في بعض مجالسه إذا جاءه إبليس، وعليه برنس متلون، يعني: قلنسوة ذات اللون، فلما دنا منه خلع البرنس، فوضعه، ثم أقبل فسلم عليه، فقال: من أنت؟ قال: أنا إبليس، قال: فما جاء بك؟ قال: جئت لأسلم عليك، لمكانك من الله عز وجل، قال: فما البرنس الذي كان عليك؟ قال: به اختطف قلوب بني آدم.
قال أخبرني ما الذنب الذي إذا أذنب ابن آدم استحوذت عليه؟ يعني غلبت عليه، قال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله، نسي ذنبه، استحوذت عليه([15]).
من مناقب السيدة نفيسة بنت الحسن
17- حكي الأزهري في الكواكب السيارة أن من غريب مناقب السيدة نفيسة بنت الحسن أن امرأة عجوز لها أربع بنات كن يتقوتن من غزلهن من الجمعة إلى الجمعة فأخذت امهن الغزل لتبيعه وتشتري بنصفه كتاناً ونصفه ما يتقوتن به على جاري العادة ولفت الغزل في خرقة حمراء ومضت نحو السوق فلما كانت في بعض الطريق إذا بطائر انقض عليها وخطف رزمة الغزل ثم ارتفع في الهواء فلما رأت العجوز ذلك وقعت مغشياً عليها فلما أفاقت قالت: كيف أصنع باليتامي قد أهلكهم الفقر والجوع فبكت فاجتمع الناس عليها وسألوها عن شأنها فاخبرتهم القصة فدلوها على السيدة نفيسة قالوا لها: اسأليها الدعاء فإن الله سبحانه وتعالى يزيل مابك فلما جاءت إلى باب السيدة نفيسة أخبرتها بما جرى لها مع الطائر وسألتها الدعاء فرحمتها السيدة نفيسة وقالت: (اللهم يا من علا فاقتدر وملك فقهر اجبر من أمتك هذه ما انكسر فإنهم خلقك وعيالك وإنك على كل شي قدير فقعدت المرأة تنتظر الفرج وفي قلبها من جوع أولادها حرج فلما كان بعد ساعة يسيرة إذا بجماعة قد أقبلوا وسألوا عن السيدة نفيسة قالوا: أن لنا أمر عجيباً، نحن قوم مسافرون لنا مدة في البحر، ونحن بحمد الله سالمون، فلما وصلنا قرب بلدكم انفتحت المركب التي نحن فيها ودخل الماء وأشرفنا على الغرق، وجعلنا نسد الخرق الذي انفتح فلم نقدر على سده، وإذا بطائر ألقى علينا خرقة حمراء فيها غزل فسدت الفتح بإذن الله وقد جئنا بخمسمائة دينار شكراً على السلامة، فعند ذلك بكت السيدة نفيسة وقالت: إلهي وسيدي ومولاي ما أرحمك وألطفك بعبدك، فناولتها الخمسمائة دينار فأخذتها وجاءت إلى بناتها وأخبرتهن بما جرى، فتركن الغزل وجئن إلى خدمة السيدة نفيسة وقبلن يدها وتبركن بها. قاله السخاوي([16]).
هجرة الحبيب
18- في يوم من الأيام القائظة، في وقت الظهيرة، وشدة الحرارة، والناس يقبعون في بيوتهم لا يستطيع أحد أن يضع قدمه أو يطل برأسه إلى الخارج نظراً لسياط الميزان الحامية التي كانت الشمس تجلد بها الأرض، في هذه اللحظات يخرح رجل واحد في حذر شديد، وترقب دائم، يمضي تكاد فروة وجهه أن تحترق من فوح الأرض وحرارة الجو، عجب أمر هذا المتحدي لسلطان الطقس وقبضة الحر، من هو يا ترى؟ إنه محمد بن عبد الله ﷺ إلى أين يذهب؟ إلى صديق العمر، ورفيق الدرب، وأنيس الطريق، إلى أبي بكر الصديق. تقول عائشة رضي الله عنها: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشياً، حتى إذا كان اليوم الذي اذن الله فيه لرسوله ﷺ في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة في ساعة كان لايأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حدث، فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ وليس عند رسول الله أحد إلا أنا وأختي أسماء، فقال رسول الله ﷺ: اخرج عني من عندك قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي؟ قال: إن الله أذن لي بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: الصحبة. قالت عائشة: فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي!!!
خرج الصاحبان، ومضى الصديقان، وأنطلق المهاجران، فإذا بالدهر يسجل، والزمان يكتب، والأرض تسطر والسماء تحتفي، إنها انطلاقة الإيمان، وانبعاثة الإسلام، إنها رحلة الحق، تحركت عجلتها من مكة بعد أن كانت مجبلة موثقة، فانطلقت في طريقها الوضاء لتجوب الدنيا، وتطوف الأرض، وتطوي الفيافي، وتجتاز الوديان، وهي مع ذلك تنثر عطرها، وتبث عبيرها، وتفوح بشذاها، فإذا بغيثها الهنيئ يروي العطش ويسقى الظمأ، وإذا بوابلها الصيب وودقها الطيب يحي الأرض، وينبت الزرع، وينعش الأرواح أن هذه الهجرة هي بداية هجرة الاجساد، إما الأرواح فقد هاجرت من قبل، والقلوب سافرت منذ زمن، أنطلق المهاجران ليبدأ التاريخ يروي أجمل قصة تزينت بها هامته، ويحى أعظم قصة تضوعت بها ذاكرته. يا الله ما كان اصعبه من فراق على قلب محمد ﷺ، يخرج من مكة، يهاجر من البيت الحرام، يغيب عن زمزم، يتولى عن مراتع الصبا، وملاعب الطفولة، وذكريات الماضي ، يذهب عن الأهل والابناء والاحبة، يسافر بعيداً عن غار حراء الذي كانت فيه إشراقة حياته، يودع الهضاب التي زاره فيها جبريل، وصافحه في الوحي، وضمته إليه السماء، يرحل عن منزل خديجة حبيبة القلب، ونصيرة الدرب، ورفيقة العمر؟ لا شك أن ذلك أمر مرهق، وحدث موجع، لم تطق الروح النبوية أن تخفى أثره، وتتنكر لوقعه، فيلتفت ﷺ إلى مكة التفاته حزن وأسى وحسرة ووداع، فيهتف في سمعها قائلاً: (ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت).
ومضى الصاحبان متجهين إلى غار ثور ليخيبا ظن المشركين، ويموها عليهم بانطلاقهما جنوباً، ثم يعودان بعد ذلك شمالاً انطلاقاً إلى المدينة.
ونحن في هذه العجالة لا نريد أن نسرد أحداث الهجرة ولا نلم بوقائعها، ولانعدد الدروس والعبر المستفادة منها، فذلك ميدان واسع، ومشوار طويل لا تكفي فيه ورقات، ولا تأتي عليه في ساعات، ولكننا سنقف وقوفاً عابراً مع بعض روائع الحب والوفاء، والتضحية والفداء في هذه المسيرة المباركة، والهجرة الموفقة.
مضى الصديقان، فإذا بأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه يتدفق حيوية يمتلئ حماساً ويتوقد فطنة ولهفاً وحرصاً وعناية وترقباً، يمضي والقلق مهيمن عليه، فتارة يمشي أمام النبي ﷺ وكأنما يتمنى لو فرش راحتيه ليمشي عليهما محمد ﷺ، ولسان حاله يقول صدري ونحري دون صدرك ونحرك يانبي الله، وتاره يلتفت ثم يعود ليمشي خلفه ورقبته تكاد تنكسر من كثرة تلفته، فيمضي ولسان حاله يقول ظهري وعمري فداء لك يا رسول الله، ويعجب النبي ﷺ من حال أبي بكر ومشيه تارة أمامه وتارة خلفه، فيسأله عن ذلك: (يا أبا بكر مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي؟) فيقول: يا رسول الله (اذكر الطلب والعدو من ورائنا فأمشي خلفك، ثم اذكر الرصد والخطر أمامنا فأمشي بين يديك).
فلما وصلا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار، فدخل أبو بكر فأستبرا الغار، وأخذ يسد كل حجر أو فوهه فيه خوفاً من حية أو عقرب أو شيء يؤذي النبي ﷺ، ثم قال: أنزل يا رسول الله، فرأى أبو بكر حجراً صغيراً خاف منه، فوضع رجله على فوهته ثم جلسا فاضطجع النبي ﷺ من كثرة التعب والإرهاق، ونام متوسداً رجل أبي بكر رضي الله عنه، فإذا بعقرب تلسع أبا بكر في رجله فلا يهتز حتى لا يوقظ رسول الله ﷺ، ثم يشتد الألم وهو صابر حتى سرى السم في جسده، فعظم الكرب، واشتد الوجع، وبلغ من شدة الألم أن انتزع من عينيه دموعاً غزيرة حارة وقع بعضها على خد محمد ﷺ، فانتشلته من نومه انتشالاً، وجعل يسأل حائراً: (ماذا بك يا أبا بكر؟) قال: (لدغني عقرب) وكانت فرحة التضحية قد ملأت قلب أبي بكر حرارة وحماسة فتغلب على شر السم الفتاك والذي كان قد بدأ يسري في دمائه، وتفل الرسول ﷺ على الجرح المسموم ومسحه قليلاً، فزال الألم والتورم في الحال.
ثم يأتي المشركون في بحثهم المستميت عن النبي ﷺ فيصلون إلى فم الغار، فيبكي أبو بكر رضي الله عنه خوفاً على صاحبه، ويقول يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا!! فيقول له النبي ﷺ: (يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة].
وبعد ثلاث ليال في غار ثور يمضي الصاحبان ليواصلا مسيرة الخير المليئة بالعبر، المكتظة بالدروس المجملة بالمشاهد الرائعة، والمواقف الماتعة، يمضيان يطويان الفيافي المرهقة، والصحاري الموهنة، وهما مهددان بالقتل، مهدراً الدم، مستباحاً الحق، وكان هنالك في الجانب الآخر، في المدينة المنورة أناس عظم شوقهم، وطال حنينهم، وكثر ترقبهم، وأضناهم الانتظار، وأتعبهم الترقب، أفئدة بالحب مترعة، وأرواح بالشوق مفعمة، أولئك الأنصار، رضي الله عنهم وارضاهم، كانوا على أمل في مقدم النبي المترجي، الحبيب المقتدى، وكانوا يتوقعون مسيره إليهم فمكثوا زمناً طويلاً يخرجون كل يوم إلى خارج المدينة فتسمر أنظارهم إلى الأفق البعيد علها تظفر برؤية الحبيب القادم فيظلون كذلك يتلذذون بالتعب، ويستمتعون بالنصب، فإن الحب يجعل الصعب سهلاً، والمر حلواً، والحر برداً وسلاماً، والبرد دفئاً وهناء، وهكذا ديدنهم، ينتظرون حتى تكويهم الشمس بلظاها الحارق، وتلتهب الحرة من تحت أرجلهم فيعودون بأعين واكفة، وخواطر كاسفة وفي يوم من الأيام بعد أن يئسوا من قدوم حبيبهم وقفلوا راجعين، وإذا بالصاحبان يقبلان من بعيد لاتكاد تراهم الاعين، يتقاذفهم السراب، وتدنو بهم الرواحل، إلى أن وصلا إلى المدينة، وإذا بالبشير يصيح بهم، جاء محمد! جاء محمد!! فكادت القلوب تسقط من شدة الفرح، واهتزت المدينة، وضجت بالتكبير، وتسابق الناس. وخلت المنازل، وإذا بوفد لايقل عن خمسمائة رجل قد وصلو خارج المدينة مستقبلين الحبيب القادم، وكان أكثر الناس لم ير النبي ﷺ من قبل، وأبو بكر في مثل سنه، فكان بعضهم لايدري أيهما محمد، فعرف أبو بكر ذلك فخلع رداءه وأخذ يظلل به رسول الله ﷺ فعرف الناس وانكبوا عليه يقبلونه ويفدونه ويحبونه والقلوب جذلة، والأرواح فرحة، والوجوه متهللة، والأعين من الفرح دامعة. يوم أغر ومحفل أجل وفرح اتم، كانت المدينة تكاد حتى أشجارها وأطيارها تكاد أن تنطق: ما هذا الضياء؟ ماهذا الهناء؟ ماهذا الإشراق؟ ماهذه الأنوار؟ إنه منظر كما يقول انس: مارأينا منظراً شبيها به. خرج الناس على الطرقات، وصعدوا على البيوت، وتسلقوا الأشجار، وكل منه يمد عنقه وتتطلع ببصره عله يظفر بنظرة في وجه أغلى ضيف وطات قدمة المدينة، والغلمان والخدم والناس جميعاً يهتفون: الله أكبر، الله أكبر، جاء رسول الله، جاء محمد، الله أكبر، جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله، جاء نبي الله، وصعد النساء فوق البيوت ينظرن إلى رسول الله ﷺ، وإذا بالمدينة باسمة الثغر ناصعة المحيا مشرقة الوجه، لم يمر بها أعظم ولا أجمل ولا أفضل من ذلك يوم، وإذا بالجميع يهتفون وينشدون
طلـــع البدر علينا مــن ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا مـــا دعى لله وداع
أيها المبعـــوث فينا جئت بالأمر المطاع
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: شهدت رسول الله ﷺ يوم دخل المدينة، فما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوا من يوم دخل المدينة علينا.
ويقول البراء بن عازب رضي الله عنه: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ، كان الناس يفتحون بيوتهم، وتتسابق ورودهم إلى النبي ﷺ كان كل يدعوا لأن ينزل عنده، فمضى النبي ﷺ: أي بيوت أهلنا اقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يانبي الله، وهذه داري، وهذا بابي فنزل عنده، وكانت داره طابقين، يقول أبو أيوب: لما نزل علي رسول الله ﷺ في بيتي نزل في الأسفل وأنا وأم أيوب في العلو فقلت له: يا نبي الله بأبي أنت وامي لأكره واعظم أن اكون فوقك وتكون تحتي فأظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل فقال ﷺ يا أبا أيوب إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت يقول أبو أيوب: كنا نصنع لرسول الله العشاء ثم نبعث به إليه فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغى بذلك البركة. ولقد انكسر إناء لنا في ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا مالنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء يؤذيه. يا الله يا الله يسهر الليل في خوف وقلق ينشف الماء بقطيفته خوفاً أن يوذي النبي ﷺ وهو ماء طاهر فكيف لو رأى أبو أيوب من يؤذي النبي ﷺ بكرة وعشياً بالنيل من شريعته والتنكب بسنته والمخالفة لأوامره؟! ما أسعدك يا أبا أيوب؟ وما اسعدكم أيها الأنصار؟ وما أسعدك أيتها المدينة التي شرفك الله بهذا الشرف الأعظم وقلدك ذاك الوسام الأكرم فخفقت إليك القلوب المسلمين وأبصارهم وأرواحهم لأن أعظم حبيب من البشر سكن وجدانك ونام في أحضانك([17]).
ليلة عاشوراء
19- قيل كان بالبصرة رجل له مال وثروة وكان في كل سنة يجمع الناس في بيته ليلة عاشوراء ويقرأون القرآن ويذكرون ويهللون ويسبحون ويحيون تلك الليلة بالقراءة والذكر ويمد لهم الطعام ويتفقد المساكين ويحسن إلى الأرامل والأيتام وكان له جار له بنت مقعدة. قالت لابيها: يا أبتي ما بال جارنا يجمع الناس في كل سنة هذه الليلة ويحيونها بالقراءة والذكر؟ فقال لها: هذه ليلة عاشوراء ولها حرمة عند الله وفضائل كثيرة. ثم ناموا وسهرت الصبية تسمع القرآن والذكر إلى وقت السحر فلما ختموا القرآن ودعوا رفعت رأسها إلى السماء وقالت: سيدي ومولاي بحرمة هذه الليلة عندك وبهؤلاء الأقوام الذين باتوا يتلون ذكرك ساهرين في طاعتك إلا ما عافيتني ومسحت ضري وجبرت قلبي بعد كسري، فما أكملت الكلام إلا وقد زالت عنها الأوجاع والأسقام ونهضت قائمة على الأقدام فلما نظر أبوها إلى قيامها بعد ضرها وسقامها قال: يا بنية من كشف عنك هذه الغمة والبلية؟ قالت: الذي جاد لي بالرحمة ولايبخل بالنعمة يا أبتي توسلت بهذه الليلة إلى سيدي فأزال ضري وعافى جسدي([18]).
20- قيل كان بمصر رجل تاجر في التمر يقال له عطية بن خلف وكان من أهل الثروة ثم أفتقر ولم يبقى له سوى ثوب يستر عورته، فلما كان يوم عاشوراء صلى الفجر في جامع عمرو بن العاص ومن عادة هذا الجامع أن لا تدخله النساء فجاءت امرأة ومعها أطفال أيتام فقالت: يا سيدي سألتك بالله إلا ما فرجت عني وأثرتني بشيء أستعين به على قوت هذه الأطفال فقد مات أبوهم وما ترك لهم شيئاً وأنا شريفة ولا أعرف أحداً أقصده وما خرجت في هذا اليوم إلا عن ضرورة أحوجتني إلى بذل وجهي وليس لي عادة بذلك. فقال الرجل في نفسه أنا لا أملك شيئاً وليس عندي غير هذا الثوب وإن خلعته انكشفت عورتي وإن رددتها فأي عذر لي عند رسول الله ﷺ. فقال لها: اذهبي معي حتى أعطيك شيئاً فذهبت معه إلى منزله فاوقفها على الباب ودخل وخلع ثوبه ولبس خلق كان عنده ثم ناولها الثوب من شق الباب. فقالت له: ألبسك الله من حلل الجنة ولا أحوجك باقي عمرك. ففرح بدعاءها وأغلق الباب ودخل بيته يذكر الله تعالى إلى الليل ثم نام. فرأى في المنام حوراء لم يرى الراؤن أحسن منها وبيدها تفاحة قد عطرت ما بين السماء والأرض فناولته التفاحة فكسرها فخرج منها حلة من حلل الجنة فألبسته الحلة وجلست في حجره. فقال لها: من أنت؟ فقالت أنا عاشوراء زوجتك في الجنة. قال: بم نلت ذلك؟ قالت: بدعوة تلك المسكينة الأرملة والأيتام الذين أحسنت إليهم بالأمس. فانتبه وعنده من السرور مالا يعلمه إلا الله عز وجل. وقد عبق من طيبة المكان فتوضأ وصلى ركعتين شكر لله عز وجل ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: يا إلهي إن كان منامي حقاً وهذه زوجتي في الجنة فاقبضني إليك. فما أكمل كلامه حتى عجل الله تعالى بروحه إلى دار السلام([19]).
21-روى أن فقيراً كان له عيال في يوم عاشوراء فأصبح هو وعياله صياماً ولم يكن عندهم شيء فخرج يطوف على شيء يفطرون عليه فلم يجد شيئاً فدخل سوق الصرف فرأى رجلاً قد فرش في دكانه النطوع المثمنة وسكب عليها أكوام الذهب والفضة فتقدم إليه وسلم وقاله له: يا سيدي أنا فقير لعلك تقرضني درهماً واحداً أشتري به فطوراً لعيالي وأدعو لك في هذا اليوم. فولى بوجهه عنه ولم يعطه شيء فرجع الفقير وهو مكسور القلب ودمعه يجري على خده فرآه جاره الصيرفي وكان يهودياً فنزل خلف الفقير وقال له: أراك تكلمت مع جاري فلان؟ فأجابه: قصدته في درهم واحد لأفطر به عيالي فردني خائباً وقلت له ادعو لك في هذا اليوم. فقال له اليهودي: وما هذا اليوم؟ فقال له الفقير هذا يوم عاشوراء وذكر له بعض فضائله فناوله اليهودي عشرة دراهم وقال له: خذ هذه وأنفقها على عيالك إكراماً لهذا اليوم. فمضى الفقير وقد انشرح لذلك ووسع على اهله النفقة فلما كان الليل رأى الصيرفي في المنام كان القيامة قد قامت وقد اشتد العطش والكرب فنظر فإذا قصر من لؤلؤة بيضاء أبوابه من الياقوت الأحمر، فرفع رأسه وقال: يا أهل هذا القصر اسقوني شربه ماء، فنودي هذا القصر كان قصرك بالأمس فلما رددت ذلك الفقير المكسور القلب محى اسمك من عليه وكتب باسم جارك اليهودي الذي جبره واعطاه عشرة دراهم فأصبح الصيرفي مذعوراً ينادي على نفسه بالويل والثبور فجاء إلى جاره اليهودي وقال أنت جاري ولي عليك حق ولي إليك حاجة قال: وماهي؟ قال تبيعني ثواب العشرة دراهم التي دفعتها بالأمس للفقير بمائة درهم فقال: والله ولا بمائة ألف دينار، ولو طلبت أن تدخل من باب القصر الذي رأيته البارحة لما مكنتك من الدخول فيه. فقال: ومن كشف لك عن هذا السر المصون؟ قال: الذي يقول للشيء كن فيكون وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله([20]).
فضل من الله
-22 قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بسواد على الطريق فتميزت ذاك فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف فقلت السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقالت: (سلام قول من رب رحيم) قال قلت لها: يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان؟ قالت: (ومن يضلل الله فلا هادي له) فعلمت أنها ضالة عن الطريق. فقلت لها أين تريدين؟ قالت: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) فعلمت أنها قد قضت حجها وهي تريد بيت المقدس. فقلت لها أنت منذ كم في هذا الموضع؟. قالت: (ثلاث ليالي سوياً) فقلت: ما أرى معك طعاماً تأكلين!. قالت: (هو يطعمني ويسقين) فقلت: فبأي شيء تتوضئين؟. قالت: (فان لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً) فقلت لها: إن معي طعاماً فهل لك في الأكل؟ قالت: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) فقلت: ليس هذا شهر رمضان. قالت: (من تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم) فقلت: قد أبيح لنا الإفطار في السفر. قالت: (وان تصوموا خير لكم أن كنتم تعلمون) فقلت: لم لا تكلميني مثل ما أكلمك؟ قالت: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) قال: أي الناس أنت؟ قالت: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) فقلت: قد أخطات تجعليني في حل. قالت: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم) فقلت لها: هل أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة. قالت: (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) قال: فأنخت ناقتي قالت: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) قال: فغضضت بصري عنها وقلت لها اركبي فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها. فقالت: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) فقلت لها: اصبري حتى أعقلها. قالت: (ففهمناها سليمان) فعقلت الناقة وقلت لها اركبي. فلما ركبت قالت: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) قال: فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسعى وأصيح فقالت: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك) فجعلت أمشي رويداً رويداً وأترنم بالشعر فقالت: (فاقرؤوا ماتيسر من القرآن) فقلت لها: (أوتيتم خيراً كثيراً) (وما يذكر إلا أولوا الألباب) فلما مشيت بها قليلاً قلت لها: ألك زوج؟ قالت: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) فسكت ولم أكلمها حتى أدركت بها القافلة فقلت لها هذه القافلة فمن لك فيها؟ فقالت: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) فعلمت أنها لها أولاد فقلت وما شانئهم في الحج؟ فقالت: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) فعلمت أنهم أدلاء الركب فقصدت بها القباب والعمارات فقلت: هذه القباب فمن لك فيها؟ قالت: (واتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليماً، يا يحيى خذ الكتاب بقوة) فناديت يا إبراهيم يا موسى يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا فلما استقر بهم الجلوس قالت: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه) فمضى أحدهم فاشترى طعاماً فقدموه بين يدي فقالت: كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية) فقلت: الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها فقالوا: هذه أمنا لها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن فسبحان القادر على ما يشاء فقلت: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ([21]).
من توكل على الله فهو حسبه
23- حكي أن حاتماً الأصم كان رجل كثير العيال وكان له أولاد ذكور وإناث ولم يكن يملك حبة واحدة وكان متوكلاً على الله فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم فتعرضوا لذكر الحج فداخل الشوق قلبه ثم دخل على أولاده فجلس معهم يحدثهم ثم قال لهم: لو أذنتم لابيكم أن يذهب إلى بيت ربه هذا العام حاجاً ويدعو لكم ماذا عليكم لو فعلتم. فقالت زوجته وأولاده: أنت على هذه الحالة لا تملك شيئاً ونحن على ما ترى من الفاقة فكيف تريد ذلك ونحن في هذه الحالة؟ وكان له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له ولايهمكم ذلك دعوه يذهب حيث شاء فإنه مناول الرزق وليس برزاق فذكرتهم ذلك فقالوا لها: صدقت والله أنطلق يا أبانا حيث أحببت فقام من وقته وساعته واحرم بالحج وخرج مسافراً وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم كيف أذنوا له بالحج وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة ويقولون: لو سكت ما تكلمنا. فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي عودت القوم بفضلك وإنك لا تضيعهم فلا تخيبهم ولا تخجلني معهم فبينما هم على هذه الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيداً فانقطع عن عسكره وأصحابه فحصل له عطش شديد فاجتاز بيت الرجل الصالح حاتم الأصم فاستسقى منهم ماء وقرع الباب فقال: من أنت؟ قال الأمير ببابكم يستسقيكم فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي سبحانك البارحة بتنا جياعاً واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا ثم إنها أخذت كوزاً جديداً وملئته ماء وقالت للمتناول منها: اعذرونا فأخذ الأمير الكوز وشرب منه فاستطاب الشرب من ذلك الماء فقال: هذه الدار لأمير فقالوا : لا والله بل لعبد من عباد الله الصالحين يعرف بحاتم الأصم. فقال الأمير: لقد سمعت به. فقال الوزير: يا سيدي لقد سمعت أنه البارحة أحرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله شيئاً وأخبرت أنهم البارحة باتوا جياعاً. فقال الأمير: ونحن أيضاً قد اثقلنا عليهم اليوم وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم ثم حل الأمير منطقته من وسطه ورمي بها في الدار ثم قال لأصحابه: من أحبني فليلق منطقته فحل جميع أصحابه مناطقهم ورموا بها إليهم ثم انصرفوا. فقال الوزير: السلام عليكم أهل البيت لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق فلما نزل الأمير رجع إليهم الوزير ودفع إليهم ثمن المناطق مالاً جزيلاً واستردها منهم فلما رأت الصيبة الصغيرة ذلك بكت بكاءا شديداً فقالوا لها: ماهذا البكاء إنما يجب أن تفرحي فإن الله وسع علينا فقالت يا أمي والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعاً فنظر إلينا مخلوق نظرة واحدة فأغنانا بعد فقرنا فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لايكلنا إلى أحد طرفه عين اللهم انظر إلى أبينا ودبره بأحسن التدبير. هذا ما كان من أمرهم. وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم فإنه لما خرج محرماً ولحق بالقوم توجع أمير الركب فطلبوا له طبيباً فلم يجدوا فقال: هل من عبد صالح فدل على حاتم: فلما دخل عليه وكلمه دعا له فعوفي الأمير من وقته فأمر له بما يركب وما يأكل وما يشرب فنام تلك الليلة مفكراً في أمر عياله فقيل له في منامه (يا حاتم من أصلح معاملته معنا أصلحنا معاملتنا معه) ثم أخبر بما كان من أمر عياله فأكثر الثناء على الله تعالى فلما قضى حجه ورجع تلقاه أولاده فعانق الصبية الصغيرة وبكى ثم قال: صغار قوم كبار قوم آخرين وان الله لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى أعرفكم به فعليكم بمعرفته والاتكال عليه فإنه من توكل على الله فهو حسبه([22]).
الظلم شؤم على صاحبه
24- حكي إن رجل من ضعفاء بني إسرائيل كان له عائلة وكان صياداً يصطاد السمك ويقوت منه أطفاله وزوجته فخرج يوماً للصيد فوقع في شبكته سمكة كبيرة ففرح بها ثم أخذها ومضى إلى السوق ليبيعها ويصرف ثمنها في مصالح عياله فلقيه شخص فرأى السمكة معه فأراد أخذها منه فمنعه الصياد فرفع هذ الشخص خشبة كانت بيده فضرب بها رأس الصياد ضربة موجعة وأخذ السمكة منه غصباً بلا ثمن فدعا الصياد عليه وقال: إلهي جعلتني ضعيفاً وجعلته قوياً عنيفاً فخذ لي بحقي منه عاجلاً فقد ظلمني ولاصبر لي إلى الآخرة. ثم إن الغاصب الظالم انطلق بالسمكة إلى منزله وسلمها إلى زوجته وأمرها أن تشويها فلما شوتها قدمتها له ووضعتها بين يديه على المائدة ليأكل منها ففتحت السمكة فاهها ونكزته بإصبع يده نكزة طار بها عقله وصار لايقر بها قرار فقام وشكى بها إلى الطبيب ألم يده وما حل بها فلما رآه قال له: أن دوائها أن تقطع الإصبع لئلا يسري الألم إلى بقية الكف فقطع إصبعه فانتقل الألم والوجع إلى الكف واليد وازداد التألم وارتعدت من خوفه فرائصه فقال له الطبيب: ينبغي أن تقطع اليد إلى المعصم لئلا يسري الألم إلى الساعد فقطعها فانتقل الألم إلى الساعد فمازال هكذا كل ما قطع عضوا انتقل الألم إلى العضو الآخر الذي يليه حتى خرج هائما على وجهه مستغيثاً إلى ربه ليكشف عنه مانزل به فرأى شجرة فقصدها فأخذه النوم عندها فنام فرأى في منامه قائلاً يقول: يأمسكين إلى كم تقطع اعضائك امضي إلى خصمك الذي ظلمته فأرضه. فأنتبه إلى النوم وفكر في أمره فعلم أن الذي أصابه من جهة الصياد فدخل المدينة وسأل عن الصياد وأتى إليه فوقع بين يديه يتمرغ على رجليه وطلب منه الإقالة لما جنى ودفع إليه شيئاً من ماله وتاب من فعله فرضي عنه خصمه الصياد فسكن في الحال المه وبات تلك الليلة فرد الله تعالى عليه يده كما كانت ونزل الوحي على موسى عليه السلام: يا موسى وعزتي وجلالي لولا أن ذلك الرجل أرضى خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته([23]).
عمير الزاهد
25- روي أن عمر رضي الله عنه استعمل على حمص رجلاً يقال له عمير بن سعد فلما مضت السنة كتب إليه عمر رضي الله عنه أن أقدم علينا فلم يشعر عمر إلا وقد قدم إليه ماشياً حافياً وعكازته بيده وأدواته ومزوده وقصعته على ظهره فلما نظر إليه عمر قال له: ياعمير أأجبتنا أم البلاد بلاد سوء؟ فقال يا أمير المؤمنين: أما نهاك الله أن تجهر بالسوء وعن سوء الظن وقد جئت إليك بالدنيا أجرها بقرابها فقال له عمر: وما معك من الدنيا؟ قال عمير: عكازة أتوكأ عليها وأدفع بها عدواً إن لقيته ومزود أحمل فيه طعامي وأداة أحمل فيها مائي لشربي وطهوري وقصعة أتوضأ فيها وأغسل فيها رأسي وآكل فيها طعامي فوالله يا أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي. فقام عمر رضي الله عنه من مجلسه إلى قبر الرسول ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه فبكى بكاءاً شديداً ثم قال: اللهم ألحقني بصاحبي غير مفتضح ولا مبدل ثم عاد إلى مجلسه فقال: ما صنعت في عملك يا عمير؟ فقال: أخذت الإبل من أهل الإبل والجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل فوالله يا أمير المؤمنين لو بقي عندي منها شيء لأتيتك به. فقال عمر: عد إلى عملك يا عمير قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تردني إلى أهلي فأذن له فأتى اهله فبعث عمر رجلاً يقال له حبيب بمائة دينار وقال له: اختبر لي عميراً وأنزل عليه ثلاثة أيام حتى ترى حاله هل هو في سعة أو ضيق فإن كان في ضيق فادفع إليه المائة دينار. فأتاه حبيب فنزل به ثلاث فلم يرى له عيشاً إلا الشعير والزيت فلما مضت ثلاثة أيام قال عمير: يا حبيب اني رأيت أن تتحول إلى جيراننا فلعلهم أن يكونوا أوسع عيشاً منا فإننا والله وتالله لو كان عندنا غير هذا لآثرناك به. فدفع حبيب إليه المائة دينار وقال له: قد بعثها أمير المؤمنين إليك فوزعها على إخوانه من الفقراء حتى أنفذها. فقدم حبيب إلى عمر وقال له: جئتك يا أمير المؤمنين من عند أزهد الناس وماعنده من الدينا قليل ولاكثير فأمر له عمر بوسقين من طعام وثوبين فقال يا أمير المؤمنين: أما الثوبان فاقبلهما وأما الوسقان فلا حاجة لي بهما فعند أهلي صاع من بر هو كافيهم حتى أرجع إليهم([24]).
ميمون الصالح
26- قال مالك بن دينار البصري رحمه الله تعالى احتبس عنا المطر بالبصرة فخرجنا نستسقي مراراً فلم نرى للإجابة أثراً فخرجت أنا وعطاء السلمي وثابت البناني ويحيى البكاء ومحمد بن واسع وأبو محمد السختياني وحبيب الفارسي وحسان بن ثابت بن أبي سنان وعتبة الغلام وصالح المزني حتى إذا صرنا إلى المصلى بالبصرة خرج الصبيان من المكاتب ثم استسقينا فلم نرى للإجابة اثراً حتى انتصف النهار وانصرف الناس وبقيت أنا وثابت البناني بالمصلى فلما أظلم الليل إذا أنا بعبد أسود مليح رقيق الساقين عليه جبة صوف قومت ماعليه بدرهمين فجاء بماء فتوضأ ثم جاء المحراب فصلى ركعتين خفيفتين ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي إلى كم ترد عبادك فيما لا ينفعك انفد ما عندك أم نقص مافي خزائنك أقسمت عليك بحبك لي إلا ما أسقيتنا غيثك الساعة. قال فما أتم كلامه حتى تغيمت السماء وجاءت بمطر كأفواه القرب قال مالك فتعرضت له وقلت له: يا أسود أما تستحي مما قلت. قال: وما قلت. قلت: قولك بحبك لي ومايدريك انه يحبك. قال: تنحى عني يامن اشتغل عنه بنفسه اتراني بدأني بذلك إلا لمحبته اياي ثم قال:محبته لي على قدره ومحبتي له على قدري. فقلت له يرحمك الله أرفق قليلاً فقال: إني مملوك على فرض من طاعة مالكي الصغير. قال: فانصرف وجعلنا نقف أثره على البعد حتى دخل ىدار نخاس فلما أصبحنا أتينا النخاس فقلت: يرحمك الله عندك غلام تبيعه لنا للخدمة؟ قال:نعم عندي مائة غلام للبيع فجعل يعرض علينا غلاماً بعد غلام حتى عرض علينا سبعين غلام فلم ألقى حبيبي فيهم. فقال: عودوا إلي في غير هذا الوقت فلما أردنا الخروج من عنده دخلنا حجرة خربة خلف داره وإذا بالاسود قائم يصلي فقلت حبيبي ورب الكعبة فجئت إلى النخاس وقلت له: بعني هذا الغلام فقال: يا أبا يحيى هذا الغلام ليست له همة في الليل إلا البكاء وفي النهار إلا الخلوة والوحدة. فقلت: لا بد من أخذه منك وله الثمن وما عليك منه فدعاه فجاء وهو يتناعس فقال: خذه بما شئت بعد أن تبرأني من عيوبه كلها فاشتريته منه بعشرين دينار وقلت له: ما اسمك؟ قال: ميمون. فأخذت بيده أريد المنزل فالتفت إلي وقال: يامولاي الصغير لماذا اشتريتني وأنا لا أصلح لخدمة المخلوقين. فقلت له: والله يا سيدي إنما اشتريتك لأخدمك بنفسي. قال: ولم ذلك؟ فقلت: ألست صاحبنا البارحة بالمصلى؟ قال: بلى وقد اطلعت على ذلك؟ قلت: نعم وأنا الذي عارضتك البارحة في الكلام بالمصلى. قال: فجعل يمشي إلى أن أتى بالمسجد فاستأذنني ودخل المسجد فصلى فيه ركعتين خفيفتين ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي سر كان بيني وبينك اطلعت عليه غيرك فكيف يطيب الآن عيشي أقسمت عليك بك إلا ماقبضتني إليك الساعة ثم سجد فانتظرته ساعة فلم يرفع رأسه فجأت إليه وحركته فإذا هو قد مات رحمة الله تعالى عليه. قال: فمددت يديه ورجليه فإذا هو ضاحك مستبشر وقد غلب البياض على السواد ووجهه كالقمر ليلة البدر وإذا شاب قد دخل من الباب وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عظم الله أجورنا وأجوركم في أخينا ميمون هاكم الكفن فناولني ثوبين ما رأيت مثلهما قط فغسلناه وكفناه فيهما ودفناه. قال مالك بن دينار فبقبره نستسقي إلى الآن ونطلب الحوائج من الله تعالى رحمة الله عليه([25]).
فمن عفا وأصلح فأجره على الله
27- حكي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أن غلاماً وقف يصب الماء على يديه فوقع الابريق من يد الغلام في الطست فطار الرشاش في وجهه فنظر جعفر عليه نظرة مغضب فقال الغلام: يا مولاي والكاظمين عن الغيظ فقال جعفر: قد كظمت غيظي ثم قال الغلام: فالعافين عن الناس فقال جعفر: عفوت عنك فقال الغلام: والله يحب المحسنين فقال جعفر: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى([26]).
فمن نكث فإنما ينكث على نفسه
28- كان ثعلبة من انصار النبي ﷺ فجاءه يوماً وقال: يا رسول الله ادعو الله أن يرزقني مالاً. فقال له الرسول ﷺ: ويحك يا ثعلبة قليلاً تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. ثم أتاه بعد ذلك مرة أخرى فقال: يا رسول الله ادعو الله أن يرزقني مالاً فقال رسول الله ﷺ: يا ثعلبة أما لك في رسول الله اسوة حسنة والذي نفسي بيده لو اردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت. ثم أتاه بعد ذلك مرة ثالثة فقال: يا رسول الله ادعو الله أن يرزقني مالاً والذي بعثك بالحق نبيباً لأن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه. وعاهد الله تعالى على ذلك وقال رسول الله ﷺ: اللهم ارزق ثعلبة ما قال. فأتخذ ثعلبة غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً من اوديتها وهي تنمو كما ينمو الدود وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد فلما كثرت الغنم وتنحى صار يصلي مع رسول الله ﷺ الظهر والعصر ويصلي بقية الصلوات في الوادي فكثرت ونمت غنمه حتى بعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة ثم كثرت ونمت فتباعد أيضاً على المدينة حتى صار لا يشهد جمعة ولاجماعة. فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يلتقي الناس ويسألهم عن الأخبار فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قال يا رسول الله اتخذ غنماً ما يسعها وادي فقال رسول الله ﷺ: يا ويح ثعلبة فأنزل الله تعالى آية الصدقة فبعث رسول الله ﷺ رجلين رجل من بني سليم ورجل من جهينة وكتب لهما أنصاب الصدقة وكيف يأخذانها وقال لهما مرا بثعلبة بن حاطب وبرجل آخر من بني سليم فخذا صدقاتهما فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وقرآه كتاب رسول الله ﷺ فقال ثعلبة: ما هذه إلا جزية انطلقا حتى تفرغا ثم عودا علي فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار إبله فعزله للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رآياه قالا ما هذا؟ قال السلمي: خذاه فإن نفسي به طيبة فمرا على الناس وأخذ الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية اذهبا حتى أرى رأيا فذهبا عنده وأقبلا على رسول الله ﷺ فلما رآهما قال قبل أن يتكلما ياويح ثعلبة فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾(فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)(فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [التوبة] وكان عند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ فسأله أن يقبل صدقته فقال الرسول ﷺ: إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقة فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه ووجهه فقال الرسول ﷺ: هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع إلى منزله وقبض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئاً ثم أتى إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الأنصار فأقبل صدقتي فقال أبو بكر رضي الله عنه: لم يقبلها رسول الله منك فلا أقبلها أنا ثم قبض أبو بكر رضي الله عنه ولم يقبلها فلما ولي عمر رضي الله عنه جاء ثعلبة وقال له: يا أمير المؤمنين أقبل صدقتي فلم يقبلها منه وقال له: لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر فأنا لا أقبلها وقبض عمر رضي الله عنه ولم يقبلها ثم ولي عثمان بن عفان رضي الله عنه فسأله ثعلبة أن يقبل صدقته فقال له عثمان: لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر ولاعمر فأنا لا أقبلها ثم هلك ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله عنه([27]).