eKtab
EN ع
من ماضينا البعيد
Read free sample

من ماضينا البعيد

by أحمد حسن القضاة

Page 1

شخصيَّات المسرحيَّة

1- الملك المظفر قطز- سلطان المسلمين

2- الملك الظاهر بيبرس- سلطان المسلمين بعد قطز

3- الملك الأشرف موسى بن المنصور- صاحب حمص وعميل للتتار.

4- ابن الزكي- قاضي القضاة وعميل للتتار

5- الأمير جمال الدين آقوش الشمسي

6- الأمير فخر الدين

7- الملك المنصور- صاحب حماة

8- الإمام أبو زكريا محيي الدين النووي

9- الشيخ ابن النجار

10- الأمير بدر الدين الخازندار وزير الحربية والقائد العام للجيش

11- هولاكو- زعيم التتار

12- كتبغا- نائب هولاكو

13- بيدرا- نائب آخر لهولاكو

Page 2

المَشهد الأوَّل

كان الأمير الطموح سيف الدين قطز (الملك المظفر قطز فيما بعد) زعيم المماليك البحرية والرجل القوي في مصر في عهد الملك المنصور نور الدين علي بن الملك المعز عز الدين أيبك الذي اغتيل عام 655هـ/1257م على يد زوجته شجرة الدر المرأة القوية التي حكمت مصر في ذلك الحين.

بعد اغتيال الملك عز الدين أيبك تولى بعده المُلكَ ابنُه نور الدين علي.

* * *

أخذت الأميرَ سيف الدين قطز همومٌ لا حصر لها؛ فهؤلاء المغول يزحفون على بلاد الشام وباتجاه مصر، بعد أن قضوا على الخلافة العباسية في بغداد، وهذا الملك نور الدين غِرٌّ ضعيف، وليّ الملك وهو في الخامسة عشرة من عمره وقيل الواحدة والعشرين، إلا أنه كان طائش العقل يلعب بالحَمام مع أولاد الغلمان. فكانت أمه تدير أحوال المملكة بالنيابة عنه. ولذا، سعى الأمير سيف الدين قطز لأن يحظى بثقة الملك الصغير وأمه. وتدرج في المناصب حتى أصبح نائباً للملك، وأضحى ذا سطوة وهَيْبة في الحكم.

* * *

Page 3

يُرفع الستار عن الأمير سيف الدين قطز جالساً في قصره وحيداً، متفكراً في ما آلت إليه الأمور في مصر بعد اغتيال الملك المعز عز الدين أيبك وتولي ابنه نور الدين علي المُلك بعده.

الأمير سيف الدين قطز (كالمخاطب لنفسه): إن وجود الملك الضعيف، هذا الغلام الطائش يقف حائلاً بيني وبين تحقيق طموحاتي في الوصول إلى المُلك ووقْف المد المغولي، وكسر شوكة التتار. فكيف السبيل إلى تحقيق هذه الأهداف؟

في هذه الأثناء يستأذن الحاجب بالدخول بعد أن قرع الباب. يسمع الأمير قرع الباب فيفيق مذهولاً من تفكيره وسرحان خياله، ويصرخ: مَن بالباب؟

الحاجب: يا مولاي الأمير! إن الأمير ركن الدين بيبرس يستأذن للدخول.

الأمير سيف الدين: فليدخل.

يذهب الحاجب ويطلب من الأمير ركن الدين بيبرس الدخول.

الأمير ركن الدين بيبرس: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها الأمير!

الأمير سيف الدين قطز: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ماذا هنالك من جديد أيها الأمير!؟

الأمير ركن الدين بيبرس: أطلعني قادة سرايا الاستطلاع أن الأيوبيين قد قدموا من الشام لقتالنا وعلى رأسهم الملك المغيث ملك الكرك.

الأمير سيف الدين قطز (ينتصب واقفاً كمَن لدغته أفعى): ماذا تقول يا رجل؟ ألاَ قاتلَ الله هؤلاء الأيوبيين، فهم بَدلاً من أن يتعاونوا معنا على قتال المغول والصليبيين نراهم يطمعون لانتزاع بلادنا مِنَّا والاستيلاء عليها. وأين هم الآن؟ وماذا أعددتم من عُدة وجيوش؟ وهل استنفرتم جُموع الشَعب؟

الأمير ركن الدين بيبرس: اطمئن أيها الأمير! فما وصلتُ إلى بابكم هذا إلاَّ وقد تم الإعداد لمقاتلة الأيوبيين... بل إن طلائع جيوشنا قد انطلقت صوْب الصالحية في الجزء الشرقي من البلاد.

الأمير سيف الدين قطز: أيها الحاجب! أُدْعُ لي أركان الجيش والوزراء، وهَيِّئْ لي عُدة الجهاد وفَرسَه.

الحاجب: سَمْعاً وطاعة يا مولاي!

Page 4

* * *

بعد ساعة، يجتمع أركان الجيش والقادة الوزراء، ويبدأون برسم خطة عسكرية قتالية دفاعية لمواجهة جيوش الأيوبيين التي غزتهم في عقر دارهم.

وينشب قتال عنيف بين الطرفين، ويتم النصر على الأيوبيين في معركة ضارية في منطقة الصالحية. ويأمر الأمير سيف الدين قطز (باعتباره القائد العام لجيوش المماليك) بأن تُضرب أعناق قادة الجيش المهزوم من الأيوبيين مما زاد ذلك في سطوته، وعَزَّز هيبته في مصر.

(ستار)

Page 5

المشهد الثاني

بعد فترة من الانتصار الساحق على الأيوبيين أُتيحت الفرصة للأمير سيف الدين قطز للانقلاب على مليكه (الملك المنصور نور الدين علي بن الملك عز الدين أيبك) فخلعه وتسلم عرش مصر مكانه، وأعلن نفسه ملكاً تحت اسم الملك المظفر قطز.

* * *

يُرفع الستار عن جموع غفيرة من الشَعب والقادة والوزراء يجتمعون بفناء قصر الملك الجديد المظفر قطز لتقديم الولاء والطاعة والتأييد له.

يَظهر الملك قطز للناس من شرفة قصره، ويشكرهم على ولائهم وبيعتهم له، ثم يأمرهم بالانصراف إلى أعمالهم وشؤونهم. ويعود الملك إلى مجلسه في قصره ومعه نوابه وقادته ووزراؤه ليتداولوا الأمر في احتمالات غزو المغول فقد كان قطز يتوقع أن هولاكو زعيم المغوللن يدَع مصر سالمة من طغيانه، ولن يدَع قطز يستقر في ملكه..

في هذه الأثناء يستأذن الحاجب ويقول:

الحاجب: مولاي! بالباب رُسل من طرف هولاكو ملك المغول.

الملك المظفر قطز (غاضباً): ماذا تقول أيها الحاجب؟

الحاجب: ها هُنا جند يدَّعون أنهم رُسل من قائدهم هؤلاكو ومعهم رسالة مكتوبة منه لمولاي الملك المظفر قطز.

الملك قطز: انتظر قليلاً أيها الحاجب! وأنتم يا قادتي ووزرائي ماذا تَروْنَ من الرأي؟

Page 6

الوزراء والقادة: فليدخل عريف الرسل يا مولاي لنطَّلع على رسالة هولاكو.

الملك قطز (للحاجب): دَعْ عريفهم يدخل بالرسالة.

يدخل عريف الرسل ومعه رسالة هولاكو فيقدمها للملك بعد أن انحنى له بتحية الأعاجم للملوك.

الملك قطز يعطي الرسالة لأحد قادته ويطلب إليه أن يقرأها بصوت مسموع.

القائد يقرأ:إلى الملك قطز... أدعوكم ومن معكم إلى الخضوع والاستسلام، وإلاَّ فعليكم بالهرب وعلينا الطلب. فأي أرض تؤيكم وأي طريق تنجيكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص؛ فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق وسيوفنا صواعق. وقلوبنا كالجبال، وعَددنا كالرمال. فالحصون لدينا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمع.. فإن أنتم لشرطنا ولأمرنا أطعتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خالفتم هلكتم. فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر.

الملك قطز (والشرر يقدح من عينيه): يا للجبان النذل هولاكو!

عريف رُسل هولاكو لا يفهم ما قاله الملك قطز، غير أنه رأى الملك غضبان كالجَمل الهائج.

خشيَ الملك أن يصاب جيشه وشعبه في مصر بانهيار معنوي بسبب الانتصارات الكاسحة التي كان المغول يحرزونها في بلاد الشام، وبسبب رسالة التهديد هذه، ففكر في رفع معنويات جيشه وشعبه بقتْل رسل هولاكو، وإنْ كان هذا يتنافى والأعراف والقوانين الدولية التي تقْضي بمنع قتل الرسل.. لكنْ.! متى كان العدو يحترم الأعراف والقوانين الدولية وقد قَتل بعضُ ملوك الكفر رُسُلَ النبي  عندما بعثهم النبي عليه السلام بكتبه لهدايتهم وشعوبَهم إلى دين الحق؟!

الملك قطز: أيها الحاجب! أُدْعُ لي سََيافاً ماهراً.

الحاجب: سمعاً وطاعة يا مولاي!

وبعد قليل يأتي الحاجب بسَّياف ضخم الجثة حاملاً سيفه في غمده.

الملك قطز للسياف: أيها السياف! اضرب بسيفك أعناق أربعة من هؤلاء الرسل على مرأى من جماهير الناس، ولْيَبْقَ ذلك الغلام منهم في جملة مماليكي. وأنت يا قائد الجيش أعلن النفير العام.. هيَّا.ّ!

يخرج الحاجب والسياف ممسكاً بيد عريف رسل هولاكو كما يخرج بعض المعنيين لتجميع الناس في الساحة العامة لمشاهدة إعدام رسل هولاكو، ولإعلان النفير العام.

يتم إعدام الأربعة وسط حماس الجماهير وغضبهم على المغول.

* * *

Page 7

* * *

كان القصد من إعدام رسل هولاكو- كما أسلفنا- إحداث صدمة معنوية في الجيش والشعب، وذلك بإظهار ضرب من ضروب القوة والبأس والجرأة في وجه الطاغية المغولي؛ إذ كانت سرت في أنحاء مصر شائعات بثت الرعب والهلع في القلوب من احتمال اجتياح مغولي للبلاد. وكان قد سبق رسالة هولاكو ما ذاع صيته وانتشر خبره من احتلال هولاكو لبغداد عاصمة الخلافة العباسية وأهمّ المدن الشامية وإحراقها وتدميرها والتنكيل بأهلها وذبحهم، مما أوقع الرعب في قلوب أهالي البلاد التي لم تقع بعدُ في قبضة المغول وتحْت سيطرتهم، ومما جعل – أيضاً- أمراء المماليك في مصر والأيوبيين في الشام وعسكرهم- بل ملوكهم أيضاً- يخشون لقاء هولاكو وجيشه، بل يدعو بعضهم إلى ممالأته ومُداراته وتجنب الصدام معه.

(ستار)

Page 8

المشهد الثالث

ما أن أعلن الملك المظفر قطز النفير العام في سائر أنحاء مملكته حتى اجتمع إليه أمراؤها وقادتها وأولو الرأي فيها، فعقد مجلساً للتشاور معهم.

الملك قطز: أيها الأمراء والقادة! لقد عزمتُ بعد الاتكال على الله على التوجه لقتال المغول.

بعض الحاضرين من الأمراء والقادة: نوافق مولانا الملك على ما عزَم عليه.

البعض الآخر (بتلكؤ وتردد وخوف): ولكنْ.. وكما تعلم يا مولانا، لا طاقة لنا بقتال هؤلاء المغول، ولا قدرة لجيوشنا بمقابلة جيوشهم، وأنت تعلم مَن هم المغول وما أحدثوه من دمار وفساد في كل أرض حلّوا فيها.

الملك قطز (بغضب): يا أمراء المسلمين! منذ زمن وأنتم تأكلون أموال بيت المال وأنتم للغزاة كارهون.. وأنا متوجِّه إليهم، فمن اختار الجهاد فليصحبني ومن لم يختر ذلك فليرجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين. واعلموا أنكم إن تأخرتم عن قتال التتار ملكوا الديار المصرية وفعلوا بنا كما فعلوا في بغداد.

الأمراء المترددون لا يجيبون، وأما الأمراء الموافقون فقد أمرهم الملك بدعوة جميع الأجناد للخروج إلى القتال، ومَن وُجد منهم قد اختفى يضرب بالمقارع. فاجتمع إليه جميع عسكر مصر ومن انضم إليه من عساكر الشام ومن العرب والتركمان وغيرهم.

الملك قطز: أيها الحاجب! أُدْعُ لي وزير الخزانة.

الحاجب: سمعاً وطاعة يا مولاي!

Page 9

وبعد قليل يحضر وزير الخزانة، فيسلّم على الملك ويأمره الملك بالجلوس.

الملك (للوزير): أيها الوزير! لقد قررنا أن نجْمع الأموال لتغطية الحرب، فاكتب ما يلي:

إلى جميع المصريين في بلادنا العزيزة: إنه بالنظر إلى حالة الحرب والظروف العصيبة التي تمر بها البلاد فقد قررت الآتي:

1- على كل رأس من أهل مصر من كبير وصغير أن يدفع ديناراً واحداً.

2- تؤخذ من أجرة الأملاك أجرة شهر واحد.

3- تؤخذ الزكاة معجَّلاً من الأغنياء والتجار.

4- يؤخذ ثلث المال من غير المؤهلين للجند من أهل البلاد.

5- تؤخذ أجرة شهر واحد على الغيطان والسواقي.

يخرج وزير الخزانة بهذه القرارات الملكية ويقوم بإبلاغها- مع أعوانه والمعنيين- وتنفيذها فوراً.

* * *

وبعد أن أتم الملك المظفر إعداد الحملة للقتال استدعى قادة الجيش والأمراء إلى دار السلطنة، وأمر بأن تُقرع طبول الحرب وأن يتحرك الجيش ليلاً.. ولكنْ.! قبْل أن يبدأ الجيش بالتحرك قال الملك لأمرائه: أَنا ألقى التتار بنفسي (ويعني أنه سيذهب معهم للحرب).

(ستار)

Page 10

المشهد الأول

انطلق الملك قطز بالجيش الإسلامي من قلعة الجبل حيث كانت دار السلطنة بمصر القديمة... انطلقوا باتجاه الساحل الشامي ويصحبهم الملك المنصور صاحب حماة، وفي مقدمة الجيش الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري (الملك الظاهر بيبرس فيما بعد)..

الملك قطز (للأمير الظاهر بيبرس): أيها الأمير! لتكن في طليعة الجيش للتعرف على أخبار التتار. وأنتم أيها القادة مُروا جنودكم ليقتصدوا بالزاد في أثناء المسير كي لا يفقد الجيش المؤونة في أرض تفتقر الى المؤن. وأنت يا صاحب حماة! لا تحتفل في مدّ سماط لأصحابك، بل كل واحد منهم يفطر على قطعة لحم في صولقه(1).

الملك المنصور صاحب حماة: سآمر أصحابي وجنودي بذلك وإنْ كان ذلك سيشق عليهم باديء الأمر. ولكنهم سيعتادونه إن شاء الله.

* * *