eKtab
EN ع
من يتحدى القدر
Read free sample

من يتحدى القدر

by كاي ثورب

Page 1

1 - لا أريد عشيقة

على الأقل هو لم يرفض مقابلتها بالرغم من أنه يعرف حتماً سبب وجودها هنا. أبقت ليوني ملامح وجهها خالية من التعابير، إذ أدركت أن عيون الموظفين في الجوار تلاحقها بنظرات فضولية. لاشك أن غياب والدها المترافق مع وصول فيدال سوف يثير بعض الشكوك، لكنها لا تعتقد أن الحقيقة الكاملة باتت معروفة لدى الآخرين.
بدا منظر الرجل الذي خرج من المكتب الذي كان في السابق مكتب والد ليوني بعيداً جداً عن السرور. لا يمكنها أن تلومه لأنه تجنّب ملاقاة عينيها. لحسن الحظ أنه لم يفقد وظيفته بسبب عدم إدراكه لما يدور حوله. انتظرت ليوني أن يتم استدعاؤها إلى داخل الصومعة وهي تخشى لحظة المواجهة. مضت سنتان على آخر مرة رأت فيها الرجل الذي سوف تتوسله أن يرفق بوالدها. مضت سنتان على آخر مرةقالت له فيها إنه آخر رجل على وجه الأرض قد تفكر بالزواج به. إن كان هذا الرجل ما يزال يكنُّ لها الضغينة بسبب ذلك الأمر فليست أمامها فرصة كبرى بأن يتجاوب مع توسلها. لكن بالرغم من ذلك يجدر بها أن تحاول.
لاحظت ليوني أن المرأة الجالسة إلى المكتب الذي كانت تشغله عادة سكرتيرة والدها هي موظفة جديدة. نظرت المرأة نحو ليوني فيما سُمِعَ أزير هاتف الاتصال الداخلي، وبدا الفضول مرتسماً بوضوح في عينيها حين قالت: "يمكنك أن تدخلي الآن".
نهضت ليوني من مكانها وقومت كتفيها استعداداً للمواجهة القادمة. في الواقع، لن تستغرب أن تخرج من مكتب فيدال مجدداً خلال دقائق معدودة بعد أن يطردها. لن يفاجئها إن طلب منها أن تغرب عن وجهه، فذلك ليس سوى حقاً من حقوقه.
راقبها فيدال باريلادوس سانتوس بصمت للحظة مطولة، فيما لم تكشف ملامح وجهه المنحوتة بدقة عما يجول في رأسه. اتكأ فيدال بشكل لا مبالٍ إلى إطار النافذة وهو يرتدي بذلة رسمية ذات لون رمادي يميل إلى الفضي وذات قصة خالية من الشوائب.
قال بلغته الإنكليزية الممتازة المكتسبة من جامعة كامبريدج: "تغيّرت قليلاً".
أشار إلى الكرسي الموضوع على جانب المكتب الواسع، وقال: "أرجوك، اجلسي!"
ردّت ليوني: "من الأفضل أن أبقى واقفة".
استنشقت نفساً ثابتاً، ولاقت عينيه الداكنتين مباشرة وهي تقول: "أظن أنني لست بحاجة إلى إطلاعك على شعوري تجاه ما فعله والدي، فهو... استغل ثقتك به، ويستحق أن يدفع الثمن".
حثها فيدال حين لاحظ ترددها قائلاً: "لكن...؟"
قالت ليوني: "لكن السجن قد يقتله".
رفع فيدال أحد حاجبيه السوداوين بتهكم، وقال: "ما الذي تقترحينه؟ هل أدعه ينجو بفعلته".
وضعت ليوني كل طاقتها في محاولتها الابقاء على رأسها ثابتاً، وقالت: "أنا فقط أطلب منك أن تمنحه بعض الوقت لكي يسوي الأوضاع مجدداً. هو قادر على تسديد كل ما يدين لك به من خلال رهن المنزل مجدداً".
- وكيف يمكنه أن يرتب أمر الرهن من دون أن تكون لديه وظيفة؟
عبرت وجه فيدال ذا العظام الصلبة ابتسامة كادت تكون مرحة عندما فشلت ليوني في الإجابة على الفور، ثم تابع: "أتتوقعين مني أن أعيده إلى منصبه السابق أيضاً؟"
ردت ليوني: "لن يحظى بوظيفة أبداً إذا قمت بملاحقته قانونياً، ما يعني أنه لن يكون في موقف يسمح له بتسديد الديون المتوجبة عليه".
- أتعنين إن حرمته من أي فرصة تالية كي يتلاعب بالحسابات المصرفية؟
أدركت ليوني أنها ابتلعت الطعم بسرعة ووقعت في الفخ. قالت: "ذلك يبدو منطقياً أكثر من زجّه في زنزانة".
درس فيدال ملامح وجهها اللطيف الجذاب الذي يؤطّره شعرها الأحمر، ثم تابع تحديقه متعمداً على امتداد جسدها الطويل المتناسق قبل أن يرفع نظره مجدداً. أحنت ليوني ذقنها، وقد تألقت عيناها الخضراوان فيما لاقت عينيه مجدداً. ما يزال انجذابه نحوها قوياً كما عهدته في السابق، وذلك ما أبعدها عنه في ما مضى. هذا الرجل معتاد على الحصول على ما يرغب به، لذا فإن رفضها الزواج منه لاقى عدم التصديق الكامل من قبله في بادئ الأمر، تبع ذلك السخط البارد عندما أضافت ليوني الإهانة إلى جرحه بما قالته حينها، لكنه مع ذلك لم يفجر غضبه في وجه والدها في ذلك الحين.
سألها فيدال: "هل أرسلك والدك حتى تدافعي عن قضيته؟"
Page 2
هزّت ليوني رأسها نفياً: "هذه فكرتي أنا. أنا لا أصفح عمّا فعله والدي، لكنني أكره رؤيته محتجزاً في السجن. أنا واثقة أنه لن يقوم بأي مقامرات أخرى بعد الآن".
ساد الصمت مطولاً، وتمنت ليوني لو أن بمقدورها أن تعرف ما الذي يجول في رأس ذلك الرجل الأسمر المتغطرس. حسناً! إنها ما تزال هنا، وهذا الأمر بحد ذاته منحها بعض الأمل.
سألها فيدال بعد مدّة: "أتظنينه مستعداً لمتابعة عمله هنا نظراً إلى الظروف الحالية؟ حتى الآن لا يعرف حقيقة الأمر إلاّ شخص واحد فقط، لكن من المحتمل أن يشك الآخرون بالموضوع".
انتبهت ليوني أنها تحبس أنفاسها فأطلقتها بتنهيدة حذرة، ثم قالت: "سوف يضطر إلى التعايش مع هذا الأمر. إنه جزء من الثمن الذي يجب أن يدفعه".
استقام فيدال في وقفته، وابتعد عن إطار النافذة بهيئته البرتغالية المليئة بالحيوية وطوله الذي يبلغ الست أقدام، ثم قال: "أنا بحاجة إلى بعض الوقت للتفكير بالأمر. سوف أعطيك جوابي هذه الليلة... في شقتي".
هزّ رأسه ما إن فتحت ليوني فمها لتعترض، فيما ظهر لمعان قاس في عينيه. تابع يقول: "الثامنة مساءً. إلا إذا كنت تفضلين تسوية المسألة هنا والآن".
علمت ليوني بالضبط ما الذي يعنيه بالتسوية التي سوف تواجهها عند الساعة الثامنة. حسناً! لا جدوى من التوسل إليه. إن أرادت أن تحقق النجاح في ما تصبو إليه، فسوف تدفع الثمن بدورها.
لم تبذل ليوني أي مجهود لإخفاء امتعاضها فيما نظرت إليه وقالت: "حسناً! كان يفترض بي أن أتوقع هذا".
قوّم فيدال كتفيه العريضتين فيما بدت ملامحه قاسية عديمة الرحمة، ثم قال: "أظن أنني أستحق بعض التعويض، لكن الخيار يعود إليك بكامله".
استدارت ليوني من دون أن تتفوه بأي كلمة أخرى، وغادرت المكتب. اتجهت نحو المصعد من دون أن تلتفت يميناً أو يساراً.
هناك أمر واحد مؤكد: لن يجدد فيدال عرضه بالزواج منها هذه الليلة. سوف يبحث عن طريقة ليهينها تماماً كما أهانته هي منذ سنتين. مجرد تفكيرها بذلك جعلها تشعر بانقباض في أعماقها، لكن إن كان ذلك يعني بقاء والدها خارج السجن فسوف تضطر إلى التعايش مع الأمر.
في طريق عودتها إلى المنزل أخذت تفكر بالرجل الذي غادرت مكتبه للتو؛ فيدال باريلادوس سانتوس هو ظاهرة فريدة، فقد أصبح أحد أبرز الصناعيين الناجحين في أوروبا وهو ما يزال في الخامسة والثلاثين من عمره فقط، على الرغم من أنه كان بمقدوره أن يسير متباطئاً في دروب الحياة، فهو وريث عائلة ارستقراطية برتغالية. قابلته ليوني لأول مرة بعد أسابيع قليلة من تولي والدها منصب رئيس المحاسبة في شركته في لندن. لابد لها أن تقر بأنها شعرت بالانجذاب نحوه في بادئ الأمر، فقلة من النساء يمكنهن مقاومة مظهره الجذاب. إلاّ أن افتراضه المتعجرف بأنه قادر على الحصول على أي امرأة يريدها ضايقها. أما ما سبب لها الصدمة فهو عرضه الزواج عليها. لم تقع ليوني فريسة أي أوهام، إذ أدركت أن كل ما يراه فيها وجلَّ ما يشتهيه هو القشرة الخارجية فقط. إنه لا يعرف شيئاً عن الشخص الموجود في داخلها، كما أنه لا يريد معرفة شيء عن ذلك. فما إن يسأم منها حتى يتخلص منها كما يفعل بنسائه الأخريات. يومها لم يعرف والدها شيئاً عن عرضه الزواج بها. بعد أن توفيت والدتها منذ أربعة أعوام، لم يبد والد ليوني اهتمام بأي شيء سوى العمل، أو هذا ما كانت تظنه. لم تعرف ليوني متى بدأت لديه مشكلة المقامرة، لكن يبدو أنها استمرت بما يكفي حتى تجعله يسلب أكثر من ثمانين ألف جنيه من أموال الشركة. على أي حال، كما يحصل عادة للمقامرين، فقد تقدمت خسارته بأشواط على أرباحه.
شعرت ليوني بالقلق على والدها. إن زجه فيدال في السجن فسوف تسوء صحته، وربما تخسره كما خسرت والدتها من قبل. إن كان تفادي ذلك يتطلب تضحية منها فهذا ما عليها أن تقوم به.
كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة حين وصلت ليوني إلى منزلها في تلال نورثوود، وهو المنزل الذي تتشارك به مع والدها. إنها في السادسة والعشرين من عمرها وتكسب راتباً محترماً، بحيث يمكنها أن تتحمل نفقات الحصول على منزل خاص بها، لكنها ترفض أن تنتقل إلى مكان أصغر حجماً، كما أنها لم تقوَ على على ترك والدها يعيش في أرجاء المنزل وحيداً. إنه في الواقع لا يمتلك أي خيار سوى أن يبيع منزله إذا ما ساءت الأمور إلى أقصى الحدود.
كان ستيوارت باكستر يجلس إلى منضدته في غرفة المكتب، يلعب بتكاسل باللعبة المخصصة للأشخاص الذين يمارسون وظيفة إدارية، وهي لعبة أهدته إياها ليوني لمناسبة عيد الميلاد الماضي. رفع نظره عندما دخلت، فيما بدت عيناه ذاويتين وتعابير وجهه ذابلة.
قال لها بكآبة: "لم أتبلغ أي شيء بعد. مازلت أتوقع وصول الشرطة في أي لحظة!"
Page 3
بذلت ليوني الكثير من الجهد كي لا تبدو محبطة، فقالت: "قد لا يصل الأمر إلى هذا الحد... ذهبت لمقابلة فيدال. من الواضح أنه ليس مسروراً حيال الأمر، لكن هنالك فرصة بألاّ يرفع دعوى قضائية بحقك، و... ربما سيبقيك في منصبك إذا ما تدبرت أمر تسديد المبلغ الذي أخذته".
حدق بها ستيوارت بصمت للحظة مطولة، فيما تلاحقت على وجهه مجموعة مختلفة من التعابير. أخيراً سألها: "كيف بحق السماء تدبرت ذلك؟ أنت بالكاد تعرفين الرجل!"
شبكت ليوني أناملها خلف ظهرها، وقالت: "توسلت إلى طبيعته الجيدة الطيبة".
- لم يعطني أي انطباع بأنه يمتلك طبيعة كهذه عندما قابلته يوم أمس.
توقف ستيوارت مجدداً عن الكلام، ثم قال: "ما الذي قلته له بالتحديد؟"
- أكدت له أنك مستعد لأن تقطع أناملك بنفسك قبل المخاطرة بالمقامرة مجدداً. أنت لن تفعل ذلك من جديد. أليس كذلك؟
ظهرت ابتسامة ملتوية على فم والدها، وقال: "تعلمت درساً قاسياً في هذا المجال. صدقيني!"
هزّ رأسه والابتسامة ما تزال بادية على وجهه، ثم قال: "هذا أكثر مما كان بمقدوري أن آمل به... أكثر مما يمكن لأي كان أن يأمل به!"
تردد ستيوارت قبل أن يضيف: "أفترض أن الجميع أصبحوا يعلمون بالأمر. أليس كذلك؟"
- شخص واحد فقط يعلم به. لكن لاشك أنه سيتم تبادل بعض الأحاديث بين الموظفين.
أضافت ليوني بجرأة: "على أي حال، مواجهة الثرثرة أفضل من دخول السجن. أليس كذلك؟"
هزّ والدها رأسه قائلاً: "نعم، بالطبع! لا تظني أنني لست ممتناً، فأنا بالكاد أصدق أنه لا يفكر بملاحقتي قانونياً، فما بالك بأن يبقيني في منصبي؟ هل أعطاك أي تلميح عن الوقت الذي ينوي فيه إعلامي بقراره هذا؟"
- أتوقع أن تعرف شيئاً مع حلول يوم غد.
قالت ذلك وهي تغلق ذهنها على احتمال أن الأمر بأسره قد يسير على نحو سيء.
تركت ليوني والدها ليفكر بالأمر، وتوجهت إلى غرفة نومها في الطابق العلوي. شعرت أنها بحاجة إلى البقاء بمفردها لبعض الوقت. يجدر بها أن تتمالك نفسها تماماً، وأن تركز على أمر واحد فقط هو إخراج والدها من الورطة التي أوقع نفسه فيها.
لا يمكنها أن تنكر الانجذاب الجسدي الذي تشعر به حيال فيدال. أحست بذلك الانجذاب ما إن وقعت عيناها عليه مجدداً. لطالما قرأت على صفحات المجلات أخباراً عن مغامراته العاطفية مع نساء مختلفات خلال السنتين الماضيتين، لكن أياً من تلك العلاقات لم تدم طويلاً. لو أنها كانت غبية بما يكفي حتى تتزوج به، فمن المحتمل جداً أن تصبح واحدة منهن هي نفسها. أما الفارق الوحيد فهو أنها كانت ستحصل منه على أموال تكفي لجعلها تعيش في بحبوحة حتى آخر حياتها. ربما يعتبرها البعض غبية لعدم استغلالها تلك الفرصة التي سنحت لها في ذلك الحين. فكرت بحزن أن التصرف الغبي الوحيد هو تورطها معه أصلاً.
لم تبذل ليوني أي مجهود في اختيار ملابسها لهذا المساء، فاختارت تنورة رمادية عادية مع قميص بيضاء. لن تسمح لنفسها بالتورط في أي عواطف بتاتاً مع فيدال، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي ستمكنها من تخطي المسألة.
حجزت ليوني لنفسها سيارة أجرة كي تقلها إلى المدينة مجدداً، فهي لم تشعر أنها في حالة تسمح لها بمواجهة رحلة أخرى بالقطار. من جهة أخرى، تركت الباب مفتوحاً أمام جميع الاحتمالات، فأخبرت والدها أنها سوف تلتقي صديقة لها، وأنها قد تمضي الليلة في شقتها.
توقفت سيارة الأجرة خارج مبنى المايفير الكبير الذي يشرفه فيدال بحضوره عندما يأتي إلى لندن، فهو يحتفظ بعدة أجنحة محجوزة باسمه في الفنادق الفخمة في عدد من المدن الهامة. يقع الجناح الذي يشغله في الطابق العلوي للمبنى، وهي تعرف رقم الجناح الخاص به، لذا تمكنت على الأقل من تجنّب السؤال عنه في مكتب الاستقبال. أحست كأنها امرأة مستهترة تسعى إلى جناح عشيقها الغني. على الرغم من أن ذلك ليس حقيقياً، لكنها افترضت أن الفارق ليس كبيراً جداً.
أخذت ليوني نفساً عميقاً قبل أن تقوم بقرع الباب الصلب المصنوع من خشب الماهوغاني. فتح فيدال الباب، وراقبها بعينين متفحصتين من تحت حاجبين مرفوعين فيما وقفت تنتظر هناك بصمت. لاحظت أنه يرتدي سروالاً وقميصاً عاديين، لكنه لم يبدُ أقل روعة مما بدا عليه قبل قليل. علق فيدال: "أنت دقيقة في مواعيدك. ادخلي!"
Page 4
مع أن باب الجناح واسع بما فيه الكفاية، إلا أنها أحست أنه قريب جداً منها إلى درجة الازعاج عندما دخلت. وصلت ليوني إلى غرفة الجلوس الواسعة، وسرعان ما لاحظت أن الهندسة الداخلية للجناح تم تغييرها منذ زيارتها الأولى إلى هنا. شكلت الألوان المنتقاة الآن لجناح فيدال سيمفونية أنيقة من تدرجات اللونين الرمادي والأزرق المتمازجين، تتخللها بعض اللمسات القرمزية. أما السجادة تحت قدميها فتمتد كبحر فضي ذي موج رمادي نحو النوافذ ذات الستائر الجميلة. وُضعت على طاولة جانبية باقة من الأزهار النضرة التي بعثت في أجواء الغرفة عبيراً لطيفاً.
- تصميم جميل! لا شك أنهم يهتمون بك.
علقت ليوني بكلامها هذا وهي عازمة على أن تبدو مسيطرة على الموقف.
جاء ردّ فيدال الجاف بسرعة: "يجدر بهم أن يفعلوا ذلك، نظراً إلى ما يكلفني الجناح من مال. لكنك لم تجيئي إلى هنا لمناقشة أعمال الديكور".
- صحيح.
استدارت ليوني لتنظر مباشرة إلى عينيه، فيما تابعت: "أريد منك وعداً بأن تعيد والدي إلى عمله قبل أن نتحدث عن اتفاقنا نحن".
التوت إحدى شفتيه وهو يسألها: "أتصدقين وعدي بهذا الخصوص".
- نعم.
قالت ليوني ذلك آملة ألا تخطئ في تقييم تلك الناحية من شخصيته على الأقل.
ازداد التواء شفته وقال: "أعدك بذلك إذاً. أترغبين باحتساء مشروب ما قبل أن نتناول الطعام؟"
بدت ليوني مصدومة للحظة، ثم قالت: "ظننت...".
- ظننت أن هناك شيئاً واحداً فقط يشغل ذهني".
أنهى فيدال الكلام عنها، فيما ظهر الاستهزاء في عينيه الغامقتين. تابع: "قد تكون مساوئي كثيرة، لكنني لست فظاً أبداً".
سألته ليوني: "ماذا تسمي إذاً هذا... التدبير بأسره؟"
رد فيدال برباطة جأش: "مصالح متبادلة. ألا تظنين ذلك؟"
لم ينتظر منها أي جواب، بل تابع: "ما الذي ترغبين بشربه؟"
كانت ليوني على وشك أن ترفض عرضه، لكنها غيّرت رأيها فجأة. إذا كان فيدال عازماً على المضي في هذا الأمر. عليها أن تجاريه حتى النهاية. قالت: "سأشرب عصير المانغو".
أشار فيدال بيده نحو أقرب أريكة، وقال: "تصرفي على سجيتك".
أحست كما لو أنها حيوان وقع في شرك الصياد. تبعت عيناها تحركات فيدال بصورة لا إرادية فيما عبر الغرفة نحو خزانة المشروبات، فسجّلت تحركات جسده الرشيقة وعضلاته المتموجة التي ظهرت من تحت قميصه القطنية الرقيقة. فكرت ليوني، من المؤكد أنه يمارس التمارين الرياضية باستمرار كي يحافظ على هذا المظهر الرياضي، فيما لم تقوَ على السيطرة تماماً على ردات فعلها الجسدية تجاهه.
جلست حيث أشار لها فيدال، أما هو فلم يقم بأية محاولة للجلوس قربها بل اختار كرسياً موضوعاً بشكل مائل، فوضع إحدى رجليه بشكل مريح فوق الأخرى
Page 5
سألها: "ما الذي تقترحين أن نتكلم بشأنه ريثما ننتظر وصول عشائنا؟ أم لعلّه يفترض أن أبدأ أنا بفتح الحديث بما أنني المضيف؟"
ردّت ليوني: "أنا فعلاً لا آبه بأي حديث خارج إطار اتفاقنا".
قاومت لتحافظ على رباطة جأشها التي أخذت تهددها بالتلاشي في أي لحظة.
- أخبريني إذاً، هل استمتعتِ برحلتك إلى باريس الشهر الماضي؟
اتسعت عينا ليوني الخضراوان في تساؤل ودهشة، وسألته: "كيف عرفت أنني زرت باريس الشهر الماضي؟"
أجابها فيدال من دون أن يرف له جفن: "جعلت من شأني معرفة كل تحركاتك خلال السنتين الماضيتين. أنا أعرف على سبيل المثال أنك الآن لست على علاقة جدية مع أي رجل، ولم تكن لديك أي علاقة أيضاً من قبل".
- هل تتجسس علي؟
بدت ليوني مصدومة جداً في تلك اللحظة، فلم تقدر على الرد بغضب.
أمال فيدال رأسه، وقال: "أفضل أن أقول إنني مهتم بالموضوع. لو أنك تورطت مع أي شخص في علاقة غرامية لكانت تلك العلاقة قصيرة المدى على أي حال".
راح الغضب يغلي الآن داخل ليوني، ما جعلها تجلس على حافة مقعدها فيما بدت عيناها عاصفتين. قالت: "آه! فهمت. بما أنني بدوت لك متهورة طائشة إلى درجة جعلتني أرفض عرضك الزواج بي، فلا مجال لأن يُسمح لي بإيجاد شخص غيرك!"
لم تبدُ في نبرة فيدال أي نغمة اعتذار حين قال: "صحيح. هل ظننت حقاً أنني سوف أنسى بكل بساطة تلك الأشياء التي قلتها لي؟ هل أنا بحاجة لأن أذكرك بما قلته فعلاً؟"
عضّت ليوني على شفتها إذ عادت الذكرى بوضوح تام إلى ذهنها. لاشك أنها بالغت في كلامها لأنها أرادت أن تصدّ أي محاولة من قبله لإغوائها بالموافقة وأن تحرق كل جسور الصلح بينهما. إن أقل ما قالته له هو إنه آخر رجل على وجه الأرض قد تفكر بالزواج منه. حتى الآن ما زالت العبارات التي استخدمتها لقطع علاقتهما تسبب لها الانقباض في داخلها.
قالت ليوني بتصلب: "حسناً! ربما بالغت قليلاً... أنا أقر بذلك. لكن ذلك لا يبرر ما تفعله. يُزج الناس في السجن في هذا البلد بسبب مطاردتهم للآخرين خفية".
هزّ فيدال كتفيه، وقال: "بما أنك أنت نفسك لم تلاحظي أنك تخضعين للمراقبة، أنا أشك أن اتهاماً مماثلاً قد يؤخذ على محمل الجد. على أي حال، السؤال لم يعد بذي أهمية الآن ما دامت هناك أساليب أخرى لتحقيق الانصاف أو التعويض".
ردت ليوني بجواب مفحم وسريع: "الكلمة الأفضل هي الثأر أو الانتقام. بالكاد يشكل ذلك هدفاً نبيلاً!"
- لكنه مُرضٍ.
سمعا قرعاًً على الباب، فوقف فيدال على الفور قائلاً: "أعتقد أنه العشاء".
أدخل النادل عربة ذات إطارات مغلفة بقماش أبيض ومحمّلة بالطعام إلى الغرفة. بدا غير متطفّل بتحركاته، فنقل محتويات العربة إلى الطاولة الموضوعة في ناحية منعزلة مخصصة للطعام من دون أن يتفوه بكلمة واحدة.
لكنه بدا مسروراً تماماً بحجم الإكرامية الذي ناوله إياها فيدال.
- تعالي لنتناول الطعام. أنت تحبين ثمار البحر إذا كنت أذكر جيداً.
إن آخر أمر ترغب به ليوني حالياً هو تناول الطعام، لكنها لن تجني شيئاً من الرفض. نهضت عن الأريكة، ولم تفاجأ بقلة ثبات طرفيها السفليين. توجهت نحو الطاولة مارة بالقرب من الباب المؤدي إلى غرفة النوم في طريقها.
Page 6
تساءلت عن عدد النساء اللواتي استقبلهن فيدال في هذه الغرفة، واللواتي حظين باهتمامه لفترات تطول أو تقصر بحسب مزاجه. أما التساؤل التالي فهو إلى أي حد يفكر بالذهاب في علاقته بها؟ ربما يريدها أن تكون صديقته في المرحلة القادمة، لكن لابد أن تنتهي المحنة في وقت ما. أما هي فجلّ ما ستسمح لنفسها أن تهتم لأمره، هو أن يعود والدها إلى سابق عهده ومساره المستقيم.
بدا الطعام ممتازاً، لكن ليوني أحست كما لو أنها تمضغ نشارة الخشب. لم يفسح لها فيدال المجال لتحيد بنظرها عنه إلا لتتناول طعامها، ما جعلها تتناول الكثير منه. حتى إنه عبر لها بعد حين عن خشيته أن تصاب بالتخمة وتغفو أمامه.
سألته ليوني متعمدة، وهي ترسم ابتسامة مقتضبة على وجهها: "أنت في الواقع تقر بأن المرأة قد تغفو برفقتك. أليس كذلك؟"
- فقط تحت تأثير الأكل المفرط.
- لا أستطيع مجادلتك في ذلك بما أنك ماهر، واسع الخبرة في العلاقات العاطفية.
سخريتها تلك جعلته يبقى لبرهة من دون حراك، بعدئذٍ قال: "إذا فكرت بإزعاجي، فانسي الأمر. أنا أنوي أن أستمتع بكل لحظة من الوقت الذي سنمضيه سوياً".
عضت ليوني على شفتها مانعة نفسها من التفوه بملاحظة لاذعة.لكم تود أن تقسم على البقاء غير متأثرة به، إلاّ أن طريقة تفاعل جسدها لمجرد وجودها بقربه جعل هذا الاحتمال غير وارد. جل ما بإمكانها أن تفعله، هو أن تبقي ردات الفعل هذه في أدنى مستوى ممكن.
اختتم العشاء بموس الشكوكولا الذي تناولته ليوني بسرور فذاب في فمها بسلاسة، وبدا من المستحيل تقريباً ألا تستمتع به. تمهلت وهي تتناول الحلوى اللذيذة فاستمتعت بكل لقمة منها. راقبها فيدال من دون أي تعليق، ولم يبدِ أي إشارة عن نفاد الصبر. بدا موقفه إجمالاً كموقف رجل يشعر بالارتياح مع نفسه. تاقت ليوني لأن تتخلى عن ضبطها لأعصابها، لكنها لم تستطع التفكير بأي شيء يقل عن انفجار آخر من الإهانات التي تقذفها باتجاهه. لكن بما أن مصير والدها ما يزال متقلقلاً، يمكنها أن تتحمل المجازفة بأي شيء.
أخيراً انتهت ليوني من تناول الموس، فوضعت ملعقتها على الطاولة. راقبته عبر الطاولة العريضة بمشاعر متصارعة، مع ذلك شعرت بتأثر غريب في داخلها لا يمكن نكرانه، فاستنتجت بأسى أن قدرتها على السيطرة على الموقف ليست كما تصورتها من قبل.
قالت ليوني: "حسناً! دعنا نتفق على ما سوف نقوم به لاحقاً. أنا موافقة على أن أصبح صديقتك الحالية إذا ما التزمت بالشق المتعلق بك من الاتفاق. أما الآن، فكلما أسرعت بالخروج من هنا، كلما كان ذلك أفضل!"
شبك فيدال يديه خلف رأسه واتكأ إلى الوراء في كرسيه، فيما راح يراقبها وقد علت وجهه نظرة ساخرة. قال: "الوقت ليس مهماً. أمامنا الليل بطوله".
توقعت ليوني ذلك إلى حد كبير، لكن ذلك لا يعني أنها ستوافق على ذلك من دون اعتراض، فقالت: "إذا كان إذلالي هو ما تسعى إليه، فلست مضطراً إلى الوصول إلى هذا الحد. في الواقع، نجحت بذلك للتو".
هز فيدال رأسه، وقال: "أتقترحين أن أشعر بالاكتفاء وأترك الأمر هنا؟ انتظرت هذه اللحظة لفترة طويلة جداً. ويجدربي أن أذكر ذلك. إذا كنت تأملين بأن تثنيني عما أريده بارتدائك ملابس تجعلك تشبهين السكرتيرات فأنت مخطئة. ملابسك الصارمة تجعلك أكثر جاذبية في نظري وتجعلني أرغب أكثر في ضمك بين ذراعي".
علمت ليوني أن شعورها بالإهانة هو شيء مضحك نظراً إلى الظروف الراهنة، لكنها كانت غاضبة جداً حتى إنها ما عادت تأبه، فقالت: "ليست لديك أي فكرة عن مقدار اشمئزازي من رغبتك هذه، فأنا لم أسمح للأمور بأن تصل إلى هذا الحد بيننا من قبل!"
ابتسم فيدال ببطء، فيما ظهر استمتاعه بارتباكها واضحاً. قال: "لست بحاجة إلى خبرة سابقة لأعرف أن بشرتك ناعمة كالحرير، وأن خصرك نحيل وأنك تملكين جسماً يترك تأثيراً قوياً في الرجل، أما...".
شعرت ليوني بخديها يحترقان، أما جسدها بأكمله فأخذ يخزها. قالت: "توقف عن هذا! لست أرغب بسماع المزيد!"
- سوف تسمعين أكثر من هذا عزيزتي، فالكلام يشكل جزءاً مهماً من العلاقات العاطفية.
جاء رد ليوني لاذعاً وهي تقول: "أتسمي ما يجول في ذهنك "عاطفياً"؟"
Page 7
التوت شفتا فيدال مجدداً، ثم قال: "لو أنني كنت على الصورة التي يصورها لك ذهنك، لتمكنت من الحصول عليك بذلك الأسلوب قبل سنتين. كما قلت لك للتو، أنا أود أن نستمع إلى الموسيقى، ولعلنا سنتبادل العناق ونحن نرقص".
أمسكت ليوني لسانها، فهي لا ترغب بتعريض نفسها إلى المزيد من السخرية. مهما كانت نوايا فيدال، لا خيار أمامها سوى مجاراته.
حرص فيدال على جعل ليوني تجلس على الأريكة التي احتلتها قبل قليل. أدار جهاز الموسيقى المخفي في مكان ما، وسرعان ما غمرت الموسيقى الناعمة الغرفة. لم تسمع ليوني أي أغنية تعرفها، لكنها أقرّت بأنها أغانٍ تبعث الهدوء في النفس. في تلك الأثناء أحضر لهما النادل الشاي المعطر، فأخذ فيدال الصينية ووضعها على الطاولة الصغيرة، فيما استقر هذه المرة في المقعد المجاور لها على الأريكة. نظر إليها بعد لحظة ولاحظ أنها ذابلة وتكاد تغفو هناك، فقال: "أحلاماً ممتعة!"
انتفضت ليوني على الفور قائلة: "آمل أن تراودك الكوابيس".
إلا أن ردها جاء بصوت واهن وهي ترسم ضحكة على وجهها. ناولها فيدال كوب الشاي وهو يقول: "سوف أعلمك بذلك في الصباح".
سألته ليوني بنبرة ملؤها السخط: "وهل تتوقع مني أن أبقى طيلة الليل؟"
- بالطبع! فأنا أتطلع قدماً إلى أن نتناول الفطور سوياً على الشرفة إذا سمح الطقس بذلك. لو أننا في البرتغال الآن، لما كان هنالك من شك في ذلك. شهر حزيران هو فترة مبهجة من السنة، فالهواء دافئ والأزهار تملأ الحقول، أما الأجواء برمتها فتوحي بالسلام والوفرة.
استرقت ليوني نظرة إلى صورته الجانبية المقولبة بحزم، تمهلت للحظات قصيرة جداً على انحناءة فمه الأنيق، ثم عادت وجذبت اهتمامها نحو الكوب الذي تحمله بيدها. لم تشعر برغبة في تناول الشاي، لكنها رفعت الكوب إلى شفتيها وابتلعت نصف محتواه بجرعة واحدة. أحست على الفور بالسخونة تنتشر في جسدها كألسنة من النيران.
بعد ذلك عمدت إلى إنهاء ما تبقّى، فأخذ فيدال الكوب منها ثم وضعه على الطاولة المنخفضة أمامهما إلى جانب كوبه.
علّق قائلاً: "الهدف من احتساء الشاي المعطر هو أن يتلذذ المرء بنكهته لا أن يفرغ محتوى الكوب في حلقه مباشرة، أم أنك ببساطة تبحثين عن الشجاعة؟"
ردّت ليوني بمشاكسة: "لماذا؟ أنا لست خائفة منك".
علق فيدال: "على الأرجح أنه خوفك من نفسك. أنت تشعرين بالانجذاب إلي ولطالما شعرت بذلك، لكنك لا تستطيعين الإقرار بالأمر".
وضع إحدى أنامله على فمها عندما حاولت أن تتكلم، وتابع قائلاً: "لا شكوك. سوف أجعلك تنطقين بالكلمات قبل نهاية السهرة".
- أفضل أن أقطع لساني قبل أن يحصل ذلك!
تكلمت ليوني وهي تجرش على أسنانها، فيما قاومت كي تحتفظ بغريزة المقاومة لديها. إلا أن لمسته حركت أحاسيسها، لا مجال لنكران ذلك. أحست بتوق يكاد لا يقاوم لأن تمسك بيده وتمررها على وجهها.
في اللحظة التالية حرك فيدال إصبعه، فمرره برفق على امتداد خط فكها، ثم صعوداً إلى خلف أذنها في مداعبة لطيفة جعلت خلاياها العصبية ترتعش. تطلّب الأمر كل ما لديها من قوة حتى تمنع نفسها من الاقتراب منه والجلوس هناك بوجه خال من التعابير وهي تحدق بنظرته السوداء.
Page 8
قال فيدال ملاحظاً: "إنت امرأة تتمتع بقوة إرادة معتبرة، لكنك لست منيعة لا تقهرين".
أبعد فيدال إصبعه عن وجهها، ثم نهض على قدميه وقال: "تعالي!"
نهضت ليوني، وما لبث فيدال أن أدارها حول نفسها لكي يدفعها أمامه بعيداً عن الأريكة والطاولة. أصبح نغم الموسيقى رقيقاً وأكثر نعومة، فأدارها فيدال مجدداً، لكن هذه المرة نحو ذراعيه. انزلقت يداه خلف ظهرها حتى يمسكها بقربه. كعبا الحذاء الذي تنتعله ليوني جعلا عينيها تصلان إلى مستوى فمه. أحست بأنفاسه دافئة على خدها، وملأت منخريها رائحة عطره الرجولية الرقيقة فيما بدأ يتحرك بإيقاع بطيء مع النغم. تسلل الخدر إلى أنحاء جسمها عندما احتك بصدره الصلب، فدبت فيه الحياة. لابد أنه يشعر بردة فعلها هذه، لا يمكن أن يفشل في الاحساس بها. لم يكن بمقدور ليوني أن تفعل أي شيء حيال ذلك.
غمغم فيدال بصوت خافت: "جيد".
حرك يديه على ظهرها، ثم قربها منه وعانقها. مرت لحظات وربما دقائق لم تشعر خلالها بمرور الزمن كما لو أن هذا الأخير توقف. بعدئذٍ قطع فيدال العناق وغمغم: "كم أنت رائعة!"
لم تبدِ ليوني أي مقاومة عندما قادها مجدداً عبر الغرفة نحو الأريكة. كانت الأنوار المجاورة للأريكة على الجانبين مضاءة، فألقت توهجاً دافئاً على المكان، فيما أطفأ فيدال بقية الأنوار تاركاً ما تبقى من الغرفة في عتمة جزئية. هذا الجو وفّر لها بعض الارتياح على الأقل.
تناول فيدال وجهها بين يديه، متمعناً في ملامحها كما لو أنه أراد أن يحفظها في ذاكرته. بدت عيناه كبركتين غامقتين، وبدت لمساته ناعمة رقيقة بشكل غير متوقع. عانقها من جديد عناقاً شغوفاً لطيفاً، فشعرت أن أحاسيسها بدأت تطفو وأن قوة إرادتها بدأت تلين شيئاً فشيئاً. طرأت في بالها فكرة بأنها لو أرادته أن يتوقف عليها أن تقول له ذلك الآن قبل أن تضيع تماماً تحت تأثير لمساته وعناقه. حرّك فيدال يده مجدداً حول عنقها فأحست ليوني بلمساته كالنار تحرق بشرتها. شدها نحوه أكثر ليزداد عناقه عمقاً، فشهقت ليوني بسبب الأحاسيس الغامرة التي اجتاحتها...
شعرت ليوني بالصدمة عندما أزاح فيدال يده فجأة، ودفعها بعيداً عنه. اتسعت عيناها بقوة، وحدقت به بتساؤل صامت. فجأة قال لها بفظاظة: "يا إلهي! أنا آسف".
ابتعدت ليوني عنه وهي تلملم شتات نفسها. إن كان هدفه أن يثير مشاعرها ثم يرفضها كما رفضته هي من قبل، فقد نجح تماماً. لكن... ماذا لو كان قد غيّر رأيه بخصوص الأمر برمته؟
سألته ليوني: "أهذا هو أسلوبك في إبلاغي بأن الاتفاق ملغى؟"
هزّ فيدال رأسه فيما بدا وجهه خالياً من التعابير مجدداً، ثم قال: "بل هنالك تغيير في المخطط. أنا لا أستطيع الاكتفاء بصداقتك لفترة وجيزة فقط. عندما أعود إلى البرتغال سترافقينني".
أخيراً وجدت ليوني صوتها، وأدهشها ثباته حين قالت: "أتظن فعلاً بأنني سأوافق على أن أصبح عشيقتك؟"
أطلق ضحكة قصيرة، ثم قال: "إذاً هنالك حدود لمدى التضحية التي يمكنك بذلها من أجل والدك؟"
أومضَ شيء ما في أعماق عيني فيدال الغامقتين وهو يضيف: "أنا لا أريد عشيقة. منذ سنتين طلبت منك الزواج بي. أما اليوم فأنا آمرك بذلك".
Page 9

2- أنت لا تكرهينني!

حدقت ليوني بفيدال وهي تشعر بالذهول، وحين وجدت صوتها بدا كأنه قادم من أعماق بئر. قالت: "لا يمكن أن تكون جدياً!"
أكدّ لها فيدال بقوة: "لم أكن يوماً أكثر جدية. حاولت طوال سنتين أن أخرجك من ذهني، ولطالما قلت لنفسي إن ما من امرأة تستحق أن أفقد القدرة على النوم لأجلها، لكن ذلك لم يجدِ نفعاً. عرضت عليك أمراً لم أعرضه على أي امرأة غيرك، لكنك رفضت طلبي ورميته في وجهي كما لو أنه إهانة ما. أما الآن فالفرصة سانحة أمامي حتى أجعلك تأكلين كلماتك".
توقف برهة وجيزة، ثم تابع: "الخيار النهائي سيبقى لك أنت".
أجابته ليوني بنبرة اتهامية وهي غير غافلة عما يقصده: "إنك تطلب مني الكثير".
علق فيدال من دون أن يتحرك: "ليس أكثر من طلبك مني بأن أستمر في توظيف الرجل الذي سرق مني المال. بالطبع، يمكنك أن تسمحي له أن يتخذ القرار بنفسه".
علمت ليوني أن لا مجال لذلك على الإطلاق، فوالدها سوف ينهار لو عرف ما تواجهه ابنته الآن.
قام فيدال بحركة مفاجئة، فقال: "سوف أدعك لتفكري بالأمر".
غرقت ليوني أكثر في الأريكة، فيما خرج فيدال من الغرفة وأغلق الباب خلفه. في هذه الأثناء شعرت أن أعصابها ممزقة. إن أي توسل لطبيعته الجيدة سوف يكون هدراً للوقت، ففيدال لا يتمتع بطبيعة جيدة. لكن... الزواج منه! كيف عساها تستطيع القيام بذلك، لاسيما أنه يعرضه عليها بروح الانتقام بسبب الإهانات السابقة التي قذفته بها.
في الواقع ما زالت تستشعر لمساته على بشرتها، وصلابة جسده بالقرب من جسدها...
فيدال محق بشأن أمر واحد: شعرت بالانجذاب نحوه منذ سنتين ماضيتين، وما زالت كذلك الآن. إن مقتها وكرهها لشخصه لم يتركا أي تأثير على أحاسيسها. أحست ليوني بتأثيره عليها منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها عيناها عليه. يومها مرّت بمكتب والدها لتصطحبه إلى الغداء، فأخبرتها سكرتيرته أنه في اجتماع مع رئيس الشركة. في اللحظة نفسها تقريباً انفتح باب المكتب وظهر في إطار الباب رجل أظهرت تعابير وجهه التقدير الصريح لما يراه وهو يراقبها...
- كنت أنظر إلى صورة فوتوغرافية لك موضوعة على مكتب والدك خلال النصف ساعة الماضية، لكنها لا تنصف جمالك مطلقاً.
قال فيدال ذلك، ثم تحرك إلى الأمام وهو يمد لها يده فيما بدت ابتسامته مدمرة. تابع يقول: "أنا فيدال باريلادوس سانتوس".
تناولت ليوني يده، وغمغمت ردّها فيما اجتاح جسدها بأكمله وخز بدا لها كالصدمة الكهربائية عندما أطبقت يده على يدها. بعد كل ما سمعته وقرأته عن الرجل الواقف أمامها، بالكاد فاجأها أنه يرشح بجاذبية بدائية صافية كهذه، فالنساء في كافة أرجاء أوروبا مسحورات بقوة جاذبيته.
نقلت ليوني نظرتها نحو الرجل الواقف خلفه، وقالت: "أملت أن نتناول الغداء سوياً، أبي".
أجابها ستيوارت آسفاً: "آسف، حبيبتي! أنا مضطر إلى العمل لساعة أخرى على الأقل".
عندئذٍ سارع فيدال يقول: "في هذه الحالة، ربما ستسمحين لي بأن أرافقك إلى الغداء عوضاً عن والدك. ذلك سيسرني كثيراً".
أنبأتها غريزتها الطبيعية الأولى أن عليها رفض عرضه، لكن قدرة أقوى منها سيطرت عليها. مهما يكن، فهو مجرد غداء، لذا قالت: "ذلك لطيف جداً من قبلك".
ابتسم فيدال مجدداً، فأزعجتها ابتسامته تلك بالقدر نفسه بسبب مفعولها المدمر. قال: "لا يتطلب الأمر مجهوداً كبيراً كي أكون لطيفاً مع امرأة جميلة".
Page 10
لاحظت ليوني عيني والدها، فقرأت فيهما الرسالة التي توجهانها لها من دون صعوبة. حسناً! هي لا تنوي أن تصبح إحدى النساء اللواتي فاز بهنّ. قالت لوالدها بخفة: "سأراك لاحقاً، إذاً. لا تكدّ كثيراً في العمل!"
يومها قصدا مطعماً لم تكن ليوني قد زارته من قبل. هناك تم الترحيب بفيدال، فناداه رئيس النادلين باسمه ورافقهما بنفسه إلى طاولتهما. بدا المكان فخماً جداً، أما زي النادلين فبدا أنيقاً وثميناً. شعرت ليوني بالسرور لأنها اختارت أن ترتدي يومها بذلة رسمية من اللون البرتقالي. بالطبع لم تكن بذلة تحمل اسم مصمم شهير، لكنها بدت كذلك إلا لأكثر العيون إداركاً وتمييزاً.
قالت ليوني ملاحظة بعد أن جلسا: "هل أستنتج أنك زائر دائم في هذا المطعم؟"
ردّ فيدال موافقاً: "أتناول الطعام هنا عندما آتي إلى لندن، لذا فهم يعرفون ذوقي جيداً".
فكرت ليوني بتهكم، الجميع يعرف ذوقه في النساء أيضاً! لابد أنها ليست أول امرأة يحضرها إلى هنا. راقبت ملامح فيدال فيما مرّر هذا الأخير عينيه نزولاً على قائمة الطعام، فلاحظت ملامح وجهه ذي البشرة السمراء بلون الزيتون التي بدت كأنها منحوتة بشكل خارق، كذلك لاحظت عرض كتفيه تحت بذلته الرسمية الرمادية ذات النوعية الجيدة، بالإضافة إلى يديه ذات الأنامل النحيلة الطويلة مع أظافرها التي تم الاعتناء بها جيداً. إنه يمتلك كل ما يتمناه أي رجل في ما يتعلق بالمظهر الخارجي، وهو لن يضطر إلى المكافحة لأجل الحصول على الرفقة الأنثوية حتى لو لم يكن له مثل هذا المركز وهذه الثروة.
رفع فيدال نظره وكأنما استشعر بتدقيقها النظر إليه، فسألها: "هل لقيت استحسانك؟"
أجابته ليوني رافضة أن تبدو مصدومة بسؤاله: "إنك رجل وسيم. لابد أنك معتاد على الاهتمام الموجه لك من قبل الآخرين".
أحنى فيدال رأسه ذا الشعر الأسود بتواضع ساخر، وقال: "إنها مسألة أدين بها لأسلافي، فلطالما كان رجال آل دوس سانتوس محظوظين".
- هل تتشارك معكم نساء آل دوس سانتوس بالإرث نفسه؟
- بعضهنّ وليس جميعهنّ.
توقف فيدال للحظة، فدرس ملامحها بدوره وقال: أنت لا تشبهين والدك كثيراً. لا بد أن والدتك كانت امرأة جميلة جداً".
حتى بعد مرور أربع سنوات على وفاة والدة ليوني ما زال ذكرها يجعلها تشعر بالكرب والغصة. سألته: "كيف علمت أنها توفيت؟"
- أنا أعرف كل التفاصيل عن خلفية أي موظف متفوق لدي. فهمت أنك ما تزالين تقيمين مع والدك؟
- ذلك صحيح.
لم ترَ ليوني أن هناك داعياً كي تشرح أسبابها له. يجدر به أن يكون قادراً على استنتاجها بنفسه. أخفضت بصرها لتنظر إلى القائمة الموضوعة أمامها، وقالت: "أود تناول السمك الأبيض كبداية، يتبعه سمك الترويت".
صفّق لها فيدال قائلاً: "أنت امرأة ذات قرار! أظنني سأتناول الأصناف نفسها. أترضين بترك أمر اختيار المشروب لي أنا؟"
اتسعت عيناها الخضراوان ببراءة، وقالت: "بالطبع، فالرجال يجيدون اختيار المشروب!"