eKtab
EN ع
منعطفات خطرة
Read free sample

منعطفات خطرة

by بسمة النمري

Page 1
أغنية العذاب
 
وحيدة وحيدة ·· ودائماً وحيدة
 
في الصيف والشتاء·· تحت الشمس والمطر
 
في الصبح في المساء·· وفي هدأة السحر
 
وحيدة وحيدة ·· ودائماً وحيدة
 
بهذه الكلمات كانت المرأة الغريبة تترنّم كل يوم وهي تهز الأرجوحة المعلّقة بغصن شجرة هرمة بفناء منزلها·
 
من بعيد، كان الصبيّ يرقبها ولا يفهم لماذا تهز الأرجوحة الخالية، يحاول جاهداً أن تلتقط مسامعه كلمات أغنيتها الحزينة، لكن الريح إذْ كانت تهبُّ بعكس اتجاهه كانت تغيِّب بعض المقاطع بين طيَّاتها وتحملها بعيداً عنه وتُغرق لحنها الباكي في حفيف أوراق الأشجار وخشخشة الحشائش الجافة حوله· ويبقى الصبيُّ في موقعه ساكناً منتظراً هدأة الريح كي يُعاود المحاولة من جديد·
 
كان ينطلق كل يوم إلى التلِّ المطلِّ على منزلها، يكمن بين الأغصان في موضع يمكِّنه من رؤيتها وسماع صوتها بوضوح من غير أن تلحظ وجوده، وتمضي عليه ساعات وهو في مكمنه هذا يفكر في أمر المرأة الغريبة·
 
لا أحد يعرف عنها سوى القليل، تعيش وحيدة في منزلها القديم، وتعمل في حقلها المجاور له، سكنت في المنطقة قبل الجميع، فمذ جاءوا وهي على تلك الحال، لا تختلط بأحد ولا تحادث أيّاً كان، حتى اسمها ما كانوا يعرفونه، لذا لقّبوها بالمرأة الغريبة·
 
صوت ارتطام قويّ نبَّه الصبي من شروده، تعثرت المرأة بدلو الماء أمامها فوقعت، انتظر أن تنهض من جديد، لكنها ظلت منكفئة على وجهها، دون وعي منه انطلق هابطاً التل لمساعدتها، دعيني أعينك يا خالة، اتكئي عليّ، رفعت وجهها ونظرت إليه طويلاً، كأنها نسيت ملامح البشر كيف تكون، ابتسمت له بحنان وأعطته يدها، ساعدها على الجلوس، سألها إن كانت تحتاج إلى شيء آخر، لم تجبه، قفل عائداً، قبل أن يبتعد سألته :
 
ــ كم عمرك؟
Page 2
ــ إحدى عشرة سنة
 
- هل تعود إلى زيارتي مرّة أخرى؟·
 
فوجىء بدعوتها فأجابها بلا تفكير غداً مساءً،، وإذ أدرك تسرُّعه ركض يصعد التل لاهثاً لا يلوي على شيء· كان من الصعب عليه أن يغفو بسرعة كعادته هذه الليلة، طيف الغريبة كان يلازمه، صورة وجهها لم تبرح خياله مذ رآها عن قرب للمرَّة الأولى، كم هي جميلة، تبدو مختلفة عن كل النساء اللواتي يعرفهن، لكن كان هناك حزن عميق يغلف هذا الجمال الساحر، استشعره على الرغم من سنوات عمره القليلة، نام أخيراً، نام وهو يحلم بموعد الغد·
 
تكررت زياراته بعد تلك المرَّة، ألفَ الصبي الغريبة وأحس بالمحبة نحوها· كانت تلاطفه وتغدق عليه من حنانها الكثير، ومن حين إلى آخر تفاجئه بهدية صغيرة تدخل الفرحة إلى قلبه الفتي، كانت تخبره عن أحداث يومها البسيطة وتشكو إليه متاعبها وأحياناً تطلب منه المساعدة، فتمتلىء نفسه بالفخر كونها تنظر إليه كرجل يُعتمد عليه فيما يصعب عليها القيام به· ثم جاء يوم تجرأ فيه وسألها عن سبب وحدتها وتباعدها عمن حولها وعن سر الأرجوحة الخالية، ندم كثيراً لمّا رأى تعابير المرارة والألم تغشى الوجه الجميل، وتكوِّن في التقاسيم الدقيقة صورة مجسمة للعذاب، أراد أن يعتذر لها ويتراجع عن سؤاله، لكنها لفّت ذراعها حوله وربتت ظهره، قرّبت رأسه منها، أوسدته كتفها وطفقت تحدثه بصوت شجي حنون يغالبه التأثر وتخنقه الدموع بين اللحظة والأخرى·
 
أي ولدي ·· أي صغيري الحبيب وصديقي الوحيد، تريد أن تعرف سر المرأة الغريبة، أعرف أنهم يلقبونني بهذا الاسم، كان اسمي (أم شذى) لمّا كانت (شذى)، طفلتي ذات الأشهر العشرة، وكان لي زوج، كنا إذاً أسرة صغيرة لها أحلام كبيرة، تركنا قريتنا وتوجهنا الى هذه المنطقة قبل أن يسكنها أحد، بنقودنا القليلة استطعنا أن نتملَّك هذا الحقل الذي تراه أمامك، وبنينا هذا المنزل الصغير، عمل زوجي بكدّ كي يستطيع أن يوفر لنا الحياة التي يتمناها لنا، ضاعف جهده بعد أن رزقنا الله (شذى)، وهو الذي اختار لها اسمها من وحي الأزهار البريّة الرائعة التي تفتّحت في أول الربيع مع اطلالة طفلتنا علينا، وهكذا سارت بنا الحياة حتى أطلَّ عليها الغريب!·· كيف تعلقتُ به؟··· لا أعرف، لوَّح بيده محيياً فرددت التحية، ابتسم لي فقابلته بابتسامة خلتها انبثقت من أعماق قلبي قبل أن تصل الى شفتي، ولمّا دعاني أجبته وذهبت إليه، تركت ابنتي وحيدة، صفقت الباب خلفي واندفعت لموافاة موعده، سرقني الوقت وحلَّ المساء، أدركت عندئذ حجم المصيبة، هرعت عائدة إلى المنزل وخوفي يتزايد في كل لحظة حتى كاد قلبي يتوقف عن الخفقان وأنا على عتبة المنزل، هدوء قاتل·· وحشة مقيتة·· ظلال كئيبة تتمطّى وتنشر سوادها المفزع على المنزل والساحة، على نفسي وروحي وعلى كل العالم حولي··
Page 3
فتحت الباب·· رأيتها هناك ·· ممدَّدة على أرض الغرفة فاقدة الحياة، صرخت، لطمت وجهي، نتفت شعري، دققت على صدري وبكيت··، بكيت بحرقة وفاضت دموعي نيران تحرق وجهي وتأتي على آخر أمل لي وتقضي على أي معنىً لاستمرار حياتي بعد (شذى)···
 
وجاء زوجي، وقف مشدوهاً، فقد جمَّدته المصيبة، انتابته حالة من عدم التصديق لمّا وقعت عيناه على الطفلة، فغر فاه وأسبل جفنيه، بدأ يترنح يكاد يقع، زحفت نحوه، ركعت أمامه، وضعت جبيني على قدميه، أمسكت بساقيه أهزهما وأرجوه أن يقتلني ·· أن يرحمني، وبحت له بكل شيء·
 
طال صمته، خلته امتد دهوراً، أما زال حياً؟·· رفعت نظري اليه فوجدت حطام رجل، يعتصره الألم، يسحقه العذاب وتذبحه الخيانة من الوريد الى الوريد، خلّص ساقيه من قبضة يدي، حضن ابنته، دفن وجهه في صدرها، أخذ يشتمُّ عنقها، يقبل وجهها بجنون وهو ينتحب كالأطفال، كانت المرَّة الأولى التي أرى فيها دموعه·· توجه نحوي، مدد الطفلة أمامي وقبل أن يذهب قال : لن أقتلك، في موتك حياة لك، وحياتك بعد الآن هي الموت، هذا اختيارك فادفعي الثمن وغاب، معه غاب آخر شعاع في ضوء النهار، وحل الظلام يا بني، جاء ليل طويل·· طويل ليس له آخر ولم يطلع بعده نهار أبداً
 
كان الصبي يبكي، بللت وجهه الدموع التي سالت وتركت أثراً على كتفها، رفع رأسه ومسح وجهه، انسلَّ من جانبها صامتاً وسار متمهلاً نحو التل، نادته، التفت إليها، سألته : هل تعود لزيارتي؟ ، طأطأ رأسه ولم يجبها وانطلق يعدو صاعداً التل·
 
كل يوم كانت الغريبة تنتظر الصبي، لكنه لم يعد لزيارتها مرّة أخرى، هجرها مثل كل شيء آخر جميل في حياتها، وما عرفت أبداً أن الصبي ما زال يتردد كل يوم على مكمنه، يتابعها ويحرسها من بعيد، يبكي كلما هزت أرجوحتها الخالية ويشاركها الغناء وهي ترنّم في المساء أغنية العذاب·
Page 4
رحلة أخيرة مع الوهم
 
كان يسير أمامها مسرعاً وهي تلحق به لاهثةً، أنهكها التعب وكادت ساقاها تخذلانها، نادته ورجته أن يتمهل قليلاً كي تستطيع اللحاق به، تجاهل طلبها وأمعن في سيره مضاعفاً سرعته، أغاظتها ردة فعله فقررت أن تعانده وتجلس على حافة الطريق· بضع دقائق فقط هي كل ما تحتاج إليه كي تلتقط أنفاسها المبهورة، لكنه بقسوته المعهودة، وبرودة أعصابه المبالغ فيها كان يضن عليها بهذه الدقائق القليلة· شريط ضيق من الحشائش البرية الخضراء الندية كان يحاذي الطريق التي يسيران فيها ويفصلها عن الحقول المزروعة الممتدة أمامهما على مدى النظر· سرت في جسدها النحيل برودة محببة عند ملامسته لتلك الحشائش الرطبة فسارعت إلى خلع نعليها ورفعت كمي ثوبها كي تتيح لجسمها المكدود فرصة أكبر للإحساس بالمزيد من الانتعاش الناجم عن التصاقها بعناصر الطبيعة الحية حولها والإلتحام بها وكأنها جزء منها وامتداد لها، لكن كان عليها أن تنتشل نفسها من غمرة نشوتها وذهولها وتسرع إلى اللحاق به، فقد ابتعد عنها كثيراً، أخذت تعدو وتتعثر بحذائها الذي انتعلته على عجل، ولما صارت بمحاذاته طفقت تحدثه وتحاوره، تعاتبه حيناً وتتوسل إليه حيناً آخر، لكنه لم يستجب لها وتابع سيره دون أن يعيرها أي اهتمام· اجتاحتها موجة من القنوط فطأطأت رأسها وأخذت تجر ساقيها كارهة وتركت لخيالها العنان كي يحملها ويحلق بها عالياً في أجواء أخرى طالما حلمت بها وتمنت لو تصطبغ أحداث حياتها ببعض من ألوانها المشرقة، لكن كيف وهو ما زال يتقدمها وعليها أن تلحق به شاءت أو لم تشأ، حتى النهاية·
 
··· هل كان هذا قدرها أم خيارها؟··· لا تدري، فكل الأمور تبدو لها مبهمة لا يطالها إدراكها، والصورة في ذهنها غائمة وعقلها عاجز عن فهم الأحداث التي تجري وعن التوصل إلى تفسير منطقي لها، لكنها كانت تجد نفسها مدفوعة للسير وراءه مثل سجينة تربطها بسجانها سلسلة محكمة، فالطريق واحدة والمصير واحد·
 
···· لما أفاقت من شرودها وجدت أنه كان قد سبقها كثيراً، حاولت أن تعدو فلم تستطع، كان التعب قد هدها وطول السير قد استنفذ كل قوتها· جاهدت كي توسع خطاها قليلاً فلم تفلح، إذ أن ساقاها كانتا ترتجفان من الإجهاد وتكادان لا تقويان على حملها أكثر· مادت الأرض بها وزاغ بصرها، شعرت أنها تكاد تفقد وعيها فنادته مجدداً بصوتٍ واهنٍ علَّه يرأف بحالها ويستجيب لها، لكن خاب أملها مثل كل المرات السابقة وتابع سيره الحثيث صامتاً حتى خيّل إليها أنه يستمرىء عذابها ويفرح بشقائها· تلفتت حولها تبحث عن أمل، أي أمل تتمسك به قبل أن يفوت الأوان وتركع مستسلمة من فرط يأسها· 
Page 5
 طريق وتراب وأشجار··· شمسٌ حارقة ورطوبة لزجة خانقة وأعصاب تذوب وتتساقط مثل قطع شمع مصهور، شعاع أمل ضعيف لا تكاد تراه وتحاول يائسة أن تتمسك به قادها الى هذه الصخرة العظيمة أمامها، تلمستها بوجلٍ وتشكك ··· هل تستطيع؟ ··· وما تفكر فيه هل من الممكن أن يتحقق؟··· سوف تحاول ولن تخسر شيئاً، وماذا تبقَّى لديها تخاف من فقدانه؟···
 
أغمضت عينيها كي تداري إخفاقها إن هي فشلت، ورسمت صورة لنجاحها الذي تتوق إليه في عتمة الأجفان المغلقة· طوقت الصخرة بذراعيها، حاولت أن تزحزحها، وجدتها تتحرك، ذهلت ولم تصدق ما حدث، فتحت عينيها وأعادت الكرَّة مرة أخرى، فتحركت، أومض برقٌ في فضاء الإدراك الغافل فأيقظه وأنار أمامه سماء لا حدود لامتدادها تلتمع فيها كواكب وأقمار مضيئة، كانت هذه هي لحظة الاكتشاف الرائعة، أيقنت الآن أنها انسانة ذات إرادة وأن لها روحاً حرَّة وقلباً ينبض بالحياة، وأنها قوية··· قوية·
 
حملت الصخرة، رفعتها الى أعلى، نادته بالصوت الجديد، استدار فزعاً، كانت الصخرة تندفع نحوه ···· لن تخطئه، عرف بخبرته الطويلة أنه قد آن الأوان وأن لا مفر من النهاية الآتية·
 
تنهدت بعمق، زفرت من أعماقها كل ألمها وعذابها وضعفها القديم، وقفت قرب الصخرة، تأملتها···ماذا تخبىء تحتها؟··· رفعتها، رأته، رأت على الأرض ظلاً يشبهه، أحقيقة هو أم خيال؟·· حقيقة أم خيال؟! ···، وقبل أن تنزل الصخرة، هُيِّىء لها أن دموعاً ترقرقت في العينين وسالت لتغسل بالحزن ابتسامة أخيرة رفَّت على الشفتين، وكأنها سمعت أيضاً قبل أن تكمل سيرها تحية الوداع·
Page 6
نقطة حمراء في نهاية السطر
 
رفع ذراعه ثم هوى بكفه على صدغها فارتطم رأسها بالحائط القريب منها· استغرقتها ثانية من الوقت كي تسحب مشاعرها الذبيحة من تحت أقدامه وتسد منافذ الخوف التي فُتحت قبل أن تسيل منها إنسانيتها وكبرياؤها ويفارقها إحساسها بأن كرامتها لم تُمس وأن يده الظالمة لن تصل إليها أبداً مهما كانت الصفعة قوية·
 
أدارت وجهها نحوه وصوبت إليه تلك النظرة المشحونة بكل ما تحمله أعماقها من بغضٍ واحتقار واشمئزاز، أثارت جنونه وأهاجته أكثر فخطا نحوها مادّاً ذراعه أمامه، كانت كفه المفتوحة تقترب منها فتراها تكبر وتكبر حتى غطت وجهها تماماً وحجبت آخر خيطٍ من النور عن عينيها· كان الضغط هائلاً، وأصابعه اللعينة تنغرز في وجهها فتكاد تفقأ عينيها وتحطم أنفها، إلا أنها لم تصرخ ولم تبك، حتى أنها لم تقاومه بتاتاً، بل انكمشت على نفسها وأخذت تردد في سرِّها من أجل أطفالي··· من أجل صغاري··، إذ كان لهذه العبارة مفعول السحر فيها، كانت تمنحها قدرة هائلة على الصبر والاحتمال وتبعث في روحها قوة مذهلة تمكنها من التجلد والصمود أمام ظلمة وطغيانه، كانت في أعماقها تدرك أن هناك ضعفاً هائلاً وإحساساً ذليلاً بالدونية يكمن في داخله ويحتمي خلف جبروته وبطشه، وحين كانت وحشيته تصل الى مداها وتقذف بها إلى قعر هاوية الضعف الجسدي، كانت روحها تبلغ ذروة قوتها، فهي تدرك أنها، على الرغم من ضعفها الظاهري، كانت تهزمه من الداخل، ونظرتها تلك كانت تخيفه وتزلزل كيان رجولته فتعريه وتكشف نقصه المختبىء في بؤرة أعماقه المظلمة، وكان هذا سر إمعانه في إيذائها ومحاولة إذلال روحها ···· لكن هيهات! ····
 
لمّا كلَّت يداه عن توجيه المزيد من الضربات، وعجزت قدماه عن الركل أكثر، أدار ظهره لها وسار نحو غرفته، وقبل أن يصفق الباب خلفه أمرها بأن تعدّ له الحمام وطعام العشاء ثم توقظه في السابعة تماماً ليسهر خارج المنزل كعادته في كل ليلة، ولم ينسَ أن يحذرها مهدداً بأنه لا يريد أن يسمع صوتاً للأولاد·
Page 7
تنهدت الصعداء ونهضت تجر قدميها نحو غرفة الأطفال، فهم الآن بأمسّ الحاجة إليها، إذ أنها قد عودتهم الإلتجاء إلى غرفتهم عند بداية كل شجار، وعدم التدخل أبداً في ما بينها وبين والدهم حمايةً لهم من شرِّه وأذاه،·· لا تخافوا يا صغاري، مهما حصل فلن أموت، إنه شجار بسيط يقع دائماً بين أي والدين، إنسوا الأمر الآن فعندي لكم مفاجأة، أنظروا، لقد أعددت لكم طبق الحلوى التي تفضلون، وزعت القطع بينهم وأخذت ترقبهم وهم يأكلونها ودت لو تستطيع أن تطعمهم قلبها بدلاً منها··يا إلهي كم أحبهم··، كان ولعها وتعلقها بهم يزداد مع ازدياد تنكيل والدهم بها، وكأن حبها لهم كان ملجأً أميناً وحصناً متيناً يذود عنها الأذى ويحميها من أن يصيب روحها فيميتها· كانوا يتناولون الحلوى بصمتٍ ووجوم وعلامات الحزن والاكتئاب تبدو على وجوههم·· هه، ما بكم؟·· إنها لذيذة، ألا تعجبكم؟··· وهمَّت بتناول قطعة منها كي تشجعهم، لكنها لم تستطع، فقد كان فكها عاجزاً عن الحركة بتأثير إحدى الصفعات الكثيرة التي تلقتها، ولما تلمسته بأطراف أصابعها بغية تليين حركته، ندت عنها صرخة سبقت محاولة كتمانها· كان الألم شديداً للغاية، أحسَّ به أطفالها، إذ لم يكن هناك مجال لإخفائه أو مداراته على الأقل، وآثاره كانت تبدو واضحةً على وجهها وجسدها، هزّت رأسها بأسىً وحرقة والتهبت في جوفها نيران السخط والثورة، وتصاعد دخانها الأسود حتى شمل عقلها وصبغ أفكارها المتضاربة بلونه القاتم حين رأت صغارها وقد نكسوا رؤوسهم في محاولةٍ لاخفاء دموعهم عنها، وأحست بألم الغصَّة التي وقفت حائلاً بينهم وبين تناول قطع الحلوى التي بللتها تلك الدموع· احتبس كل الكلام الذي كانت تُعدّه سلفاً لمثل هذه المواقف فانسحبت بهدوء دون أن تنطق بأي كلمة، فجأة فقدت كل الكلمات معانيها وضاع الترابط المنطقي بين مقاطعها، هُيىء لها أنها لن تتمكن من لفظ حروفها لو حاولت ذلك· أيقظت زوجها ليستحم، ثم توجهت نحو المطبخ وأعدّت له عشاءه، كأحسن ما يكون، حملت الصينية وعادت بها إلى غرفته حيث اعتاد أن يتناول وجباته وحيداً فيها· فتحت خزانة ملابسه وانتقت له ثيابه التي سيرتديها بعناية فائقة، مدّدتها أمامها على سريره، البنطال أولاً، يليه القميص، عدّلت ياقته المنشاة حول ربطة العنق الأنيقة ومررت تحته السترة السوداء، شدّت جوانبها إلى الأمام وردّتها فوق القميص، ساوت كُميها على الجانبين وأحكمت أزرارها الذهبية بحرصٍ بالغ، تراجعت قليلاً إلى الخلف، أمالت رأسها وأخذت تتأمل المشهد أمامها، لقد اكتملت الصورة الآن· وابتسمت راضية عما أنجزت· لطالما حلمت بهذه اللحظة، وها هو ذا حلمها قد تحقق، زوجها ممدداً أمامها على السرير، لا حول ولا قوة له وتحت رحمتها تماماً، لكنها لن ترحمه ·· لن ترحمه أبداً ! ···
Page 8
بهدوء وأناة تناولت سكين الطعام من صينية العشاء، شدَّت على مقبضها ورفعتها إلى أعلى ثم هوت بها بكل قوتها على ملابسه وانهالت عليها طعناً وتمزيقاً··· طعنته في صدره وفي قلبه، في ذراعيه وساقيه وفي كل أجزاء جسده الكريه الذي كان يسخِّر قوته لقهرها وسحقها وإذلالها وتعذيبها، وفي أثناء ذلك كانت ضحكاتها الهستيرية تتعالى كلما أمعنت أكثر في طعنه وتمزيقه وإذاقته كل صنوف العذاب التي طالما أتخمها بها·
 
عند باب الغرفة وقف زوجها مذهولاً يكاد لا يصدق ما يراه، وإذ أدرك ما يحدث أمامه واستوعبه انقضّ عليها مزمجراً وعيناه تقدح شراً وشرراً، كان الغضب المجنون قد استولى عليه تماماً وجرّده من الأثر الأخير الباقي للإنسانية في نفسه، فتحول الى وحشٍ مسعور، لا عقل ولا قلب ·· لا إحساس أو ذرة من الشعور ···
 
···· واشتعلت في الغرفة نار رهيبة، كانت ألسنتها تتراقص على صرخات الأطفال المذعورة، وكانت هناك دماء كثيرة··· دماء كثيرة في كل مكان!···
Page 9
سُطورٌ على الحيطانْ
 
وصلتُ إلى المنزل أخيراً، لم يكن ذلك سهلاً، إذ أن الخارطة التي كانت بحوزتي لم تكن منسجمة مع الواقع تماماً، المهم أنني في النهاية قد وصلت إليه· ظهر المنزل أمامي فجأة حين أنهيت ارتقاء التلّ التي تقع على أحد مشارف المدينة· ركنت سيارتي إلى جانب الطريق ثم وقفت على رأس التلَّ أتأمل المشهد الذي انبثق أمامي فجأة· ممرٌّ ضيقٌ يتفرع من جانب الطريق ثم لا يلبث أن ينحدر متعرجاً حتى يصل إلى باحة المنزل، وعلى جانبيه تمتد أرضٌ بكرٌ تتناثر عليها حجارة بيض تصغر حيناً وتتجمع على هيئة حصىً صغيرة، أو تكبر فتصبح كتلاً ملساء تغري المار بها على لمسها والاستمتاع بالرطوبة المحببة المنبعثة منها، وبين هذه وتلك تتوزع النباتات الطبيعية بحرّيةٍ وانطلاق، إذ لم تعبث بها أيدٍ بشرية تنظمها بطريقة مصطنعة فتفقدها بساطتها وفوضويتها العذراء· كان المشهد باختصار ساحراً مثيراً إلى أقصى حد، أو هكذا بدا بالنسبة لي على الأقل·
 
وصلتُ إلى باب المنزل، وقفت أمامه خاشعة، كل ذاك الجمال الذي مر بي جعلني محتاجةً إلى هنيهات من الصمت والسكون كي استوعبه واستعدّ لما يليه· جلست على عتبة الباب في ظل شجرة وارفة كانت أغصانها ترتفع عالية بمحاذاة المنزل، حتى أنه كان من السهل على متسلقها أن يصل إلى سطحه دون عناء، ومن أحد تلك الأغصان تدلت حبال أرجوحةٍ كان مقعدها الخشبي الصغير يهتز جذلاً كلما داعبته نسمة هواء· أغمضت عيني لحظةً ثم فتحتهما وعدت أتملَّى المشهد من جديد، إنه تجسيد واقعي للوحات كنت أقوم برسمها من وحي خيالي وأنا طفلة صغيرة··· البيت الصغير ذو النوافذ المزخرفة والأبواب التي تعلوها أقواس من الحجارة المنقوشة، ·· الأشجار المحيطة به،·· الطريق الممتدّة أمامه إلى المدى البعيد،·· الأزهار البرية والسهول تليها التلال التي تختفي نهاياتها في أفقه البعيد· بقيت البئر، حتماً لو درتُ حول المنزل لوجدتُ خلفه البئر المسوَّرة نفسها وإلى جانبها يستقر الدلو المربوط بحبلٍ طويلٍ يستلقي بكسلٍ على العشب الندي·
 
تناولت المفتاح من حقيبتي، صرير الباب كان يشي بحزنه وشكاته من طول الهجر والإهمال، فتحتهُ برفقٍ وتأنٍ وأنا أعضُّ على شفتي، فقد لمست روحي عذابه· اندفعت أشعة الشمس عبر فتحته فأضاءت الردهة الفسيحة أمامي، خطوت إلى وسطها ودرت حول نفسي أتملّى المشهد من زواياه المختلفة·· مثلما تخيلته بالضبط· أسرعت إلى النوافذ أشرعها، الواحدة تلو الأخرى، أخذتني كل تلك التفاصيل الصغيرة وتركتني مبهورة، إذ كان في هذا المنزل شيء ما يختلف عن باقي المنازل التي عاينتها من قبل، شيء لم أدرك كنههُ، لكنني أحسست به· أعرف أن ما فكرت فيه كان ضرباً من الجنون، لكن المنزل كان حيّاً وبه أصداء تتردَّد، إنها لا تُسمعُ بالأذن، لكنها موجودة، تستشعرها الروح ويفرح بها الوجدان، كان المنزل يحسّ ويشعر، لقد سعد بقدومي إليه، استقبلتني نوافذه بشوق غامر، كأن دفتا كل واحدةٍ منها كانت ذراعين مفتوحتين تنتظران بلهفة لحظة احتضاني، وجدرانه لم تعد صُمّاً باردة، إنها تشع الآن حنيناً دافئاً ينفذ إلى أعماق نفسي فيضمُّها ويحتويني·· يا للمنزل الرائع،·· يا للمنزل الرائع الحبيب··· مضيتُ إلى حيطانه أمرر عليها يدي برقةٍ وحنان، وأصابعي تلاحق الخطوط التي حُفرت عليها· ضحكت ملياً حين رأيت الصور التي كانت تعجُّ بها حيطان إحدى الغرف، حتماً كانت تلك غرفة الأطفال··· هنا جملةٌ تصف أحدهم بأنه جاهل وغبي، وإلى جانبها رسم يمثل وجه طفل له أذنا حمار·· على الحائط المقابل خرابيش بالألوان الشمعية، حزرتُ أنها لطفلٍ لم يتجاوز السنة الثالثة من عمره، تليها محاولات جادَّة لكتابة بعض الحروف الهجائية والأرقام، فخمنتُ أنها لتلميذ مجتهد في سنته الدراسية الأولى!·· أما الغرفة الأخرى فكان جدارها يوحي بأن صاحبتها مراهقة غاية في الرِّقة ورهافة الإحساس، إذ اكتظت زاوية منه بأبيات شعرٍ عاطفي، وخطوط أخذت شكل قلب يخترقه سهم تناثرت على جانبيه بعض الأحرف التي ترمز مؤكداً إلى أسماء أصحابها، إضافة إلى تواريخ وأسماء أيام ورموز لم أفهم معناها·
Page 10
الغرفة الأخيرة كانت حتماً للوالدين، لون طلاء الجدران وزخرفته الأنيقة دلّت على ذوق رفيع وإحساس فائق بالرقي والجمال، كأن الستارة الوحيدة التي بقيت في المنزل كانت قد تُركت عمداً على نافذتها لتصونه وتحميه، على الرغم من مرور الزمن وتراكم الغبار بين ثناياها، إلا أن التطريز اليدوي المتقن الذي زيَّن حافتها لم يخف عليّ، فرسمت في خيالي صورة للسيدة التي كانت يوماً ما ربَّة هذه القطعة الصغيرة من الجنَّة·
 
أرخيتُ العنان لمخيلتي فانطلقت كمهر بري فضولي بين الغرف ترسم صوراً مختلفة لساكنيها·· هنا أسرَّة الأطفال، أظنهم ثلاثة، أكاد أسمع أصوات لعبهم وصراخهم وضحكاتهم البريئة ·· هناك تجلس تلك الصبية الحسناء لساعات طوال تهمس للقلم بأسرارها الحميمة، فيخطها على الأوراق المخبأة تحت الوسادة وخلف السرير أشعاراً وصوراً ··· وها هي ذي الأم تتنقَّل في أرجاء جنتها، يرن في أذني صوت وقع قدميها وهي تروح وتغدو مترنمة بألحانٍ شجيةٍ شائعة···
 
أفقت من شرودي ذاهلة، هذا المنزل ما زال يحيا بساكنيه، أيامه تصحو على ضوضائهم وتغفو لياليه على تردد أنفاسهم، سأتركه لهم، ·· على الرغم من تعلق قلبي به، سأتركه لهم وأرحل··· انسحبت بهدوء، ودَّعت الحلم الجميل وانطلقت عائدة إلى مالكة المنزل، كانت تستعد للنوم عندما وصلتُ إليها في المساء، فتحتْ لي الباب بيدٍ مرتجفة ودعتني إلى فنجان من القهوة، اعتذرتُ لها آسفة إذ لم أشأ أن أثقل عليها، يكفيها عبء السنين الذي تحمله مرغمة· ناولتها مفتاح المنزل معتذرةً لها عن عدم تمكني من السكن فيه على الرغم من إعجابي الشديد به· قرأت في عينيها تساؤلاً ينمُّ على عدم فهم أقوالي المتناقضة، لكن أظن أنها أدركت فيما بعد ما عنيتُ عندما استدرت نحوها وأنا أهمُّ بالخروج وسألتها، سيدتي، ،، لماذا تنامين وحيدة هنا وكل الذين تحبينهم ما زالوا هناك في المنزل بانتظارك؟··