الإهداء
إلى.. الأربعة الذين يشاركونني بظل غيابهم منذ 22 آب 2006
كاظمة خضر/1963
زهير صالح زامل/1991
البهاء صالح زامل/1995
زينب صالح زامل/1999
إلى... الاستاذ محمد حافظ.. أخا وصديقا وإنسانا
إلى... صديقيّ الحميمين...
الناقد الدكتور ناظم عودة
والشاعر عباس خضر
بغربتهما البعيدة وفاء لحوارات متصلة من الإنسان
إلى... الدكتورة شذى خلف حسين
الحياة ينبوعها ولحظتها المتجددة
إلى... الناجي العظيم من المحرقة بغربته المبكرة
إياد صالح
وبالتأكيد إلى.. زين وودّ
(1)
تهتم هذه الدراسة بمعاينة الكيفية التي تم فيها التفكير بالأدب والنقد في العراق في عقد الثمانينيات وما تلاه، إذ يمثل هذا العقد- تحديدا- تحولا في الدراسات النقدية إلى المناهج النقدية الحديثة، ولا يقف هذا التحول فقط عند مغادرة المناهج التاريخية والاجتماعية والنفسية، ولكن في الوقت نفسه طرأ تغيير وتحديث على المناهج الأخيرة من جهة تحديث طرائق تحليلها للأعمال الأدبية.
وستضع الدراسة حدودها في إطار النقد الأدبـي بالعراق، وفي النقد الذي كتبه نقاد عراقيون ومن ضمنهم النقاد الأكاديميون، وقد كان من فضل الجامعة العراقية منذ مطلع الثمانينيات أنها تبنت مجموعة من النقاد الشباب الذين كتبوا رسائل وأطاريح رصينة خاصة في الاتجاهات النقدية الحديثة.
إن الكيفية التي سيتم فيها دراسة هذه الأعمال النقدية إنما تقوم على الوصف لهذه الأعمال، ثم أهم المسائل التي عالجتها فضلا عن الشروع بنقدها وتحليلها وموازنتها بغيرها.
فالغاية التي يرمي إليها النقد هي تكوين معرفة حول أسس التفكير النقدي ومرجعياته والظروف التاريخية والثقافية التي ساهمت في نشأته، علاوة على الوقوف عند المناهج التي أخذ بها ووجدها قادرة على تحقيق أغراضه العلمية. وبعد ذلك سوف تقف دراستي هذه عند الموضوعات التي كانت مجالا لانجاز أو تطبيق تلك الفرضيات على صعيد الواقع الأدبـي الحي.
ويتناول التحليل مجمل القضايا والأفكار التي كانت موضع اهتمام ودراسة النقد الأدبـي منذ عقد الثمانينيات سواء أكان نظريا أم تطبيقيا.
والموازنة التي سأقوم بها فإنما تهدف إلى التعرف على مدى التطور والتغير والتبدل والإضافة التي لحقت الأعمال النقدية بحسب التتابع الزمني من خلال مقابلة هذه الأعمال بمجايلاتها من العقود السابقة واللاحقة، ولذلك ستبرز الدراسة بالمحصلة أهم الأعمال النقدية التي يمكن أن تكون واجهة للنقد الأدبـي في العراق.
كما ستعنى الدراسة بالسياق الثقافي في مجالاته (الثقافة، والتغير التاريخي) وكيف يعمل كل منهما أثره في التحول إلى المناهج، أو التشديد على منهج أو فكرة معينة وإقصاء أخرى.
هذا فضلا عن قضايا إشكالية تعرض للدراسة ذات صلة بهذه الأعمال النقدية المدروسة؛ كمشكلة المصطلح والنظرية، فتتحدث عن المفاهيم المبتكرة والنظريات أو الفرضيات الجديدة التي تبناها النقد في العراق، كما نرصد اثر الترجمة في شيوع بعض المصطلحات والنظريات وفي تبني بعض الأفكار.
وينبغي الإشارة هنا إلى أن هذه الدراسة[1]تسعى بقوة إلى اكتشاف دور الجامعة العراقية في إنتاج عدد من الدراسات الأكاديمية المهمة، التي امتازت بخصائص علمية ومنهجية أثرت تأثيرا كبيرا في رسم صورة المشهد النقدي بالعراق، وتتطلع هذه الدراسة إلى إنصاف إسهام الجامعة في تطور الفكر النقدي العراقي وخلق حركة نقدية تفيد من الأعراف الأكاديمية من جهة، ومن تطور النظريات والمفاهيم النقدية الجديدة من جهة أخرى، وما تتمنى أن تقف عنده هذه الدراسة وهو تجلية ذلك الإسهام في جانبيه الفكري والتاريخي.
(2)
لقد كتبت هذه الدراسة تحت طائلة مكابدات جمة؛ هي ما تنوء به الواقعة العراقية في السنوات الفائتة والمسورة بالألم والفقدان..
فقدان العائلة في ظل احتراب وحشي وقاس ليست طرفا فيه.
فقدان ما قرأت وما دونت وذيلت وفكرت في لحظة كانت النار تلتهم كل شيء أعزتي الراحلين (كاظمة وزهير والبهاء وزينب).
ثم كان آخر الفقد أستاذتي المشرفة الدكتورة عربية توفيق وهي تسلم الأنفاس الأخيرة، ومرض القلب الذي داهمها يحمل جزءا كبيرا منه التوتر الذي يشل حياتنا، فكان الأذن بالطباعة لأطروحتي هو آخر الأذون التي ذيلتها.
كل هذا يفتّ من العضد، ويفلّ الصخر، ويبعثر الأفكار ويلاشيها، ومع ذلك كتبت هذه الدراسة (الاطروحة) بإصرار الحياة، وإكراما لهؤلاء جميعا، وأظن كانت كتابتها بزمن قياسي هو سنة التمديد بالقياس للمنجز الهائل للنقد العراقي، والمدة الطويلة التي حاولت الدراسة أن تحصرها دون أن تخل، فإذا طالها شيء من التقصير فأرجو أن لا يكون قد أخل بوجهتها الأساسية.
وإن لم أكن أهملت قراءة شيء في المنجز النقدي العراقي، فإني ملت إلى الانتقاء غير الاعتباطي، وقد وضعت لذلك ضوابط- سأذكرها- ولا يعني أن الذي أهملته كان قليل الأهمية (فإن نقاداً مثل سعيد الغانمي ومالك المطلبـي وطراد الكبيسي فضلا عن مشروع المفكر الذي يمثله الناقد ناظم عودة لم تطرق هذه الدراسة جهدهم) ولكن اشتغلت بالآتي:
1- وازنت بين متاحات الحركة التي تعطيها النقود موضوع الدراسة، وهي الغزارة النوعية خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
2- وضعت في خطة كتابتي أن أتناول كل ناقد صدر له أكثر من كتابين، وقليلا ما أخللت بذلك عندما وجدت منهجا لم يكتب فيه إلا ناقد له كتاب واحد.
3- أن أدرس الناقد الذي أفهم أن لديه مشروعاً نقدياً، يمكن تلمسه من استمرار جهده وتراكمه العمودي وحضوره اللافت في الحركة النقدية العراقية، عندما يكون هناك ناقدان في منهج واحد أو فضاء اشتغال واحد.
(3)
لقد قدمت العديد من الدراسات في مجال نقد النقد، لكن منها ما كان مهتما بنقد الشعر فقط وأخرى بنقد القصة والرواية، كما كانت أخريات قد وقفت عند بداية تاريخية وانتهت بتاريخ آخر، وهذا وان كان لا يخل بعملها لكنه يختلف عن جهدنا في هذه الدراسة الذي يركز على جانب النظرية في هذا النقد، فضلا عن الكلية التي مثلتها تلك الأعمال النقدية ومدى إمكاناتها في مأسسة نقد أدبـي في العراق، وقد حصرنا بعضها وهي كالآتي:
1- محاضرات الدكتور جميل سعيد (نظرات في التيارات الأدبية الحديثة في العراق)، وهي محاضرات ألقاها في 1954 في معهد الدراسات العربية، والتاريخ دال بأنها تغطي الخمسينات وما قبلها، وتميزت بأنها لم تقتصر على الشعر وإنما أخذت القصة عند (محمود احمد السيد وأنور شاؤول وذو النون أيوب وعبد المجيد لطفي)، وأخذ ظاهرة الرمز في القصص، ثم تناول المسرحية وصنفها إلى المسرحية النثرية والمسرحية الشعرية، أما في الشعر فقد درس التيار الاجتماعي وبناء القصيدة، وواضح أن التيار المراد هنا هو ما استقر على تسميته بالنوع أو الجنس، لذا فهو يعد أسلوب الرمز في القص تيارا حديثا[2].
2- محاضرات الدكتور احمد مطلوب (النقد الأدبـي في العراق)، وقد غطى النقد العراقي منذ أوائل القرن الماضي إلى الستينات، وفيها مادة نادرة جمعت من الصحف والمجلات القديمة، وهي محاضرات ألقيت على طلبة معهد البحوث والدراسات العربية الجامعة العربية- في القاهرة سنة 1968 وقد اهتمت غالبا بالنقد حول الشعر.
3- دراسة عباس توفيق (نقد الشعر العربـي الحديث في العراق من 1920- 1958)، فمن مناهج نقد الشعر التي درسها في فصل هو (المنهج التقليدي- وعنى به النقد الذي توسم النقد العربـي القديم نموذجا، ويتناول النص تناولا مجزءا مفككا[3]، والمنهج التاريخي، والمنهج الوصفي أو التفسيري ويقصد فيه اكساء الناقد متابعته طابع التفسير والتحليل فقط وعدم تجاوزهما إلى الحكم على النص بالجودة أو الرداءة[4]، والمنهج الفني).
4- دراسة ثابت الآلوسي (اتجاهات نقد الشعر في العراق من 1958- 1980). وهي أيضا رسالة ماجستير نوقشت في القاهرة سنة 1982 بجامعة الأزهر. وهي إتمام للمرحلة التي بدأ دراستها عباس توفيق.
5- دراسة عباس ثابت حمود (النقد الجامعي العربـي للشعر العراقي الحديث، 1945- 1980).
6- دراسة حسين عبود حميد (المناهج النقدية في نقد الشعر العراقي الحديث) وهي اطروحة دكتوراه مقدمة لكلية الآداب جامعة بغداد 1991.
7- دراسة جمال حافظ واعي (الصحافة الأدبية في العراق 1968- 1986) وهي رسالة ماجستير مقدمة لكلية الآداب جامعة بغداد 1988.
8- دراسة مرشد الزبيدي (اتجاهات نقد الشعر العربـي في العراق، دراسة الجهود النقدية المنشورة في الصحافة العراقية بين 1958- 1990). وهي اطروحة للدكتوراه قدمت لكلية الآداب جامعة بغداد.
9- دراسة بتول قاسم ناصر (تطور الفكر النقدي الأدبـي في العراق، منذ نشأته في العصر الحديث والى الحرب العالمية الثانية، دراسة في ضوء المنهج الجدلي). وهي اطروحة دكتوراه قدمت لكلية الآداب جامعة بغداد.
10- دراسة الناقد سعيد الغانمي (مئة عام من الفكر النقدي، الأصول الثقافية والمرجعيات الاتصالية للنقد الحديث في العراق)، صدرت عن دار المدى للثقافة والنشر- دمشق 2001، وهي تأخذ محطات في النقد العراقي.
(4)
لقد ضمت هذه الدراسة بين دفتيها مقدمة وتمهيدا وثلاثة فصول وخاتمة وفهرست بالمراجع.
1- عرضت المقدمة منهج الدراسة ووجهتها، أما التمهيد فتوقف عند استقبال المناهج النقدية الغربية في النقد الأدبـي العراقي والوسائط التي أسهمت في هذا الاستقبال.
2- تضمن الفصل الأول ثلاثة مباحث رأتها الدراسة مهمة عنيت بالنظرية النقدية؛ كيف تشكلت في ثقافتها الأصلية قبل أن تنتقل إلى ثقافتنا، ثم الوقوف عند الاشكاليات التي رافقت هذه النظرية. وهذا ضمنا يحملها إشكالية مضاعفة وهي تنقل لثقافتنا؛ فتناول المبحث الأول مقاربة النقد للعلم وكيف تشكلت خاصة في النقد العلمي الذي ستستنفده المناهج السياقية؛ وفي المبحث الثاني وقفت الدراسة عند مرجعية النقد الحديث التي مثلت الفلسفة والعلوم الاجتماعية أحد أهم مرجعياتها وألفتنا إلى أن النقد الحديث ظل يبحث عن الصلة بالعلم من خلال البحث عن المنهج، وأصبحت صلة النقد بالعلم الآن بطريق غير مباشرة أي من خلال العلوم الإنسانية؛ بالمبحث الثالث نصل إلى وضع النظرية بعد تكوين المرجعيات وما استقرت إليه وهو الشكل الذي وصلتنا به في العراق أوائل الثمانينات.
3- في الفصلين الثاني والثالث كان جهد الرسالة الأساسي وهو فحص المنجز النقدي العراقي؛ فقد قسمته الدراسة إلى مناهج سياقية كانت مدار الفصل الثاني، وكان بخمسة مباحث غطت جهدا تنتمي جذوره إلى أكثر من نصف قرن، لذا امتاز بالتنوع وبالتحديث والإضافة النوعية التي رسختها قراءة المنجز الإبداعي العراقي وهو منجز متميز خاصة في مجال الشعر وستجد الرواية ميزاتها في العقود القريبة.
4- ثم كان الفصل الأخير (الثالث) الذي فحص مناهج الحداثة وما بعدها في النقد العراقي من خلال جهد نماذج من النقاد العراقيين الذين اتصف حضورهم ليس عراقيا وإنما في الوسط النقدي العربـي بوصفهم متمثلين للنظرية ولهم رؤية في الممارسة النقدية.
5- أما الخاتمة فحاولت أن تصل إلى تلخيص رؤية الدراسة وما توصلت إليه من وضع النقدية العراقية.
أجدني ملزماً هنا بالشكر فهو ترجمان المحبة لصديقي وناشري الدكتور عدي الشبيب صاحب (دار أوما) لتبنيه نشر كتابـي ولصداقة ممتدة. كما الشكر للأحبة والأصدقاء لما قدموه من عون بإهداء كتاب أو إعارة أو طباعة أذكرهم بالترتيب الهجائي: سعد سنسول لطباعته مباحث من هذه الاطروحة، والدكتور الصيدلاني سيد عبد المجيد والمهندسة هديل سيد عبد المجيد فلم يبخلا بفتح باب مكتبتهم الخاصة وما اقتنوه لي من كتب خلال سفراتهما، والأستاذين صباح حاتم وعلاء حميد، فلهما آراء وحوارات فكرية كانت أسئلتها تجد حضورها، ولمكتبة المرحوم عدنان سلمان والمقيمين عليها بعد انفجار شارع المتنبـي الاصدقاء الكتبـي محمد سلمان والكتبـي ياسر علاء، وهما يقدمان عونهما من خلال تيسير الحصول على الكثير من الكتب التي أفادت منها الدراسة، ولمكتبة الحنش والمقيمين عليها الاصدقاء الكتبـي كريم حنش والكتبـي خالد حسين.
والشكر ممتد لكل الأصدقاء الذين لا تسع الصفحات لذكرهم وهم يغمرونني بالسؤال والاهتمام.
وبعد أرجو أن أكون قد وفقت في جهدي هذا.
المؤلف
كتب ببغداد- شارع فلسطين في
13-10-2008
(1) الإطار التاريخي
إن معاينة النقد العراقي الحديث تلفت إلى انشغال مبكر بتطوير آلياته وتحديثها، وإن هذا الانشغال على الرغم من التخصص بالظاهرة الأدبية والتراكم في الأعمال الإبداعية، الذي جمعها من أوجه النشاط الاجتماعي، إلا أن الوعي النقدي بالمعارف النظرية النقدية الدقيقة لم يثرَ بالقياس إلى اطراد تلك الأعمال وتنوعها، وقد تأخر الاشتغال على التنظير النقدي إلى عقود لاحقة لعل بواكيرها السبعينات وما تلاها، أما ما طبع به النقد العراقي الحديث في أولياته فهو جملة اتجاهات تلمس فيها الفوضى والاضطراب لكن تسيدت فيه اتجاهات معينة. يمكن إجمالها بما يأتي:
أولاً: سيادة النقد اللغوي- النقد الذي يعنى باللغة من ناحية التصويب والفصاحة- ويأتي تسيده لوجود حاضنة له من الإرث النقدي، وقد شغلت به النقود التي تبنتها الصحف ولا يخلو منها النقد الاكاديمي بل تبناها بالفجاجة ذاتها التي كانت في النقد الصحفي.
ثانياً: غلبة الطابع السجالي على الاستقصائي، وإن أنتج لنا هذا السجال كتاباً مهماً ككتاب علي الوردي (أسطورة الأدب الرفيع)[5]وفيه وعي مبكر وتأسيس منقطع في النقد العراقي للنقد الثقافي[6].
ثالثاً: عومل الأدب من خلال الأفراد أو أعلامهم كالزهاوي والرصافي مثلاً، دون فسح المجال للأدب بشكل عام أو لأعمال معاصريهم، وكان إذا تناول أعلام الأدب المعاصر فيقارنهم بنماذج الأدب السابق، كالعصر الأموي أو العباسي دون اعتبار غالباً لسمات كل من الأدبين، سواء المعاصر أو القديم.
رابعاً: إن التوصيف للأعمال الأدبية، عني بالجانب الفكري وعول عليه مثل؛ الإصلاح، والأخلاق، أكثر من العناية بمكونات هذه الأعمال.
خامساً: غالباً ما مزج نقد الأعمال بنقد السلوك الشخصي والاجتماعي. سادساً: إن الشعر استأثر باهتمام النقد على الرغم من وجود أجناس أخرى.
هذا التوصيف لا يقلل من قيمة هذا النقد وأهميته في التأسيس لما سيليه، وفيما سيتخذ من مناحٍ أسهمت الصحافة آنذاك في اتساع مساحتها، هذا فضلاً عن شروع حركة تأليف في الكتب، وهذا التحول من المقالة الصحفية إلى الكتاب سيرصن بشكل كبير الاتجاهات المنهجية في هذا النقد.
أما في الأربعينات والخمسينات فقد كان هناك منجز مهم في الشعر بل حداثة شعرية تمثلت بحركة الشعر الحر، لكن هذين العقدين في النقد كانا يتحركان بمعزل عن الحداثة الأوربية، ونقدنا كان يتعارض آنذاك مع أهم سمات هذه الحداثة التي هي الإيحاء بأن الكاتب لا هم له سوى الكتابة وبمعزل من الاتصال بالعالم خارج كتابته، وبذلك رفضت كل ما هو واقعي، أي أن الكاتب لم يعد يطمح إلى تحقيق التماثل بين عمله وما يصوره، بمعنى آخر أن الحداثة تكرس القطيعة ليس مع ما حولها وإنما تطال كل ما سبقها وهي بهذا التكريس للانقطاع إنما تتقمص العصامية التي تدعيها النظم الليبرالية الغربية، في حين الراهن العراقي والعربـي عموماً آنذاك كان يفرض نمطاً آخر غالباً في معالجة النص حيث كان الاحتفاء بالاتجاهات الاجتماعية في أوجّه، فالسنوات التي توازي ظهور النظريات الحداثية في الغرب، وخاصة في الخمسينات والستينات، يقابلها خروج الاستعمار الغربـي من أغلب البلدان العربية، ويقابلها ثقافة مشبعة بالثورية تقابل هذا الاستعمار، وعليه فليس من السهل التواصل آنذاك مع النظريات الغربية ليتأخر اللقاء بها إلى السبعينات والثمانينات وهي بداية النكوص للثورية العربية.
وعلى الرغم من أن العقدين السابقين (السبعينات والثمانينات) لم يتبدل فيهما راهننا كثيراً لكن توجد آنذاك رغبة غربية في تصدير هذه الحداثة، لذا هناك رؤية ترى أن هذه الحداثة بالصورة التي وفدت إلينا لا يمكن أن تكون جزءاً من بنية فوقية لهذا الراهن، ثم أن مجتمعات رصنت بنيانها على مدى سنوات طويلة باعتبارها قوى مؤثرة ومنتجة للحضارة كالبلدان الأوربية تقف بخوف أمام ظاهرة مثل العولمة لأن الولايات المتحدة تتصدرها، فكيف نكون نحن الذين نعد مستهلكين لا منتجين للحضارة، ونحن لا نمتلك بنية اقتصادية- اجتماعية واضحة، وإنما مجتمعات مهجّنة، فلا هي اشتراكية كما أدعت منذ الخمسينات حتى أواخر السبعينات، ولا هي رأسمالية كما تتسابق اليوم نحو اقتصاد السوق، ولا نفهم أن تكون باقتصاد إسلامي، فهو غير واضح المعالم بالقياس للنظريات الاقتصادية الحديثة التي تصطرع في العالم لوقت قريب، فلا توجد لهذا الاقتصاد رؤية متكاملة وإنما هي أفكار بين الرأسمالية والاشتراكية، هذه البلبلة تخلق بنية مبلبلة، تنتقل هي الأخرى بين مبدعي النص، ونظرهم للنقد التي تصل إلى حد الاتهام والاحتقار للمنجز النقدي واتهامه من قبل بعض الكتاب بالمجانية والمحاباة والغباء[7].
لكن بلوغ درجة معقولة من التراكم في هذا النقد جعل العقل والثقافة يستشعران ضرورة تحليل هذا النشاط بوصفه نشاطاً له دلالته، لذا شهدت أواخر السبعينات ثم الثمانينات وما تلاها تحولاً مهماً في النقد العراقي، وإن كان هذا التحول بدأ بالاعتماد على المنجز الفردي بالتحول إلى النظرية والمفاهيم النقدية الحديثة التي استقبلت من الغرب.
وتعليل ذلك إذا قاربناه بالمنجز الغربـي الحداثي فلأن تطور النقد في أوربا ارتبط بتطور العلوم الإنسانية، فالمنظومة المعرفية الغربية وفي المقدمة منها الفلسفة اتصفت بطابع نقدي يتجه إلى فهم وتحليل آليات الإنتاج العقلي منذ أن استهل كانط اللحظة الحداثية فلسفياً لفلسفته النقدية[8].
لقد وضع الفرد في المنجز الحداثي الغربـي بمقابل الجماعة، والإبداع بمقابل التقليد، وكان تركيز الحداثة على الفردية بوصفها سمة لأسلوب الفنان، وتركيزها على الإبداعية بوصفها قدرة الخلق التي تتيح للفرد الانعتاق من التقليد، وتأتي من جهة كونهما معيارين هامين في أوربا، ومن هنا احتل النقد المكانة الهامة التي وضع فيها، لأن النقد هو الذي يكشف عن وجود هاتين السمتين (الفردية) و(الإبداعية) أو غيابهما، وفي ضوئهما تتحدد أهمية العمل ومكانته، لقد نظرت الحداثة الغربية للعمل الفني بأنه العمل الذي يخلق القطيعة المطلقة مع ما يسبقه.
وفي العراق كان يفترض أن تظهر الحاجة إلى أن ننتج حداثتنا النقدية بالقوة نفسها التي عاد فيها الأدب العراقي (من خلال الشعر الحر) للحضور في العالم العربـي، إلا أن النقد لم يكن موازياً لحركة الشعر بقوة، وهذا الاقتحام الذي يمثله الشعر سيعود في الستينات، وهناك محاولات المبدعين في التجريب والتحديث والتطلع إلى الحداثة الأوربية من خلال جماعة كركوك، ومجلة شعر 69، ومجلة الكلمة، وترافق هذه التجارب التي ستصدر ببيانات من مقدمة نازك الملائكة المهمة لـ(شظايا ورماد) إلى بيانات الشعر في العقود التالية، ثم كانت هذه التجارب في هيئة تآليف سجالية في عقود لاحقة كـ(الموجة الصاخبة، لسامي مهدي)، و(الروح الحية، لفاضل العزاوي)، و(إنفرادات، لعبد القادر الجنابـي)، في حين انفرد منهم فوزي كريم بكتابات نقدية لم يكن انشغالها الستينات ولكنه لم يمنع نفسه من هذا الاغراء وسيؤلف في وقت تالٍ كتاباً يكون عنوانه (تهافت الستينيين).
(2)اتجاهات النقدية العراقية
في السبعينات تنشط الاتجاهات الانطباعية والأيديولوجية وحضور قوي للنقد الاجتماعي، وهناك احتفائية عالية ورعاية أبوية للإبداع العراقي يمثلها حضور قوي للدكتور (علي جواد الطاهر) ويذكرها الأدباء جميعاً بإعجاب، وهو يذكر بأهمية هذه المجموعة وذلك النص وتلك الرواية وهذا النقد، ودار في هذا المحور عبد الجبار عباس. وهذا الجهد يوازيه د.عناد غزوان لكن بالتفات للمناهج التاريخية من خلال الترجمة ورؤية في تطور النص النقدي.
ومع الاتجاه السابق كان النقد يحدّث طرائقه ويبحث بعض نقاده عن قضايا فنية في النص، كاشتغال ياسين النصير في المكان، وفي الثمانينات نستطيع التعرف على اتجاهات الحداثة من خلال ثلاث وجهات:
الأولى: من خلال كتابات نقاد عنها مثل مقالات سعيد الغانمي ومالك المطلبـي، وفاضل ثامر، وحاتم الصكر، ومحمد الجزائري.
الثانية: من خلال الترجمة فقد تولتها مجلتا الثقافة الأجنبية والأقلام فضلا عن دور النشر التابعة لوزارة الثقافة ومنها دار المامون المتخصصة بالترجمة.
الثالثة: التطبيق على المنجز الإبداعي فضلاً عن الالتفات للنظرية.
وفي التسعينات وما تلاها كان مدارها أيضاً بالمحاور ذاتها ولكن بصورة أعمق من سابقتها ويمكن إجمالها بما يأتي:
أولاً: الاهتمام بالنظرية بشكل لافت وحضور النقد الاكاديمي في هذا المجال إذ كتبت أطاريح جامعية مهمة في هذا المجال.
ثانياً: الاهتمام بالجانب التطبيقي وعني به النقاد الذين كانوا يعدون من الوسط الصحفي لكنهم دخلوا الوسط الأكاديمي.
ثالثاً: اطراد الترجمة ومثلها نقاد عراقيون سيكون حضورهم عربيا عبر المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت، والمركز الثقافي العربي- بيروت والدار البيضاء، ودار الكتاب الجديد المتحدة ودار أويا- بيروت وطرابلس الغرب.
(3)دور الوسائط في استقبال المناهج النقدية
هناك بون شاسع بين نقد يقف على مرجعيات متكاملة أسست له وبين نقد يستعير الآليات ثم يتعرف على مرجعياتها لاحقا، لذا إن لم نعد أنفسنا مستهلكين، فثقافتنا بلا شك عاجزة عن اللحاق بالتحولات السريعة التي تمر بها اتجاهات النقد الحديثة ونحن نتأخر دائماً في التعرف عليها، وكثيراً ما يكون هذا التعرف بعد أن تستنفذ تلك الاتجاهات لأغراضها في ثقافتها الأصلية، ودقة هذا التعرف تكون قاصرة بل غير تامة وغير دقيقة، ولكن تحتاج لبناء فكر نقدي قادر على تمثل الفكر الغربـي.
لكن بعد كل هذا، هل تنتفي الحاجة للمناهج الغربية، يبدو من الصعوبة أن تقف الثقافة العربية بمعزل عن استقبال هذه المناهج الحديثة، التي يتيح لها حقل العلوم الإنسانية هذا الكم من التوالد، لكن هل كل هذه المناهج يمكن استقبالها بسلاسة وتمثلها تمثلاً نقدياً دون أن تكون مجموعة مصطلحات متنافرة، وتحضر نصوصها النقدية بحرفية النقل لمناهج هذا النقد، مع إيماننا أن الحاجة قائمة بالرجوع إلى المصادر الأولى لهذه الأدوات المفهومية.
لقد أثار التعرف على المفاهيم الفكرية الغربية الحاجة إلى تجديد النقد العربـي، ولكي يكون ذلك لابد من تجديد النظام المفهومي لنقدنا، أي "أنه لا يتحول إلى حداثة نقدية إلا عندما يستحدث جهازاً معرفياً يباشر به النص الأدبـي مثلما لم يباشره السابقون"[9].
لقد أثار الاستقبال واللقاء بالمناهج الغربية نـزوعاً واضحاً تضخم فيه البحث عن الذات عندما وقف النقد العربـي أمام المفاهيم العربية الموروثة موقف التساؤل والتفكير بجدواها، إلا أن البحث عن الذات يجد مرجعياته في مواجهة التحديث في العالم العربـي، ومنه العراق في المواجهة مع الاستعمار الذي حط من الإنسان التقليدي وهو بهذا الحط أخذ وجهة إيجابية بالنسبة للشعوب، لأن التحطيم للتقليدي يفترض بناء جديدا، وهو يأمل من هذا البناء أن يصل بواسطة الحداثة إلى نوع جديد من المغايرة مع التقليدي ليصنع محددات لهويته الجديدة، والأمثلة على ذلك كثيرة خاصة عند النخب الثقافية، فقد اخرجوا الفكر العربـي من منطقة التقديس التي تلغي كل الحوارات إلى الطابع التاريخي الذي يقبل بتراتب الأشياء، وتبدلها، وتجددها، وحوارها، ففي مواجهة الاستشراق والتبشير مثلا عمدت هذه النخب إلى المحاججة العلمية لكي تظهر أن الإسلام منظومة مرنة تقبل التكيف والحضور في أزمان مختلفة وبوقائع متباينة، وحاولوا إعادة إنتاج وإحياء الكثير من المقولات والمفاهيم التراثية ليجدوا لها وصلاً بالحداثة من خلال إعادة تأويلها، وقد أفاد هذا الغربال بقدر ما أساء، إذ للآن مازالت الحاجة ماسة لإعادة النظر بالكثير من المسلمات والأسس التي ترتكز عليها مفاهيمنا وذلك لا يكون بدون مرجعيات معرفية قادرة على أن تؤسس لمناهج نقدية أو على الأقل تمثل ما وصل إليه النقد أممياً.
إن النظر في الخطاب النقدي العراقي يقودنا إلى تميّز نصوص نقدية تكاد تكون متواصلة في بنائها التاريخي بسيرة أفقية منذ أوائل القرن الماضي:
1- نصوص أسست لأوليات النقد في العراق وكان وجه عنايتها خطاب نهضوي.
- نصوص التأسيس ومرجعياتها التراث العربـي القديم، وفكر النهضة في العالم العربـي.
2- نصوص كان جزءاً من عنايتها ومرجعياتها النظرية النقدية الغربية أفادت من المفاهيم الإجرائية وطبقتها حرفياً على النص الإبداعي العربـي.
3- نصوص تأصيلية كانت عنايتها النهوض بحداثة عربية متمثلة للمنجز الغربـي.