Page 1
مقدمة
يفنى الجسد والنفس (الروح الإنسانية) باقية
اعرف نفسك (روحك الإنسانية)، فالصدق في معرفة النفس ومواجهتها هو الخطوة الأولى للوصول إلى اليقين والسلامة من الشك والحيرة والضياع.
النفس الإنسانية كامنة فينا، ماثلة بين أيدينا، فلا حاجة بنا لكي نعرفها على حقيقتها، إلى إحالة على غيب، فمن الغيب ما يصبح شهادة إذا تجاوزنا المظهر الخارجي الذي يحجب عنا الحقيقة. فلماذا لا نفعل قبل أن يكشف عنا الغطاء؟ يقول تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:21].
الإنسان ليس جسداً، وإنما الجسد هو المظهر، والقشرة الخارجية، والأداة. ذاتك (نفسك) ليست جسدك. أنت لا تغفل عن نفسك مطلقاً، أما جسدك فما من جزء منه إلا وتنساه أحياناً. وجسدك في تحلل وتغير وتجدد في خلاياه دائمين، أما ذاتك فلا تتبدل.
جسدك مجموعة من الأجهزة تعمل بدون خيار منك، كما ليس لك بأكثرها علم تفصيلي، أما نفسك فأنت الذي تختار شخصيتها وطريقها. الأجساد في الخلق واحدة، أما النفوس فهي متفاوتة.
نفسك يمكنها وهي مخيّرة لأن تهبط إذا شاءت وتتصل بالجسد أو تسمو وتتصل بالروح القدسية السامية، وليس بالروح الحيوانية التي هي سريان الحياة في الجسد. النفس مخيّرة تماماً بين أن تميل إلى الجسد فتتشبع وتمتزج بشهواته وتصدر عن حواسه فحسب، وبين أن تميل وتسمو إلى الروح السامية فتصدر عن أنوارها وحواسها وبصيرتها لتضيء بها الجسد وتسخّره.
الموت هو انسلاخ «الجسم الأثيري» حاملاً النفس (العقل) وانتقال النفس إلى البرزخ (العالم الأثيري - الروحي)، بهيئتها التي تُقبض عليها، ظلمانية محجوبة متلبّسة بشهوات الجسد (البدن) ملتصقة بحطام الأرض والمادة، أو نورانية مطمئنة مستضيئة بالروح السامية. فكما يخلع الإنسان ملابسه في آخر النهار، فإن الروح الإنسانية (النفس) تُخلع من الجسد حين الموت. وما الموت إلا ميلاد جديد، في مجال أو مستوى ثانٍ من الوجود. إن الروح الإنسانية خالدة وما الجسد إلا عباءة لها. وإن «عجلة الحياة» هي ميلاد في هذا العالم المادي، ثم موت (ميلاد) وعودة إلى الحالة الروحية الأثيرية.
Page 2
عند الاستغراق في النوم تنفصل النفس عن الجسد انفصالاً غير كلي (حيث تبقى مرتبطة بالجسد بحبل أثيري)، فتتحرك وترى وتسمع، بينما الجسد المادي ساكن خامد الحواس ومستغرق في نوم عميق.
الروح الحيوانية التي يشارك فهيا الإنسان الحيوان هي في الإنسان منذ يجمع في رحم أمه. وأما السمع والبصر والفؤاد التي امتنّ الله بها على الإنسان، فهي حواس الروح السامية التي هي النفخة من روح الله في الإنسان، وليست هي الحواس الظاهرة للجسد.
إن حواس الروح السامية القدسية كامنة في الإنسان بالقوة، وعليه أن يخرجها إلى الوجود بالفعل كي يستضيء بها. فالإنسان المحجوب قد عطل حواس روحه السامية ونسيها ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌلا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:179].
حواس الروح، هي التي استيقظت في صحابة رسول الله ومن تبعهم بإحسان. فبعين الروح رأى عمر بن الخطاب سارية، وعمر في المدينة وسارية في العراق، وبأُذن الروح سمع سارية نداء عمر، وبعين الروح رأى أسيد أنوار الملائكة وهو يقرأ القرآن الكريم.
يروى أن عالم الروح (البرزخ) يقسم إلى سبع طبقات، ثلاث منها مظلمة مرهبة ومخيفة، وواحدة لا ظلام ولا نور بشكل ضباب، وثلاث طبقات منيرة. كما تُقسم أيضاً كل طبقة إلى سبع مناطق أخرى تتفاوت في شدة ظلمتها أو نورها بالنسبة لموضعها. ولكل من هذه المناطق مغناطيس خاص تنجذب إليها الأرواح بواسطته. ويقابل هذا التقسيم في عالم الروح والاختلاف المغناطيسي بين مناطقه، اختلاف آخر مشابه نفسية الإنسان. فالشرير مثلاً أعماله الشريرة ونكده وأنانيته وحقده يكوّن في نفسه نوعاً خاصاً من المغناطيس الروحي يستجيب وينجذب أوتوماتيكياً عند موته إلى تلك المنطقة الظلماء التي تشابهه مغناطيسياً. كما أن أعمال الخير والمحبة والمساعدة تكوّن في نفسية صاحبها نوعاً آخر من المغناطيس الروحي فينجذب حالاً بعد الممات إلى طبقات النور التي تستجيب لها. وذلك يشبه تماماً المغناطيس العادي فإنه يجتذب المسمار ولا يجذب الورقة إذا فركته في قطعة من الصوف.
أما من ينجذب إلى الطبقات الأثيرية الظلماء فيشقى بفكره الذي صوّر له أعماله الدنيوية مجسمة بشكل مخيف فتمر الدقيقة عليه كأنها دهر. ولكن الله رحيم ولن يقسو إلى الأبد. فإن استطاعت الروح تغيير مغناطيس روحه بطريقة ما، فإنه ينجذب حالاً إلى منطقة أرقى وأجمل.
Page 3
إن الكشوف العلمية الحديثة التي حطمت الذرة واقتحمت نواتها، انتهت إلى أن العالم ليس إلا حركة، فهو مجموعة من الموجات التي تختلف كمّاً وكيفاً، والتي يمكن أن تتداخل، ويمكن تحويل بعضها إلى البعض الآخر، بمعنى أوضح تغييرها من مادة إلى أخرى حسب ما اصطلحنا على تسميته في واقعنا المادي الحسي المحدود. فحواسنا لا تدرك من هذه الاهتزازات، أو هذه الموجات، إلا أقلها، وإن ما تدركه لا يقاس في ضآلته إلى ما لا نستطيع إدراكه، وإن بعض هذا الذي لا تدركه حواسنا قد أمكن إدراكه بوسائل علمية مختلفة.
فللروح الإنسانية وجود حقيقي مستقل، وهي تتداخل مع الجسم المادي الملموس وتتخلله وتطابقه مطابقة تامة، ولكنها في اهتزازها خارجة عن المدى الذي تستجيب له حواسنا. وإن عجز حواسنا عن إدراكه لا يعني أنها غير موجودة، بل ربما من الممكن إدراكها بوسيلة نوسع فيها المدى الضيق الذي تنحصر فيه حواسنا بحكم طبيعتها التي فُطرت عليها، كما أمكن رؤية الجسم الأثيري وتصويره بجهاز كيرليان كما هو ثابت حالياً.
لتعميق العقيدة والوعي الروحي الإنسان بحاجة لأن يتعرف على عالمه الداخلي وبُعده الروحي ويكشف الوجود اللامرئي الذي هو وراء هذا العالم الفيزيائي المادي المنظور. وكما يقول العالِم أديسون: «إن أعظم الاكتشافات ستكون بجانب الخطوط الروحية»، هذا هو الحقل الذي ستظهر فيه المعجزات، القوة الروحية هي القوة الكبرى التي لم تطور بعد ولها المستقبل الأكبر.
أنت الآن في عالم اتسعت فيه معلوماتك وارتقت أفكارك وتفتحت مداركك، فأطلق لفكرك العنان واسمح له بحرية التفكير وتمتع بصحة الاستنتاج والحقيقة بأنه «يفنى الجسد وأما النفس (الروح الإنسانية فباقية».
يقول تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المطمئنة (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضية مرضية (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جنتي (30)﴾ [الفجر:27-30].
الصيدلاني
د. أحمد توفيق حجازي
Page 4
جـوهـر الحيـاة
إن حيوان الإسفنج الذي تمزقه الدوامات البحرية والأسماك المتوحشة ألف قطعة، ما تلبث كل قطعة منه أن تسبح مع الماء وتنمو إسفنجاً جديداً كاملاً.
قام البروفسور ويلسون أستاذ علم الحيوان بإجراء تجربة بديعة، مزق فيها الإسفنج نتفاً صغيرة بإبرة ثم طرقه بشدة بمطرقة ثم طحنه وهرسه وعصره في قماش دقيق الثقوب، ومن النخالة التي حصلت بعد هذا التمزيق والهرس والطحن، استطاع الإسفنج أن يتخلّق من جديد، من كل نقطة، ومن كل جزيء، وينمو إلى صورته السوية.
هذه القدرة الخارقة في الحياة على أن تعبئ نفسها وتحارب قوى التمزيق وتحافظ على وحدتها في ظروف تبعثرها وتشتتها في كل لحظة تدل على أن جوهر الحياة واحد بالرغم من تعدد الكائنات الحية وتنوعها، جوهر واحد لا يقبل التقسيم ولا التجزئة، جوهر مبثوث في كل جزء وفي كل خلية وبروتوبلازم، بحيث يصبح كل جزء قادر على أن يصبح كاملاً.. فالسكين التي قطعت الإسفنج لم تستطع أن تقطع جوهر الحياة فيه؛ لأن الحياة شيء بسيط منبث في كل الأجزاء الحية، إنه شيء لا يقبل القسمة.
كالإسفنج إن كثيراً من النباتات تنمو بالتقليم، فأي قلامة تقطع منها وتزرع، تنمو وتستحدث لها بنية جديدة وتعيد تخلّق كل الأجزاء التي تنقصها، مما يدل على أن كل جزء من النبات يحتوي بطريقة ما على كل تفاصيل النبات مطبوعة في باطنه تماماً كما يحتوي الجنين على صورة الإنسان بكامل أعضائه في خلاياه.
إذا قطعت قلامة من شجرة صفصاف وزرعتها فإنها ما تلبث أن تنمو شجرة كاملة. يخرج الجذر من طرف القلامة السفلى وتخرج الفروع من الطرف العلوي. وإذا قلبت هذه القلامة عاليها سافلها، خرجت الجذور من تحت والفروع من فوق. وهذا إنما يدل على أن كل نقطة في نسيج القلامة فيها إمكانية النمو إلى جذور وإمكانية النمو إلى فروع في الوقت نفسه. فالنبات يختار حسب وضعه - الجزء الذي يسفل تخرج منه الجذور والجزء الذي يعلو تخرج منه الفروع.
هذا يدل على أن جوهر الحياة جامع لكل الإمكانيات - إمكانيات الجذور وإمكانيات الفروع في الوقت نفسه - وأنه لا يقبل التجزئة. فهما جزآن النسيج الحي سيظل كل جزء جامعاً في وحدته لكل إمكانيات المخلوق الحي.
لهذا السبب كانت الحياة في مستوياتها الدنيا غير فانية. كانت الميكروبات لا تموت. كانت حينما تبلغ غاية النضج تنقسم، فيصبح كل قسم قادراً على النمو والنضج بذاته، ثم يعود فينقسم، فيصبح الواحد اثنين ثم أربعة ثم ثمانية ثم ستة عشر... إلخ، دون أن تنطفئ شعلة الحياة بشيخوخة أحدها.
ولم تظهر الشيخوخة والموت إلا بظهور الأنواع الراقية المعقدة من الحيوان والنبات وبظهور الخلايا الجنسية المعقدة المتخصصة في التكاثر ونقل الحياة من جيل إلى جيل.
Page 5
ما هي الحياة وما سرّها؟
من الذي علّم الطيور الهجرة عبر الصحاري والبحار إلى حيث تجد الغذاء الأوفر والجو الأفضل وإلى حيث تتلاقح وتتوالد ... ومن الذي يرشدها ويسدد خطاها طوال هذه الرحلة الطويلة من ألوف الأميال فلا تضل ولا تتوه في هجرتها.
من الذي علّم الكتكوت أن يكسر البيضة عند أضعف أجزائها ويخرج منها.
من الذي علّم دودة القز أن تنسلخ من ثوبها مرة بعد أخرى، ثم تنزوي في ركن لتبني لنفسها شرنقة من حرير تنام فيها ليالي طويلة ثم تخرج منها فراشة جميلة.
إن هذا الانتقال المنظم الدقيق من نمط من الخليقة إلى نمط آخر، وهذا التطور من دودة إلى فراشة والذي تتعاون فيه ملايين الخلايا في تلقائية، يحدث بلا معلِّم .. حيث إن المعلِّم هو فطرة أو غريزة إرشادية مغروسة في المادة الحية بطريقة لا يعرفها أحد. إن قصة حياتها مكتوبة بشفرة جينية بروتوبلازمية في مادة الخلايا.
حينما نُجرح تلتئم جروحنا من تلقاء نفسها. وحينما تُجرح الأشجار تلتئم بنسيج من الفلين يملأ ما بين شفرات جروحها. وجسمنا يحقق لنا بمعجزته الداخلية درجة حرارة ثابتة في الحر وفي البرد، ويحتفظ بوحدته وسلامته في مواجهة ملايين من الميكروبات تعمل ليل نهار على تفكيكه وتفتيته وهضمه.
إنه توازن دقيق يتحقق بفاعلية مستمرة من الداخل وحركة دائمة لتصحيح كل خطأ. وهذا ما يحدث في داخل الخلايا الحية. ففي داخل الخلايا الحية تقويم ذاتي ومنهج تخليقي وغاية مستمرة لهدف مرسوم من الأصل.
نمو قلامة الصفصاف إلى شجرة صفصاف وجوزة البلوط إلى شجرة بلوط باسقة يدل على أن برنامج النماء كله والمنهج بكامله كان مرسوماً في خلايا القلامة الصغيرة والجوزة أو البذرة أيضاً.
في هذه الخلايا نزعة أصلية وتوجه واستهداف فطري نحو التكامل والتصور في صورة كاملة تحاكي الأصل وتفوقه. فيها فطرة إرشادية تقود حركتها خطوة خطوة في طريق النمو والتطور.
إن كل هذه الفاعليات التي تعطي للمادة النظام والسلامة .. والقانون .. هي الحياة.
وإن الحياة هي التي جعلت المادة الهشة المفتتة ذات صورة، وذات شكل، وذات نظام وقانون. وبدون الحياة تعود المادة فتنفرط وتتحلل من هياكلها وأشكالها الجميلة المصورة إلى تراب.
إن تفسير الحياة بأنها نشاط كيماوي .. تفسير غير كافٍ، لأن الجسم الميت يحتوي على المواد الكيماوية نفسها التي في الجسم الحي .. والتراب يحتوي على المقادير نفسها من الحديد والنحاس والكربون .. فالتركيب الكيماوي للخلية لا يكشف لنا سر حياتها، لأن الحياة ليست مجرد منظومة جامدة، وإنما هي منظومة فيها قدرة على تكرار نفسها والتفوق على نفسها. وفيها غريزة أو فطرة إرشادية تقودها من الداخل. فطرة مبثوثة في نسيجها تجدد ما يتلف وتستحدث ما يضيع أو يتلف. والسر في هذه البصيرة والفطرة المطوية في تضاعيف المادة.
Page 6
النفس والروح
يقول ابن عباس: «في ابن آدم نفس وروح مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز والروح التي بها النفس والتحريك فإذا نام العبد قبض الله نفسه، ولم يقبض روحه». إن بيان ابن عباس هذا فرّق بين النفس بحكم وظيفتها في الجسد وجعل هذه العقل والتمييز اللذان يتعطلان عند النوم، وبين الروح التي وظيفتها التحريك الذي يسكن حين تفارق الروح الجسد.
قال تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المطمئنة﴾ [الفجر:27]، وقال: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:2]، وقال: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف:53]، وقال: ﴿ﯞ ﯟﯠ ﴾ [الأنعام:93]، وقال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا { 7 } فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا { 8 }الشمس:7-8].
إن حقيقة الإنسان هي «نفسه» والذي يولد ويبعث ويحاسب هو نفسه، والذي يمتحن ويبتلى هي نفسه، وما تجري عليه الأحوال من السرور والأحزان والأشواق هي نفسه، أما روحه وجسده فهما مجال تماماً مثل الأرض والسموات في كونهما مجال حركة للإنسان لإظهار مواهبه وملكاته ... وهب الله لهذه النفس جسداً كذلك وهبها روحاً لتحيا وتعمل وتكشف عن سرّها ومكنونها وتباشر خيرها وشرّها.
والنفس ترتقي حتى تشاكل الروح وتجانسها بقدر ما تتخلق بالأخلاق الربانية، وبقدر ما تقترب من المثال النوراني وهو الروح التي نفخها الله في الإنسان.
والنفس الإنسانية التي تتطهر وتتزكى حتى تماثل وتجانس الروح في لطفها هي التي يقربها تعالى من عرشه يوم القيامة، وهي التي يقول عنها سبحانه وتعالى أنها ستكون.. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر:55] لأنها بهذا التطهير والتزكي والترقي تصبح نفساً ربانية مكانها إلى جوار الحق.
وأما تلك النفوس المظلمة التي تهبط بفجورها وغلظتها إلى الدرك الشيطاني فهم الذين يقول عنهم سبحانه وتعالى يوم القيامة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:15]. وهؤلاء سيكون مكانهم مع النفوس النارية السفلية في الحميم والظلمة.
الروح كما وردت في القرآن الكريم لا مكان لها في جنة أو جحيم وإنما هي نور من نور الله تُنسب إليه، وهي منه تعالى ولا يجري عليها ابتلاء ولا محاسبة ولا معاتبة ولا مكافأة.. فهي المثل الأعلى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل:60] وذلك المثال النوراني الذي يستمد قدسيته ونورانيته في كونه من الله ومن أمر الله.
Page 7
وفي القرآن الكريم تُستعمل كلمة «النفس» بمعنى «الذات» وذلك عندما يكون مقصود بها: الذات العلية المقدسة.. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنعام:54]، وتُستعمل بمعنى «الشخص» وهذا استعمال مادي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:21]، كما تُستعمل كلمة النفس كثيراً في القرآن الكريم بمعنى القوة الكامنة في الجسم، والتي هي مجمع الخير والشر ومستقر الغرائز والنزعات المحركة للجسد في تصرفه واتجاهه.
كل هذه التعاريف وغيرها تكشف عن خصائص النفس وتبين آثارها في الجسم ونشاطها فيه.. أما حقيقة النفس فهي كالضوء والكهرباء وسائر القوى التي تدرك آثارها ولا تعرف حقائقها.
هناك أشياء كثيرة في عالمنا المادي الداخل تحت تجاربنا لم نستطع حتى الآن أن نحدد كنه هذه الأشياء وإنما نعرفها بظواهرها، فأنت لا تستطيع أن تحدد ما هي الكهرباء، وإنما تعرفها بظواهرها، كذلك معرفة كنه الروح والنفس إنما نعرفهما بظواهرها في الكائن الذي تحل فيه النفس والروح.
إن النبات ينمو ولا روح فيه، ولكن فيه حياة، كذلك الحيوان فيه نامية حيوانية، فيه حياة مثلما توجد في النبات نامية نباتية، ومعنى نمو النبات أنه فيه نمو وفي حركة وأشياء أخرى تعرف منها أن النبات حي، مثلاً العود الصناعي لا يذبل وذلك لأنه لا حياة فيه، بينما الورد الطبيعي يذبل وهذا تأكيد للحياة فيه.
النامية الحيوانية توجد في الجنين الإنساني قبل 120 يوماً من الحمل، وهي التي يقول فيها الرسول ﷺ : «ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح». وهذه هي الروح الإنسانية، وهي تدب في الجنين بعد أربعة أشهر من الحمل، وقبل ذلك في الجنين نامية حيوانية.
يقول تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:57]، فالنفس تذوق الموت ولكن لا تموت ... وتذوقها الموت هو رحلة خروجها من البدن .. والنفس موجودة قبل الميلاد، وهي موجودة طيلة الحياة، وهي باقية بعد الموت .. وعن وجود الأنفس قبل ميلاد أصحابها يقول تعالى أنه أخذ الذرية من ظهور الآباء قبل أن تولد وأشهدها على ربوبيته حتى لا يتعلل أي أحد بأنه كفر لأنه وجد أباه على الكفر، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:172].
بهذا المشهد أحضرت فيه الأنفس قبل أن تلابس أجسادها بالميلاد وليس لأحد أن يكفر بعلة كفر أبيه، فقد كان لكل نفس مشهد مستقل طالعت فيه الربوبية، وبهذا استقرت حقيقة الربوبية في فطرة الإنسان.
فالروح لا تشتهي ولا تهوى ولا توسوس ولا تضجر ولا تمل ولا تتعذب أو تعاني هبوطاً أو انتكاساً .. هذه كلها من أحوال النفس.
كما أن النفس هي الموصوفة بالقرآن الكريم بالشح والوسواس والفجور والطبيعة الأمّارة. ولها في القرآن ترقٍّ وعروج، فهي يمكن أن تتطهر وتتزكى، فتوصف بأنها لوامة وملهمة ومطمئنة وراضية مرضية. يقول تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المطمئنة (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضية مرضية (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جنتي (30)﴾ [الفجر:27-30].
Page 8
علاقة النفس بالروح والجسد
إن نصيبنا من الروح هو النفخة التي ذكرها القرآن الكريم في قصة خلقه تعالى لآدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:29].. وما حدث من أمر التسوية والتصوير والنفخ في صورة آدم يعود فيتكرر في داخل الرحم في الحياة الجينية لكل إنسان .. فيكون لكل إنسان تسوية وتصوير ثم نفخة ربانية وذلك حينما تتهيأ الأنسجة ويستعد الجنين لتلقِّ هذه النفخة، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:14].
يبدو أن خلق الحيوانات كافة ومنها الإنسان قد مرّ في ذات الطريق من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى خلق العظام ثم إكسائها لحماً.. إلى هذه المرحلة تتساوى جميع الحيوانات ومنها الإنسان .. إلا أنه سبحانه وتعالى بعد هذه المرحلة أعدّ وهيّأ وأنشأ الإنسان نشأة خاصة تختلف عن جميع الحيوانات حيث قال: ﴿ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ﴾ [المؤمنون:14] والضمير هنا للإنسان، فبعد هذه المرحلة مَنَّ الله على الإنسان وجعله على شاكلة خاصة، تميز بها تميزاً عن غيره من الحيوانات الأخرى ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴿8﴾ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿9﴾﴾ [السجدة:8-9]، فالسمع والبصر والفؤاد هي من ثمار هذه النفخة الروحية وإنه تعالى بهذه المواهب ينقل الإنسان من نشأة إلى نشأة ومن مستوى إلى آخر.
أما علاقة كل نفس منا بروحه وجسده المادي هي أشبه بعلاقة الحديد بالمجال المغناطيسي ذي القطبين، وما يحدث للنفس دائماً هو حالة استقطاب إما انجذاب إلى الجسد إلى المادة والطين والغرائز والشهوات، وإما انجذاب وصعود وارتفاع إلى الروح وإلى المُثُل والقيم والأخلاق الربانية، وذلك ما يحدث للنفس حينما تشاكل الروح وتجانسها في لطفها وسموها وشفافيتها.
النفس الإنسانية طوال الحياة في حركة وتذبذب واستقطاب بين القطب الروحي السامي وبين لقطب الجسدي المادي.
الحركة صعوداً وهبوطاً هي حركة النفس، أما الروح في الجسد فهي مثل الشمس في ماء البئر تظهر فيه دون أن تتحيز كذلك النور الإلهي.
وتمتحن النفس بقوتي الجسد والروح الجاذبتين إما إلى أسفل وإما إلى أعلى لتخرج سرّها ومكنونها ويظهر خيرها وشرها.
الإنسان ليس جسداً مادياً، وإنما الجسد هو المظهر والأداة. ذاتك ليست جسدك. وأنت لا تغفل عن ذاتك مطلقاً، أما بدنك فما من جزء منه إلا وتنساه أحياناً، جسدك في تحلل وتغير وتجدد في خلاياه دوماً، أما ذاتك فلا تتبدل.
«الروح» لم يرد في القرآن الكريم إلا بصيغة الإفراد (دون الجمع) فلا ذكر في كتاب الله للأرواح أبداً وأما النفس ففيها المفرد والجمع .. وتأويل ذلك عند الأوائل .. أن النفخ يكون من الروح، فإذا خالطت النفخة كائناً هو الجنين في بعض مراحل نموه، وإذا تدرجت هذه النفخة حتى هبطت إلى الأرض (بالميلاد) كانت نفساً تكتسي بالبدن وتقدر على البقاء في الحياة الدنيا بقدر ما يمتد الأجل. فالقرآن الكريم قد قطع في إبانة تامة، فميّز بين الروح وبين النفس، وأفرد الروح (Spirit) وجمع الأنفس (Souls)، ودعا إلى تدبر هذا كله، بنصوص صريحة.
Page 9
البصيـرة
إن السمع والبصر والفؤاد التي امتنّ الله بها على الإنسان هي حواس الروح التي هي النفخة من روح الله في الإنسان. وهذه ليست الحواس الظاهرة للجسد، وحواس الروح كامنة في الإنسان بالقوة، وعلى الإنسان أن يخرجها إلى الوجود بالفعل كي يستضيء بها، ولا يفعل ذلك إلا المؤمن المتصل بربه، أما الكافر المحجوب فهو معني بحواس جسده الظاهرة، لا يعرف سواها، فقد عطّل حواس روحه ونسيها، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون.
Page 10
الحواس الروحية
إن هذه الحواس الروحية كثيراً ما نستند إليها .. ودائماً ما نمارسها ولكن دون أن نتدبرها أو نفكر فيها، فالإنسان بمجرد أن يأخذه النوم، تنطلق روحه انطلاقاً مؤقتاً دون أن يقيدها الجسم بالقيد المادي الذي يحد من حريتها ويشلّ من حركتها، وما النوم إلا مظهر انطلاق الروح من الجسم ... ولو لم تنطلق الروح لما نام الإنسان، وإنه بمجرد نوم الإنسان يبدأ في الحلم، وكل إنسان يحلم رغماً أنه لا يدرك أنه قد حلم.
إن مدة الحلم تبلغ خُمس مدة النوم .. فلو نام الإنسان ثماني ساعات فإنه يحلم مدة ساعة وست وثلاثين دقيقة، ولكنه حلم متقطع إذ تبلغ عدد مرات الحلم في المتوسط خمس مرات في الليلة الواحدة .. والإنسان عند نومه يغلق عينيه تماماً .. وبذلك فإن جهاز البصر يتعطل تعطلاً كاملاً أثناء النوم، وبالرغم من ذلك فإن الإنسان يرى في أحلامه رؤية تامة ... يميز فيها الأشخاص تماماً. ويتضح له المكان وضوحاً شاملاً، يرى كل التفاصيل رؤية شاملة وكاملة، ولا شك أن هذه الرؤيا في المنام إنما تتم بحاسة البصر الروحية، فجهاز الرؤية الجسدية مغلق ومعطل تماماً أثناء الرؤية المنامية، وبذلك فإن للروح حاستها البصرية، ولكنها تختلف عن حاسة البصر المادية .. فالرؤية في حالة الجسد لا تتم إلا في الضوء .. وبمجرد أن يشمل الظلام المكان يتوقف جهاز الرؤية في الجسم .. بعكس جهاز الرؤية في الروح .. فإنه يعمل نهاراً أو ليلاً بمجرد أن ينام الإنسان ولا دخل للضوء أو الظلام في الرؤية الروحية.
والرؤية في حالة الجسد محدودة، إذ يرى الإنسان بعينه لمسافة معينة، تختلف باختلاف قوة العين ودرجة إبصارها وعمر الإنسان، وعدم وجود عوائق أمام العين تحجب الرؤية، بينما في حالة الرؤية المنامية، أي في حالة الإبصار بالروح يرى الإنسان الأماكن البعيدة والتي بينه وبينها مسافات طويلة، وكذلك ترى الروح ما لا يمكن للجسد أن يراه، لاختلاف طبيعة جهاز البصر في كل شخص عن الآخر، فترى الروح الأرواح رؤية تامة، فالإنسان في نومه يرى صاحبه أو قريبه الذي مات وانتقل إلى البرزخ، بينما يستحيل عليه ذلك في حالة الرؤية بالعين الجسدية، وهناك بعض الأشخاص يمكنهم رؤية الأرواح وهم أيقاظ ... ويقول علم ما وراء الطبيعة (الباراسيكولوجي) إنهم وهبوا خاصية الجلاء البصري .. وهو رؤية ما لا يراه الإنسان العادي في حالته الجسدية من سكان عالم الحياة الأخرى.