Page 1
مقـدمـة
تتحدَّد علاقة الملتزم الثوري بمجتمعه إلى حد كبير بطبيعة المجتمع. ففي المجتمع الرأسمالي مثلاً تتميز هذه العلاقة بكثير من التوتر والتناقض والصراع. والمجتمع اللبناني الرأسمالي المأخوذ من قبلنا كنموذج، تتحكم في بنيته عناصر الرفض الطبقي والطائفي، والمذهبي لرؤى الملتزمين بمسيرة التغيير والتقدم. وفي كل الأحوال: نجد أن متطلبات الالتزام الوطني والديمقراطي والثوري بقضايا الناس والوطن، وكذلك المتطلبات الشخصية للإنسان الملتزم، تختلف وتتناقض على نحو جوهري مع متطلبات الطبقة الاجتماعية المستغِلّة ومع ممثليها في السلطة ومؤسساتها المتنوعة وأجهزتها المختلفة... فالملتزم الثوري يهدف أكثر ما يهدف، إلى تحقيق رؤاه الفكرية والسياسية. وإن طبيعة إنجازاته تقوم على تجاوز الواقع، وتخطي المعايير السائدة، سواء كانت فكرية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو فنية، أو ثقافية وذلك من خلال مواجهته لهذه المعايير، بالنقد أو بالتحدي العملي، أو بالاثنين معاً؛ وهذان الأمران يشكلان مكوِّنين أساسيين في مسار وحياة الملتزم الثوري «الحر»، أي غير الملتزم بأطر حزبية أو حركات يسارية محدَّدة، أو في مسار وحياة الملتزم ببرنامج حزب «ثوري» يعبِّر في ما يعبِّر عن مصالح الفئات المستغَلَّة، على صعيد مجتمعه في مواجهة الفئات المستغِلّة، التي تجعل من الدولة وأجهزتها الأيديولوجية، والأمنية المختلفة، أداة قهر وسيطرة في عملية الصراع المستمرة ضد الكادحين على مختلف فئاتهم من عمال وفلاحين وموظفين وفنانين ومثقفين، وأفراد مهن حرة (أطباء ومهندسين وصيادلة ومحامين...) وسواهم من الفئات الاجتماعية المتضرِّرة.
إن الفكر الثوري الملتزم، يهدِّد، بصورة أكيدة، استقرار المجتمع البورجوازي، هذا الاستقرار السلبي الذي يرتكز في استمراره على عملية الاستغلال المتوحشة من قبل تحالف الرأسمال مع الإقطاع، برعاية طوائفية منظَّمة، بهدف تثبيت المحاصصة الطائفية- الطبقية للسلطة كما يحصل في لبنان.
إن الفكر الثوري الملتزم (بمفكريه ومناضليه)، يهدِّد أيضاً أعمال بعض جماعات التخصُّص في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، والاقتصادية والإعلامية... التي اعتادت بيع قوة عملها الذهني والمعرفي والإعلامي، لقاء وظائف مدفوعة الأجر، أو لقاء «رشوات» من المال؛ أو تلك التي يعمل بعضها انطلاقاً من موقعه الطبقي وأحياناً من انتمائه الطائفي، من أجل تأبيد سيطرة قوى الاستغلال من الرأسماليين والإقطاع السياسي، القديم والمتجدِّد، والتي تتقاطع مصالحها الطبقية مع مصالح ممثلي الحركات الدينية والمذهبية، التي نمت وتصاعد نفوذها في لبنان وفي المنطقة، بسبب أزمة البورجوازية العربية المتمادية، وعجز أنظمتها عن إنجاز مهام التحرر الوطني، وضعف اليسار على الصعيدين العربي واللبناني، وعجزه عن أن يكون البديل المطلوب. وبسبب اختلال موازين القوى على الصعيد العالمي بعد انهيار منظومة البلدان الاشتراكية، وهيمنة مشاريع الامبريالية وبخاصة الإمبريالية الأميركية، صاحبة مشروع «الشرق الأوسط الكبير» التي تُشكِّل الصراعات المذهبية أحد أبرز مكوِّناته الحقيقية.
إن الأنظمة التي تقوم على أساس الاستغلال الطبقي، ومنها النظام اللبناني تميلُ عادة إلى المحافظة، كي تبقى صيغة النظام في وضعية الثبات والهيمنة، خدمة للطبقة المسيطرة اقتصادياً. لذا فالصراع بين الملتزمين بقضايا التقدم والثورة (أفراداً وأحزاباً)، وبين نقيضهم الطبقي والسياسي هو أمر حتمي. ولأنه كذلك قرَّرنا أن نقدم للرفاق والأصدقاء، ولمن يهمه الأمر كتاب «مواقف وآفاق في قضايا الثقافة واليسار والثـورة» للاطلاع على آراءٍ يختلف البعض معـها أو يتفق؛ علّنا بذلك نساهم في تطوير الحراك الفكري والسياسي والاجتماعي، في مجتمع هو في أمسِّ الحاجة إلى تبادل الأفكار المختلفة بين مثقفيه ومناضليه كي يشكّل هذا الحوار الديمقراطي المفترض، أساساً فكرياً يتحول بالممارسة السياسية إلى قوة مادية للقوى صاحبة المصلحة في التغيير الديمقراطي للنظام الطائفي الطبقي اللبناني، وقيام الحكم الوطني الديمقراطي بديلاً عنه...
وقبل طي صفحات المقدِّمة، أودُّ الإشارة إلى أنني اعتمدت مبدأ التسلسل التاريخي للمقالات التي تتداخل فيها الرؤى والقضايا الفكرية والسياسية والتنظيمية، والتي تعبِّر، حتماً، عن واقع اللحظة التاريخية التي كتبت فيها، مع محاولات متواضعة لاستشراف المستقبل، مسجِّلاً أسمى تحياتي « للنداء» التي استضافت هذه المقالات كجريدة يومية، أو كمجلة أسبوعية، أو نصف شهرية، على امتداد سبعة وعشرين عاماً، وللرفيقات والرفاق العاملين فيها، وفي نشرة «حياة الحزب»((1)) كل الحب والتقدير.
تتحدَّد علاقة الملتزم الثوري بمجتمعه إلى حد كبير بطبيعة المجتمع. ففي المجتمع الرأسمالي مثلاً تتميز هذه العلاقة بكثير من التوتر والتناقض والصراع. والمجتمع اللبناني الرأسمالي المأخوذ من قبلنا كنموذج، تتحكم في بنيته عناصر الرفض الطبقي والطائفي، والمذهبي لرؤى الملتزمين بمسيرة التغيير والتقدم. وفي كل الأحوال: نجد أن متطلبات الالتزام الوطني والديمقراطي والثوري بقضايا الناس والوطن، وكذلك المتطلبات الشخصية للإنسان الملتزم، تختلف وتتناقض على نحو جوهري مع متطلبات الطبقة الاجتماعية المستغِلّة ومع ممثليها في السلطة ومؤسساتها المتنوعة وأجهزتها المختلفة... فالملتزم الثوري يهدف أكثر ما يهدف، إلى تحقيق رؤاه الفكرية والسياسية. وإن طبيعة إنجازاته تقوم على تجاوز الواقع، وتخطي المعايير السائدة، سواء كانت فكرية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو فنية، أو ثقافية وذلك من خلال مواجهته لهذه المعايير، بالنقد أو بالتحدي العملي، أو بالاثنين معاً؛ وهذان الأمران يشكلان مكوِّنين أساسيين في مسار وحياة الملتزم الثوري «الحر»، أي غير الملتزم بأطر حزبية أو حركات يسارية محدَّدة، أو في مسار وحياة الملتزم ببرنامج حزب «ثوري» يعبِّر في ما يعبِّر عن مصالح الفئات المستغَلَّة، على صعيد مجتمعه في مواجهة الفئات المستغِلّة، التي تجعل من الدولة وأجهزتها الأيديولوجية، والأمنية المختلفة، أداة قهر وسيطرة في عملية الصراع المستمرة ضد الكادحين على مختلف فئاتهم من عمال وفلاحين وموظفين وفنانين ومثقفين، وأفراد مهن حرة (أطباء ومهندسين وصيادلة ومحامين...) وسواهم من الفئات الاجتماعية المتضرِّرة.
إن الفكر الثوري الملتزم، يهدِّد، بصورة أكيدة، استقرار المجتمع البورجوازي، هذا الاستقرار السلبي الذي يرتكز في استمراره على عملية الاستغلال المتوحشة من قبل تحالف الرأسمال مع الإقطاع، برعاية طوائفية منظَّمة، بهدف تثبيت المحاصصة الطائفية- الطبقية للسلطة كما يحصل في لبنان.
إن الفكر الثوري الملتزم (بمفكريه ومناضليه)، يهدِّد أيضاً أعمال بعض جماعات التخصُّص في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، والاقتصادية والإعلامية... التي اعتادت بيع قوة عملها الذهني والمعرفي والإعلامي، لقاء وظائف مدفوعة الأجر، أو لقاء «رشوات» من المال؛ أو تلك التي يعمل بعضها انطلاقاً من موقعه الطبقي وأحياناً من انتمائه الطائفي، من أجل تأبيد سيطرة قوى الاستغلال من الرأسماليين والإقطاع السياسي، القديم والمتجدِّد، والتي تتقاطع مصالحها الطبقية مع مصالح ممثلي الحركات الدينية والمذهبية، التي نمت وتصاعد نفوذها في لبنان وفي المنطقة، بسبب أزمة البورجوازية العربية المتمادية، وعجز أنظمتها عن إنجاز مهام التحرر الوطني، وضعف اليسار على الصعيدين العربي واللبناني، وعجزه عن أن يكون البديل المطلوب. وبسبب اختلال موازين القوى على الصعيد العالمي بعد انهيار منظومة البلدان الاشتراكية، وهيمنة مشاريع الامبريالية وبخاصة الإمبريالية الأميركية، صاحبة مشروع «الشرق الأوسط الكبير» التي تُشكِّل الصراعات المذهبية أحد أبرز مكوِّناته الحقيقية.
إن الأنظمة التي تقوم على أساس الاستغلال الطبقي، ومنها النظام اللبناني تميلُ عادة إلى المحافظة، كي تبقى صيغة النظام في وضعية الثبات والهيمنة، خدمة للطبقة المسيطرة اقتصادياً. لذا فالصراع بين الملتزمين بقضايا التقدم والثورة (أفراداً وأحزاباً)، وبين نقيضهم الطبقي والسياسي هو أمر حتمي. ولأنه كذلك قرَّرنا أن نقدم للرفاق والأصدقاء، ولمن يهمه الأمر كتاب «مواقف وآفاق في قضايا الثقافة واليسار والثـورة» للاطلاع على آراءٍ يختلف البعض معـها أو يتفق؛ علّنا بذلك نساهم في تطوير الحراك الفكري والسياسي والاجتماعي، في مجتمع هو في أمسِّ الحاجة إلى تبادل الأفكار المختلفة بين مثقفيه ومناضليه كي يشكّل هذا الحوار الديمقراطي المفترض، أساساً فكرياً يتحول بالممارسة السياسية إلى قوة مادية للقوى صاحبة المصلحة في التغيير الديمقراطي للنظام الطائفي الطبقي اللبناني، وقيام الحكم الوطني الديمقراطي بديلاً عنه...
وقبل طي صفحات المقدِّمة، أودُّ الإشارة إلى أنني اعتمدت مبدأ التسلسل التاريخي للمقالات التي تتداخل فيها الرؤى والقضايا الفكرية والسياسية والتنظيمية، والتي تعبِّر، حتماً، عن واقع اللحظة التاريخية التي كتبت فيها، مع محاولات متواضعة لاستشراف المستقبل، مسجِّلاً أسمى تحياتي « للنداء» التي استضافت هذه المقالات كجريدة يومية، أو كمجلة أسبوعية، أو نصف شهرية، على امتداد سبعة وعشرين عاماً، وللرفيقات والرفاق العاملين فيها، وفي نشرة «حياة الحزب»((1)) كل الحب والتقدير.
Page 2
الثقافة الوطنية والصراع الأيديولوجي
1- موقع الثقافة في الصراع الأيديولوجي
إن صياغة الوعي الاجتماعي هي عملية اجتماعية، يلعب المثقفون فيها دوراً ريادياً على جبهة النضال الفكري والأيديولوجي، في المراحل التي تحتدمُ فيها التناقضات وتتعمَّق، وتزيدها الأحداث بخصائصها التاريخية والمحلية مزيداً من التعقيد كما هو الوضع القائم حالياً في لبنان.
إن الوعي المشكل بفضل مساهمة إنتاج المثقفين الوطنيين، يساعد في تعميق القناعات والقيم الوطنية والثورية لدى أوسع الفئات الاجتماعية، ويتحول بالتالي إلى قوة مادية، تساهم حتماً في تحقيق التقدم بوجوهه السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، على خط المواجهة والصراع مع النقيض الطبقي.
2- في أبرز المفاهيم الأيديولوجية المناهضة للثقافة الوطنية
برزت الساحة اللبنانية منذ بداية الحرب الأهلية وحتى الآن، على أنها الساحة الأساسية للمواجهـة في المنطقة العربية، بين قـوى حـركة التحرر الوطني العربية من جهة، وبين قوى التحالف الامبريالي الصهيوني الرجعي من جهة أخرى. وفي إطار تصدي التحالف الوطني اللبناني الفلسطيني السوري للتحالف الأميركي الصهيوني الفاشي، وعلى قاعدة تفاقم أزمة النظام الرأسمالي اللبناني في شتى مجالاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية، تحدد المضمون الرئيسي للصراع الأيديولوجي من موقع القوى الوطنية والتقدمية والثورية اللبنانية، على أنه صراع أيديولوجي ضد الامبريالية والصهيونية وأيديولوجيتهما، وكذلك ضد الفاشية وأيديولوجيا البورجوازية الانعزالية اللبنانية، التي صعّدت هجماتها في الميدان الفكري من خلال مفاهيم أيديولوجية متعدِّدة، نذكر الآن منها اثنين على سبيل المثال لا الحصر، دون التطرق إلى التفاصيل وهما:
أولاً: المفهوم الطائفي: هذا المفهوم استخدمته البورجوازية الانعزالية، سلاحاً فكرياً لمواجهة الطبقات والفئات الاجتماعية الكادحة من جميع الطوائف، لإبقائها تحت سيطرتها الاقتصادية ونفوذها السياسي، واعتمدته الانعزالية الفاشية دليلاً فكرياً لممارستها السياسية حتى توصلت إلى الزعم القائل بأن التناقض والصراع في لبنان هما تناقض وصراع طائفيان. وإن أي تفكير بإعادة بناء النظام السياسي اللبناني، لا بد أن يرتكز على القاعدة الطائفية في المجالات كافة. هذا المفهوم الانعزالي الفاشي المدمِّر في مجال الفكر، أدى في بعض الأحيان إلى حالات وردود فعل أيديولوجية طوائفية ومذهبية في حقل ممارسة الثقافة الوطنية، تركت ولا شك سلبيات كثيرة، لا نزال نعاني منها، ولا تزال تخترق من وقت إلى آخر جبهتنا الأيديولوجية الوطنية المعادية للمشروع النقيض.
ثانياً: مفهوم فرادة لبنان وتميُّزه عن غيره من بلدان العالم وعن محيطه العربي: أي إن منظِّري البورجوازية الانعزالية الفاشية، يزعمون انطلاقاً من هذا المفهوم، بأن القوانين التي تحكم تطور المجتمعات في هذه المرحلة بالذات، لا تنطبق على واقع لبنان. أي إنهم يردون ذلك إلى وضع لبنان خارج حركة التاريخ، وبالتالي فهم بمفهومهم الأيديولوجي هذا وبممارستهم السياسية له، يحاولون تأبيد نظامهم البورجوازي الذي أكدت أحداث السنة الماضية، أنه غير قادر على إنقاذ ذاته، من الأزمة المستعصية التي يواجهها، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقومية والأيديولوجية كافةً. كما أنهم يحاولون من خلال مفهومهم هذا، تمييز لبنان عن محيطه العربي، بهدف عزله عن حركة التحرر الوطني العربية وإعفائه من موجبات التصدي لأعداء الأمة العربية من إمبرياليين وصهاينة...
3- في سبيل مواجهة أيديولوجية ناجحة لأيديولوجيا البورجوازية الفاشية الانعزالية
إن أيديولوجيا البورجوازية الانعزالية الفاشية كما أشرنا باختصار، هي أيديولوجيا تعمل على إنجاح مشروعها الفاشي الانعزالي، الذي يستهدف وحدة لبنان واستقلاله الوطني وعروبته وتطوره الديمقراطي. وانطلاقاً من رؤيتنا لمخاطر هذا المشروع، ولمخاطر الهجمة الأيديولوجية المعادية، نرى أن أي مواجهة ناجحة له، تتطلب بالضرورة نهجاً ثقافياً وطنياً يتحقق النضال الأيديولوجي من خلاله على أساس المبادئ الآتية:
أ - مبدأ النضال من أجل وحدة لبنان وصيانة عروبته وتطوره الديمقراطي...
ب - مبدأ النضال من أجل تحقيق المساواة بين المواطنين، بخاصةً في مجال الحقوق المدنية المتنوعة، ومن أجل تكريس الحريات الديمقراطية والعامة وتطويرها، ومن أجل تعزيز خيار التطور الديمقراطي للبلاد...
ج - مبدأ النضال من أجل إلغاء الامتيازات الطبقية للطغمة المالية، والتي تتداخل وتتشابك مع الامتيازات الطائفية لزعماء الطوائف...
د - مبدأ النضال من أجل وحدة الصف الوطني بمكوناته الحزبية والسياسية والنقابية والثقافية كافة، على أساس برنامج وطني مرحلي يؤسس لمرحلة متقدمة للعمل الجبهوي...
هـ - مبدأ التضامن مع المثقفين الوطنيين والتقدميين عربيّاً ودولياً، في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية والرجعية، التي تتحكم في مصائر أوطانهم وشعوبهم وإقامة أفضل العلاقات مع المؤسسات الثقافية في البلدان المؤيدة لقضيتنا الوطنية.
وحتى تحقيق المزيد من النجاحات، في مجال النضال الأيديولوجي ضد المشروع الانعزالي الفاشي، وضد من يرعاه إقليمياً ودولياً، وحتى نطبق ما أعلنَّاه من مبادئ أساسية في عملنا الثقافي الوطني نرى: ضرورة قيام جبهة ثقافية وطنية واسعة، تضم جميع مثقفي الأحزاب والقوى الوطنية والديمقراطية، الذين يناضلون كل من موقعه، ضد المشروع الانعزالي الفاشي وتجلِّياته، وضد الاحتلال الإسرائيلي وإفرازاته. كما نرى ضرورة إشراك المثقفين في وضع برامج عملهم في هذا المجال. بذلك نكون قد أنجزنا مرحلة أساسية على طريق إنضاج الظروف المناسبة، كي تلعب الثقافة الوطنية دورها المنشود في عملية النضال من أجل التحرير والتغيير.
النداء، 12/6/ 1985
1- موقع الثقافة في الصراع الأيديولوجي
إن صياغة الوعي الاجتماعي هي عملية اجتماعية، يلعب المثقفون فيها دوراً ريادياً على جبهة النضال الفكري والأيديولوجي، في المراحل التي تحتدمُ فيها التناقضات وتتعمَّق، وتزيدها الأحداث بخصائصها التاريخية والمحلية مزيداً من التعقيد كما هو الوضع القائم حالياً في لبنان.
إن الوعي المشكل بفضل مساهمة إنتاج المثقفين الوطنيين، يساعد في تعميق القناعات والقيم الوطنية والثورية لدى أوسع الفئات الاجتماعية، ويتحول بالتالي إلى قوة مادية، تساهم حتماً في تحقيق التقدم بوجوهه السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، على خط المواجهة والصراع مع النقيض الطبقي.
2- في أبرز المفاهيم الأيديولوجية المناهضة للثقافة الوطنية
برزت الساحة اللبنانية منذ بداية الحرب الأهلية وحتى الآن، على أنها الساحة الأساسية للمواجهـة في المنطقة العربية، بين قـوى حـركة التحرر الوطني العربية من جهة، وبين قوى التحالف الامبريالي الصهيوني الرجعي من جهة أخرى. وفي إطار تصدي التحالف الوطني اللبناني الفلسطيني السوري للتحالف الأميركي الصهيوني الفاشي، وعلى قاعدة تفاقم أزمة النظام الرأسمالي اللبناني في شتى مجالاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية، تحدد المضمون الرئيسي للصراع الأيديولوجي من موقع القوى الوطنية والتقدمية والثورية اللبنانية، على أنه صراع أيديولوجي ضد الامبريالية والصهيونية وأيديولوجيتهما، وكذلك ضد الفاشية وأيديولوجيا البورجوازية الانعزالية اللبنانية، التي صعّدت هجماتها في الميدان الفكري من خلال مفاهيم أيديولوجية متعدِّدة، نذكر الآن منها اثنين على سبيل المثال لا الحصر، دون التطرق إلى التفاصيل وهما:
أولاً: المفهوم الطائفي: هذا المفهوم استخدمته البورجوازية الانعزالية، سلاحاً فكرياً لمواجهة الطبقات والفئات الاجتماعية الكادحة من جميع الطوائف، لإبقائها تحت سيطرتها الاقتصادية ونفوذها السياسي، واعتمدته الانعزالية الفاشية دليلاً فكرياً لممارستها السياسية حتى توصلت إلى الزعم القائل بأن التناقض والصراع في لبنان هما تناقض وصراع طائفيان. وإن أي تفكير بإعادة بناء النظام السياسي اللبناني، لا بد أن يرتكز على القاعدة الطائفية في المجالات كافة. هذا المفهوم الانعزالي الفاشي المدمِّر في مجال الفكر، أدى في بعض الأحيان إلى حالات وردود فعل أيديولوجية طوائفية ومذهبية في حقل ممارسة الثقافة الوطنية، تركت ولا شك سلبيات كثيرة، لا نزال نعاني منها، ولا تزال تخترق من وقت إلى آخر جبهتنا الأيديولوجية الوطنية المعادية للمشروع النقيض.
ثانياً: مفهوم فرادة لبنان وتميُّزه عن غيره من بلدان العالم وعن محيطه العربي: أي إن منظِّري البورجوازية الانعزالية الفاشية، يزعمون انطلاقاً من هذا المفهوم، بأن القوانين التي تحكم تطور المجتمعات في هذه المرحلة بالذات، لا تنطبق على واقع لبنان. أي إنهم يردون ذلك إلى وضع لبنان خارج حركة التاريخ، وبالتالي فهم بمفهومهم الأيديولوجي هذا وبممارستهم السياسية له، يحاولون تأبيد نظامهم البورجوازي الذي أكدت أحداث السنة الماضية، أنه غير قادر على إنقاذ ذاته، من الأزمة المستعصية التي يواجهها، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقومية والأيديولوجية كافةً. كما أنهم يحاولون من خلال مفهومهم هذا، تمييز لبنان عن محيطه العربي، بهدف عزله عن حركة التحرر الوطني العربية وإعفائه من موجبات التصدي لأعداء الأمة العربية من إمبرياليين وصهاينة...
3- في سبيل مواجهة أيديولوجية ناجحة لأيديولوجيا البورجوازية الفاشية الانعزالية
إن أيديولوجيا البورجوازية الانعزالية الفاشية كما أشرنا باختصار، هي أيديولوجيا تعمل على إنجاح مشروعها الفاشي الانعزالي، الذي يستهدف وحدة لبنان واستقلاله الوطني وعروبته وتطوره الديمقراطي. وانطلاقاً من رؤيتنا لمخاطر هذا المشروع، ولمخاطر الهجمة الأيديولوجية المعادية، نرى أن أي مواجهة ناجحة له، تتطلب بالضرورة نهجاً ثقافياً وطنياً يتحقق النضال الأيديولوجي من خلاله على أساس المبادئ الآتية:
أ - مبدأ النضال من أجل وحدة لبنان وصيانة عروبته وتطوره الديمقراطي...
ب - مبدأ النضال من أجل تحقيق المساواة بين المواطنين، بخاصةً في مجال الحقوق المدنية المتنوعة، ومن أجل تكريس الحريات الديمقراطية والعامة وتطويرها، ومن أجل تعزيز خيار التطور الديمقراطي للبلاد...
ج - مبدأ النضال من أجل إلغاء الامتيازات الطبقية للطغمة المالية، والتي تتداخل وتتشابك مع الامتيازات الطائفية لزعماء الطوائف...
د - مبدأ النضال من أجل وحدة الصف الوطني بمكوناته الحزبية والسياسية والنقابية والثقافية كافة، على أساس برنامج وطني مرحلي يؤسس لمرحلة متقدمة للعمل الجبهوي...
هـ - مبدأ التضامن مع المثقفين الوطنيين والتقدميين عربيّاً ودولياً، في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية والرجعية، التي تتحكم في مصائر أوطانهم وشعوبهم وإقامة أفضل العلاقات مع المؤسسات الثقافية في البلدان المؤيدة لقضيتنا الوطنية.
وحتى تحقيق المزيد من النجاحات، في مجال النضال الأيديولوجي ضد المشروع الانعزالي الفاشي، وضد من يرعاه إقليمياً ودولياً، وحتى نطبق ما أعلنَّاه من مبادئ أساسية في عملنا الثقافي الوطني نرى: ضرورة قيام جبهة ثقافية وطنية واسعة، تضم جميع مثقفي الأحزاب والقوى الوطنية والديمقراطية، الذين يناضلون كل من موقعه، ضد المشروع الانعزالي الفاشي وتجلِّياته، وضد الاحتلال الإسرائيلي وإفرازاته. كما نرى ضرورة إشراك المثقفين في وضع برامج عملهم في هذا المجال. بذلك نكون قد أنجزنا مرحلة أساسية على طريق إنضاج الظروف المناسبة، كي تلعب الثقافة الوطنية دورها المنشود في عملية النضال من أجل التحرير والتغيير.
النداء، 12/6/ 1985
Page 3
بعض الأفكار حول قضايا التحالفات الوطنية
قبل البدء في مناقشة بعض الأفكار حول قضايا التحالفات الوطنية اللبنانية، نرى من الضروري الإشارة إلى بعض (النقاط- المبادئ)، التي تشكل إطاراً يساهم في تحديد أكثر للموضوع الذي سنتناوله بالبحث الموجز، ولعلها أيضاً تشير إلى أهمية التحالفات كقضية نضالية ملحة، تتطلبها ظروف المواجهة الوطنية اللبنانية، ضد مثلث التحالف الامبريالي- الصهيوني- الانعزالي.
أولاً: في أهم النقاط – المبادئ
أ - إن طبيعة الصراع الطبقي بوجهيه الوطني والاجتماعي في المجتمعات الرأسمالية (مهما اختلفت مستويات التطور الرأسمالي فيها)، تفترض وتتطلب استقطاباً طبقياً تحدِّده مواقع وعلاقات هذه الفئة الاجتماعية أو تلك في شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية العامة. إن هذا الاستقطاب الطبقي التناحري في مجرى عملية الصراع، يتطلب نوعاً من التحالفات الطبقية والسياسية بين القوى الاجتماعية والسياسية المتناحرة، تلعب فيها الأحزاب والقوى السياسية دوراً نشيطاً في تشكيل الجبهات، وصياغة برامجها السياسية، وتحديد أهدافها المرحلية والاستراتيجية تقدمية كانت أم رجعية...
ب - أكدت تجربة الحركة الثورية العالمية، أن الوحدة بين فصائل وأطراف الصف الوطني الواحد، كانت سلاحاً جباراً في تحقيق الانتصار على التحالف الطبقي المعادي في شتى عمليات الصراع الاجتماعي. وإن التشتت على صعيد أعمال الحركة الوطنية والديمقراطية والثورية، يشكل أضخم العقبات وأخطرها في طريق تقدم هذه الحركة، مما يساهم بالتالي في تحقيق أهداف الرجعية وتمرير مشاريعها العدوانية...
ج - أكدّت التجربة التاريخية للحركة الثورية العالمية أيضاً، أنـه لا يمكن للطبقة العاملة مهما كـانت منظّمة وقوية، من أن تحقق وحـدها عملية الانتقال من تشكيلة اقتصادية - اجتماعية إلى تشكيلة اقتصادية - اجتماعية أرقى...
د - أثبتت الحرب الأهلية اللبنانية المستمرة ومن خلال مجريات الصراع، بأنه ليس في استطاعة أي حزب وطني تقدمي أو ثوري، مهما كان كبيراً وقوياً من حيث انتشاره التنظيمي على الصعيد الوطني، أو من حيث علاقاته التحالفية والتنسيقية قومياً وعالمياً، أن يواجه منفرداً وبنجاح الرجعية الفاشية الداخلية، المتحالفة مع إسرائيل ومع الامبريالية العالمية وعلى الأخص الامبريالية الأميركية.
ثانياً: في الأسس الموضوعية للتحالفات الوطنية
1- في الموقف من التناقص الأساسي على الصعيد الدولي
بانتصار ثورة أوكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا سنة 1917، وقيام أول دولة اشتراكية ظافرة في تاريخ البشرية، بدأت مرحلة جديدة من الأزمة العامة للرأسمالية، مرحلة انتقال البشرية من الرأسمالية إلى الاشتراكية. وبعدما لعب الاتحاد السوفياتي الدور الأساسي في الحرب العالمية الثانية ضد الفاشية، ومن أجل نصرة الشعوب المناضلة في سبيل الحرية والتقدم والاستقلال الوطني، انتصرت الاشتراكية في أكثر من موقع. وقامت دول اشتراكية وطّدت دعائم النظام الاشتراكي العالمي، وتعاظم دور حركات التحرر الوطني على الصعيدين العربي والعالمي، وتعزز نضال الطبقة العاملة والقوى الديمقراطية في البلدان الرأسمالية العالية التطور، ممَّا أدى إلى تفكّك وانهيار النظام الاستعماري العالمي. في ضوء هذه المعطيات الأساسية غدا التناقض الأساسي على الصعيد العالمي تناقضاً بين الرأسمالية وأعلى مراحلها الامبريالية من جهة، وبين الحركة الثورية العالمية بفصائلها كافة من جهة أخرى.
قبل البدء في مناقشة بعض الأفكار حول قضايا التحالفات الوطنية اللبنانية، نرى من الضروري الإشارة إلى بعض (النقاط- المبادئ)، التي تشكل إطاراً يساهم في تحديد أكثر للموضوع الذي سنتناوله بالبحث الموجز، ولعلها أيضاً تشير إلى أهمية التحالفات كقضية نضالية ملحة، تتطلبها ظروف المواجهة الوطنية اللبنانية، ضد مثلث التحالف الامبريالي- الصهيوني- الانعزالي.
أولاً: في أهم النقاط – المبادئ
أ - إن طبيعة الصراع الطبقي بوجهيه الوطني والاجتماعي في المجتمعات الرأسمالية (مهما اختلفت مستويات التطور الرأسمالي فيها)، تفترض وتتطلب استقطاباً طبقياً تحدِّده مواقع وعلاقات هذه الفئة الاجتماعية أو تلك في شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية العامة. إن هذا الاستقطاب الطبقي التناحري في مجرى عملية الصراع، يتطلب نوعاً من التحالفات الطبقية والسياسية بين القوى الاجتماعية والسياسية المتناحرة، تلعب فيها الأحزاب والقوى السياسية دوراً نشيطاً في تشكيل الجبهات، وصياغة برامجها السياسية، وتحديد أهدافها المرحلية والاستراتيجية تقدمية كانت أم رجعية...
ب - أكدت تجربة الحركة الثورية العالمية، أن الوحدة بين فصائل وأطراف الصف الوطني الواحد، كانت سلاحاً جباراً في تحقيق الانتصار على التحالف الطبقي المعادي في شتى عمليات الصراع الاجتماعي. وإن التشتت على صعيد أعمال الحركة الوطنية والديمقراطية والثورية، يشكل أضخم العقبات وأخطرها في طريق تقدم هذه الحركة، مما يساهم بالتالي في تحقيق أهداف الرجعية وتمرير مشاريعها العدوانية...
ج - أكدّت التجربة التاريخية للحركة الثورية العالمية أيضاً، أنـه لا يمكن للطبقة العاملة مهما كـانت منظّمة وقوية، من أن تحقق وحـدها عملية الانتقال من تشكيلة اقتصادية - اجتماعية إلى تشكيلة اقتصادية - اجتماعية أرقى...
د - أثبتت الحرب الأهلية اللبنانية المستمرة ومن خلال مجريات الصراع، بأنه ليس في استطاعة أي حزب وطني تقدمي أو ثوري، مهما كان كبيراً وقوياً من حيث انتشاره التنظيمي على الصعيد الوطني، أو من حيث علاقاته التحالفية والتنسيقية قومياً وعالمياً، أن يواجه منفرداً وبنجاح الرجعية الفاشية الداخلية، المتحالفة مع إسرائيل ومع الامبريالية العالمية وعلى الأخص الامبريالية الأميركية.
ثانياً: في الأسس الموضوعية للتحالفات الوطنية
1- في الموقف من التناقص الأساسي على الصعيد الدولي
بانتصار ثورة أوكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا سنة 1917، وقيام أول دولة اشتراكية ظافرة في تاريخ البشرية، بدأت مرحلة جديدة من الأزمة العامة للرأسمالية، مرحلة انتقال البشرية من الرأسمالية إلى الاشتراكية. وبعدما لعب الاتحاد السوفياتي الدور الأساسي في الحرب العالمية الثانية ضد الفاشية، ومن أجل نصرة الشعوب المناضلة في سبيل الحرية والتقدم والاستقلال الوطني، انتصرت الاشتراكية في أكثر من موقع. وقامت دول اشتراكية وطّدت دعائم النظام الاشتراكي العالمي، وتعاظم دور حركات التحرر الوطني على الصعيدين العربي والعالمي، وتعزز نضال الطبقة العاملة والقوى الديمقراطية في البلدان الرأسمالية العالية التطور، ممَّا أدى إلى تفكّك وانهيار النظام الاستعماري العالمي. في ضوء هذه المعطيات الأساسية غدا التناقض الأساسي على الصعيد العالمي تناقضاً بين الرأسمالية وأعلى مراحلها الامبريالية من جهة، وبين الحركة الثورية العالمية بفصائلها كافة من جهة أخرى.
Page 4
وعلى هذا الأساس فإن قضايانا الوطنية، في التحرر والتقدم وإنجاز الاستقلال الوطني في المجالات كافة، خصوصاً بعد قيام إسرائيل، ككيان عنصري فاشي استيطاني وتوسعي، قد ارتبطت موضوعياً بقضايا البشرية التقدمية المناضلة ضد الامبريالية وضد أشكال النهب والاستغلال الرأسماليين كافة، ووجدت لها- بفعل ذلك – في فصائل الحركة الثورية العالمية الثلاثة (النظام الاشتراكي العالمي، والحركة العمالية الثورية في البلدان الرأسمالية، وحركات التحرر الوطني) حليفاً طبيعياً ومبدئياً وثابتاً في مواجهة العدو وعلى مختلف المستويات.
إن التحديد الوطني التقدمي اللبناني المشترك، للجهة المعادية لقضايانا الوطنية والقومية في ضوء التناقض الأساسي في عصرنا على الصعيد العالمي، هو في تقديرنا مدخل رئيسي وصالح، لإيجاد أساس موضوعي للتحالف الوطني اللبناني.
2- في الموقف من التناقض الرئيسي على الصعيدين القومي والوطني
إن استيعاب التناقض الأساسي على الصعيد الدولي من قبل الأطراف الأساسية في التحالف الوطني اللبناني، يقود بالضرورة إلى تحديد التناقض الرئيسي على الصعيدين القومي والوطني، على أنه تناقض بين حركة التحرر الوطني العربية - والحركة الوطنية اللبنانية فصيل أساسي من فصائلها - كجزء لا يتجزأ من الحركة الثورية العالمية من جهة، وبين الامبريالية والامبريالية الأميركية وركيزتها إسرائيل على وجه الخصوص، والقوى الرجعية كافة وبخاصة الفاشية الانعزالية اللبنانية من جهة أخرى.
إن التحديد المشترك لجبهة الأعداء والأصدقاء من قبل الأطراف الأساسية في الصف الوطني والتقدمي اللبناني، على الصعيدين الوطني والإقليمي، في ضوء التناقض الرئيسي لهذه المرحلة على هذين الصعيدين، يعتبر برأينا أيضاً، مدخلاً أساسياً في تحديد أساس موضوعي آخر، للتحالفات بين أطراف الصف الوطني الواحد.
وإذا كان إقرار معظم القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية بهذه المنظومة من التناقضات الأساسية على الصعد الدولية والإقليمية والوطنية كافة، والتعامل معها من موقع الفعل النضالي التقدمي، قد شكل برأينا الأساس الموضوعي لإمكانية قيام التحالفات الطبقية والائتلافات السياسية، فإن هذه التجربة، أي تجربة التحالفات والعمل الجبهوي الوطني بالصيغ التنظيمية المتعدِّدة التي شهدتها الساحة اللبنانية، أكدت بأن القوى الوطنية والتقدمية، لم تتمكن بالكامل من تحقيق عملية الالتحام الضرورية، بين ما هو ذاتي من عوامل موجودة (ولكن في حالة من الضعف) من جهة، وبين أسس موضوعية موجودة بالفعل من جهة أخرى، لإنجاح عملية التحالفات. إن عدم توافر هذه الإمكانية يعود في الأساس، إلى عدم النجاح الكامل على مستوى الحركة الوطنية كجبهة، أو على صعيد كل حزب من أحزابها - مع الأخذ في الاعتبار التفاوت في نسبة وجود الاستعدادات الذاتية للعمل الجبهوي لدى هذا الحزب أو ذاك - في الارتقاء بالعمل لإنضاج العوامل الذاتية ورفعها إلى مستوى نضوج العوامل الموضوعية، مما أدَّى إلى خلل في التنظيم والنهج السياسي، عانت ولا تزال تعاني منهما أيضاً، مجمل صيغ العمل الجبهوي الوطني، رغم بعض النجاحات النسبية التي كانت في أساس تحقيق ما شهدناه من انتصارات وطنية وقومية، على امتداد جبهات الصراع المتنوعة في مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية المستمرة.
ثالثاً: موجبات الارتقاء بالعوامل الذاتية إلى مستوى نضوج العوامل الموضوعية
إن عملية تحقيق هذه المهمة تتم فقط من خلال النضالات المشتركة، للقوى الوطنية والتقدمية، وفي الإطار الموضوعي المتكوِّن، ومن خلال عملية التأثير المتبادل لجميع جوانب ما هو ذاتي يتكوّن وما هو موضوعي متكوِّن. وحتى تجري هذه العملية النضالية المعقّدة بأقصر الطرق وأقلها كلفة، يجب الأخذ في الاعتبار تحقيق الشروط الآتية:
أ - العمل على تحديد موقف وطني تقدمي مشترك وحاسم، من قضايا الصراع بين قوى التناقض الأساسي على الصعيد الدولي، أي بين قوى الامبريالية والرجعية والحرب من جهة، وبين قوى الاشتراكية والتقدم والسلام من جهة أخرى، وضرورة الالتزام بالتالي بالمواقف النضالية العامة للحركة الثورية العالمية.
ب - العمل على تحديد موقف وطني واضح ومبدئي وسليم من القضايا القومية، أي قضايا التحرُّر الوطني والتقدم الاجتماعي والوحدة العربية، وبشكل خاص الموقف من القضية الفلسطينية، وضرورة بناء أسلم العلاقات وأرقاها مع سوريا التي تلعب دوراً ممانعاً للمشاريع الامبريالية والصهيونية والرجعية، ومع القوى الديمقراطية والثورية في الثورة الفلسطينية، والمساهمة في تحديد صيغ النضال المشترك السوري – الوطني اللبناني – الفلسطيني على الساحتين الوطنية والقومية.
ج - الحرص الدائم على تعزيز الطابع الجماهيري للتحالف الوطني اللبناني، على قاعدة العمل الوطني المشترك، من أجل تنمية الحركة الشعبية، والاستفادة من قدراتها وخبراتها، وتنظيمها في أطر تتناسب وطبيعة المرحلة.
د - تعزيز الديمقراطية (مفهوماً ونهجاً) في العلاقات التنظيمية بين أطراف الصف الوطني كافة، وممارسة النقد والنقد الذاتي، كعملية ضرورية ملحّة وبنّاءة، وتعزيز دور القيادة الجماعية في مؤسسات التحالف الوطني، وتجنب الانزلاق في ممارسة المركزية إلى أبعد الحدود من قبل القادة، والحرص على عدم تفشي البيروقراطية في المؤسسات الوطنية المفترضة.
هـ - العمل على إتقان أشكال النضال الاقتصادي والسياسي والعسكري والأيديولوجي كافة، والجمع في ما بينها، واعتبارها جوانب متعددة لعملية نضالية جماهيرية واحدة، والعمل على تمحورها حول الشكل الرئيسي منها، وذلك ارتباطاً بخصائص المرحلة التي تجري فيها عملية الصراع وبنهج القوى المعادية وأدوات هجومها وأسلوبه.
و - العمل على أن ينطلق العمل الوطني، ضد محاولات الرجعية اللبنانية، وبخاصة الرجعية الفاشية الانعزالية التي تسعى إلى تجديد التسوية الطائفية وتكريسها، والرد على هذه المحاولات من موقع وطني ديمقراطي ثوري يتناول بالتغيير النظام في لبنان بجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة .
النداء، 4/8/1985
إن التحديد الوطني التقدمي اللبناني المشترك، للجهة المعادية لقضايانا الوطنية والقومية في ضوء التناقض الأساسي في عصرنا على الصعيد العالمي، هو في تقديرنا مدخل رئيسي وصالح، لإيجاد أساس موضوعي للتحالف الوطني اللبناني.
2- في الموقف من التناقض الرئيسي على الصعيدين القومي والوطني
إن استيعاب التناقض الأساسي على الصعيد الدولي من قبل الأطراف الأساسية في التحالف الوطني اللبناني، يقود بالضرورة إلى تحديد التناقض الرئيسي على الصعيدين القومي والوطني، على أنه تناقض بين حركة التحرر الوطني العربية - والحركة الوطنية اللبنانية فصيل أساسي من فصائلها - كجزء لا يتجزأ من الحركة الثورية العالمية من جهة، وبين الامبريالية والامبريالية الأميركية وركيزتها إسرائيل على وجه الخصوص، والقوى الرجعية كافة وبخاصة الفاشية الانعزالية اللبنانية من جهة أخرى.
إن التحديد المشترك لجبهة الأعداء والأصدقاء من قبل الأطراف الأساسية في الصف الوطني والتقدمي اللبناني، على الصعيدين الوطني والإقليمي، في ضوء التناقض الرئيسي لهذه المرحلة على هذين الصعيدين، يعتبر برأينا أيضاً، مدخلاً أساسياً في تحديد أساس موضوعي آخر، للتحالفات بين أطراف الصف الوطني الواحد.
وإذا كان إقرار معظم القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية بهذه المنظومة من التناقضات الأساسية على الصعد الدولية والإقليمية والوطنية كافة، والتعامل معها من موقع الفعل النضالي التقدمي، قد شكل برأينا الأساس الموضوعي لإمكانية قيام التحالفات الطبقية والائتلافات السياسية، فإن هذه التجربة، أي تجربة التحالفات والعمل الجبهوي الوطني بالصيغ التنظيمية المتعدِّدة التي شهدتها الساحة اللبنانية، أكدت بأن القوى الوطنية والتقدمية، لم تتمكن بالكامل من تحقيق عملية الالتحام الضرورية، بين ما هو ذاتي من عوامل موجودة (ولكن في حالة من الضعف) من جهة، وبين أسس موضوعية موجودة بالفعل من جهة أخرى، لإنجاح عملية التحالفات. إن عدم توافر هذه الإمكانية يعود في الأساس، إلى عدم النجاح الكامل على مستوى الحركة الوطنية كجبهة، أو على صعيد كل حزب من أحزابها - مع الأخذ في الاعتبار التفاوت في نسبة وجود الاستعدادات الذاتية للعمل الجبهوي لدى هذا الحزب أو ذاك - في الارتقاء بالعمل لإنضاج العوامل الذاتية ورفعها إلى مستوى نضوج العوامل الموضوعية، مما أدَّى إلى خلل في التنظيم والنهج السياسي، عانت ولا تزال تعاني منهما أيضاً، مجمل صيغ العمل الجبهوي الوطني، رغم بعض النجاحات النسبية التي كانت في أساس تحقيق ما شهدناه من انتصارات وطنية وقومية، على امتداد جبهات الصراع المتنوعة في مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية المستمرة.
ثالثاً: موجبات الارتقاء بالعوامل الذاتية إلى مستوى نضوج العوامل الموضوعية
إن عملية تحقيق هذه المهمة تتم فقط من خلال النضالات المشتركة، للقوى الوطنية والتقدمية، وفي الإطار الموضوعي المتكوِّن، ومن خلال عملية التأثير المتبادل لجميع جوانب ما هو ذاتي يتكوّن وما هو موضوعي متكوِّن. وحتى تجري هذه العملية النضالية المعقّدة بأقصر الطرق وأقلها كلفة، يجب الأخذ في الاعتبار تحقيق الشروط الآتية:
أ - العمل على تحديد موقف وطني تقدمي مشترك وحاسم، من قضايا الصراع بين قوى التناقض الأساسي على الصعيد الدولي، أي بين قوى الامبريالية والرجعية والحرب من جهة، وبين قوى الاشتراكية والتقدم والسلام من جهة أخرى، وضرورة الالتزام بالتالي بالمواقف النضالية العامة للحركة الثورية العالمية.
ب - العمل على تحديد موقف وطني واضح ومبدئي وسليم من القضايا القومية، أي قضايا التحرُّر الوطني والتقدم الاجتماعي والوحدة العربية، وبشكل خاص الموقف من القضية الفلسطينية، وضرورة بناء أسلم العلاقات وأرقاها مع سوريا التي تلعب دوراً ممانعاً للمشاريع الامبريالية والصهيونية والرجعية، ومع القوى الديمقراطية والثورية في الثورة الفلسطينية، والمساهمة في تحديد صيغ النضال المشترك السوري – الوطني اللبناني – الفلسطيني على الساحتين الوطنية والقومية.
ج - الحرص الدائم على تعزيز الطابع الجماهيري للتحالف الوطني اللبناني، على قاعدة العمل الوطني المشترك، من أجل تنمية الحركة الشعبية، والاستفادة من قدراتها وخبراتها، وتنظيمها في أطر تتناسب وطبيعة المرحلة.
د - تعزيز الديمقراطية (مفهوماً ونهجاً) في العلاقات التنظيمية بين أطراف الصف الوطني كافة، وممارسة النقد والنقد الذاتي، كعملية ضرورية ملحّة وبنّاءة، وتعزيز دور القيادة الجماعية في مؤسسات التحالف الوطني، وتجنب الانزلاق في ممارسة المركزية إلى أبعد الحدود من قبل القادة، والحرص على عدم تفشي البيروقراطية في المؤسسات الوطنية المفترضة.
هـ - العمل على إتقان أشكال النضال الاقتصادي والسياسي والعسكري والأيديولوجي كافة، والجمع في ما بينها، واعتبارها جوانب متعددة لعملية نضالية جماهيرية واحدة، والعمل على تمحورها حول الشكل الرئيسي منها، وذلك ارتباطاً بخصائص المرحلة التي تجري فيها عملية الصراع وبنهج القوى المعادية وأدوات هجومها وأسلوبه.
و - العمل على أن ينطلق العمل الوطني، ضد محاولات الرجعية اللبنانية، وبخاصة الرجعية الفاشية الانعزالية التي تسعى إلى تجديد التسوية الطائفية وتكريسها، والرد على هذه المحاولات من موقع وطني ديمقراطي ثوري يتناول بالتغيير النظام في لبنان بجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة .
النداء، 4/8/1985
Page 5
التيارات الدينية والطائفية في لبنان والعالم العربي ((2))
الرفاق الأعزاء
حين نتناول بالبحث ظاهرة التيارات الدينية والطائفية في المنطقة العربية بشكل عام، وفي لبنان بشكل خاص، يتوجَّب علينا – وهذا أحد موجبات البحث – أن نبحث في ولادة هذه الظاهرة، من حيث الكشف عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية، التي كانت في أساس ولادتها. كما يترتب علينا، أن نقدِّم صورة ولو مختصرة عن صيرورتها التاريخية منذ فترة تكوّنها وحتى المرحلة الراهنة.
إن مقتضيات البحث العلمي الدقيق تتطلب تحقيق هذه المسائل (بحثاً واستنتاجات) ولأسباب عديدة منها: ضيق الوقت الفاصل بين إعلامنا بالمشاركة وموعد الندوة. ومحدودية المراجع المتاحة لهذا الموضوع. ممَّا يجعل مساهمتنا أقرب إلى المداخلة السريعة منها إلى البحث العلمي، آملين أن نساهم، إلى جانب مداخلات الرفاق، في الكشف عن ماهيّة هذه الظاهرة، وتبيان طابعها، وكيفيَّة مواجهة القوى الثورية لها، لما بدأت تمثله من مخاطر، خصوصاً في بلدنا لبنان، كونه ساحة أساسية للصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط، بين قوى الامبريالية والصهيونية والرجعية من جهة، وقوى التحرر الوطني والتقدم والسلام من جهة أخرى.
إن ظاهرة التيارات الدينية والطائفية وبخاصة الإسلامية، تمتد جذورها عميقاً في تاريخ المجتمع العربي، وقد استندت في تشكلها وصيرورتها إلى سيادة الوعي الديني، الذي يتحدَّد إلى حد كبير بطبيعة البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة في هذا المجتمع أو ذاك.
أنا الآن لن أدخل في تفاصيل تشكّل هذه الظاهرة، ونموِّها وتحوّلها إلى تيارات مختلفة ومتعددة، إنما بودي، أن أشير في هذه الجلسة إلى أن هذه الظاهرة تحضر في مرحلة تتعمق فيها أزمة البورجوازية العربية التابعة لرأسمالية عالمية مأزومة!! كما تظهر في الوقت الذي نقول فيه بضرورة التغيير الثوري، بما هو عملية ثورية متكاملة، يتداخل فيها التحرر الوطني والاجتماعي، في سبيل الانتقال لاحقاً وفي ظروف تاريخية مناسبة ومحدّدة إلى الاشتراكية.
وهذه الظاهرة في لبنان ليست معزولة عن عملية الصراع الاجتماعي والسياسي، إنما هي جزء عضوي منه، لها أحزابها، وقواها المحركة، وطابعها الطبقي، وبالتالي لها موقع في عملية الصراع، بجبهاته المختلفة، على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية كافة.
في العوامل القريبة (الخارجية والداخلية) لتشكل ظاهرة التيارات الدينية والطائفية
أولاً: في العوامل الخارجية
أ - دور الاستعمار: لعب الاستعمار بشكليه القديم والحديث، دوراً مميّزاً في تغذية وتعزيز الاتجاهات الطائفية والمذهبية في بلاد المشرق العربي، وفي لبنان تحديداً والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:
1- انحياز الأتراك إلى جانب الطوائف الإسلامية ضد المسيحيين في لبنان.
2- انحيازالاستعمار الفرنسي إلى جانب المسيحيين بشكل عام، والحرص على تثبيت موقعهم القيادي في دولة «لبنان الكبير» التي أعلنت سنة 1920.
ب - دور العامل الإسرائيلي: إن قيام الدولة الصهيونية، على أرض فلسطين، شكل بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة العربية، وبما أن العنصرية الصهيونية هي إحدى أهم ركائز الكيان الصهيوني، وأحد أهم عناصر استمراره، وأحد أهم المكونات الأساسية في بنائه الأيديولوجي، فإن هذا الكيان العدواني، قد بنى استراتيجيته الإقليمية في جانب رئيسي منها، على أساس تعميق التناقضات المذهبية والطائفية في البلدان المجاورة له، والدليل على ذلك الفعل السلبي التدميري للعامل الإسرائيلي في الحرب الأهلية اللبنانية المتمادية، وما شكله هذا الفعل العدواني الإسرائيلي من فرز طائفي ومذهبي على الأرض، بما يخدم لاحقاً استراتيجيته في إقامة الكانتونات الطائفية والمذهبية في لبنان، وبما يساهم في تعميم هذه الظاهرة فيما بعد في بلدان عربية أخرى، بما يضمن بقاءه كياناً عنصرياً قوياً وسط كيانات طائفية ومذهبية ضعيفة ومتقاتلة.
ج- العامل الإيراني: إن انتصار الثورة الإسلامية في إيران، شكل بداية مرحلة نوعية اتسمت بانتعاش متزايد للتيارات الدينية وبخاصة في أوساط الطائفة الشيعية، ورغم إيجابيات المواقف العامة والمبدئية المناهضة للامبريالية الأميركية وإسرائيل لهذه القوى، فإن هذه التيارات عموماً تتناقض بمنظومتها الفكرية، ومشروعها السياسي مع الحداثة والعلمنة...
إن تأثيرات العوامل الخارجية في تغذية التيارات الطائفية والدينية في المنطقة العربية، وتحديداً في لبنان، تقاطعت وتتقاطع جميعها قديماً وحديثاً وحالياً، من أجل إعادة إنتاج النظام الطائفي – الطبقي في لبنان التابع للإمبريالية بأشكال مختلفة.
الرفاق الأعزاء
حين نتناول بالبحث ظاهرة التيارات الدينية والطائفية في المنطقة العربية بشكل عام، وفي لبنان بشكل خاص، يتوجَّب علينا – وهذا أحد موجبات البحث – أن نبحث في ولادة هذه الظاهرة، من حيث الكشف عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية، التي كانت في أساس ولادتها. كما يترتب علينا، أن نقدِّم صورة ولو مختصرة عن صيرورتها التاريخية منذ فترة تكوّنها وحتى المرحلة الراهنة.
إن مقتضيات البحث العلمي الدقيق تتطلب تحقيق هذه المسائل (بحثاً واستنتاجات) ولأسباب عديدة منها: ضيق الوقت الفاصل بين إعلامنا بالمشاركة وموعد الندوة. ومحدودية المراجع المتاحة لهذا الموضوع. ممَّا يجعل مساهمتنا أقرب إلى المداخلة السريعة منها إلى البحث العلمي، آملين أن نساهم، إلى جانب مداخلات الرفاق، في الكشف عن ماهيّة هذه الظاهرة، وتبيان طابعها، وكيفيَّة مواجهة القوى الثورية لها، لما بدأت تمثله من مخاطر، خصوصاً في بلدنا لبنان، كونه ساحة أساسية للصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط، بين قوى الامبريالية والصهيونية والرجعية من جهة، وقوى التحرر الوطني والتقدم والسلام من جهة أخرى.
إن ظاهرة التيارات الدينية والطائفية وبخاصة الإسلامية، تمتد جذورها عميقاً في تاريخ المجتمع العربي، وقد استندت في تشكلها وصيرورتها إلى سيادة الوعي الديني، الذي يتحدَّد إلى حد كبير بطبيعة البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة في هذا المجتمع أو ذاك.
أنا الآن لن أدخل في تفاصيل تشكّل هذه الظاهرة، ونموِّها وتحوّلها إلى تيارات مختلفة ومتعددة، إنما بودي، أن أشير في هذه الجلسة إلى أن هذه الظاهرة تحضر في مرحلة تتعمق فيها أزمة البورجوازية العربية التابعة لرأسمالية عالمية مأزومة!! كما تظهر في الوقت الذي نقول فيه بضرورة التغيير الثوري، بما هو عملية ثورية متكاملة، يتداخل فيها التحرر الوطني والاجتماعي، في سبيل الانتقال لاحقاً وفي ظروف تاريخية مناسبة ومحدّدة إلى الاشتراكية.
وهذه الظاهرة في لبنان ليست معزولة عن عملية الصراع الاجتماعي والسياسي، إنما هي جزء عضوي منه، لها أحزابها، وقواها المحركة، وطابعها الطبقي، وبالتالي لها موقع في عملية الصراع، بجبهاته المختلفة، على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية كافة.
في العوامل القريبة (الخارجية والداخلية) لتشكل ظاهرة التيارات الدينية والطائفية
أولاً: في العوامل الخارجية
أ - دور الاستعمار: لعب الاستعمار بشكليه القديم والحديث، دوراً مميّزاً في تغذية وتعزيز الاتجاهات الطائفية والمذهبية في بلاد المشرق العربي، وفي لبنان تحديداً والأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:
1- انحياز الأتراك إلى جانب الطوائف الإسلامية ضد المسيحيين في لبنان.
2- انحيازالاستعمار الفرنسي إلى جانب المسيحيين بشكل عام، والحرص على تثبيت موقعهم القيادي في دولة «لبنان الكبير» التي أعلنت سنة 1920.
ب - دور العامل الإسرائيلي: إن قيام الدولة الصهيونية، على أرض فلسطين، شكل بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة العربية، وبما أن العنصرية الصهيونية هي إحدى أهم ركائز الكيان الصهيوني، وأحد أهم عناصر استمراره، وأحد أهم المكونات الأساسية في بنائه الأيديولوجي، فإن هذا الكيان العدواني، قد بنى استراتيجيته الإقليمية في جانب رئيسي منها، على أساس تعميق التناقضات المذهبية والطائفية في البلدان المجاورة له، والدليل على ذلك الفعل السلبي التدميري للعامل الإسرائيلي في الحرب الأهلية اللبنانية المتمادية، وما شكله هذا الفعل العدواني الإسرائيلي من فرز طائفي ومذهبي على الأرض، بما يخدم لاحقاً استراتيجيته في إقامة الكانتونات الطائفية والمذهبية في لبنان، وبما يساهم في تعميم هذه الظاهرة فيما بعد في بلدان عربية أخرى، بما يضمن بقاءه كياناً عنصرياً قوياً وسط كيانات طائفية ومذهبية ضعيفة ومتقاتلة.
ج- العامل الإيراني: إن انتصار الثورة الإسلامية في إيران، شكل بداية مرحلة نوعية اتسمت بانتعاش متزايد للتيارات الدينية وبخاصة في أوساط الطائفة الشيعية، ورغم إيجابيات المواقف العامة والمبدئية المناهضة للامبريالية الأميركية وإسرائيل لهذه القوى، فإن هذه التيارات عموماً تتناقض بمنظومتها الفكرية، ومشروعها السياسي مع الحداثة والعلمنة...
إن تأثيرات العوامل الخارجية في تغذية التيارات الطائفية والدينية في المنطقة العربية، وتحديداً في لبنان، تقاطعت وتتقاطع جميعها قديماً وحديثاً وحالياً، من أجل إعادة إنتاج النظام الطائفي – الطبقي في لبنان التابع للإمبريالية بأشكال مختلفة.
Page 6
ثانياً: في العوامل الداخلية
أ - وجود البنى الاجتماعية المتخلِّفة، بسبب بقاء معظم الدول العربية ومنها لبنان، في إطار التبعية للامبريالية اقتصادياً وسياسياً، ممّا أدّى إلى تشويه الوعي الاجتماعي لفئات واسعة من السكان، وإلى عدم وجود طبقة عاملة قوية وممركزة، وإلى استمرار انتشار واتساع فئات اجتماعية فقيرة ومعدمة، وازدياد عدد البرولتياريا «الرَّثة» بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتجددة باستمرار، وانتشار البطالة والأميّة.
إن هذا الواقع الاقتصادي – الاجتماعي للجماعات البشرية، يشكل تربة خصبة لانتشار الأيديولوجيا الدينية، وللتعصب الطائفي والمذهبي، خصوصاً إذا توافرت عوامل أخرى مساعدة كالحرب الأهلية، وما رافقها من مجازر وتهجير واقتتال طائفي ومذهبي.
ب: عدم تمكن البورجوازية من تحقيق أهداف الثورة البورجوازية الديمقراطية على الصعيدين الوطني والقومي، وسعيها الحثيث إلى تدمير نقيضها أي الحزب الثوري، وإضعاف حلفائه الطبقيين والقوى السياسية المعبرة عن مصالحهم.
ج: فشل القوى الثورية العربية في رسم وتحقيق استراتيجية ثورية متكاملة، بجميع جوانبها السياسية والتنظيمية على الصعيدين الوطني والقومي، ممّا أفسح في المجال أمام التيارات الدينية القائمة لاستغلال هذا الفراغ السياسي والتنظيمي، والتحرك وسط جماهير شعبية واسعة، مهيّأة بفعل الأزمات التي تعيشها، لتقبل أي طرح «ديماغوجي» ذي طابع طائفي وحتى مذهبي للخلاص - وإن كان وهماً – من الأزمات التي تتخبط فيها وبخاصة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
إن جدلية العلاقة بين العوامل الخارجية والداخلية، ساهمت ولا شك في نمو التيارات الدينية في المنطقة العربية بشكل عام، وفي لبنان بشكل خاص. من هنا، يرتدي النضال من أجل تعزيز قدرة العامل الذاتي لدى القوى السياسية ذات المصلحة في التغيير الثوري، وضرورة الارتفاع به إلى مستوى نضوج الظروف الموضوعية للعملية الثورية؛ إن هذه المسألة تتطلب - أول ما تتطلب - أن تحتل الطبقة العاملة وحزبها في الحركة الثورية العربية وعلى مستوى كل بلد عربي، موقعهما الطليعي والطبيعي في قيادة العملية الثورية، من خلال تحالفهما الطبقي الوطني الثوري مع القوى الوطنية والقومية. عندئذٍ وفي غمرة هذا النضال الثوري تجري عملية الاستقطاب الطبقي، وتتحدد الاتجاهات الأساسية لعملية الصراع وتتحرر جماهير شعبية واسعة ومن ضمنها جماهير الطوائف المختلفة من قياداتها الفاشية والطائفية والمذهبية، فتنفتح آنذاك الآفاق واسعة ورحبة أمام الثورة الوطنية الديمقراطية، التي تؤمّن العناصر الضرورية لقيام الحكم الوطني الديمقراطي في لبنان، والبديل العلماني الديمقراطي في سائر البلدان العربية.
معهد العلوم الاجتماعية، موسكو 20/9/1987
أ - وجود البنى الاجتماعية المتخلِّفة، بسبب بقاء معظم الدول العربية ومنها لبنان، في إطار التبعية للامبريالية اقتصادياً وسياسياً، ممّا أدّى إلى تشويه الوعي الاجتماعي لفئات واسعة من السكان، وإلى عدم وجود طبقة عاملة قوية وممركزة، وإلى استمرار انتشار واتساع فئات اجتماعية فقيرة ومعدمة، وازدياد عدد البرولتياريا «الرَّثة» بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتجددة باستمرار، وانتشار البطالة والأميّة.
إن هذا الواقع الاقتصادي – الاجتماعي للجماعات البشرية، يشكل تربة خصبة لانتشار الأيديولوجيا الدينية، وللتعصب الطائفي والمذهبي، خصوصاً إذا توافرت عوامل أخرى مساعدة كالحرب الأهلية، وما رافقها من مجازر وتهجير واقتتال طائفي ومذهبي.
ب: عدم تمكن البورجوازية من تحقيق أهداف الثورة البورجوازية الديمقراطية على الصعيدين الوطني والقومي، وسعيها الحثيث إلى تدمير نقيضها أي الحزب الثوري، وإضعاف حلفائه الطبقيين والقوى السياسية المعبرة عن مصالحهم.
ج: فشل القوى الثورية العربية في رسم وتحقيق استراتيجية ثورية متكاملة، بجميع جوانبها السياسية والتنظيمية على الصعيدين الوطني والقومي، ممّا أفسح في المجال أمام التيارات الدينية القائمة لاستغلال هذا الفراغ السياسي والتنظيمي، والتحرك وسط جماهير شعبية واسعة، مهيّأة بفعل الأزمات التي تعيشها، لتقبل أي طرح «ديماغوجي» ذي طابع طائفي وحتى مذهبي للخلاص - وإن كان وهماً – من الأزمات التي تتخبط فيها وبخاصة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
إن جدلية العلاقة بين العوامل الخارجية والداخلية، ساهمت ولا شك في نمو التيارات الدينية في المنطقة العربية بشكل عام، وفي لبنان بشكل خاص. من هنا، يرتدي النضال من أجل تعزيز قدرة العامل الذاتي لدى القوى السياسية ذات المصلحة في التغيير الثوري، وضرورة الارتفاع به إلى مستوى نضوج الظروف الموضوعية للعملية الثورية؛ إن هذه المسألة تتطلب - أول ما تتطلب - أن تحتل الطبقة العاملة وحزبها في الحركة الثورية العربية وعلى مستوى كل بلد عربي، موقعهما الطليعي والطبيعي في قيادة العملية الثورية، من خلال تحالفهما الطبقي الوطني الثوري مع القوى الوطنية والقومية. عندئذٍ وفي غمرة هذا النضال الثوري تجري عملية الاستقطاب الطبقي، وتتحدد الاتجاهات الأساسية لعملية الصراع وتتحرر جماهير شعبية واسعة ومن ضمنها جماهير الطوائف المختلفة من قياداتها الفاشية والطائفية والمذهبية، فتنفتح آنذاك الآفاق واسعة ورحبة أمام الثورة الوطنية الديمقراطية، التي تؤمّن العناصر الضرورية لقيام الحكم الوطني الديمقراطي في لبنان، والبديل العلماني الديمقراطي في سائر البلدان العربية.
معهد العلوم الاجتماعية، موسكو 20/9/1987
Page 7
المؤتمر الوطني السادس وعملية
التجديد في الحزب الشيوعي اللبناني((3))
في النصف الأول من شهر كانون الثاني سنة 1992، انعقد في بيروت، المؤتمر الوطني السادس للحزب الشيوعي اللبناني في ظل الانهيارات السريعة للأنظمة الاشتراكية في كل من أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي، وفي ظل نقاشات واسعة على مختلف المستويات الحزبية، اتسمت جميعها بالصراحة والعلنية، واستهدفت إخراج الحزب من الصعوبات التي كان يعانيها، بسبب ما كان قائماً في الخارج من جهة، وبسبب ما آلت إليه الأمور الداخلية بعد حرب أهلية طويلة ومعقدة من جهة أخرى.
إن العوامل التي دفعت بالشيوعيين للانخراط في العمليات الأولى للتحضير للمؤتمر، كانت متعددة ومتداخلة، إلى حد يمكننا القول بأن أهم هذه العوامل كان الحرص على استمرار الحزب قوةً سياسية فاعلة، في الحياة السياسية اللبنانية، وبالتالي الاستمرار فيه حفاظاً على الذات السياسية والمعنوية لكل عضوٍ من أعضائه.
في ظل هذه الأهداف الكبيرة والهامة، وفي ظل قناعة المشاركين في التحضير للمؤتمر، وقناعة المؤتمر بالذات، بأن هذه الأهداف يمكن أن تتحقق، عن طريق التجديد في الحزب (فكراً وسياسة وتنظيماً)، خصوصاً وأن التجديد والتطور خاصتان ملازمتان للثوريين وحزبهم. فقد خرجت المقررات الأساسية للمؤتمر لتعبِّر عن رغبات وأحلام وطموح الشيوعيين... وللمضيِّ قدماً على طريق المساهمة في بناء وطنٍ موحد، ديمقراطي، تتحقق فيه السيادة الوطنية والسلم الأهلي والعدالة الاجتماعية...
لكن ما الذي يدفعنا لأن نعود إلى المؤتمر السادس في هذه الفترة بالذات؟ ولعملية التجديد التي بُحثت وأقرّت فيه؟؟
إنه التأكيد على أهمية هذا المؤتمر، وبما طُرح فيه من أمور تجديدية في مجالات الفكر على مختلف المستويات الفلسفية، والاقتصادية والسياسية، وفي مجال السياسة بما هي خطة وبرنامج يتناولان الشؤون الوطنية والقومية والعالمية، وفي مجال التنظيم بما هو إطار يساهم في تفعيل الخطة والبرنامج بما يتفق واستراتيجية الحزب الكبرى.
إن هذه الأمور المثبتة في وثائق المؤتمر، تتطلب العودة إليها، والاطلاع عليها، ودراستها دراسة تاريخية. خصوصاً وأن الحزب قد دعا في الأيام الأخيرة للتحضير إلى عقد مؤتمر استثنائي لنقاش أمور بالطبع ستكون محددة، لكن في معظمها أمور قد تطرق إليها المؤتمر السادس في التداول والبحث واتخاذ المقررات والذي يعتبر – أي المؤتمر السادس – برأيي أنه أنجز ما يمكن إنجازه في فترة انعقاده من حيث إطلاق العملية الديمقراطية في حياته الداخلية، وفي كيفية ومستوى ومدى التعاطي السياسي للشيوعيين مع الآخرين. هذا إلى جانب إنجاز آخر في مجال إقرار الفهم العلمي الحقيقي – التاريخي – النسبي للنظرية وبالتحديد للماركسية. أما في مجال السياسة والتنظيم، فقد طرحت في المؤتمر أبحاث هامة وعميقة أُقرت فيها بعض القضايا، وأخرى لم تُقَر، وهي الآن جميعها (النظري والسياسي والتنظيمي) مع ما حملته الأشهر التسعة التي تلت المؤتمر من أحداث كثيرة، على المؤتمر السابع الاستثنائي للحزب أن ينظر إليها، وهذه المرة من موقع تجديدي رسمه وأكَّده وحدَّده إلى حد كبير المؤتمر الوطني السادس للحزب، ومنحته الحياة بأحداثها وتنوعها المناعة والقوة.
النداء، عام 1992
التجديد في الحزب الشيوعي اللبناني((3))
في النصف الأول من شهر كانون الثاني سنة 1992، انعقد في بيروت، المؤتمر الوطني السادس للحزب الشيوعي اللبناني في ظل الانهيارات السريعة للأنظمة الاشتراكية في كل من أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي، وفي ظل نقاشات واسعة على مختلف المستويات الحزبية، اتسمت جميعها بالصراحة والعلنية، واستهدفت إخراج الحزب من الصعوبات التي كان يعانيها، بسبب ما كان قائماً في الخارج من جهة، وبسبب ما آلت إليه الأمور الداخلية بعد حرب أهلية طويلة ومعقدة من جهة أخرى.
إن العوامل التي دفعت بالشيوعيين للانخراط في العمليات الأولى للتحضير للمؤتمر، كانت متعددة ومتداخلة، إلى حد يمكننا القول بأن أهم هذه العوامل كان الحرص على استمرار الحزب قوةً سياسية فاعلة، في الحياة السياسية اللبنانية، وبالتالي الاستمرار فيه حفاظاً على الذات السياسية والمعنوية لكل عضوٍ من أعضائه.
في ظل هذه الأهداف الكبيرة والهامة، وفي ظل قناعة المشاركين في التحضير للمؤتمر، وقناعة المؤتمر بالذات، بأن هذه الأهداف يمكن أن تتحقق، عن طريق التجديد في الحزب (فكراً وسياسة وتنظيماً)، خصوصاً وأن التجديد والتطور خاصتان ملازمتان للثوريين وحزبهم. فقد خرجت المقررات الأساسية للمؤتمر لتعبِّر عن رغبات وأحلام وطموح الشيوعيين... وللمضيِّ قدماً على طريق المساهمة في بناء وطنٍ موحد، ديمقراطي، تتحقق فيه السيادة الوطنية والسلم الأهلي والعدالة الاجتماعية...
لكن ما الذي يدفعنا لأن نعود إلى المؤتمر السادس في هذه الفترة بالذات؟ ولعملية التجديد التي بُحثت وأقرّت فيه؟؟
إنه التأكيد على أهمية هذا المؤتمر، وبما طُرح فيه من أمور تجديدية في مجالات الفكر على مختلف المستويات الفلسفية، والاقتصادية والسياسية، وفي مجال السياسة بما هي خطة وبرنامج يتناولان الشؤون الوطنية والقومية والعالمية، وفي مجال التنظيم بما هو إطار يساهم في تفعيل الخطة والبرنامج بما يتفق واستراتيجية الحزب الكبرى.
إن هذه الأمور المثبتة في وثائق المؤتمر، تتطلب العودة إليها، والاطلاع عليها، ودراستها دراسة تاريخية. خصوصاً وأن الحزب قد دعا في الأيام الأخيرة للتحضير إلى عقد مؤتمر استثنائي لنقاش أمور بالطبع ستكون محددة، لكن في معظمها أمور قد تطرق إليها المؤتمر السادس في التداول والبحث واتخاذ المقررات والذي يعتبر – أي المؤتمر السادس – برأيي أنه أنجز ما يمكن إنجازه في فترة انعقاده من حيث إطلاق العملية الديمقراطية في حياته الداخلية، وفي كيفية ومستوى ومدى التعاطي السياسي للشيوعيين مع الآخرين. هذا إلى جانب إنجاز آخر في مجال إقرار الفهم العلمي الحقيقي – التاريخي – النسبي للنظرية وبالتحديد للماركسية. أما في مجال السياسة والتنظيم، فقد طرحت في المؤتمر أبحاث هامة وعميقة أُقرت فيها بعض القضايا، وأخرى لم تُقَر، وهي الآن جميعها (النظري والسياسي والتنظيمي) مع ما حملته الأشهر التسعة التي تلت المؤتمر من أحداث كثيرة، على المؤتمر السابع الاستثنائي للحزب أن ينظر إليها، وهذه المرة من موقع تجديدي رسمه وأكَّده وحدَّده إلى حد كبير المؤتمر الوطني السادس للحزب، ومنحته الحياة بأحداثها وتنوعها المناعة والقوة.
النداء، عام 1992
Page 8
أزمة الحكم والمعارضة في لبنان
في البدء نود أن نشير إلى أن الهدف من المساهمة في إثارة هذا الموضوع يتمحور حول أمر أساسي هو النقاش في مسألة هامة، يتحدد على أساس وعيها العلمي حاضر العملية السياسية في البلاد ومستقبلها، بما هي عملية صراعية بين كتل وقوى اجتماعية وسياسية ذات مصالح متباينة ومتناقضة، تدخل جميعها في حركة استقطابات سياسية، فتتشكل بحركيتها هذه كتل سياسية – اجتماعية تتوزع على جبهتي الحكم والمعارضات المختلفة، وفي سياق عملية الصراع، يبدأ نسيج العلاقات في ما بينهما في التكوُّن على قاعدة التناقض والتجاذب في المواقف والبرامج والأداء السياسي... وتتحدد الغلبة لمن يمتلك الحصة الأكبر في محصِّلة المعارك، وتجري عملية التناوب على السلطة، وتتبدل المواقع مع ما يرافق ذلك من عمليات خروج ودخول لقوى جديدة لدى الكتلتين المتنازعتين.
في ضوء هذا التحديد العام كيف تبدو صورة الحكم والمعارضة في لبنان؟؟
قبل الإجابة لا بد من الإشارة إلى جملة أمور علَّها تساهم، بتداخلها وتفاعلها، بتقديم جواب أدق لموضوع سؤال غاية في الأهمية.
الأمر الأول: إن واقع الحكم والمعارضة للقوى السياسية في فترة ما قبل الحرب الأهلية، يختلف إلى حد كبير عن واقع الحكم والمعارضة للقوى السياسية لفترة الحرب الأهلية ولفترة ما بعد الحرب.
الأمر الثاني: بروز السمة الطائفية في نهج أهل الحكم ومعظم قوى المعارضة.
الأمر الثالث: بروز سمة المعارضة المناطقية التي تتحكم في صيرورتها النزعة الطائفية.
الأمر الرابع: بروز سمة العدمية السياسية، لدى معظم الأطراف في الحكم والمعارضة.
الأمر الخامس: استسهال اللجوء إلى العنف، في عملية الصراع السياسي بخاصة من قبل أهل الحكم.
الأمر السادس: ضعف البنى التنظيمية للمعارضة (أحزاب وجبهات)، كذلك ضحالة وعجز الفكر السياسي لدى أهل الحكم افراداً ومؤسسات.
الأمر السابع: غياب الديمقراطية إلّا من بعض مظاهرها الشكلية في عملية الصراع، وكذلك انعدامها إلى حد كبير في الحياة الداخلية للأحزاب، والقوى السياسية التي تتشكل منها المعارضة والسلطة على السواء.
هذه الأمور وغيرها، ساهمت، وتساهم إلى حد معين، في تحديد طابع الحياة السياسية في لبنان، وتحدد أيضاً إلى حد كبير مسار الحركة السياسية في البلاد. وبذلك تكون جزءاً مكوناً للأزمة السياسية العامة وشكلاً من أشكال تجلياتها.
هكذا نرى أن الأزمة اللبنانية قد بلغت الذروة على صعيد الحكم في هذه الفترة، في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كافة، وهي مرشحة – أي الأزمة - إلى أن تصير أزمة دائمة. في المقابل، وعلى صعيد المعارضة، من المفترض وانسجاماً مع معرفة ووعي العلاقة ما بين الحكم والمعارضة نرى من الضروري وانطلاقاً من المبدأ العام الذي يتشكل نتيجة العلاقة ما بين المتناقضات، بأن حكماً مأزوماً يساهم بالضرورة في ولادة معارضة ناجحة. هل هذا هو واقع الحال في لبنان؟
بالطبع لا. فكما أن الحكم في أزمة، المعارضة أيضاً في أزمة!! أسباب ذلك طبعاً كثيرة. في مقدمة هذه الأسباب الحرب الأهلية وما خلفته من نتائج سلبية على الأوضاع السياسية في البلد. وكذلك الطائفية كوعي ومحور جذب واستقطاب بخاصة في لحظات العنف الأهلي، وضعف الديمقراطية كوعي ومنهج وممارسة في العلاقات السياسية لدى أطراف المعارضة المختلفة وفي حياتها الداخلية.
وممّا يزيد الأزمة عمقاً لدى الحكم والمعارضة في لبنان، هو ذاك التشتت الهائل لقوى مراكز الاستقطاب. فلا شيء يحد من حركة هذه القوى، ولا شيء يدخل تقريباً في تحديد الضوابط السياسية في الحياة الداخلية لدى الفريقين المتناقضين.
أمور كثيرة تجمع وأمور أخرى تفرق!! معارضة تشارك في الحكم وأخرى تعتكف...!! حكم يحكم بقوى السلطة ويعترض البعض منه على بعضه الآخر، فيتحول باعتراضه إلى معارضة تنسق مع بعض معارضة النقيض، وهكذا فحركة الحكم المأزومة تزداد تأزماً وكذلك المعارضة التي تعيش الأزمة لا تشكل البديل!!
إذن، ما العمل؟؟
ربما المزيد من النقاش المقرون بالعمل في هكذا موضوع يساهم في تقديم بعض الأجوبة.
النداء، العدد 11، 15/8/1992
في البدء نود أن نشير إلى أن الهدف من المساهمة في إثارة هذا الموضوع يتمحور حول أمر أساسي هو النقاش في مسألة هامة، يتحدد على أساس وعيها العلمي حاضر العملية السياسية في البلاد ومستقبلها، بما هي عملية صراعية بين كتل وقوى اجتماعية وسياسية ذات مصالح متباينة ومتناقضة، تدخل جميعها في حركة استقطابات سياسية، فتتشكل بحركيتها هذه كتل سياسية – اجتماعية تتوزع على جبهتي الحكم والمعارضات المختلفة، وفي سياق عملية الصراع، يبدأ نسيج العلاقات في ما بينهما في التكوُّن على قاعدة التناقض والتجاذب في المواقف والبرامج والأداء السياسي... وتتحدد الغلبة لمن يمتلك الحصة الأكبر في محصِّلة المعارك، وتجري عملية التناوب على السلطة، وتتبدل المواقع مع ما يرافق ذلك من عمليات خروج ودخول لقوى جديدة لدى الكتلتين المتنازعتين.
في ضوء هذا التحديد العام كيف تبدو صورة الحكم والمعارضة في لبنان؟؟
قبل الإجابة لا بد من الإشارة إلى جملة أمور علَّها تساهم، بتداخلها وتفاعلها، بتقديم جواب أدق لموضوع سؤال غاية في الأهمية.
الأمر الأول: إن واقع الحكم والمعارضة للقوى السياسية في فترة ما قبل الحرب الأهلية، يختلف إلى حد كبير عن واقع الحكم والمعارضة للقوى السياسية لفترة الحرب الأهلية ولفترة ما بعد الحرب.
الأمر الثاني: بروز السمة الطائفية في نهج أهل الحكم ومعظم قوى المعارضة.
الأمر الثالث: بروز سمة المعارضة المناطقية التي تتحكم في صيرورتها النزعة الطائفية.
الأمر الرابع: بروز سمة العدمية السياسية، لدى معظم الأطراف في الحكم والمعارضة.
الأمر الخامس: استسهال اللجوء إلى العنف، في عملية الصراع السياسي بخاصة من قبل أهل الحكم.
الأمر السادس: ضعف البنى التنظيمية للمعارضة (أحزاب وجبهات)، كذلك ضحالة وعجز الفكر السياسي لدى أهل الحكم افراداً ومؤسسات.
الأمر السابع: غياب الديمقراطية إلّا من بعض مظاهرها الشكلية في عملية الصراع، وكذلك انعدامها إلى حد كبير في الحياة الداخلية للأحزاب، والقوى السياسية التي تتشكل منها المعارضة والسلطة على السواء.
هذه الأمور وغيرها، ساهمت، وتساهم إلى حد معين، في تحديد طابع الحياة السياسية في لبنان، وتحدد أيضاً إلى حد كبير مسار الحركة السياسية في البلاد. وبذلك تكون جزءاً مكوناً للأزمة السياسية العامة وشكلاً من أشكال تجلياتها.
هكذا نرى أن الأزمة اللبنانية قد بلغت الذروة على صعيد الحكم في هذه الفترة، في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كافة، وهي مرشحة – أي الأزمة - إلى أن تصير أزمة دائمة. في المقابل، وعلى صعيد المعارضة، من المفترض وانسجاماً مع معرفة ووعي العلاقة ما بين الحكم والمعارضة نرى من الضروري وانطلاقاً من المبدأ العام الذي يتشكل نتيجة العلاقة ما بين المتناقضات، بأن حكماً مأزوماً يساهم بالضرورة في ولادة معارضة ناجحة. هل هذا هو واقع الحال في لبنان؟
بالطبع لا. فكما أن الحكم في أزمة، المعارضة أيضاً في أزمة!! أسباب ذلك طبعاً كثيرة. في مقدمة هذه الأسباب الحرب الأهلية وما خلفته من نتائج سلبية على الأوضاع السياسية في البلد. وكذلك الطائفية كوعي ومحور جذب واستقطاب بخاصة في لحظات العنف الأهلي، وضعف الديمقراطية كوعي ومنهج وممارسة في العلاقات السياسية لدى أطراف المعارضة المختلفة وفي حياتها الداخلية.
وممّا يزيد الأزمة عمقاً لدى الحكم والمعارضة في لبنان، هو ذاك التشتت الهائل لقوى مراكز الاستقطاب. فلا شيء يحد من حركة هذه القوى، ولا شيء يدخل تقريباً في تحديد الضوابط السياسية في الحياة الداخلية لدى الفريقين المتناقضين.
أمور كثيرة تجمع وأمور أخرى تفرق!! معارضة تشارك في الحكم وأخرى تعتكف...!! حكم يحكم بقوى السلطة ويعترض البعض منه على بعضه الآخر، فيتحول باعتراضه إلى معارضة تنسق مع بعض معارضة النقيض، وهكذا فحركة الحكم المأزومة تزداد تأزماً وكذلك المعارضة التي تعيش الأزمة لا تشكل البديل!!
إذن، ما العمل؟؟
ربما المزيد من النقاش المقرون بالعمل في هكذا موضوع يساهم في تقديم بعض الأجوبة.
النداء، العدد 11، 15/8/1992
Page 9
الخط الثالث: خط المعارضة الوطنية الديمقراطية اللبنانية
هل يكون الرد التاريخي لأزمة الحكم والمعارضة في لبنان؟
أمر مُلح جداً، نقاش مسألة على درجة كبيرة من الاستعصاء على الحل، بالطرق والأدوات غير المناسبة التي تستعملها بعض المعارضة من جهة، والحكم بأدائه القاصر عن الإحاطة بالمشكلة، والتطرق إلى جوهرها، وإمساك الحلقات الأساسية التي يتشكل منها جوهر المسألة من جهة أخرى. فينعكس موقف الفريقين استمراراً وتعميقاً للأزمة الوطنية اللبنانية بمستوياتها كافة، وصولاً إلى تحقيق غايات دنيا، أقل ما يقال فيها إنها ليست الغايات والأهداف التي تؤدي إلى وحدة الوطن والإبقاء على الكيان...
وإذا كنَّا في نقاش سابق لهذه المقالة((4)) قد تطرقنا إلى أزمة الحكم والمعارضة في لبنان، وفي تعاطيهما مع المسألة الوطنية بمستوياتها وفروعها كافة، فإننا ومن المنطلق نفسه أي منطلق الحرص على المساهمة في تبيان ما هو ضروري، لتشكيل خط الخلاص الوطني، ذي المضمون الديمقراطي الحقيقي، الذي يساهم بفعله السياسي في تفعيل الحياة السياسية اللبنانية من أجل تصويب الوضع السياسي، وبما يؤمّن وحدة البلد واستقلاله، وبما يفسح في المجال أمام الجماهير الشعبية من أن تأخذ دورها الطبيعي في عملية البناء الاجتماعي والسياسي، بغض النظر عن اتجاهاتها السياسية وانتماءاتها الفكرية وحتى الطائفية، لأنه في تحقيق هذا الحق الديمقراطي لغالبية المواطنين يمكن أن تتصوب العملية السياسية كعملية تستهدف في حدّ ذاتها تحقيق الديمقراطية، وصيانتها، وخلق الظروف الملائمة لإمكانية تطورها، وحتى لا نذهب بعيداً عن موضوع المسألة المطروحة للنقاش، نرى من الواجب الإشارة ودائماً من منطلق الذين ينظرون ويتعاطون مع المسألة من موقع الالتزام الوطني بالقضايا المصيرية، ومن باب العمل اليومي الدؤوب في إطار النضال من أجل تعميق مسيرة السلم الأهلي التي بدأت باتفاق الطائف، وفي إطار النضال أيضاً، من أجل استكمال المسيرة في سبيل تحقيق القضية الوطنية بما هي قضية تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي أولاً، وبما هي دفاع عن استقلال لبنان وسيادته الوطنية ثانياً، وبما هي انتماء للوطن اللبناني – العربي ثالثاً. وفي إطار النضال أيضاً من أجل تحقيق الديمقراطية اللبنانية بمكوناتها المختلفة أي: تحقيق الحريات العامة التي تقوم على احترام حقوق الإنسان... وتحقيق الديمقراطية في النظام السياسي، بما هي بالملموس إلغاء للطائفية السياسية التي تعتبر الشرط الأساسي لتثبيت الديمقراطية وتطورها وإقامة المجتمع المدني الذي يرتكز بقيامه ودوامه وتطوره على تحقيق قضايا التقدم والعدالة الاجتماعية.
إذن، نرى في ضوء هذه المعطيات وبموضوعية مسؤولة، أن هذه المهام تشكل في حدّ ذاتها وبتفاعلها، وفي مسار تحققها، نسيجاً وطنياً متكاملاً، يمكن للحكم إذا ما اعتمدها وأمن شروط تحقيقها من خلال مصالحة وطنية حقيقية، أن تؤدي إلى النهوض بالوفاق الوطني إلى مستوى أفضل. وفي رأيي هذا هو الجانب الأهم لأنه سيساهم بتحديد الجانب الثاني أي نهج المعارضة، والذي سيتحدد إلى حد كبير به. أمَّا القول بأولوية مسؤولية الحكم في هذا الموضوع فله تفسيره التاريخي خصوصاً وأن لبنان يخرج لتوه من أحداث حرب أهلية مديدة، يُفترض أن يكون للحكم فيه الدور الأول في بناء الحياة السياسية والاجتماعية وتشكيلها، وفي إقامة المؤسسات والسهر عليها انسجاماً مع ما اتفق عليه في اتفاقات (رسمية - دستورية) من جهة، وارتباطاً بما تحتاجه مسيرة الوفاق الوطني من توافق من جهة أخرى.هذا تفسير أول لأولويات دور الحكم في عملية البناء الوطني. والذي يعتبر الوفاق إحدى أهم حلقاته الأساسية؛ أما التفسير الثاني فهو التفسير الذي يرتكز على المبدأ المنطقي الذي يعطي الحكم بكامل مؤسساته الدور القيادي في عملية البناء الوطني، كونه يستند إلى السلطة السياسية كأحد أهم العناصر المكوِّنة للقوة المادية التي تتطلبها هكذا عملية.
في ضوء هذا الوعي لدور الحكم في عملية البناء الوطني، وفي ضوء واقع الأزمة العميقة التي يتعرض لها لبنان في مختلف المجالات، وعلى المستويات كافة، في ظل قيادة أهل الحكم، وبغض النظر عن بعض الإنجازات التي تحققت في مجال الأمن والسياسة الخارجية، وبغض النظر عن العوائق الموضوعية التي تعرقل مسيرة السلم الأهلي بجانبيه السياسي والاجتماعي، يستنتج المرء أن وضع الحكم بأهله ومؤسساته مأزوم للغاية. أما معظم المعارضة بمختلف تياراتها وفصائلها وأحزابها فهي في وضع لا تحسد عليه من حيث برامجها السياسية غير الواقعية إلى حد كبير إن وجدت، وبسبب التناقض بين مكوناتها على مستوى الفكر والممارسة والانتماء. إن واقع المعارضة هذا يطبعها أيضاً بطابع الأزمة. في المرة الماضية وفي إطار نقاش أزمة الحكم والمعارضة في لبنان طرحنا السؤال التالي: ما العمل؟؟
في هذه المرة نحاول أن نجيب – وبتواضع - لنساهم في حلِّ هذا الاستعصاء القائم. ومع قولنا بأن الخط الثالث، خط المعارضة الوطنية الديمقراطية الحقيقية يمكن أن يشكل الرد التاريخي لأزمة الحكم والمعارضة في لبنان. في هذا السياق نود أن نشير إلى أمرين ضروريين:
الأمر الأول: إن الرد التاريخي السياسي المعارض لقوى اجتماعية وسياسية جذرية في مواجهة الأزمة القائمة، سيتحول بالضرورة إلى بديل نوعي للمعارضة الحالية، وسيكتسب في عملية تحوله صفة المعارضة الشرعية من خلال تعبيره البنَّاء عن مصالح الناس والوطن.
الأمر الثاني: ستساهم هذه المعارضة الإيجابية والبنَّاءة في تصويب مسار الحكم، وستشكل مناخاً للتحول الديمقراطي في مجتمع هو بأمس الحاجة إليه.
من هنا يتحدّد دور الخط الثالث، كمعارضة وطنية حقيقية في وضع استثنائي كالوضع في لبنان. وتتحمل بالتالي قوى التغيير الحقيقية دورها الفاعل والريادي في قلب هكذا عملية.لكن هل هذه العملية نقية وصافية إلى هذا الحد من التصور؟؟ اعتقد أن الأمر أعقد بكثير مما نفكِّر، وأن المصاعب تزداد، والعوائق تبرز كلما بدأنا نميل باتجاه الممارسة التي على أساسها يتشكل هذا الخط إلى حد كبير...
هل يكون الرد التاريخي لأزمة الحكم والمعارضة في لبنان؟
أمر مُلح جداً، نقاش مسألة على درجة كبيرة من الاستعصاء على الحل، بالطرق والأدوات غير المناسبة التي تستعملها بعض المعارضة من جهة، والحكم بأدائه القاصر عن الإحاطة بالمشكلة، والتطرق إلى جوهرها، وإمساك الحلقات الأساسية التي يتشكل منها جوهر المسألة من جهة أخرى. فينعكس موقف الفريقين استمراراً وتعميقاً للأزمة الوطنية اللبنانية بمستوياتها كافة، وصولاً إلى تحقيق غايات دنيا، أقل ما يقال فيها إنها ليست الغايات والأهداف التي تؤدي إلى وحدة الوطن والإبقاء على الكيان...
وإذا كنَّا في نقاش سابق لهذه المقالة((4)) قد تطرقنا إلى أزمة الحكم والمعارضة في لبنان، وفي تعاطيهما مع المسألة الوطنية بمستوياتها وفروعها كافة، فإننا ومن المنطلق نفسه أي منطلق الحرص على المساهمة في تبيان ما هو ضروري، لتشكيل خط الخلاص الوطني، ذي المضمون الديمقراطي الحقيقي، الذي يساهم بفعله السياسي في تفعيل الحياة السياسية اللبنانية من أجل تصويب الوضع السياسي، وبما يؤمّن وحدة البلد واستقلاله، وبما يفسح في المجال أمام الجماهير الشعبية من أن تأخذ دورها الطبيعي في عملية البناء الاجتماعي والسياسي، بغض النظر عن اتجاهاتها السياسية وانتماءاتها الفكرية وحتى الطائفية، لأنه في تحقيق هذا الحق الديمقراطي لغالبية المواطنين يمكن أن تتصوب العملية السياسية كعملية تستهدف في حدّ ذاتها تحقيق الديمقراطية، وصيانتها، وخلق الظروف الملائمة لإمكانية تطورها، وحتى لا نذهب بعيداً عن موضوع المسألة المطروحة للنقاش، نرى من الواجب الإشارة ودائماً من منطلق الذين ينظرون ويتعاطون مع المسألة من موقع الالتزام الوطني بالقضايا المصيرية، ومن باب العمل اليومي الدؤوب في إطار النضال من أجل تعميق مسيرة السلم الأهلي التي بدأت باتفاق الطائف، وفي إطار النضال أيضاً، من أجل استكمال المسيرة في سبيل تحقيق القضية الوطنية بما هي قضية تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي أولاً، وبما هي دفاع عن استقلال لبنان وسيادته الوطنية ثانياً، وبما هي انتماء للوطن اللبناني – العربي ثالثاً. وفي إطار النضال أيضاً من أجل تحقيق الديمقراطية اللبنانية بمكوناتها المختلفة أي: تحقيق الحريات العامة التي تقوم على احترام حقوق الإنسان... وتحقيق الديمقراطية في النظام السياسي، بما هي بالملموس إلغاء للطائفية السياسية التي تعتبر الشرط الأساسي لتثبيت الديمقراطية وتطورها وإقامة المجتمع المدني الذي يرتكز بقيامه ودوامه وتطوره على تحقيق قضايا التقدم والعدالة الاجتماعية.
إذن، نرى في ضوء هذه المعطيات وبموضوعية مسؤولة، أن هذه المهام تشكل في حدّ ذاتها وبتفاعلها، وفي مسار تحققها، نسيجاً وطنياً متكاملاً، يمكن للحكم إذا ما اعتمدها وأمن شروط تحقيقها من خلال مصالحة وطنية حقيقية، أن تؤدي إلى النهوض بالوفاق الوطني إلى مستوى أفضل. وفي رأيي هذا هو الجانب الأهم لأنه سيساهم بتحديد الجانب الثاني أي نهج المعارضة، والذي سيتحدد إلى حد كبير به. أمَّا القول بأولوية مسؤولية الحكم في هذا الموضوع فله تفسيره التاريخي خصوصاً وأن لبنان يخرج لتوه من أحداث حرب أهلية مديدة، يُفترض أن يكون للحكم فيه الدور الأول في بناء الحياة السياسية والاجتماعية وتشكيلها، وفي إقامة المؤسسات والسهر عليها انسجاماً مع ما اتفق عليه في اتفاقات (رسمية - دستورية) من جهة، وارتباطاً بما تحتاجه مسيرة الوفاق الوطني من توافق من جهة أخرى.هذا تفسير أول لأولويات دور الحكم في عملية البناء الوطني. والذي يعتبر الوفاق إحدى أهم حلقاته الأساسية؛ أما التفسير الثاني فهو التفسير الذي يرتكز على المبدأ المنطقي الذي يعطي الحكم بكامل مؤسساته الدور القيادي في عملية البناء الوطني، كونه يستند إلى السلطة السياسية كأحد أهم العناصر المكوِّنة للقوة المادية التي تتطلبها هكذا عملية.
في ضوء هذا الوعي لدور الحكم في عملية البناء الوطني، وفي ضوء واقع الأزمة العميقة التي يتعرض لها لبنان في مختلف المجالات، وعلى المستويات كافة، في ظل قيادة أهل الحكم، وبغض النظر عن بعض الإنجازات التي تحققت في مجال الأمن والسياسة الخارجية، وبغض النظر عن العوائق الموضوعية التي تعرقل مسيرة السلم الأهلي بجانبيه السياسي والاجتماعي، يستنتج المرء أن وضع الحكم بأهله ومؤسساته مأزوم للغاية. أما معظم المعارضة بمختلف تياراتها وفصائلها وأحزابها فهي في وضع لا تحسد عليه من حيث برامجها السياسية غير الواقعية إلى حد كبير إن وجدت، وبسبب التناقض بين مكوناتها على مستوى الفكر والممارسة والانتماء. إن واقع المعارضة هذا يطبعها أيضاً بطابع الأزمة. في المرة الماضية وفي إطار نقاش أزمة الحكم والمعارضة في لبنان طرحنا السؤال التالي: ما العمل؟؟
في هذه المرة نحاول أن نجيب – وبتواضع - لنساهم في حلِّ هذا الاستعصاء القائم. ومع قولنا بأن الخط الثالث، خط المعارضة الوطنية الديمقراطية الحقيقية يمكن أن يشكل الرد التاريخي لأزمة الحكم والمعارضة في لبنان. في هذا السياق نود أن نشير إلى أمرين ضروريين:
الأمر الأول: إن الرد التاريخي السياسي المعارض لقوى اجتماعية وسياسية جذرية في مواجهة الأزمة القائمة، سيتحول بالضرورة إلى بديل نوعي للمعارضة الحالية، وسيكتسب في عملية تحوله صفة المعارضة الشرعية من خلال تعبيره البنَّاء عن مصالح الناس والوطن.
الأمر الثاني: ستساهم هذه المعارضة الإيجابية والبنَّاءة في تصويب مسار الحكم، وستشكل مناخاً للتحول الديمقراطي في مجتمع هو بأمس الحاجة إليه.
من هنا يتحدّد دور الخط الثالث، كمعارضة وطنية حقيقية في وضع استثنائي كالوضع في لبنان. وتتحمل بالتالي قوى التغيير الحقيقية دورها الفاعل والريادي في قلب هكذا عملية.لكن هل هذه العملية نقية وصافية إلى هذا الحد من التصور؟؟ اعتقد أن الأمر أعقد بكثير مما نفكِّر، وأن المصاعب تزداد، والعوائق تبرز كلما بدأنا نميل باتجاه الممارسة التي على أساسها يتشكل هذا الخط إلى حد كبير...
Page 10
لكن هذا الخط المعارض الإيجابي، خط من مِنَ القوى السياسية؟؟ وخط من مِنَ الفئات الاجتماعية؟؟ وعلى أي برنامج سيستند في حركته السياسية؟؟ على هذه الأسئلة لن نجيب بتفصيل لأن التفصيل في هكذا موضوع أمر خاطئ إلى حد معين في حقل المنهج السياسي العملي، باعتبار أن هذه الأمور لن تكون بالنتيجة إلّا محصلة نقاش ووعي مشترك للقوى السياسية والاجتماعية، صاحبة المصلحة الحقيقية في بناء هذا المستوى من المعارضة الوطنية.لكن، بالمقابل وفي ظل ما يسمح لنا منهج التعاطي المعرفي والسياسي في هكذا موضوع نقول باختصار شديد: إن القوى الاجتماعية والسياسية، التي ستتشكل منها المعارضة هي القوى التي تعبر عن مصالح الكتلة الشعبية التي تزداد قواعدها اتساعاً، وإن برنامجها لن يكون في هذه المرحلة سوى برنامج الوحدة الوطنية، ودعم مسيرة السلم الأهلي، وصيانة الديمقراطية وتطويرها، والنضال من أجل تحقيق التقدم والعدالة الاجتماعية.
لكن قبل أن ننتهي من هذه المسألة الأولية نود أن نشير إلى بعض الأمور علّ التبصر الواعي بها يساهم في الكشف عن الواقع كما هو، ويساعد بالتالي على رؤية الوقائع السياسية- الاجتماعية بتاريخيتها بعيداً عن تبسيط المسائل وتزيين الأمور واستسهالها، التي إن اعتمدت لن تخدم أبداً عملية التقدم الاجتماعي بل تساهم في دفعها إلى الفشل.
من هذه الأمور نشير إلى:
الأمر الأول: الخط الثالث وتاريخيَّة العمل الوطني الموحِّد
إن المعرفة التاريخية للعمل الوطني الموَّحد، أمر هام جداً وإنه يفاجئ بتأثيراته كل الذين يستخفون به، من جرّاء لحظة انفعال، أو موقف غير مدروس في السياسة. وبالتالي فالمبدأ العلمي – العملي يفترض في المعارضة التي تستعد لكي تلعب دورها التاريخي أن تأخذ هذا العامل في الحسبان. وأن تتفحَّص وتقيس بدقة متناهية، وعي الناس للماضي المتوسط والبعيد. وهنا أشير - على سبيل المثال - إلى أهمية الوعي المجتمعي للعمل الوطني الموحد، في فترة الحرب الأهلية وبخاصة في سنواتها الأولى، وكذلك في مرحلة ما قبل الحرب حيث يتذكر الناس جيداً كل الصيغ التنظيمية للحركة الوطنية اللبنانية، وكل النضالات الجماهيرية للعمال والمزارعين والمعلمين والطلاب... في بيروت وفي المدن الكبرى وفي مراكز المحافظات. وبناء عليه فربَّ وعي مجتمعي للبعد التاريخي للحدث يمكن أن يكون أكبر بكثير بتأثيراته من قرارات يتخذها حزب أو تنظيم أو جبهة، أو أي تجمع أو مرجع سياسي معيَّن.
الأمر الثاني: الخط الثالث والولاءات المختلفة
من الطبيعي أن تواجه المعارضة الوطنية الديمقراطية مسألة ولاءات الناس للزعماء والأحزاب والمراجع الدينية ولقوى خارجية، والتي ترتكز إلى حدٍّ كبير على المذهبية والمصالح وعلى «الإرث» التاريخي لهذه الولاءات، وما ارتبط بها من تناقضات وصراعات وصلت إلى حد الحروب والفتن الأهلية. في ضوء هذا الواقع وما يترتب عليه من صعوبات أمام أي منحى ديمقراطي، بخاصة من موقع المعارضة، ترى المعارضة نفسها أمام واقع قائم لا بد من التعاطي معه بمرونة فائقة، وإبداع استثنائي في استنباط أشكال العمل مع كتل جماهيرية، زادتها الحرب الأهلية تكتّلاً على قاعدة الصراع والتقاتل. هذا جانب معوّق لعملية قيام المعارضة الديمقراطية الحقيقية، أما الجانب المساعد، فهو وجود قوى وأحزاب ثورية وتقدمية ووطنية تمتلك تاريخاً مجيداً من النضالات الجماهيرية، في المجالات الوطنية والاجتماعية والقومية كافة. هذا التاريخ النضالي الذي كان مشتركاً في المحطات الأساسية منه، يشكل رصيداً كبيراً يمكن أن تتغذى منه المعارضة الديمقراطية في حال تشكُّلها.
الأمر الثالث: الخط الثالث والتحالفات
من المؤكد أن المعارضة الوطنية الديمقراطية المقترحة كجزء لا يتجزأ من العملية السياسية في بلد كلبنان تدخل فيها مسألة التحالفات (صيغةً وبرنامجاً) كإحدى أهم العناصر المكوِّنة لها، والتي ستكون أحد أهم الأمور التي يجب أن تخضع للنقاش، نظراً لأهميتها العملية في قيام المعارضة الديمقراطية وتأثيراتها المرحلية والاستراتيجية.
الأمر الرابع: الخط الثالث والسلطة السياسية
السلطة حلقة مركزية في أية عملية نضالية، وهي نقطة محورية في عملية الصراع بين القوى الاجتماعية والسياسية المتناقضة، وهي الهدف الأساسي في نضال هذه القوى من أجل الوصول إلى السلطة أو من أجل الدفاع عنها والاحتفاظ بها.
إن مفهوم الأطراف (الحكام والمعارضين) للدولة في لبنان أثناء الحرب الأهلية وحتى هذه الفترة لم يكن مستقراً، بسبب عدم الثبات السياسي لممثلي الحكم والمعارضة على السواء، ولهذا انشلَّ كالعادة مشروع السلطة السياسي، وتلاشى وغُيِّب فيما بعد مشروع المعارضة الوطنية الحقيقية. في ضوء هذا الواقع يرتدي مفهوم الخط الثالث المقترح للسلطة أهمية استثنائية من حيث تحديد طبيعة وعيه السياسي لها على الصعيدين التكتيكي والاستراتيجي.
إن نقاش هذه الأمور نقاشاً موضوعياً هادئاً (مقروناً بالعمل والممارسة) يساهم إلى حد كبير في تحديد الخيارات السياسية للمعارضة الوطنية الديمقراطية الحقيقية في ضوء أزمة الحكم والمعارضة، ويعزز إطلاق مسيرة البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والروحي لوطن مهدد بالخطر.
النداء، مناقشات عام 1992
لكن قبل أن ننتهي من هذه المسألة الأولية نود أن نشير إلى بعض الأمور علّ التبصر الواعي بها يساهم في الكشف عن الواقع كما هو، ويساعد بالتالي على رؤية الوقائع السياسية- الاجتماعية بتاريخيتها بعيداً عن تبسيط المسائل وتزيين الأمور واستسهالها، التي إن اعتمدت لن تخدم أبداً عملية التقدم الاجتماعي بل تساهم في دفعها إلى الفشل.
من هذه الأمور نشير إلى:
الأمر الأول: الخط الثالث وتاريخيَّة العمل الوطني الموحِّد
إن المعرفة التاريخية للعمل الوطني الموَّحد، أمر هام جداً وإنه يفاجئ بتأثيراته كل الذين يستخفون به، من جرّاء لحظة انفعال، أو موقف غير مدروس في السياسة. وبالتالي فالمبدأ العلمي – العملي يفترض في المعارضة التي تستعد لكي تلعب دورها التاريخي أن تأخذ هذا العامل في الحسبان. وأن تتفحَّص وتقيس بدقة متناهية، وعي الناس للماضي المتوسط والبعيد. وهنا أشير - على سبيل المثال - إلى أهمية الوعي المجتمعي للعمل الوطني الموحد، في فترة الحرب الأهلية وبخاصة في سنواتها الأولى، وكذلك في مرحلة ما قبل الحرب حيث يتذكر الناس جيداً كل الصيغ التنظيمية للحركة الوطنية اللبنانية، وكل النضالات الجماهيرية للعمال والمزارعين والمعلمين والطلاب... في بيروت وفي المدن الكبرى وفي مراكز المحافظات. وبناء عليه فربَّ وعي مجتمعي للبعد التاريخي للحدث يمكن أن يكون أكبر بكثير بتأثيراته من قرارات يتخذها حزب أو تنظيم أو جبهة، أو أي تجمع أو مرجع سياسي معيَّن.
الأمر الثاني: الخط الثالث والولاءات المختلفة
من الطبيعي أن تواجه المعارضة الوطنية الديمقراطية مسألة ولاءات الناس للزعماء والأحزاب والمراجع الدينية ولقوى خارجية، والتي ترتكز إلى حدٍّ كبير على المذهبية والمصالح وعلى «الإرث» التاريخي لهذه الولاءات، وما ارتبط بها من تناقضات وصراعات وصلت إلى حد الحروب والفتن الأهلية. في ضوء هذا الواقع وما يترتب عليه من صعوبات أمام أي منحى ديمقراطي، بخاصة من موقع المعارضة، ترى المعارضة نفسها أمام واقع قائم لا بد من التعاطي معه بمرونة فائقة، وإبداع استثنائي في استنباط أشكال العمل مع كتل جماهيرية، زادتها الحرب الأهلية تكتّلاً على قاعدة الصراع والتقاتل. هذا جانب معوّق لعملية قيام المعارضة الديمقراطية الحقيقية، أما الجانب المساعد، فهو وجود قوى وأحزاب ثورية وتقدمية ووطنية تمتلك تاريخاً مجيداً من النضالات الجماهيرية، في المجالات الوطنية والاجتماعية والقومية كافة. هذا التاريخ النضالي الذي كان مشتركاً في المحطات الأساسية منه، يشكل رصيداً كبيراً يمكن أن تتغذى منه المعارضة الديمقراطية في حال تشكُّلها.
الأمر الثالث: الخط الثالث والتحالفات
من المؤكد أن المعارضة الوطنية الديمقراطية المقترحة كجزء لا يتجزأ من العملية السياسية في بلد كلبنان تدخل فيها مسألة التحالفات (صيغةً وبرنامجاً) كإحدى أهم العناصر المكوِّنة لها، والتي ستكون أحد أهم الأمور التي يجب أن تخضع للنقاش، نظراً لأهميتها العملية في قيام المعارضة الديمقراطية وتأثيراتها المرحلية والاستراتيجية.
الأمر الرابع: الخط الثالث والسلطة السياسية
السلطة حلقة مركزية في أية عملية نضالية، وهي نقطة محورية في عملية الصراع بين القوى الاجتماعية والسياسية المتناقضة، وهي الهدف الأساسي في نضال هذه القوى من أجل الوصول إلى السلطة أو من أجل الدفاع عنها والاحتفاظ بها.
إن مفهوم الأطراف (الحكام والمعارضين) للدولة في لبنان أثناء الحرب الأهلية وحتى هذه الفترة لم يكن مستقراً، بسبب عدم الثبات السياسي لممثلي الحكم والمعارضة على السواء، ولهذا انشلَّ كالعادة مشروع السلطة السياسي، وتلاشى وغُيِّب فيما بعد مشروع المعارضة الوطنية الحقيقية. في ضوء هذا الواقع يرتدي مفهوم الخط الثالث المقترح للسلطة أهمية استثنائية من حيث تحديد طبيعة وعيه السياسي لها على الصعيدين التكتيكي والاستراتيجي.
إن نقاش هذه الأمور نقاشاً موضوعياً هادئاً (مقروناً بالعمل والممارسة) يساهم إلى حد كبير في تحديد الخيارات السياسية للمعارضة الوطنية الديمقراطية الحقيقية في ضوء أزمة الحكم والمعارضة، ويعزز إطلاق مسيرة البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والروحي لوطن مهدد بالخطر.
النداء، مناقشات عام 1992