eKtab
EN ع
موانع المسؤولية الجنائية في الشريعة والقانون
Read free sample

موانع المسؤولية الجنائية في الشريعة والقانون

by د. حامد جاسم الفهداوي

Page 1

المسؤولية الجنائية في القوانين العراقية القديمة

من الأمور المسلم بها بأن الحاجة إلى القوانين والعدالة والحرية وبقية المتطلبات الإنسانية لا تبرز ضرورتها إلا في مجتمعات بلغت مرحلة لا بأس بها من التطور الاجتماعي والسياسي .

وتبين لنا الدراسات الآثارية والتاريخية ، ونتائج الحفريات العديدة في العراق بأن التكوينات السياسية ظهرت في حدود سنة ( 4000 ق.م ) في الأقسام الجنوبية من العراق ([1]) ، وهذا لا يعني أنه لا توجد أقوام سكنت وادي الرافدين قبل هذا التاريخ ، وكان لها تنظيم قانوني ، لكن لعدم اكتشاف حقائق ومعلومات أكيدة عن تلك الحقبة لا يمكن أن نبحثها في الوقت الحاضر ([2]) ، وبالتأكيد أن هذه التكوينات لا تستطيع أن تُسيّر أعمالها ومتطلباتها الاجتماعية معتمدة على الأعراف والتقاليد ما لم تكن هناك قوانين تُنظم علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ولأن الكتابة المسمارية لم تكن معروفة في ذلك الوقت فإننا لا نعرف شيئاً عن طبيعة تلك القوانين .

لكن بعد معرفة العراقيين القدماء الكتابة في حدود سنة 3200 ق.م بدؤوا تدوين أخبارهم ومعاملاتهم الاقتصادية والاجتماعية والقضائية ، واستطعنا من خلالها معرفة القوانين والأحكام التي كانت سائدة في ذلك الوقت التي تدلل على أن العراقيين القدماء أدركوا أهمية القانون والعدالة في وقت مبكر جداً ، وقاموا بالإصلاحات الاجتماعية مما وفر الأرضية الخصبة لنهوض أرقى الحضارات وأقدمها التي عرفتها الإنسانية ([3]) .

وقد أطلق على العراق القديم عدة تسميات ، منها بلاد سومر : وهو يستخدم للدلالة على الجزء الجنوبي من السهل الرسوبي ، وبلاد أكد : وهو للدلالة على الجزء الشمالي من السهل الرسوبي ، أو بلاد سومر وأكد ، أو بلاد بابل التي سيطرت على أرجاء مناطق الجنوب العراقي كافة ، وبلاد أشور التي حكمت الجزء الشمالي من العراق ، إن التسميات الشائعة بين المؤلفين العرب ولاسيما العراقيين في الوقت الحاضر هي تسمية العراق القديم على هذه الحضارات ، وهي أدق التسميات جغرافياً وتاريخياً ، وأكثرها تأكيداً على أن الحضارات العراقية القديمة هي ليست حضارات ميتة كما يحلو للبعض تسميتها ، بل هي حضارة حية ومستمرة في نموها وازدهارها ([4]) .

وهي حضارة أصيلة من أبرز سماتها التنظيم القضائي لمختلف نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وإن أقدم إصلاح اجتماعي معروف عثر عليه في العراق القديم يرجع تاريخه إلى سنة ( 2355 ق.م ) من خلال لوح طيني اكتشف في دويلة ( لكش ) التي تعد من أهم الدويلات السومرية التي قامت وازدهرت في تلك الحقبة ([5]) .

كما قامت فيه أقدم الشرائع وأرقاها التي حوت القواعد القانونية والتي تنظم القضاء وتحوي على الجرائم والعقوبات الخاصة بها .

ومن هذه الشرائع والقوانين : شريعة اورنمو ، ولبت عشتار ، وقانون ايشنونا وشريعة حمورابي .

وسنبحث في البنود الآتية موانع المسؤولية الجنائية الواردة في النصوص القانونية لهذه الشرائع والقوانين .

Page 2

أولاً : شريعة اورنمو .

وهي من أقدم الشرائع التي عرفتها البشرية ، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الملك السومري ارنمو مؤسس سلالة أور الثالثة الذي حكم بين سنة ( 2113 – 2095 ق.م ) ([6]) .

ذكرت المواد القانونية التي جاء ذكرها في هذه الشريعة مجموعة من الجرائم وحددت مسؤولية الفاعل عنها ، وحددت العقوبات اللازمة لكل جريمة من الجرائم .

واتجهت هذه القوانين إلى عقوبة الغرامة المالية بدل العقوبة الجسدية فوضعت لأغلب الجرائم عقوبات مالية تختلف من جريمة إلى أخرى بحسب جسامة الجريمة من وجهة نظر المشرع ، إلا أنها في بعض الجرائم ، مثل : ( جريمة إغواء امرأة متزوجة لرجل ليضاجعها ) أعطت الحق للزوج بقتل زوجته الزانية مع إطلاق سراح الرجل الذي أغوته الزوجة ([7]) .

أما ما ورد من مواد قانونية تنص على موانع المسؤولية الجنائية :

ما جاء في المادة الخامسة من مواد هذه المجموعة القانونية التي نصت على حالة الإكراه فجاء فيها : (( إذا أزال رجل بكارة أمة رجل آخر بالإكراه ، عليه أن يدفع ( غرامة ) خمسة شيقلات ([*]) من الفضة )) ([8]) .

فمن خلال النصوص القضائية السومرية والمواد القانونية للشرائع السومرية يبدو واضحاً أنهم لم ينظروا إلى العلاقات الجنسية التي تحدث بين الرجل والمرأة غير المتزوجة ، التي يتوفر فيها الرضاء المتبادل كونه مشكلة اجتماعية ، أو إنه يجب فيها العقاب ، لكن العقوبة تفرض في الوقت الذي يدخل الإكراه سبباً للعلاقة الجنسية ، لذلك نلاحظ في هذه المادة أن القانون فرض العقوبة المالية على الرجل نتيجة لإكراهه المرأة على الزنا ، أما المرأة فلم يحملها مسؤولية الفعل ثم لم يفرض عليها أية عقوبة ؛ لأنها كانت مكرهة ([9]) .

Page 3

ثانياً : قانون لبت عشتار .

وينسب هذا القانون إلى لبت عشتار وهو خامس ملوك سلالة آيسن ، وحكم في الحقبة ما بين سنة ( 1934 – 1924 ق.م ) ، وكتبت هذه القوانين باللغة السومرية ([10]) .

ويضم هذا القانون مجموعة من المواد القانونية التي تنص على عدد من الجرائم مثل : جريمة السرقة ، والقذف ، والإيذاء ، والإتلاف ، وغيرها .

كما حدد العقوبات اللازمة لكل جريمة منها ، واتجه هذا القانون أيضاً وكما هو الحال في قانون اورنمو إلى فرض العقوبات المالية بدلاً من العقوبات الجسدية ([11]) .

أما المواد القانونية الخاصة بموانع المسؤولية الجنائية فلم نعثر على ما يشير إليها في المواد القانونية التي أمكن قراءتها في هذا القانون .

Page 4

ثالثاً : قانون آيشنونا ([12]) .

يعد هذا القانون من أقدم القوانين المكتوبة باللغة الآكدية ، ويعود تاريخه إلى ما قبل حكم الملك حمورابي بحوالي نصف قرن ، وينسب هذا القانون إلى مملكة آشنونا إحدى الدويلات التي حكمت منطقة ديالى في بداية العهد البابلي القديم وعاصمتها ( آيشنونا ) ، ويضم هذا القانون حوالي مئة مادة قانونية ، ولكن الذي تم اكتشافه ستون مادة قانونية فقط .

وهذا القانون يضم أيضاً جرائم مختلفة ، مثل : جرائم القتل ، والجروح والإيذاء ، والسرقة ، والإتلاف ، وغيرها ، ويمتاز هذا القانون بوجود عقوبة الإعدام في جرائم القتل والسرقة وجرائم الاغتصاب ، فضلاً عن العقوبات الأخرى التي تتمثل بالغرامات المالية التي يعاقب بها الجاني في الجرائم الأخرى ، كما نصَّ هذا القانون على مسؤولية الإنسان التقصيرية ؛ ففرض عليه عقوبة مالية إذا أهمل واجبه ، كمن له ثور نطاح ولم يقطع قرنيه على الرغم من تبليغ السلطة له ، أو عنده كلب شرس ولم يحبسه وسبب أذى أو قتل إنساناً ، فإن صاحب الثور أو الكلب يعاقب مالياً ، أو كان لديه جدار آيل للسقوط وقد أخبرته السلطة بذلك لكنه لم يتخذ الاحتياطات اللازمة لتقوية جداره ؛ فسقط على أحد الأشخاص وقتله فإنه يكون مسؤولاً عن جريمة القتل ، ويترك أمره للملك ليقرر مصيره ([13]) .

أما موانع المسؤولية الجنائية فجاء ذكرها في المواد الآتية :

المادة ( 6 ) : (( إذا استولى رجل في محنه ( أي مضطراً ) على قارب لا يعود له فعليه أن يدفع عشرة شيقلات من الفضة ( غرامة ) )) ([14]) .

في هذه المادة أخذ المشرع بنظر الاعتبار حالة الضرورة التي يكون فيها الرجل في مثل هذه الظروف ، وبما أن حالة الضرورة من موانع المسؤولية الجنائية لم يفرض المشرع عقوبة قاسية مثل عقوبة الإعدام أو فرض عقوبة مالية كبيرة بل جعل عقوبته عقوبة بسيطة تتناسب مع الظرف الذي أجبره على ذلك الفعل وبالتأكيد لم يعد فعله جريمة سرقة ، والدليل على ذلك ، أن العقوبة المفروضة عليه عقوبة بسيطة إذا ما قورنت بالمواد الأخرى من هذا القانون أو القوانين الأخرى التي تفرض عقوبة قاسية على جريمة السرقة ([15]) .

أما المادة ( 27 ) فتنص على ما يلي : (( إذا أعطى رجل لابنة رجل مهراً ولكن رجلاً آخر خطفها ودخل بها ( افتضها ) من دون موافقة أبيها وأمها فهذه قضية ( قتل نفس ) ويجب أن يموت )) ([16]) .

في هذه المادة نلاحظ اهتمام المشرع وتركيزه على تحريم العلاقات الجنسية التي يصاحبها الإكراه ، وفرض عقوبة شديدة على مرتكبه تتناسب مع خطورة الفعل المرتكب ، فجعل عقوبة الموت للرجل الذي يمارس العملية الجنسية بالإكراه ، وبالمقابل فإنه لم يفرض أية عقوبة على الفتاة بوصفها كانت مكرهة على فعل الزنا ، ثم فهي غير مسؤولة جنائياً عن هذا الفعل .

Page 5

رابعاً : شريعة حمورابي .

هذه الشريعة تنسب إلى الملك البابلي حمورابي ، وهو سادس ملوك سلالة بابل الأولى ، حكم ما بين سنة ( 1792 – 1750 ق.م ) ، كتبت الشريعة بالخط المسماري ، وباللغة البابلية على مسلة كبيرة .

تحتوي المسلة على أكثر من ( 282 ) مادة ، وإن قسماً من هذه المواد لم يتم معرفتها للتخريب الحاصل في المسلة ، وهذه المسلة صنعت من حجر الدايوريت الأسود ، طولها ( 225 سم ) وقطرها ( 60 سم ) ، وهي اسطوانية الشكل ، وتعد هذه الشريعة بحق أكمل وأنظم قانون مدون مكتشف في العالم حتى الآن ويبدو أن مواد الشريعة قد جمعها الملك حمورابي من القوانين السائدة في ذلك العصر ، ومن الشرائع التي سبقته ، وهو جمع منقح لهذه المواد القانونية بحيث أضاف إليها ما اقتضته ظروف ومصلحة الدولة آنذاك ، وحذف منها ما لا يتلاءم مع عصره وظروفه ([17]) .

وتمتاز هذه الشريعة بوجود تفاصيل أكثر حول الجرائم والعقوبات المقررة لها وهي عقوبات قاسية إذا ما قورنت مع الشرائع التي سبقتها ، فقد قرر عقوبة الإعدام لجرائم عديدة منها : عقوبة القتل والسرقة والاغتصاب والسحر والشهادة الكاذبة والإدعاء الكاذب في الجرائم المعاقب عليها بالإعدام ، كما أقر مبدأ القصاص بالمثل في جرائم القتل والجروح ، كما أقر العقوبات المالية لبعض الجرائم ، ومبدأ التعويض في جرائم أخرى ، لكنه جاء بمبدأ غريب لا يتصف بالعدالة عندما حمَّل الغير مسؤولية فعل لم يرتكبه ، كما في حالة البنّاء الذي يبني داراً لرجل آخر فينهدم هذا الدار ويقتل ابن صاحب الدار ، فجعل العقوبة أن يقتل ابن البنّاء وليس البنّاء نفسه ، فهذه العقوبة وإن كانت تصيب الفاعل بضرر نفسي إلا أنها تلحق عقوبة قاسية بحق شخص بريء ([18]) .

هذا ونصت شريعة حمورابي في عدة مواد على حالات من موانع المسؤولية الجنائية ، ومنها :

1 – حالة الإكراه :

جاء في المادة ( 103 ) ما يلي : (( إذا كان سائراً في ( طريق ) رحلته التجارية وسلبه عدو ( أي قاطع طريق ) ما كان يحمله ، فعلى البياع المتجول أن يقسم بالاله ( بخصوص ما حدث له ) وعندئذ يخلى سبيله )) ([19]) .

كما جاء في المادة ( 130 ) من الشريعة المذكورة ما يلي : (( إذا باغت رجل زوجة رجل آخر لم تكن قد تعرفت بعد على رجل ، وهي لا تزال تعيش في بيت أبيها واضطجع في حجرها وقبض عليه ( أثناء ذلك ) فإن هذا الرجل يقتل ، ويخلى سبيل تلك المرأة )) ([20]) .

وجاء في المادة ( 227 ) منه ما يلي : (( إذا أجبر ( أو خدع ) رجل حلاقاً وغيّر حلاقة عبد ( بحيث ) لا يمكن تمييزه ( بعد ذلك ) فعليهم أن يقتلوا ذلك الرجل ويعلقوه أمام بابه ، وعلى الحلاق أن يقسم بأنه لم يحلق عن علم ثم يخلى سبيله )) ([21]) .

2 – حالة الضرورة :

أما حالة الضرورة كونها مانعاً من موانع المسؤولية الجنائية أيضاً ، فجاء ذكرها في المواد الآتية :

ففي المادة ( 134 ) من شريعة حمورابي جاء : (( إذا أسر رجل ولم يكن في بيته الطعام ( الكافي ) ودخلت زوجته بيت رجل ثان فإن هذه المرأة لا ذنب لها )) ([22]) .

فهذه المادة ترفع المسؤولية الجنائية عن المرأة ؛ لأنها مضطرة لما فعلته لعدم وجود طعام في بيتها ، مما يعرضها ذلك للهلاك ، أما إذا كان لديها طعام كاف فلا يحق لها الخروج من بيتها وعليها المحافظة على عفتها ؛ لأنها إن خرجت من بيتها ولم تحافظ على عفتها فإن عقوبتها أن تلقى في الماء ، وهذا ما جاءت به المادة ( 133 – أ،ب ) من هذا القانون ([23]) .

3 – حالة صغر السن :

لم تذكر هذه الشريعة إعفاء صغير السن من عقوبة الجريمة التي يقترفها ، بل جعلته يتحمل المسؤولية الجنائية عن الفعل الذي يقترفه ، كما حملته مسؤولية الجريمة التي يرتكبها والده.

فجاء في المادة ( 116 ) ما يلي : (( إذا مات الكفيل في بيت محتجزه من الضرب أو سوء المعاملة فعلى صاحب الكفيل أن يثبت ذلك على تاجره ، فإن كان ( الكفيل ) ابن رجل فيجب أن يقتلوا ابنه )) ([24]) .

وجاء في المادة ( 192 ) ما يلي : (( إذا قال ابن تابع القصر ، أو ابن حريم القصر ( المتبني ) لأبيه الذي رباه أو أمه التي ربته : أنت لست والدي ، أو أنت لست والدتي ، عليهم أن يقطعوا لسانه )) ([25]) .

كما جاء في المادة ( 193 ) ما يلي : (( إذا وجد ( اكتشف ) ابن تابع القصر أو ابن حريم القصر (المتبني) بيت أبيه ( الأصلي ) وكره الوالد الذي رباه ( تبناه ) والأم التي ربته ( تبنته ) وذهب إلى بيت أبيه ( الأصلي ) فعليهم أن يقلعوا عينه )) ([26]) .

وجاء في المادة ( 195 ) ما يلي : (( إذا ضرب ابن أباه فعليهم أن يقطعوا يده )) ([27]) .

خامساً : المواد القانونية في العهد الآشوري الوسيط .

عُثِرَ على مجموعة كبيرة من الرقم المسمارية ضمت عدداً من الألواح التي دونت عليها مواد قانونية ، وقد بينت الدراسات أن هذه الألواح يعود تاريخها إلى الحقبة الواقعة بين سنة ( 1450 – 1250 ق.م ) تقريباً ، أي إلى حقبة العهد الآشوري الوسيط ([28]) .

ذكرت حالة الإكراه في عدة مواد من مواد هذه المجموعة القانونية وهي المواد : ( 12 ، 16 ، 23 ) ([29]) .

وسأورد ما جاء في المادة ( 12 ) من هذه المجموعة على سبيل المثال :

م 12 : (( إذا مرت زوجة رجل في شارع ( عمومي ) ومسكها رجل وقال لها : ( دعيني مضاجعتك ) ، فإذا رفضت ودافعت عن نفسها بغيرة وحماس غير أن الرجل أخذها بالقوة وضاجعها ، فإن شاهده يضاجع المرأة أو أن شاهداً أيد مشاهدته ( لهذا الرجل وهو ) يضاجع المرأة فعليهم أن يقتلوا هذا الرجل ، أما بالنسبة للمرأة فلا عقاب عليها )) ([30]) .

Page 6

المسؤولية الجنائية في القوانين المصرية القديمة

يرتبط تاريخ أية أمة من الأمم وحضارتها ارتباطاً وثيقاً بطبيعة أرضها ، إذ إن للأرض أثراً مهماً في تطور الحضارة ، وتعد الحضارة المصرية التي نشأت على ضفاف النيل نتيجة لطبيعة تلك الظروف ، وكان من الطبيعي أن يقدس المصريون نهر النيل ، ويعدوه إلهاً للخير ([31]) لقد عرفت مصر عدة تشريعات في تاريخها الطويل ، ويعد القانون الذي صدر عن الإله تموت أول تدوين قانوني وصل ذكره ويعود تاريخه إلى عام ( 4200 ق.م ) ويمتاز بطابعه الديني ([32]) .

وقد ظهر في تاريخ مصر القديم عدد من كبار المشرعين الذين سنّوا القوانين المختلفة التي تنظم مختلف شؤون الحياة ، ومنها القوانين الخاصة بالجرائم والعقوبات ، والتي سنبحثها في فرعين :

ففي الفرع الأول : نتناول أهم المشرعين في التاريخ المصري القديم .

وفي الفرع الثاني : نتناول أهم الجرائم والعقوبات في القوانين المصرية القديمة كما نتناول فيه المواد القانونية التي نصت على موانع المسؤولية الجنائية في تشريع حور محب .

Page 7

الفرع الأول

أهم المشرعين في التاريخ المصري القديم

1 – الملك مينا :

ويعود تاريخ هذا المشرع إلى حوالي سنة ( 3200 ق.م ) الذي يعد أول ملوك الاسرات المصرية [*] والتي توحد في عهده البلاد دينياً وتشريعياً وإدارياً وسياسياً ([33]) .

2 – الملك ساسوخيس :

ويعد هذا الملك من كبار المشرعين في تاريخ مصر القديم ، ويمتاز هذا الملك برجاحة العقل ، وقد أضاف إلى القوانين القائمة قوانين جديدة ، ونظم شعائر الآلهة بحرص فائق ووضع علم الهندسة ، وعلم أهل البلاد مراقبة النجوم ورصدها ([34]) .

3 – الملك سيسوسيس :

وهو من كبار المشرعين أيضاً الذين عرفهم التاريخ المصري ، وقام هذا الملك بأعمال عظيمة ، منها : تكوين جيش كبير وقوي ، واستطاع من خلاله تحقيق انتصارات كبيرة ، وفتح بلدان مختلفة ، كما أنشأ القلاع والمعابد وفتح الطرق ، كما كان يتصرف مع أولي الأمر من الشعوب المغلوبة بالاحترام ، ويفيض عليهم بشتى أنواع التكريم ([35]) .

4 – الملك حور محب :

ويعد من أهم المشرعين في تاريخ مصر القديم ، والذي استلم الحكم حوالي سنة ( 1330 ق.م ) ، ويعد المؤسس الحقيقي للأسرة التاسعة عشر .

كان حور محب قبل استلامه الحكم قائداً للجيش في عهد الملك اخناتون الذي حكم ما بين سنة ( 1375 – 1359 ق.م ) ، وكذلك في عهد من خلفه من الملوك الذين لم يحسنوا إدارة شؤون البلاد فعمت الفوضى وانتشر الفساد والظلم ، فتزعم حركة سياسية وعسكرية ودينية ، وسيطر على زمام السلطة في البلاد ، وبما أنه كان أحد أفراد الشعب فإنه كان ملماً برغبات الشعب وميوله ، فعمل على إنقاذ البلاد من الظلم والفوضى والفساد فقام بوضع التشريعات الكفيلة بتوفير العدالة والراحة لأفراد الشعب ([36]) .

5 – الملك بوكوخوريس :

لقد فاق هذا المشرع جميع من سبقه من الملوك في حكمته ، ويعد أيضاً الوحيد الذي مثل الأسرة الرابعة والعشرين ، وقد وجه إصلاحاته شطر إقرار المبادئ الفردية ، وحاول التخلص من سيطرة أمراء الأقطاع المحليين وتوطيد دعائم حكمه في البلاد بتقوية السلطة المركزية للملك مع كراهيته لرجال الكهنة ، وقد أخضع الجميع للسلطة الملكية .

وقد تأثرت تشريعات بوكوخوريس بالقوانين الآشورية والقوانين البابلية ولاسيما قانون حمورابي ، فقد كان بوكوخوريس حليفاً للآشوريين والكلدانيين .

ومن إصلاحاته ، إلغائه الرق بسبب الديون ، كما ساوى بين الرجل والمرأة في مجال الأحوال الشخصية ، وحدد سعر الفائدة على القروض ([37]) .

6 – الملك أمازيس :

وكان هذا المشرع قبل أن يصبح ملكاً أحد قواد الجيش الذي ثار على الملك ( أيزيس ) ونصبه الشعب ملكاً على مصر عام ( 568 ق.م ) ، واستمر في الحكم حتى عام ( 526 ق.م ).

وبما أنه لم يكن أساس ملكه مستمداً من أنه ابناً للآلهة أو هو الآلهة نفسه ونفى هذه الصفة عنه ، دفعته إلى محاربة الكهنة والقضاء عليهم وعلى نفوذهم وسلطانهم في البلاد ، كما قضى على نفوذ طبقة الإقطاعيين ، وبعدها توجه إلى قانون بوكوخوريس يستلهم منه النصوص القانونية لوضع مجموعة قانونية جديدة سميت باسمه ، وقد أعاد الحقوق الفردية مع إعطاء حق الملكية العقارية الفردية ، وهاجم الديون ، وألغى الإكراه البدني للمدين ، إلا أنه جاء بأمر غريب وهو ما يخص جريمة السرقة ، فقد أبدى تسامحاً لطائفة منهم ، واعترف بهم ، ووضع لهم تشريعاً خاصاً ([38]) .

7 – الملك دارا

كان هذا الملك شديد الرغبة في أن يحيا حياة فاضلة تقية ، فاهتم بالمعابد وصحب الكهنة المصريين ، وأخذ عنهم علم الكلام والتاريخ المثبت في الكتب المقدسة ، وأصاب من التكريم في حياته قدراً عظيماً إذ أطلق عليه المصريون لقب إله وهو على قيد الحياة ([39]) .

Page 8

الفرع الثاني

الجرائم والعقوبات في القوانين المصرية القديمة

في كل مجتمع إنساني سليم هناك ظاهرة طبيعية ، وهي وجود الجريمة والعقاب اللازم لمرتكبها ، وقد عرف القانون المصري القديم أنواعاً متعددة من الجرائم والعقوبات ([40]) ، ويرتبط مفهوم الجريمة في أي مجتمع إنساني بمدى أخلاقيات المجتمع وعاداته وعقيدته ، وباتجاه الحاكم وفلسفته في إدارة وتنظيم الحكم في البلاد ، وكان القانون الفرعوني قد اتخذ من الأخلاق أساساً لوجوده وهذا ما نلمسه في كثير من مواده القانونية ([41]) .

وقد تميز القانون المصري القديم بعدم وجود فكرة الانتقام الشخصي ، كما إن العقوبات فيه كانت أقل قسوة مقارنة بالعقوبات التي كانت سائدة في الحضارات القديمة ، كما في قانون حمورابي في العراق القديم .

فكانت الجرائم المعاقب عليها بالإعدام محصورة في أنواع معينة من الجرائم مثل : جريمة التزوير في الاسم والجيش ، ونهب المعابد والاعتداء على حرمتها وقتل الحيوانات المقدسة ([42]) ، ومن يرتكب أخطاء فاحشة في الطب تؤدي إلى موت المريض ، وكذلك للمرأة الزانية ، ومن يكسب قوته بطرق غير شريفة وغيرها ([43]) ، ومن العقوبات الأخرى : الجلد ، وقطع أعضاء معينة من الجسم والنفي ، والتجويع ، والإيذاء النفسي ([44]) .

ومن خلال ملاحظة القوانين المصرية القديمة نستطيع أن نتعرف على ملامح المسؤولية الجنائية فيها ، فقد كان الإنسان وحده أهلاً لتحمل المسؤولية الجنائية وما يترتب عنها من جزاء ([45]) ، وإن كانت بعض القوانين القديمة [*] تعاقب الحيوان والجماد والميت .

وعرف المصريون القدماء مبدأ المساواة أمام القانون فلم يكن للطبقة الاجتماعية أو المكانة التي يحتلها الفرد في المجتمع أي أثر في نوع العقوبة التي يعاقب بها ، إنما يرجع ذلك إلى الجريمة التي ارتكبها .

كما عرف المصريون القدماء في قانونهم الجنائي فكرة العمد والخطأ ، فكانوا يميزون بين مسؤولية وعقوبة من يرتكب الجريمة عمداً ، وبين من يرتكبها خطأ ([46]) .

كما إن إجراءات تنفيذ حكم الإعدام بالمرأة الحامل كان يؤجل إلى ما بعد الولادة تطبيقاً لمبدأ شخصية العقوبة ([47]) .

أما المواد القانونية التي ذكرت فيها حالات من موانع المسؤولية الجنائية فنذكر على سبيل المثال ما جاء في تشريع حور محب من نصوص قانونية تشير إلى ذلك .

فوردت نصوص تدل على حالة الإكراه وحالة الضرورة وأثرهما في رفع المسؤولية الجنائية عن المكره والمضطر .

فتشير الأسطر من ( 14 – 17 ) من المادة الأولى من تشريع حور محب إلى عدم معاقبة المزارع الذي لا يتمكن من توريد الضرائب المفروضة عليه إذا سُلِبت السفينة التي صنعها من أجل نقل البضاعة المراد توريدها للفرعون ([48]) .

فهنا يكون المزارع مكرهاً على عدم تسليم الضريبة الواجبة عليه للملك ثم يكون غير مسؤول جنائياً عن فعله ويعفى من العقوبة .

كما يشير السطر ( 18 ) من المادة الثانية إلى حالة المزارع الذي لا يملك سفينة لينقل فيها الأخشاب المستحقة للفرعون كضريبة عليه ؛ فيجوز له في حالة الضرورة هذه أن يستولي على سفينة رجل آخر ليتمكن من نقل الخشب للفرعون ([49]) وهذا يعني عدم معاقبته على جريمة سرقة أو غصب ؛ لأنه في حالة اضطرار .

كما جاء في الأسطر ( 19، 20 ) من المادة الثالثة من ذلك التشريع ما يأتي :

السطر ( 19 و 20 ) : (( إذا وجد موظف مزارعاً صاحب سفينة قد أُغتُصِبَ حمولتها واقفاً يعلن إخلاء مسؤوليته لأنه ليس لديه شيء ، فهذا ليس بحسن ولكنه عمل سيئ جداً ، ويأمر جلالته أن يعتبر معفياً )) .

وهذا يعني إعفاء الشخص من الوفاء بالضريبة المستحقة عليه إذا سلبت منه بسبب خارج عن إرادته أي كان مكرهاً على ذلك ([50]) .

Page 9

مراحل تطور الفقه الإسلامي

بحث الفقهاء المسلمون التشريع الجنائي الإسلامي في كتبهم الفقهية ، وأفردوا له أبواباً خاصة ضمن أبواب الفقه المختلفة ، وتحت عناوين مختلفة مثل : جرائم القصاص ، أو جرائم الحدود ، أو جرائم التعازير ، أو جريمة القتل أو الزنا أو السرقة وغيرها من المسميات الدالة عليه .

أما ما يخص موضوع موانع المسؤولية الجنائية فإن غالبية الكتب الفقهية لم تبحثه في أبواب خاصة ، وأصبح من الواجب علينا البحث عن هذا الموضوع وأحكامه في ثنايا مواضيع الفقه المختلفة ، مما يتطلب التعرف على مراحل التطور التي مرَّ بها الفقه الإسلامي في تاريخ الدولة العربية الإسلامية ، وهذه المراحل هي :

أولاً : ( عهد النبوة ) ([51]) ( 610 م – 632 م ) ( 1 للبعثة – 11هـ ) :

وهذا العهد يبدأ من تاريخ البعثة النبوية سنة ( 610 م ) إلى انتقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى سنة ( 11 هـ – 632 م ) وهو عهد الإنشاء والتكوين ، وفي هذا العهد انحصرت سلطة التشريع والقضاء والإفتاء في المدينة المنورة بالرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) والتي كانت تعتمد على الوحي غالباً ([52]) . وقد اجتهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مسائل لم يكن فيها وحي ، فأحياناً يقره الله سبحانه وتعالى على ذلك ، وأحياناً يبين له أن الأولى غير ما ذهب إليه ([53]) .

وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذه الحقبة يمارس القضاء بنفسه في المدينة المنورة فيقضي بين المتنازعين ويحكم بين المتشاجرين ([54]) .

وإن تولية القضاء للرسول (صلى الله عليه وسلم) هي بأمر من الله سبحانه وتعالى ، وأمر المسلمين بالرضوخ لحكمه ؛ لقوله تعالى :

]فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [ ([55]) .

ومن هنا يتبين أن هذا العهد لم يتأثر بفقه أجنبي من هنا أو هناك ؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمي ولم يجلس في يوم من الأيام إلى أي معلم ، ونشأ في أمة لا عهد لها بالقوانين الرومانية أو اليونانية أو غيرها .

وهذا العهد ينقسم على مرحلتين هما ([56]) :

- العهد المكي :

وهو العهد الذي اتجه فيه الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في مكة المكرمة إلى بناء العقيدة ومكافحة الوثنية .

- والعهد المدني :

وهو العهد الذي اتجه فيه الإسلام إلى التشريعات العملية وذلك بعد الهجرة إلى المدينة المنورة ، إذ كان الفقه واقعياً لا نظرياً ، ويعالج القضايا التي تحصل في الواقع العملي بين الناس.

ودامت هذه الحقبة ( 22 سنة وبضعة أشهر ) منذ البعثة النبوية سنة (610 م) إلى حين التحاق الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالرفيق الأعلى سنة ( 11 هـ – 632 م ) .

Page 10

ثانياً : عهد الخلافة الراشدة ([57]) ( 11 هـ – 40 هـ ) ( 632 م – 660 م ) :

وهو العهد الذي تولى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الخلفاء الراشدين سلطة الحكم والقضاء والإفتاء بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم) .

وهم : الخليفة أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) ( ت 13 هـ – 634 م ) ، والخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( ت 23 هـ – 643 م ) ، والخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) (ت 35 هـ – 655م) ، والخليفة علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) (ت 40 هـ – 660م) .

لقد ترك الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) بعد التحاقه بالرفيق الأعلى القرآن الكريم وسنته الشريفة من أقوال وأفعال وتقريرات وهي المصادر الرئيسة للتشريع في الفقه الإسلامي ، فبعد أن كان الصحابة – رضوان الله عليهم – يعتمدون على الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في القضاء والفتيا فقد انتقلوا إلى طور الاجتهاد والقياس فيما ليس فيه وحي ولا سنة لإيجاد الحلول الشرعية للقضايا المطروحة أمامهم ([58]) .

وكان في عهد الخليفة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) ، والخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) إذا وجدت حادثة ما لا يوجد فيها حكم شرعي في القرآن الكريم أو السنة النبوية يقوم الخليفة باستدعاء من اشتهر بالفقه في الدين ، وكانوا معروفين ومحصورين ومن أمثالهم : عبد الله بن مسعود ( ت 32 هـ – 652 م ) ، وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، وأبي موسى الأشعري ( ت 52 هـ – 672 م ) ، وعائشة أم المؤمنين ( ت 57 هـ – 676 م ) ، وأبي هريرة ( ت 58 هـ – 677 م ) وعبد الله بن عباس ( ت 68 هـ – 687 م ) رضي الله عنهم أجمعين ، فيعرض عليهم الأمر ، فإن اتفقوا على رأي كان ذلك إجماعاً ولا يسوغ لمن جاء بعدهم أن يخالفوه ، وبهذا أُضيفَ مصدر جديد للفقه وهو : الإجماع ([59]) .

وهناك عامل مهم ساعد في نشوء علم الفقه وتطوره هو تفرق الصحابة والفقهاء في الأمصار وذلك في خلافة الخليفة عثمان بن عفان(رضي الله عنه) فاستوطن عدد كبير منهم تلك الأمصار وقاموا بنشر هذا العلم وتطويره ([60]) .