eKtab
EN ع
مواطنون من جنسية قيد الدرس
Read free sample

مواطنون من جنسية قيد الدرس

by محمد عيتاني

Page 1
مواطنون من جنسية قيد الدرس

أخيراً صعدت إلى البوسطة، ارتياح كأنني بين أشجار التفاح في قريتنا، ولكن ظل في أعماقي ثقل فظيع، صخرة الموت الثقيلة تربض على روحي: لماذا حدث لي كل ذلك؟ أين أولادي الآن؟ أنا مت، ثم قمت من بين الأموات، ومع ذلك لم أرَ أحداً من أولادي.

ملأت الدموع عينيّ وعينيها معاً: هي لأنها قتلت قبل أن تفرح من ابنها حسين، وأنا لأنني لم أعثر على أي شيء من بقاياها لأدفنه في مقبرة القرية، وأكلله فجر كل سبت بحزمات الآس وجريد النخيل ودموعي الحمراء، طائرات العدو اجتازت الحدود ثم أخذت تقصف كل شيء، كل شيء، دون تمييز، وكانت إذاعتنا تُقاوم بضراوة. سقطت زوجتي وهي تحمل دلو الحليب لعشاء الأولاد. أصابتها رصاصة أولى في خصرها: أي! دخلك يا أمي، تتلوى على الأرض، تسبح في مزيج أحمر وأبيض، طائرات العدو، قنابل محرقة، انفجرت أم أولادي. لم يبقَ من فاطمة، أم علي، أي شيء. والآن في البوسطة أنا محتار. لا أعرف ماذا يجب أن أفعل. إلى أين أذهب. من أنا، وماذا سأكون؟ كنت أريد النزول من السيارة الكبيرة والهرب عير شوارع بيروت القاسية، ولكن رائحة المساء ونار القش في قريتنا وعيون أولادي كانت تجتذبني بقوة إلى الجنوب، أنا الآن هناك في أصيل مشمس، معلم المدرسة قال لي يوماً على البيادر: «مناظر قريتنا أجمل من بريق عيون الصبايا». تخنقني فجأة غصة مميتة. الأعداء. القمم الخضراء. كل شيء حي يدمرونه. يبيدونه إبادة. يحرقون حولنا حتى الهواء. ركاب البوسطة الكبيرة الزرقاء العتيقة، في كاراج الجنوب كانوا مختلفين: يسافرون أم لا يسافرون. يريدون المواسم، الوقت ـ آخر الربيع ـ لكن البعض يخاف الموت واليهود: الدبابات الطائرات الرشاشات تدمر كل شيء، تقتل كل مخلوق. لست أدري من الذي من ركاب البوسطة صاح في النهاية: اليهود ليسوا كل يوم في ضيعتنا. نريد أن نجني مواسمنا الزراعية يا جماعة.. قل لن يصيبنا.. إلا... بركة الآية الكريمة. الركاب في أماكنهم. وفي أذني وكل أعماقي طنين، طنين طويل. وبعد قليل الفتيان راحوا يغنون الدلعونا والعتابا والميجانا. خلدة. بدأ الرقص. نهضت صبية حسناء أخذت ترقص على تصفيق الشباب.

أنا شاب الآن في الخامسة والعشرين، أرقص بقوة عند قفلة الدبكة، ساعداي يشبكان ساعدي فاطمة التي يحمر وجهها وهي تبتعد عني خجلى بعد الرقصة. ثم يوماً قلت لها: لماذا كل هذه المداورة يا فاطمة، فأنتِ لي. ولن تكوني لغيري أبداً.

البهجة تتجدد حولنا والرقص. ولكن سواد. موت. أوجاع ضوء ساطع يصارع هذه الأشياء: الخطبة، حداء الشباب. العرس أم عقيل الحسناء داية القرية جاءت مسرعة «مبروك! إجاك صبي مثل القمر!» ثم أغرق من جديد في عالم آخر، لا شمس، لا رحمة، لا إلفة أشياء، ولا حنان أطفال: زمهرير وصقيع وسواد رهيب ورائحة موتى. وأنا أرفس الباب الحديدي مرة، ومرة، ومرة. أين أولادي؟ أين أنا الآن؟ ماذا حدث لأهل قريتنا؟ هل أنا في زنزانة يهودية؟ الآن في جو البوسطة المرح، وضوء البحر، صار بإمكاني أن أتذكر. لكن هذه الآلام في جميع أنحاء جسمي. الطنين، الطنين، الطنين في أذنيّ في أعماق كياني. أنا في أعماق قبر أسود، والبلاطة فوق صدري، وفجأة أطير فوق كل شيء مثل غربان القرية فوق قباب الجوز.

منذ دهر كنت في خراج قريتنا «نبعا»، على رابية عالية. الأهالي يتصايحون: غارة، أدغال ملول. حقول. اليهود سيفعلون شيئاً هذه الليلة. آخر مرة ركعونا، مع نائب المنطقة، في ساحة القرية، وقتلوا ثلاثة أو أربعة منا، وساقوا معهم بعض الأهالي وجزمات الأعداء تقطر من دمنا في ساحة قريتنا. هذه المرة رأيت اليهود عن قرب، الطائرات تنقض على بيوت القرية، الدبابات المنجمة تتقدم بخطى فولاذية رهيبة. «نعمل لأجلكم» «لبنان يرحب بكم». أظن أنني سقطت على الأرض. طنين في أذنيّ، وحجر ثقيل في بئر روحي. غيمة صفراء تغطي كل شيء حولي آخر شيء سمعته: أين أقرب طبيب هنا؟ لا أدري من الذي أجاب: أقرب طبيب هنا موجود في بلاد الواق الواق. العوض بسلامتكم.

* * *

... ثم أفقت. سواد حالك كلياً. جسمي يرتعد. برد جليدي. صدري. زمهرير. صقيع مميت وظلام. أصوات نسائية في الخارج بعيدة بعض الشيء، مددت يدي أمامي فلم أرَ إلا نبضات قلبي المرتعب. قرويتي عينت لي المسافات: لست في مكان واسع، بل هو في حجم خيمة ناطور عندنا. ظلام. ظلام. حيرة، ورعب.

تمالكت نفسي أخيراً. وبعد طول تلمس وتحسس اصطدمت أصابعي بزر فأضاء المكان مصباح كهربائي. وشعشعت جدران سجني الجليدية. أنا في براد واسع بعض الشيء ثوبي كفن أبيض. ورائي جثتان مغمضتا العيون. ضاع وعيي بعض الشيء. يوم الحساب. لكن معي سيد الشهداء الإمام الحسين.
Page 2
عاد إليّ الوعي: حي أنا كل الحياة. لأتأكد ضربت جدار البراد الجليدي فارتج كطبل عجيب. سجين إذن أنا هنا يجب أن أخرج من هذا الصقيع المميت. بكل قوتي رفست الباب مرة، ثم مرة ثم مرة. صوت نسائي صاح مرتعباً من الخارج «شو هيدا؟! يا رب تنجينا. ولي... ي.. ي.. ي!» عند هجمتي الرابعة بكل قوتي انكسر الباب الحديدي وارتمى وسط قاعة الممرضات. صبيتان جميلتان. كراس من الخيزران تتطاير هنا وهناك ومعها أزهار اصطناعية من مزهريات زرقاء. إحدى الممرضتين الحسناوين كانت جالسة تتزين وتقلب بالملقط رموش عينيها بكل هدوء وتفنن. مؤكد أنها لم تكن قد وعت بعد ما حدث. الثانية ركضت هاربة إلى وراء إحدى الكنبات. عيناها الجميلتان جاحظتان الآن كجمرتين: مدت نحوي إصبعاً مرتعشة تغرزها في وجهي «عـ... عـ.. عـ..ـفريت!» الممرضة الثانية نهضت فجأة وراحت ترسم شارة الصليب على كل مكان تطاله أصابعها. بسم الأب... صرخت: إلى البراد. ارجع إلى البراد!! صدرها ناهد متوثب كنهود بنات جويا. لهجتها جبلية كسروانية تماماً «شباك كعمي. حدا بيموت وبعدين بيئوم هايك وبيفزع المدموزيلات؟ الزلمي بيموت مرة واحدة، وخلاص!».

دارت معركة. الممرضتان تريدان إرجاعي بالقوة إلى براد الدولة. كنت أقاوم بضراوة رغم سني الخامسة والستين. كان خصمي الأساسي الممرضة سلمى، الجبلية العملاقة، المكتنزة عضلاً وقوة. ساقاها كساقي حصان. مرة واحدة كاد اشتباكي بها يرخي عزيمتي، لكنها معركة حياة أو موت. تغلبت عليهما. أصبتهما برضوض. سالت الدماء من جميع أنحاء جسمي. في المرآة رأيت أظافر الفتاتين في كل مكان من وجهي. جانيت، النحيفة، بنت المدينة عادت وجلست إلى المرآة تكمل زينتها: تكتحل بكل دقة، ثم تنظر إلى ساعة يدها بين حين وآخر، وقالت: ـ يا لك من حمقاء يا سلمى. هل نسيت «الموت العيادي»؟ يمكن أن يموت الشخص ويتوقف قلبه تماماً نصف ساعة مثلاً، ثم يعود إلى الحياة...

تليفون إلى رئيس الأطباء الدكتور فؤاد جاء مع كل أطباء المستشفى. دهشة. صيحات. وشوشات. كلمات أجنبية لا أول لها ولا آخر. ثم طلبوا إليّ أن أتخذ جميع الأوضاع الممكنة. قلبوني هكذا ثم هكذا أكثر من عشرين مرة ثم جاء وقت التصوير. صوروني. ثم صوروني. ثم صوروني. ثم هنأوني. ـ طيب يا جماعة أعطوني ثيابي وورقة نفوسي ومصرياتي واتركوني أذهب في حال سبيلي. ـ متأسفون. أولادك أخذوا كل شيء. كان المفترض أن يأتوا هذا الصباح لأخذ جثتك. لم يأتوا. وكل أوراقك أصبحت الآن عند معالي وزير الداخلية، معاملاتك كلها انتهت. أنت الآن مسجل بصفتك ميتاً. توفيت أول البارحة في الساعة كذا وكذا بالضبط.

مشكلتي معقدة. يجب أن أذهب إلى عيون المرج لتقديم طلب للحصول على تذكرة بدلاً من ضائع.

أخيراً تلطف الدكتور فؤاد. مذكرة بحادثتي. مداعبة لخد جانيت الحسناء. حصل لي من الدائرة الحكومية المختصة على بطاقة سجل عليها «الحاج كذا كذا... مواطن لبناني من جنسية قيد الدرس...» مع إمضاءات وأختام زرقاء وبنفسجية كثيرة يزيد عددها على عدد الوشوم الموجودة على زنود الغجريات وأكتافهن.

لا قرش واحداً معي. كيف أتحرك؟ خرجت من المستشفى بعد الغروب بقليل لابساً كفني الأبيض. انتهى أذان المغرب في جامع الخضر. جلست. خارج جدار مستشفى الكرنتينا رأسي يدور كحجر الطاحون. فجأة سيارة توقفت قربي: يا حمار! يا راعي الزفت! لماذا جالس هكذا كهارون الرشيد، ووقت الذبح سوف ينتهي؟! سأخسر ألوف الليرات! بقي عشرون رأساً بدون ذبح. شتائم متبادلة. ثم تفاهم. في النهاية تنبيه وتعهد من تاجر الغنم: أشرف جيداً على ذبحها. افتح عينيك جيداً احذر من أن يبدلوا لك رأساً برأس، واحرص على أن يطبعوا على ألية كل خروف اسم بلدية بيروت الممتازة، ولك مني عند انتهاء عملك 25 ليرة لبنانية. ثم صرت عبر شوارع المدينة الكبيرة قاصداً سوق الدلالة والملابس العتيقة، وبعد ذلك إلى كاراج الجنوب، أكنس بذيول كفني غبار المدينة وتطردني كتل الباطون والحديد والزجاج نحو بيادر قريتي، روابينا الخضراء وأشجار السرو الشامخة الخمس الخضراء الغامقة، التي تحرس عصافيرنا الملونة.

ـ هذا حاج باكستاني من الذين يمرون في لبنان للشحاذة.

ـ لولا الغرباء لكنا واللَّه يا عمي بألف خير في هذا البلد.

ـ هذا راهب إنكليكاني مصيف بكير ـ هذا منجم مغربي.

لكنني لم أكن مع أولئك المارة. كنت هناك في قريتنا. الوقت غروب. حماري يحمل سكة الفلاحة، وخرج البذار الفارغ على ظهري، أسوق بالمساس الثورين الأسودين المتعبين، صاعداً معهما طرق الضيعة إلى البيت، وكل روائح البر وعطر التراب الطيب والعرق يفوح من شروالي وقميصي وبسطاري. كل هذا تلاشى فجأة وغاب حين رأيت طائرة تجتاز كوميض البرق سماء بيروت، مددت رأسي إلى الشمس وصحت في داخل قلبي: علي، حسين، زينب، فاطمة أين أنتم؟ لا جواب. لجة سوداء. وشوك الغربة. وأجر ورائي كفني. وفجأة أحسست بأنني أخذت أحب هذا الكفن. رابطة خفية ذكرتني بفاطمة أم أولادي. كيف سأخلعه الآن وأستبدل به ملابسي الفلاحية العادية؟

ـ كيف أنت الآن يا فاطمة؟ ـ أنا رماد ضائع يا أبو علي. وقليل من سواد الدخان على الصخور هنا وهناك. حياتي أكلتها نار سريعة. ولكن أنتم، أنتم، ماذا ستفعلون. ـ نعم. ماذا سنفعل؟
Page 3
في سوق الملابس العتيقة دخلت أحد المحلات، خلعت كفني في زاوية وراء ستارة، واشتريت شروالاً عتيقاً أسود، وملابس داخلية رقيقة، وقميصاً كاكي. بقي معي من ثروتي خمس ليرات تكفيني للسفر إلى قريتنا.

طنين طنين عذب وملتاع هذه المرة. كان صوت فاطمة في أذني، إلى أعماق روحي. ثم جعلت تسير معي: لا يصح إلاَّ الصحيح يا أبو علي. والآن اسمح بأن أعود إلى ذرات الهواء، وبراعم الغصون الجديدة، وسواد الجدران المحيطة ببيتنا. كانت في تألق جمالها مثلها ليلة عرسنا، حول جبينها إكليل من زهر الليمون العطر. حاولت أن أقبلها، التقت شفتاي بسلة طعام لأحد الركاب.

* * *

سائق البوسطة: يا جماعة هل أخطأنا الطريق. هذه هي المرة «الألف وألفين» التي آتي بها إلى هذه القرية. ولكن أين القرية؟ أحد الفلاحين: كيف تخطئ الطريق. ها هي أشجار السرو الخمس العالية فوق تلة القرية، وهذه عرائش بيت بوماضي محروقة، وتلك هي البركة التي نشرب منها نحن والبقر، وقد فجرتها القنابل. هذا مكان قريتنا يا أبو محسن. ـ طيب، ولكن القرية نفسها أين هي؟

نزلت من البوسطة، وتركت ركابها يبحثون عن قريتهم، لأنني رأيت عن بعد، تحت وهج شمس الأصيل، ما تأكدت من أنه بقايا منزلنا، قطع من الجدران الزرقاء، والحمراء، وتخاريم حاجز الشرفة. وأصص الأزهار محطمة متناثرة في كل مكان، وبقايا محروقة من فرشنا وحصرنا وكراسي بيتنا.

وأيدي ورؤوس بعض جيراننا التي أسيء دفنها، فانكشفت بعد ذوبان الثلوج كما يبدو، ومن عين إحدى الجماجم الفارغة نبتت زهرة «دويك الجبل» بنفسجية متوهجة كعين حسناء. ها هو منزلي، بكامله، لكن القنابل والرصاص وجنازير الدبابات قد قطعت أوصاله، ومزقته، وسوته بالأرض. وتوقفت لأقرأ هذه العبارة المكتوبة، على الجدار الرمادي لغرفة الجلوس الشتوية: «الليلة غلبت والدي في المصارعة ـ حسين 25ـ9ـ عام كذا».

ابتسمت من أعماقي رغم أن قلبي لم يعد يحتمل أي شعور غير النقمة والغضب، هذا بيتي الصغير تحطمه، مثل علبة من الكرتون، أقدام همجية، وأين الذين يجب أن يدافعوا عنا؟ لكن سؤالاً آخر صدم رأسي: أين هم أولادي؟ ونسيت كل ذلك حين عاد إليّ شيء من صفاء الذهن ونظرت حولي: كان الدمار يشمل كل شيء، لم يبقَ تقريباً بيت واحد في القرية قائماً على ركائزه. المشهد كجوانب جبل بركاني، توقف مؤقتاً عن الهيجان، ولكن ما زالت سحب الدخان تتصاعد منه إلى أعالي السماء.

جميع نواحي القرية جلت فيها ذهاباً وإياباً، صعوداً ونزولاً، حتى أوشكت الشمس على المغيب، فلم أرَ أحداً من ناسها الأحياء سوى الداية العجوز أم عقيل، وهي داية القرية، وقد تجاوزت المرأة الثمانين، هزيلة عجفاء، ذات عينين شهلاوين حافظتا رغم كر السنين الطويلة، على تألق وصفاء عجيبين:

كانت أم عقيل تجلس على حجر محروق فوق أحد البيادر وقد أرخت الحبل لعنزتها السوداء الصغيرة، وحين رأتني المرأة الهرمة بادرتني بالتحية والسلام وسألتها: أين أولادي يا خالتي أم عقيل؟ ـ الجميع هربوا ما عدا ابنك الأصغر حسين ـ وأين هو حسين الآن؟ لزمت المرأة الصمت. وكانت حمرة الشفق الدموي تنعكس على تجاعيد وجهها الدهرية. جلست قربها، ورحت أحدق إلى عينيها. وكررت السؤال: أين هو حسين ولدي الأصغر يا خالتي أم عقيل؟ واتضح لي تماماً أن عيني أم عقيل لم تكفا عن البكاء منذ أسابيع فعلى يديها وُلِدَ أكثر أهل القرية التي قمطتهم وهم ولدان رضعاء في لحظاتهم الأولى، ثم رأت جثثهم تتناثر في الجو حين أصبحوا رجالاً. هالات سوداء وزرقاء حول عينيها. شيء كالوحل العكر يشوب نقاء إنسانيهما الأشهلين. ركزت أم عقيل عينيها في عيني وقالت بلهجة آلية، لا تشوبها أية نبرة حزن:

ـ ولدك حسين يرقد في حضن أمه فاطمة أم علي هناك في مقبرة القرية. انفتحت في أعماقي بئر سوداء من الحزن المريع والغضب والنقمة والصديد. ومع ذلك فلست أدري كيف استطعت أن أسأل أم عقيل بلهجتها نفسها: وكيف مات؟ ـ كما مات الرجال الذين حملوا البنادق. ودقت على صدرها بلوعة: وقالت: ولكن يا حسرتاه؟ ماذا تفعل البنادق أمام الدبابات الكبيرة والطائرات وألوف الجنود؟
Page 4
وخُيِّل إليّ أنني ألمح في غبش المساء زوجتي فاطمة تسير في البعيد، وحول عنقها عقد من أزهار البرتقال والتفاح، تجر بيدها طفلاً صغيراً وتنحني عليه برفق.

* * *

حين بدأت أزور بعض مخاتير القُرى لأقدم طلباً لاستعادة هويتي، كانوا يستعيذون من الشيطان الرجيم حين يرونني ويقدمون لي جميع الوثائق التي تثبت لي أنني ميت. ومرة صفعت أحدهم بقوة، لأثبت له العكس، فأطلق عليّ كلابه وزلمه، وأصبح من تقاليد بعض مخاتير تلك القُرى أن يطلقوا الكلاب عند استقبالي ووداعي لتنهش ما بقي لي سليماً من لحمي وعظمي في رحلاتي هذه الكثيرة.

قابلت قائمقام المنطقة. أمامه على مكتبه مدقة عرق مع كامل مازتها. عن يمينه سكرتيرته الحسناء تقشِّر له الفستق الحلبي وتزقه به، ووراءه رئيس دائرة إنماء الجنوب يقدم للقائمقام ملاعق التبولة، ولا أنكر، كان الرجل ظريفاً مرحاً، فقد قربني إليه وقال لي هامساً: نصيحة لوجه اللَّه، بلا تذكرة بلا بلوط. على الأقل أنت الآن معفى من الضرائب... ثم إن المسألة ليست بهذه السهولة. عندنا ألوف الأسماء. وأصبح من الصعب بعد الحوادث الأخيرة أن نعرف الموتى من الأحياء. ومع ذلك اكتب لي عرضحال مع التمغة اللازمة وائتني به في وقت لا أكون فيه مشغولاً. وتكرم عينك.

* * *

كاتب العرضحالات في عيون المرج رجل عجوز، يجلس وراء طاولة في جانب الساحة. اقتربت منه. شخص ليست له أسنان معينة طربوشه عتيق مطعّج كدرج البرلمان، بذلته قديمة يصعب تحديد لونها. الرجل يجلس وراء طاولة مخلعة تهتز مترنحة كشروال فلاح يغربل على مهل. وحسب الأدوات التي رأيتها على طاولته ورفوفه ووراء ظهره، كان يمكن أن يعرف المرء بأن مسعود أفندي كاتب العرضحالات كان أيضاً، بالإضافة إلى وظيفته هذه، حلاقاً وبيطاراً ومقتلع أسنان، وصانع حجابات للحب والقبول، والحبل بإذن اللَّه تعالى. وحين رآني متجهاً نحوه في خط مستقيم صفق بيديه فحضر على الفور فنجان قهوة عثملية. البلدة حولنا صاخبة في نشاط الأصيل: أهلاً وسهلاً شو المطلوب؟ قلت عرضحال. قال تكرم خذ مني أفصح عرضحال في العالم بأسره. فضلاً عن أنني أعرف جميع أسرار البلاغة. أنا أعمل سن للصاد، وقواعد الهمزة ربها، والحرف فارسي وكوفي ورقعي. والخط برنجي، والإنشا يحنن قلب الصخر. في هذه الأثناء كان قد خرج من بين يدي الرجل وساقيه فلاح كبير الجسم جداً اقتلع له مسعود أفندي ضرساً خرباً، بكماشة حديدية سوداء كبيرة أشبه بالبهبهانة، وقال مسعود أفندي له: انتهى كل شيء الآن، ولكن لا تضع في فمك ماء ساخناً لمدة ساعتين أو ثلاث ـ وماذا أتعشى يا دكتور؟ قال له كاتب العرضحالات: خدلك كم برشامة قريشة! مسعود أفندي تحول إليّ أمر. شو القصة. وتناول قلم ستيلو ضخماً، لا بدَّ أنه يمكن أن يكون عرضة للمصادرة عند حواجز قوى الأمن. وبدأ يكتب الديباجة المعتادة «جناب حضرة...» قلت للرجل: أرجوك سوف أملي عليك أنا ما أريد قوله وتكتب أنت إن سمحت. إستاء الرجل ولا شك. لكن الشغل شغل. فنظر نحوي وقال منبهاً: بس ليك! الصفحة بليرة يا عم، قلت له: ـ ليرة وحبة مسك. وبدأت أملي على الرجل:
Page 5
حضرة القائمقام، سعادة، معالي، دولة، فخامة، إلخ.

يتشرف فلان الفلاني بعرض ما يلي: نحن الفلاحين حين نغرس أغراساً من الشجر فإننا نرعاها صيفاً وشتاءً، فإذا اشتدت عليها ليالي الثلج والصقيع نزعنا الأغطية عن أجسامنا وغطينا بها صغار النبات، لنقوم برعاية ما وضعته الحياة في عهدتنا. وإذا ربينا بقرة أو خروفاً أو حتى كلباً، فنحن نوفر لها كلها المأوى والقوت، ونضمن لها خصوصاً الحماية من الذئاب والضباع. وقد حدث لقريتنا ومنطقتنا ما خلاصته كذا وكذا، ولي شخصياً ما خلاصته كذا وكذا، فإذا بي أعتبر ميتاً في هذه الدولة الجليلة. ولما كان منزلي قد تحوّل إلى أنقاض ورماد، وكنت مضطراً للعمل في أية قرية أو بلدة غير قريتي التي لم تعد موجودة، فالمطلوب أن تُعاد لي تذكرة هويتي، أو تحديد جنسيتي التي ما تزال، في دوائركم، كما يبدو، قيد الدرس، وتفضلوا حضرة كذا وكذا إلخ.. التوقيع في كذا من شهر كذا من عام ألف وتسعمئة وكذا وكذا.

• هنا قال لي مسعود أفندي مرتجف الشفتين: الظاهر الأخ «خوش بوش» مع الجماعة الذين فوق لكي تخاطبهم بهذه اللهجة. منذ شهر هدمت دبابات العدو منزلاً لأحد أهالي قرية مجاورة، فجاء وطلب إليّ كتابة عرضحال إلى حضرة القائمقام وجناب الضابط. فكتبت. الرجل لا أعرف ماذا فعلوا به. أما أنا فقد أقاموا لي، أولاً، حفلة تكريم في المخفر، ثم أخذوني صباح اليوم التالي إلى حديقة القائمقام حيث ربطوني بالنير مع بقرة سوداء مرقطة ببقع بيضاء، اسمها «صبحا» وفلحوا علينا طول النهار حتى كدت أموت من الإعياء. والآن اسمح لي بإعادة كتابة هذا العرضحال بيدي الشمالية لأموّه خطي. أرجوك! تركت الرجل يفعل ما يشاء. ونقدته أجره. وعدت أهيم في طرقات الريف ساعياً نحو خرائب قريتنا. وأخذت تتجلى في ذهني عدة أفكار بعد ما قاسيته من محن، وقلت في نفسي وأنا أسير في طريق الشمس الحمراء: بدلاً من هذا العرضحال سأقدم طلباً بأربعة أسطر فقط مع التقارير الطبية اللازمة لاستعادة هويتي، لكنني كنت كلما وصلت إلى مفترق الطرق ذاك، القائم بين مرتفعات العرقوب حيث يقيم المقاتلون، ومزارع البكوات، حيث يمكن العمل عندهم وكسب شيء من المال، أقف طويلاً وأفكِّر: هل أمضي في هذه الطريق، أم تلك؟ وكان وقوفي يطول، حتى أثرت يوماً شبهات رجال الدرك من الفرسان الذين انهال عليّ أحدهم مرة بسوط على وجهي وظهري وهو يسألني: ماذا يا حيوان؟ هل تقف هكذا لتفكر كيف خلق اللَّه العالم؟..

الوقت غروب. أخرجت العرضحال الرسمي من جيبي. رحت أطرح مجدداً السؤال تلو السؤال على نفسي. وخُيِّل إليّ، في وهج الأفق الأحمر، أن فاطمة زوجتي، عادت تقف إلى جانبي لأنني كنت أشم رائحة زهر البرتقال من إكليلها الذي توجت به شعرها ليلة عرسنا، وولدي حسين أيضاً، كان يسير بين ضباب المساء الخفيف، حاملاً رشاشاً كبيراً، مشيراً إليّ بإصبعه الدقيقة المتينة كرأس حربة إلى طريق المرتفعات. لكنني ما زلت متردداً، أفكِّر أي طريق أسلك. وعليكم أنتم أن تساعدوني لنسير معاً في طريق واحدة.

وأخيراً لم أشعر إلا وأنا أُمزق العرضحال قطعة قطعة، وألقي بها في الهواء الذي كان يهب على روابي قريتنا من كل مكان، ولا سيما من ناحية الجبال العالية الخضراء، بعد حين راحت فراشات بيضاء وزرقاء تحلِّق وترفرف حولي من كل ناحية، ووراءها شمس كبيرة، مستديرة، حمراء، أشبه بوردة كونية، عرضها السماوات والأرض.
Page 6
نساء في ضوء القمر

بعد صلاة الصبح بقليل، والدنيا تغشاها دغشة السحر، كان صياد السمك أبو عمر، مستعداً تماماً لبدء الصيد.

وابن خالة أمي أبو عمر معروف بأنه يصطاد خصوصاً السمك الأبيض، وهذا السمك مشهور في سواحلنا برأس بيروت بأنه «بندوق» و«ملقط» وماكر جداً، حساس كثيراً، ويسبب عذاباً كبيراً للصيادين قبل أن يحصلوا على أوقية أو اثنتين منه، اللهم إلا الصيادين المعلمين في الكار.

وهذا السمك أكله (طعومته) شيء خاص أيضاً، وهو عادة لا يأكل إلا العجين الممزوج بقليل من «جيزان» دود القز. فإذا أكل شيئاً غيره يكون ذلك بالخطأ. ثم إنك لا تستطيع أن تريه خيالك فسرعان ما يختفي «بأرض بسما»، طبعاً هناك صيادون «قبضايات» كانوا يصطادون طول نهارهم رطلين أو ثلاثة أرطال، وهذا السمك كان وما يزال غالي الثمن. فالصياد المعلم الماهر يختبئ وراء صخرة أو منخفض، أو يجمد كأنه عمود المصيد ويصطاد، وهكذا يستطيع أن «يأخذ نصيبه وينال رزقه». كان رطل السمك الأبيض يساوي زهاء ليرة سورية. وأستطيع أن أؤكد، بالاستناد إلى شهادة الصياد أبو عمر الغالي نفسه، بأنه ما من صياد نشيط مات جوعاً يوماً. مؤكد أنه ما من صياد أيضاً استطاع أن يبني سوى مصيده وكوخه.

المصيد في سواحلنا معروف: فهو عبارة عن خيمة صغيرة، وتوتة عادية يقتلعها من أي بستان، والأفضل أن تكون يابسة حتى لا تحدث حرب أهلية في رأس بيروت، وها هي التوتة، أقصد جذعها الأسود الذي تحته الملح والبو فاس وكر الموج وحر الشمس طوال نهارات لا يحصيها عد، عارية سوداء مثل بنت عمة أبي «أم سليم العبدة»، غسالة خندق ديبو. وأحياناً يكون للصيادين الميسورين خيمة بعيدة بعض الشيء عن «فقش» الموج، وبالتالي عن توتة المصيد، وهي مزروعة هناك ليتمسك بها الصياد عند هبوب الموج وجنونه. وأحياناً كان البحر يأخذ معه عند رجوعه الغاضب عن الشاطئ الصخري الصياد والتوتة والسلة والعب والقصبة وشتائم قريبي أبو عمر أو غيره من صيادي السمك، من أصحاب النصيب في ذلك الصباح. وكان البحر لا يعيد من المجموعة التي اختطفها سوى عرقية الصياد وأحياناً سلته أما الباقي فيترك أمر تدبيره إما لعزرائيل عليه السلام وإما لأصحاب النفوس الكريمة بحارة سواحلنا.

كان أكثر الصيادين في سواحلنا من «التحويلة» (آخر غربي كورنيش المنارة) حتى ميلة الدالية (الطرف الجنوبي من ساحل بيروت ـ هذه كانت مملكة صيادينا في تلك الأيام ـ على ما تروي سلفة عمتي الحاجة «أمون»، وهي صادقة أستطيع أن أحلف باللَّه العظيم وهو غفور رحيم، فهي لم يعرف عنها سوى الكذبات التي تبينت بعد ذلك بزمن طويل وكانت قد فنيت عظامها رحمها اللَّه. أما طوال حياتها فلم يعرف عنها سوى الصدق الصراح. كانت شأن جميع أهل رأس بيروت صادقة بشكل عجيب، وكل من يقول عن أهل محلتنا ولا سيما عن صيادي البر منهم أنهم كذابون أو بخلاء أو سخفاء أو تيوس يكون ـ واسمحوا لي بها ـ يكون من «أهل المدينة» وفي محلتنا كانوا يسمون كل من هم من خارج رأس بيروت «أهل المدينة» كما أن الغجر (النور) ـ بعيد الشبه ـ يسمون كل من هو غير نوري «فلاحاً» هكذا للَّه باللَّه إلخ إلخ..

المهم.. صاحبنا صياد السمك العم أبو عمر كان جالساً على صخرته بعد صلاة الصبح بقليل يصطاد السمك الأبيض. وكما قلنا، فهذا السمك حساس جداً، ابن حرام تماماً، يعني صعب اصطياده وهو يظل يدور عادة مدة حول الطعم يلاعبه والصنارة إلى أن «غب ب ب!» يأكل الطعم... ويفر... وهذا شيء معروف. لكن أهل محلتنا رأس بيروت لا يقف في طريقهم شيء، كما يقول الحاج أبو محمد المبيض، وهو يعتبر أحد رواة المحلة «المكرنبين» القدامى. وحين «ضاق خلق» جماعتنا، وهكذا شمر المخترعون عندنا عن أيديهم وأرجلهم واخترعوا للأسماك البيضاء العصية: الشبك، وزوارق الجاروفة، بل وهناك رواية لأبي سليم بأن الديناميت نفسه قد اخترعه أهل محلتنا قبل أن يعرفه الكفار... المهم... ويؤكد هذه الرواية سنكري المحلة «هجوم» الأحول، صحيح أننا ندخل قصة في قصة ـ والآن القصاص نفسه م.ع. يتكلم ـ لكنني، يا سبحان اللَّه هكذا سمعت قصص أهل محلتي وهكذا أريد أن أرويها. أقول إن السنكري هجوم شخص أعمص عيناه دشش، وفي محلة رأس بيروت العلوى يقولون عيناه «شاش باش» ويمكنك القول إن جميع أهل رأس بيروت إما عميان إما عمصان وإما ميوبيون 10ـ9، ربما باستثناء خمسة أو ستة أشخاص من القادمين إلينا من «المدينة» كالورديانية والبواليص والكومسيارية والنشالين إلخ..
Page 7
لكن هؤلاء سرعان ما كان ينتهي بهم الأمر أخيراً إلى الانعماص أو الانعماء بعيداً عنكم. إما بسبب كثرة سيرهم بين التين السوادي ويهب عليهم الغبار، أو بسبب أكلهم التين مجاناً صيفاً، أو لأن روح المحلة، يا سبحان اللَّه، يكره نور الشمس والبصر ويعشق نور البصيرة واللَّه يهدي بنوره من يشاء. فكان أولاد الحكومة أولئك إذا أصيبوا بالعمى أو العمص يسرحون من وظائفهم فيشتغلون مشايخ تربة أو نشالين إن كانوا من بيروت الغربية أو قشاشي كراسي أو نشالين، إن كانوا من بيروت الشرقية ولم يتمكن أحدهم من أن يصبح أبا العلاء المعري الثاني لحكمة ربانية...

المهم يجب أن لا نضيع عن عمنا الصياد أبو عمر. كان جالساً ـ قلنا ـ على صخرة والبحر يهدر بهدوء أمامه. الموج رائق. والجو صاف. والنجوم تملأ السماء بعيونها المضيئة في كل مكان من ملكوت اللَّه السماوي، يا سبحان اللَّه. وكان أبو عمر ينتظر أول بزوغ الشمس. وعادة لا يخرج في الليل سوى الأسماك السوداء الكبيرة المفترسة كالحفش وغيره. أما السمك الأبيض، كالمنوري والسرغوس والغبش وغيرها، فهي لا تبدأ تلمع قرب سطح الموج الخفيف إلا قبيل شروق الشمس وربما استمرت في نزهاتها الماكرة الخبيثة حتى غروب الشمس.

نعم كان أبو عمر ينتظر شروق الشمس. لأن السرغوس والمنوري كان عادة يدخل عميقاً في ثقوب الباطوس (والباطوس عندنا هو حافة الساحل البحري المكون من صخور)، وهذه الثقوب السفلية هي عادة مأوى الزرنبايات (حيات الماء المالح الحمراء الطويلة) ويلجأ إلى تلك «البخاويش» السمك الأبيض ضيفاً موقتاً فحتى حيات الماء عندنا واسعة الصدر كريمة الضيافة...

أبو عمر ينتظر أول طلوع الشمس وخروج السرغوس ورفاقه وجماعته. وكيفما تكلمت فلن أروي قصة أبو عمر كما يرويها هو، فهو يحكيها «على حباتها».

ـ أي عمي أبو عمر. ماذا حدث معك بالضبط في تلك الليلة؟ احكي لي. لم أجئ لأصطاد بقدر ما جئت لأتسلى معك. رأيتك حين بدأت بروايتها تضحك، ثم يتغيّر لونك، تصفر، وتحمر إلخ. فما هي قصتك؟ قل لي الحقيقة.

نظر إليّ فترة ثم سألني بصوته الأجش العريض كهدير موجة:

ـ عندك للسر مطرح يا ابن خالتي؟

ـ بير غميق.

ـ يا ابن عمتي. كنت في ذلك الصباح الباكر جداً جالساً على هذه الصخرة ذاتها أصطاد السمك الأبيض: البوري، السرغوس، والمنوري، والقبس، والرفيدي، وأبو منقار، وغيره وغيره وكيف أستطيع أن أعدد لك مئة نوع ونوع من جميع أنواع السمك الأبيض التي خلقها اللَّه سبحانه وتعالى ثم استلمها الشيطان مدة ليدربها على الملعنة.. المهم أنني كنت جالساً أصطاد كعادتي يوماً بعد يوم حين يكون البحر صالحاً للصيد، فأختبئ كالعادة وراء جدار مغارة صغيرة أو صخرة أو منخفض أو أجمد في وقوفي. ولم يكن يتجاسر أي ولد أو كلب أو غيره يمر بقربي، كبيراً كان أو صغيراً، لأنني كنت أطفش الجميع. أريد أن آكل أنا وأولادي. ونقود السمك الأبيض مباركة. كنت «أهشل» الكبار والصغار، الذين يتخايلون لسمكاتي، بحيث يصبح المكان «ساحا ناحا» لي وحدي ولقصبتي وسلتي (الجربندية). وفي مهاجمتي للناس الفضوليين كنت أطاردهم بالدبش والحجارة سواء كانوا من المحلة أو من سواها لم يكن غريباً في تلك الأيام. كان «القبضاي» حقاً في تلك الأيام هو الذي يعيش بكرامته وسائر الناس أتباع له يخشون شره.

وكان أحدنا إذا سمع كلمة لا تعجبه ناوله خصمه لطمة تلقي به أرضاً أو بحراً. حتى إخواننا جماعة محلة الكلية (أهل الذمة).. كان أحدنا إذا رأى أحدهم في شارع مسلم يصرخ به «أيسر!» أي سر إلى اليسار. فسرعان ما يأخذ يساره تاركاً اليمين لأهل اليمين. وحتى إذا شافوا شيخ تربة أعمى لا يعجبهم صوته أو رفع سعر المقرية عند موت جد لهم أو عم، والشيخ الأعمى يسير شتاءً قرب قناة الماء يهدر فيها سيل أحمر عكر من مياه المطر الممزوجة بالرمل والسبب الأساسي كان حين لا يعجب صوت الأستاذ بعض أهل المحلة الذي أفسدهم صوت الشيخ محمد رفعت وعبد الفتاح الشعشاعي ملك المقرئين في تلك الأيام، يصيح به ولد بإيعاز من رجل:
Page 8
ـ يمينك يا الشيخ!

يا حرام هذا الشيخ. إنه يقع في القناة ويأخذ في السباحة. وأنت تعرف يا ابن خالتي. فمشايخ التربة بين القبور التي زرتها مئة ألف مرة لا تستطيع السباحة، فما بالك بـ «الحامولة» ذات المياه الجارفة الهدارة، اللهم عافينا، بعد هطل المطر الشديد طوال الليل في كوانين. يسقط الأستاذ المسكين في سيل الماء. لكنه كان يجد دائماً بعض أولاد الحلال الذين كانوا ينجحون في القبض عليه قبل البحر بقليل، بعد البحر بقليل، ويعودون به إلى بر اللَّه الواسع، أحياناً بجبة، وأحياناً بدون «لفة» ولا جبة، وربما عاد ناسياً نصف القرآن الكريم، وقصيدة «بردة البوصيري» وسائر «عدة الشغل» المشيخية.

أنت أعز من ابني وسأقول لك الحقيقة. الحقيقة أن أهل محلتنا لم يكونوا كلهم أوادم لكن الذين كانوا يعملونها يعتبرون أقلية: لا يبلغ عددهم نصف أهل المحلة تقريباً أو ثلاثة أرباعهم والباقون ملائكة أو كالملائكة تقى وورعاً ونظافة كف. خذ من عمك أبو عمر يا ابني.

والآن قف قليلاً. أريد أن «أفت» قليلاً من العجين والجيزان في البحر للسمك. فعمل النهار سيبدأ بعد قليل. لا تؤاخذني. تأخر قليلاً، اعمل معروفاً مع عمك أبو عمر.

والتفت الصياد المسن تحت عرقيته الصوف البنية ـ المسودة وقال مشيراً بيده إلى الشرق على بعد زهاء عشرين أو ثلاثين متراً:

ـ هل ترى هذه المغارة. الآن، بعد قليل أحكي لك قصتها. منذ زمن طويل وأنا أحب أن أحكيها لأحد الناس. وأنا أعرفك شخص خلوق لا يطلع منك سوى الشيء الطيب. واحدة بواحدة. أروي لك سري، لأنني سأنفق إن لم أحكِ لأحد، وأنت احفظه ولا تجعل «صوص ابن يوم» يعرفه. اتفقنا.

ـ اتفقنا يا بو عمر إن شاء اللَّه.

وبدأ شغل الصياد ودارت يده اليمنى: فت. فت. فت. بش. بش. بفم. بفم. بعأ. بعأ.

الكلام لراوي القصة: بدأ الصياد أبو عمر، وهو يعتمر قلنسوته السوداء البنية، عريض المنكبين، ذو شروال أسود ممزق مرقع من جميع جوانبه ربما ما عدا مكان «الفقيشة»، وقميصه رمادي عتيق مقلم بأسود، محني القامة قليلاً وهو في الخمسين أو الخامسة والخمسين من عمره، أما عيناه... احم.. فكانتا كجميع عيون أهل رأس بيروت... ولو لم يكن بحرياً لكان «أعمص برنجي» كجميع أهل رأس بيروت كما تقول زوجته بنت خالة أبي الحاجة أم عمر ست النساء في ساعات صفائها. وكانوا يسمونها كذلك لجمالها الفتان. ولكن ليس هذا هو الموضوع الآن. وأنا حين أقول إن جميع أهل رأس بيروت عمصان فإنني أكرمهم في الواقع. لم يكونوا يريدون أن يحاربوا إلى جانب تركيا فحلب أكثرهم حليب تين سوادي في عينيه لكي يضعف بصره فلا يؤخذون إلى الحرب وهكذا كان تقريباً، إلا في نهاية «الدق» حين انحشرت الدولة العلية. ولعل هناك سبباً ثانياً وثالثاً لعمصنة أهل رأس بيروت: غبار وبر الصبير حين تهب ريح السموم في الربيع، أو كثرة قراءتهم قصص المعراج والمولد النبوي الشريف وقصة الحمال والبنات في ضوء الكاز الخافت قصة ولا أجمل سمعتها مرة فأصبحت كحصان فرعون الذي أخذ بلعة. تصور كم هي جميلة عتال مثلي ومثلك من عامة خلق اللَّه.

ينام «عن جد» مع أغنى وأجمل بنات البلد.. أين صارت هذه قبل اليوم؟.. المهم... هل ترى هذه المغارة قربنا.

ـ أراها يا عم.

ـ وهل تعرف اسمها.

ـ أظن إنها مغارة «البقبيقة».

ـ يا عيب الشوم. دش نيح يا أستاذ. هذه مغارة البحصاص وهل تعرف ما معنى مغارة البحصاص.

قلت لأخفف تدخلي في حديث الصياد أبو عمر وأستمع إلى حديثه كما هو:

ـ أنت سيد هذا البحر يا عم أبو عمر. أخبرني كل شيء. فأنا في هذه المسائل «غشيم كار». تفضل وأتحفني.
Page 9
ـ طيب. عاخاطرك. قرب إلى هنا قليلاً لأحكي لك قصتي. هذه المغارة اسمها مغارة «البحصاص». ولماذا مغارة «البحصاص» لأن هذه المغارة كبيرة، يساوي حجمها اتساع ثلاث غرف أو أربع غرف واسعة. ويا سبحان اللَّه على مائها الصافي الأصفى من البلور! وانظر إلى سقفها فكأنه سقف كنيسـ... لجماله أنا لا أحب الكنا... شو بدنا بها القصة... كل مين على دينه اللَّه يعينه... واللَّه الكنائس جميلة يا ابن خالتي... دخلت مرة إلى كنيسة السيدة قرب الكلية... كنت أقصد الشماس جرجي لأسلمه رطل السمك لمعلمه الخوري، الأب نقولا... شفت قدامي واقفي في أعلى الحائط امرأة يا سبحان الخالق... لعلها كانت مريم العدرا... أو عروس من قريباتها... وأعجبتني تلك المرأة الجميلة حتى أخذت عقلي كله.. بحياتي لم يبرم رأسي كتلك الساعة. ولا أدري كيف سمعت نفسي أقول لها:

ـ يسلم لي هالوش الحلو. يسلم لي هاالكسم اللي متل كسم الملكة فايزة...

وعلى الفور سمعت ورائي صرخة هائلة: وله! يا زنديق!

ـ دخلت ورأيت الست الجميلة تجاهي واقفة فوق حائط الكنيسة في الصدر. كانت تحني رأسها قليلاً وهي تضم ـ هنيئاً له ـ ولداً حقيراً بين يديها. كانت في أعلى الحائط. يا سبحان الخلاّق. لم أتمالك نفسي فهتفت قائلاً لها:

ـ يسلم لي هالـ... حسن تبعك... يسلم هـ... الـ..

وفوجئت بصفعة كف قوية جداً تنهال على رقبتي من خلف رطلاً بل مئة رطل. «ولك! زعبرجي!» استدرت متأهباً لرد الضربة خمس ضربات فرأيت خوري الرعية محمر العينين من الغضب تتراقص لحيته كجناح طائر عالق بالدبق.

قال لي الخوري ـ لماذا ترتكب فعل الرزالة مع العدرا؟.

ـ أي فعل رزالة... هذه سيدة جميلة وأنا ألقي عليها السلام.

ـ صرخ الخوري نقولا: سلام بعينك..

ثم مالت لهجته إلى المسالمة حين عرفني:

ـ قل لها يا سيدة يا أم اللَّه اشفيني من أوجاعي وارزقيني واهديني إلى طريق السماء..

قلت لأبونا ـ من أي شيء سوف تشفيني أم اللَّه أستغفر اللَّه العظيم. صحتي متل الحديد ولبطتي بتهد الحائط.. المهم.. خرجت من الكنيسة صاغاً سليماً والحمد للَّه.

كانت لدي رغبة شديدة في أن أمد يدي للمحترم لكنني قلت في نفسي: يا صبي إذا فعلتها سيأتيك على الفور جميع رعايا الخوري نقولا: من بيت ربيز والبخعازي والغرزوزي، والمجدلاني وعبده وبيت إلى آخره... فتذهب خـ... سمك.. فدعها كما هي.

الآن نعود إلى المغارة. هذه مغارة «البحصاص». أتراها. لماذا سموها مغارة البحصاص. إنها كبيرة واسعة الجوف كما قلت لك... وكل أرضها بحص... وحين يتدفق إليها الموج مهما كان خفيفاً أصدر صوتاً عجيباً: «كرر.. ر.. ر.. ر.. ر... كرررررررر! بق بق كر.» هذا كل البحص تبعها يعمل هكذا «كررررر.... كررر كررر. بق بق شطرم». هكذا تقريباً، أنا يا ابن خالتي مش مغارة تا أعمل متل صوتها بالضبط. ومن جهتي هذه المغارة كأنها بيتي. إنها مثل أختي وأفهم عليها وتفهم علي. هذه المغارة ملكي أنا وحدي. الآن هي مملكتي أصطاد فيها أيام النوء، وأستحم فيها كل يوم مساء. وعند صيدي للسمك الأحمر ألتقط السلاطعين منها، وفوق في آخرها أقبض على السلاطعين الرملية وهي الأكلة المفضلة لسمك الزليق والحفش والاشترب والعرّيس الكبير (البخفرايات).. هنا عشت وهنا سأموت...

ـ بعد عمر طويل إن شاء اللَّه.

ـ يرحم أمواتك يا ابن خالتي.

قال الصياد أبو عمر: ولكن في ليلة من الليالي رحت «أفت» العجين الممزوج بجيزان القز لكي يتجمع سمك المنوري الأبيض، لأصطاده. حددت لك نوع «المنوري» حتى لا تضيع عن الموضوع فأنت شخص متعلم يعني ـ ولا مؤاخذة ـ لا تعرف شيئاً في مسائل السمك والبحر... إنك تعرف: «عرج... درج... أكل.. شرب» فكيف «عرج» يا أستاذ وكيف «درج» بعد ذلك يا ابن خالتي. أما هكذا وأما هكذا. يعرج أو يدرج. يأكل أم يشرب. العجيب كيف أن أكثر أساتذة محلتنا عقولهم أقل من بقية مجانين المحلة...
Page 10
ـ شكراً يا عم أبو عمر. حديثك جوهر..

ـ العفو. الحق يعلى ولا يعلو عليك.

ـ صح. أكمل حديث المغارة.

ـ جاييك الحكي بس بدي أطرح هاالخيط هلق على نيّة اللَّه ورسوله.

قال العم أبو عمر:

وبدأت أنا أصطاد. علقت في صنارتي السمكة الأولى. السمكة الثانية. دكيتها في السلة. وبعد ذلك كأن أهل البحر الملاعين ارتحلوا إلى قبرص أو إلى اليابان... لا «حس ولا حسيس»... وقف شغلي... وانتظرت انتظرت انتظرت.. ولكن بعد قليل وفقت بسرغوس «عه!» وزنه أكثر من أوقية وكانت الأوقية في تلك الأيام بربع ليرة...يعني ما يعادل اليوم ليرتين أو أكثر... نعمة كريم.. سلة سمك ملأى كانت كالخزنة الملأى بليرات الذهب. صدقني... يكفي أن تعلم أنني حين كنت أرضى على ولدي أعطيه «قرشاً مبخوشاً» لا نصف قرش... نحن أهل رأس بيروت لسنا بخلاء بل نحن حريصون كما تعلم.. نحن أهل رأس بيروت عندنا كرم لكننا لا نستعمله إلا عند اللزوم... وكل الحكي الآخر أكل هوا...

كنت إذن أصطاد.. والحقيقة تعجبت كيف كان السمك الأبيض يأكل ليلاً والدنيا صبح أو بعد صلاة الصبح بقليل... ثم اكتشفت السبب، مبهور العينين مبتهج القلب كالصبيان في العيد... القمر كان مطلاً من أعلى الغرب على بحر اللَّه الواسع وصخوره ومغارة البحصاص. وهكذا ولا شك أفاق السرغوس والمنوري من النوم ليسبِّح اللَّه عزَّ وجلَّ.. كان في السماء نصف قمر... المتعلمون يسمونه «هلالاً» لا «بدراً» وعلى ذكر «الهلال» حضرتني حادثة أريد أن أرويها لك لنغير الحديث قليلاً... يقولون «هلال» كما يقولون «هل هلالك يا رمضان» إلى آخره... إلى آخره. ومرة كان قوال متوالي يزور مع فرقته بلدة «جونيه». وكان القوال المتوالي صائماً. فيدعى، لا إلى تزكة عرق، بل إلى عشاء أو «عصرونية»، والحقيقة أن تزكة العرق حضرت مع الطعام والدنيا ما تزال في وقت «العصر»، الدنيا قبل المغرب بساعة وأكثر والشيعة أصحاب دين. وجاؤوا، الرجل وفرقته بالعصرونية، وهذه الحادثة معروفة لكنني أريد أن أعيد روايتها لأذكِّر الاختيارية بها. الحاصل له: إن سيدة رائعة الحسن يا سبحان الذي خلقها تأتي صاحبنا القوال بكاس عرق.. الرجل صائم... لكن تلك الست بتاخذ العقل بجمالها.. طويلة ومش عريضة... ممشوقة... مكورة ومدورة كما يلزم من المحلات اللازمة... والحقيقة أن جمالها يغوي شيخاً عالماً.. بل يفتن حسنها ولياً من أولياء اللَّه إن لم نقل أكثر... أستغفر اللَّه العظيم... لكن القوال المتوالي صائم... تأتي بالكأس وتقول:

ـ يا أستاذ تفضل..

يحاول الرجل أن يمد يده... الرجل صائم... ويمد يده مرتجفاً... ويستعيدها.

ـ تفضل يا أستاذ. سوف تصوم هذا النهار فيما بعد.

وينظر الشاعر إلى تلك السيدة. ويرى عينيها الواسعتين. وهو كان لا بأس به. ففي قريتهم يوجد عنب وخوخ ولا يوجد تين لا سوادي ولا بياضي. يعني كانت عيناه جميلتين.، وتقدح شرارة العشق بين القلبين وكبر على الصلاة والصيام....

جاءت وقالت:

تفضل يا أستاذي.