eKtab
EN ع
موجز تاريخ العراق
Read free sample

موجز تاريخ العراق

by د. كمال ديب

Page 1
مقدمة المؤلف

في العام 2003 غزت الولايات المتحدة أرض الرافدين، فكتبت مقالات نشرتها الصحف اللبنانية شكلت بذرة كتابي الصادر عن دار الفارابي بعنوان «زلزال في أرض الشقاق: العراق 1915 – 2015». ومضت تسع سنوات عجاف من الاحتلال الأميركي للعراق تخللتها مراحل مُشرقة من المقاومة العسكرية والثقافية والاقتصادية أبداها الشعب العراقي بكل أطيافه ضد الاحتلال إلى أن اكتمل الانسحاب الأميركي في كانون الأول/ديسمبر 2011. لقد كنتُ آنئذٍ في بيروت فشاهدت عبر التلفزيون احتفالاً رسمياً عراقياً يتقدّمه رئيس الوزراء نوري المالكي بمناسبة نهاية الاحتلال، والتقيت بالأستاذ جوزيف بو عقل، مدير دار الفارابي، لمراجعة حقوقي كمؤلف، فتطوّر حديثنا إلى إصدار طبعة جديدة من كتاب «زلزال في أرض الشقاق» مع إضافة المرحلة التي توقّف عندها، أي منذ 2003 وصولاً إلى الانسحاب عام 2011. وفي منزلي في كندا راجعت النص فارتأيت اختصار بعض فصوله واعادة تبويبها واضافة فصول جديدة ليصبح موجز تاريخ العراق: من ثورة العشرين إلى الغزو الأميركي، والمقاومة والتحرير وولادة الجمهورية الثانية.

إنَّ مرور تسع سنوات على الطبعة الأولى أتاح لي إعادة النظر في الفصول الأخيرة التي استعنت في كتابتها آنذاك بالمصادر المتوافرة لي ومعظمها إعلامي لم يمضِ عليه الزمن. فقد تلوّن جو 2003 بحملات إعلامية أميركية وغربية جبارة، موصوفة بلاموضوعيتها وانحيازها الفادح للإدارة الأميركية، وكانت وسائل الإعلام العربية من صحف وفضائيات، للأسف، امتداداً لهذا الإعلام المعادي الذي صوّر غزو العراق كأنّه صراع بين شخص واحد هو صدام حسين والإرادة الدولية. ولذلك رأيت أن أُبعد نص الطبعة الثانية عن شخصنة تاريخ العراق وهو داء يصيب الكتب التاريخية أحياناً.

لقد تنازل الإعلام منذ 25 عاماً عن التزامه المهني بتقديم المعلومات ونصرة الحق والحقيقة، فغاب عن تغطية الأحداث إلا إذا رغبت واشنطن في إسقاط دولة ما في العالم لا تسير وفق مصالحها، فتشخصن حربها ضدّها، يساعدها في ذلك جيش إعلامي ضخم من صحافة وتلفزة، فتتمّ تعبئة رأي عام منشغل أساساً ببرامج الرياضة والترفيه وألعاب الحظ والمسلسلات الاجتماعية؛ إذ بعد جرعات كثيفة على مدى الساعة ضد زعيم بلدٍ معيّن، ما أن تسأل هذا «الرأي العام» رأيه عبر استطلاع حتى يكون جاهزاً لدعم العمل العسكري بنسب عالية.

هذا الكتاب قد لا يكون نصاً محورياً عن تاريخ العراق خلال مائة عام، فثمّة كتب عظيمة صدرت عن تاريخ بلاد الرافدين في القرن العشرين لعل أبرزها كتاب البروفسور الفلسطيني حنّا بطاطو(1)، حتى إنّ كبار المؤرخين يتساءلون ماذا عساهم أن يكتبوا عن تاريخ العراق بعد بطاطو الذي شكل كتابه تحدّياً لا يُقهر لأي باحث جديد يحاول العمل على العراق. ولكن روجر أوين الاستاذ في جامعة هارفرد الأميركية حلّ المعضلة بقوله: «كتاب بطاطو إما يسحرنا فنقف عنده أو نحاول أن نعتبره قاعدة ننطلق منها لنطرح أسئلة جديدة»(2). ولقد عملت بنصيحة أوين، وانطلقت من عمل بطاطو وغيره من الأعمال المميّزة عن تاريخ العراق، وطرحت سؤالاً محدّداً جعلته أطروحة كتابي هذا: ما الذي جلب على الشعب العراقي الويل منذ 1980 حتى اليوم، وما هي شروط عودته في جمهورية ثانية ديمقراطية تعدّدية؟

السؤال وضع أمامي مهمة شرح وتحليل عوامل انهيار العراق وشروط نهضته الجديدة بعد زوال الاحتلال الأميركي، فاستجمعت مراجعي وأفكاري ووضعت مشروع الكتابة: يجب ربط الاحداث التاريخية والاجتماعية في العراق بسياق يتكامل مع الاقتصاد. ولذلك بدلاً من استعادة عمل بطاطو في تحليل الطبقات الاجتماعية ودور الأرياف، فإنّي أقدّم هنا نظرة اقتصادية/اجتماعية منحازة إلى الجانب الانساني من معاناة الشعب العراقي تغطي نقصاً هاماً في الأعمال المتوافرة عن العراق. هكذا رأيت ودرست ما حدث، وهكذا سكبتُ القصة على الورق: نهب الأمم وضرب مصالح الدول النامية بمشاركة مصاصي الدماء المحليين والإضاءة على الويلات التي حلّت بشعب العراق.

لقد سعيت في الكتاب إلى المعلومة الصحيحة أكانت رقماً أم اسماً، تاريخاً أم حدثاً، وكان دوري، بعد ذلك، التحليل والربط والاستنتاج عبر منهج موضوعي، ولذلك أتوقّع التفهم ممن يخالفني الرؤية، وأكون ممتناً لمن يصحح معلومة؛ ولئن توقّف كتاب بطاطو وغيره من الأعمال الهامة عن العراق عند السبعينيات، فإنني اخترت أن اختصر فترة ما قبل 1970 بفصلين اثنين، وأن تكون تتمّة الكتاب عن المراحل التالية، وخصوصاً بعد 1980، وهذا ما استغرق ثلثي عدد الصفحات.

يقع الكتاب في أربعة أجزاء من خمسة عشرة فصلاً، وفي كل فصل عرض وتحليل للأحداث السياسية والاجتماعية، تتخللها دوماً الأبعاد الكردية والشيعية المهمة لفهم أزمة العراق، وعرض الوضع الاقتصادي وتحليله. فالجزء الأوّل يختصر في فصلين مراحل صعود العراق من العهد الملَكي وثورة 1958 وحتى 1968 وفي الجزء الثاني دولة البعث في أربعة فصول تغطي مراحل صعود الدولة العراقية على الصعيدين الداخلي والاقتصادي كقوة مهمة في الشرق الأوسط، مروراً بالحرب العراقية-الايرانية ودور العراق في الحرب اللبنانية. ويغطي الجزء الثالث الحروب الأميركية على العراق بدءاً بحرب الخليج وحرب الاستنزاف وحرب الحصار وصولاً إلى الغزو وسقوط بغداد عام 2003. أما الجزء الرابع والأخير فهو يبحث في كيفية نهوض الجمهورية الثانية في العراق ومراحل المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي والتحرير في نهاية 2011، وذلك ضمن نظرة متفائلة بعودة العراق إلى مكانته الطبيعية.

وأخيراً تجدر الملاحظة إلى أنّ هذا الكتاب يختلف كثيراً عن «زلزال في أرض الشقاق». فهناك إضافات على ضوء الأبحاث التي صدرت في السنوات الماضية، وهناك ثلاثة فصول جديدة، ولكني حذفت ملاحق الجداول الاحصائية وقرارات مجلس الأمن الدولي عن العراق، والصور في مطلع الفصول، حتى تصدر هذه الطبعة بعدد صفحات مقبول. ولذلك أتمنى على القارىء أن يحتفظ بنسخته من كتاب «زلزال» الذي يحتوي تلك الملاحق، فهو يقرأ الآن كتاباً جديداً ومختلفاً نسبيّاً.
Page 2
شكر

أتوجه بالشكر إلى كل من أسهم في وصول هذا الكتاب إلى القارىء، خصوصاً الصديق جورج قرم، الذي راجع الطبعة السابقة وكتب مقدمتها عام 2003 وقدّم اقتراحات بنّاءة حول محتواه. لقد حافظ الدكتور قرم طوال مسيرته الثقافية والعملية على إخلاصه لبلده لبنان وللقضايا العربية فكانت كتاباته شهادة موثوقة وموثّقة تخاطب العقل، كما أتوجه بالشكر إلى الأستاذ جوزف بو عقل رئيس مجلس إدارة دار الفارابي وأسرة الدار، وإلى صحيفة «النهار» اللبنانية التي نشرت ما كتبتُ عن العراق وخصوصاً الاستاذين جهاد الزين وادمون صعب، وكذلك إلى الاستاذ حازم صاغية الذي نشر مقالاتي في صحيفة «الحياة»، وإلى أصدقاء في كندا على آرائهم القيّمة حول شؤون العراق، وأخص الشاعر السوداني كمال طيب الأسماء، والدكتور ميشال الفرزلي ومناقشاته المفيدة دوماً والذي راجع بعض الفصول.

كما أشكر الدكتور مايكل انترليغيتور، بروفسور الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلس الذي سعى لتأمين التواصل مع مركز أبحاث «باحثون اقتصاديون من أجل السلام والأمن» في نيويورك ورئيسه الدكتور جيمي غالبرايث والدكتورة ثيا هارفي، حيث ناقشنا معاً تكاليف الحرب الأميركية على العراق نظراً لأنّ هؤلاء الاقتصاديين كانوا من أشد المناهضين للاحتلال الأميركي لبلاد الرافدين.

إنّ مناسبة النقاش هو اهتمام الدكتور انترليغاتور ببحثي عن أكلاف الحرب اللبنانية(3)، وإنْ كان بالإمكان تطوير هذا البحث ليشمل الأوجه كافة وفق منهاج عمل البروفسور جوزيف ستغلتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والدكتورة ليندا بيلمز(4). ولذلك وجب شكرهما أيضاً على عملهما الرائد الذي فضح بما لا يدع مجالاً للشك أنّ كلفة الحرب الأميركية على العراق حتى 2008 بلغت أكثر من 3000 مليار دولار وليس فقط كما ادّعت إدارة بوش الابن عام 2003 أنّها لن تتعدّى 50 ملياراً. وكذلك وجب شكر الدكتور بيتر غالبرايث، شقيق جيمي، الذي كتب مقالات وكتاباً عن مأساة العراق يتهم فيه الإدارة الأميركية أنّ حماقتها أوصلت أميركا إلى حرب بلا نهاية(5).

كمال ديب

كندا
Page 3
شهادات في الطبعة الأولى

كتاب كمال ديب هو عمل ذو طابع موسوعي يعطي القارئ المعلومات الأساسية عن تاريخ العراق الحديث والمأساة المتواصلة التي ألمّت بشعبه منذ عام 1980. فالحقيقة أنّ المؤلف كالرسام الماهر، استطاع نقل صورة متكاملة للمشهد العراقي منذ بداية العهد الملكي، بكل تفاصيله، وبدقة متناهية.

ولاعجب في ذلك، فالذي يعرف كمال ديب عبر مؤلفاته السابقة ومقالاته المتعددة حول القضايا الاقتصادية والمالية والاجتماعية اللبنانية الشائكة والمعقّدة، يعلم مدى دقته في وصف المواضيع التي يتناولها، وحرصه على عدم إطلاق الأحكام المسبقة وإنصافه للوقائع والحقائق، إضافة الى مواظبته على الإلمام بكل التفاصيل وكل وجهات النظر وأخذها بعين الاعتبار .

انما ما يلفت القارئ في هذا العمل الجديد هو الجهد الاستثنائي الذي بذله الكاتب ليس في جمع المعلومات والوثائق فقط، بل في استيعابها وترتيبها وإخراجها بالشكل المناسب حتى يتسنى للقارىء العربي تكوين رأي مستقل عن المأساة العراقية بعيداً عن المهاترات الإعلامية التي رافقت كل مراحل صعود النظام العراقي وسقوطه في الثلاثين سنة الماضية. فالمشاهد العربي قد أصبح ضائعاً في نظرته الى معاناة الشعب العراقي المزمنة بسبب كثافة المادة الإعلامية السطحية التي بررت أو أدانت الحرب، والحظر الاقتصادي المفجع الذي أفقر الشعب العراقي وجعل منه هدفاً للأطماع الامبريالية الجديدة ونزاعات القوى الاقليمية المختلفة، من عربية وغير عربية.

وقد كان لا بد من ريشة كمال ديب الرشيقة للقيام بوضع هذه اللوحة الدقيقة والشاملة لتطورات المشهد العراقي بكل تعقيداته، ولاستيضاح الرؤية بالنسبة الى المستقبل وقضاياه الرئيسة، الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك النفطيّة.

واجه العراق أربعة تحديات رئيسة هي: مكافحة الفقر وبناء أسس لتنمية مستدامة، والانتقال من اقتصاد موجه إلى اقتصاد السوق، وخطط الاعمار ووسائل تمويلها، وإعادة تأهيل النظام المالي والنقدي لتجاوز فخ الديون، هذه التحديات التي احتاجت إلى رؤية جامعة توضح مدى الارتباط العضوي في ما بينها، وتأخذ في الحسبان تأثيراتها المختلفة على مستقبل العراق. وبالعكس، فإنّ تجزئة المقاربات ستضر باحتمالات النجاح في إعادة بناء البلاد والتأسيس الفعّال لوسائل وأنظمة مؤسساتية تؤمّن رفاهية المواطن العراقي.

فهل ستتغلب الحكمة العراقية والعربية على الاطماع الاقليمية والدولية التي لا تزال تعصف بمنطقتنا منذ غزو نابليون لمصر عام 1798؟ هل سيتعاضد العرب والعراقيون من كل الاهواء للتخلص من تلك الاطماع وبناء نظام عربي اقليمي قوي من شأنه وحده أن يقضي على التوسع الاستعماري في قلب امتنا العربية؟ هذا هو السؤال الكبير الوحيد الذي يطرحه الوضع العراقي، كما الوضع الفلسطيني وربما غداً الوضعان السوري واللبناني.

ومن هذا المنظور، فان كتاب كمال ديب هو خير مدخل للتأمل في مأساة القطر العراقي الشقيق للانتقال نحو بناء مستقبل أفضل.

معالي الدكتور جورج قرم

أول ما يلفت النظر في قراءة كتاب «زلزال في أرض الشقاق: العراق 1915 - 2015» لكمال ديب هو البعد الفلسفي السياسي للكتاب. ولعل الفيلسوف الايطالي نيكولو ماكيافيلي صاحب كتاب «الأمير» سيسعد لو قرأ كتاب ديب إذ سيجد فيه كنزاً من الدروس عن أسباب قيام الدولة وفشلها. وهذا همّ حمله ماكيافيللي في كتاباته الأكثر جدية إلى جانب كتاب الأمير الذي اشتهر به عبر القرون. ولعل عنواناً فرعياً يخطر في البال لكتاب ديب هو «لماذا تفشل الدولة العربية؟»، أي تلك الدولة (أو بالأحرى مجموعة الدول) التي ظهرت بعد سقوط الامبراطورية العثمانية في القرن العشرين، وفشلت أو هي في طريقها إلى الفشل والقرن العشرون لمّا ينقضِ.

دأبت الادارة الأميركية ومؤسسات البحث في واشنطن في الحديث عن «فشل الدولة»، والمقصود الكيان السياسي الذي طبع الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة منذ 1945 من دولة ذات مؤسسات عسكرية وسياسية وحزبية ومقوّمات مادية اقتصادية تسمح باستمرارها وديمومتها. ومن الأمثلة على الدول التي فشلت في المنظور الأميركي نرى أفغانستان منذ العام 1978 وحتى الاحتلال الأميركي عام 2001، والصومال منذ 1980، والعراق منذ حرب الكويت وبدء الحصار وصولاً إلى الاحتلال الأميركي أيضاً، ولبنان في الفترة الممتدة من 1975 حتى 1990 ويوغسلافيا في التسعينيات .

إنّ مسألة قيام الدول وهبوطها شغلت المفكرين الأنغلوسكسون على وجه الخصوص، فعنونوا مؤلفاتهم بكلمات توحي بالصعود والهبوط، مثال العمل الضخم للمؤرخ إدوارد غيبون» (تدهور الامبراطورية الرومانية وسقوطها) وادوارد شراير (قيام الامبراطورية النازية وهبوطها).

وفي كتاب كمال ديب الذي ضم بين دفتيه قصة العراق كاملة في مائة عام من نواحيها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، صورة مثيرة عن المعالجة الفلسفية لقيام الأمم وسقوطها، العراق نموذجاً. وهذه الصورة نلحظها في أجزاء الكتاب الستة التي تضيف بعداً عضوياً للبحث والتحليل؛ ومن عناوين هذه الأجزاء «الصعود»، «الهبوط»، «الانهيار»، «الزلزال»، و«المستقبل». ويختم ديب كتابه بنظرة متفائلة، إذ إنّه يتكلم عن مستقبل مشرق لعراق لا يموت، في حين كان الانكليز يتكلمون عن امبراطوريات انقرضت لا أمل في بنائها أو لا يؤمل في قيامتها.

كان ديب استثنائياً في كتابه، فهو إضافة إلى بعده الجغرافي مكاناً وارتباطاً عن ساحة العراق، كتب بتجرد وموضوعية عكسهما كونه مؤلفاً كندياً من أصل لبناني مهتماً بقضايا الشرق الأوسط. ومن المنطلق المنهجي الأكاديمي المتبع في كندا، وضع ديب ملخصاً لأطروحته في التوطئة.

ولعل معالجة موضوع فشل الدولة العربية الذي نجح فيه ديب يتجلى في بعض الاختيارات لبدايات الأجزاء والفصول.
Page 4
أما في الفصل التاسع عشر وعنوانه «مستقبل المجتمع العراقي» فنرى ديب قد اختار نصّاً من حوار مع الشاعر أدونيس أجراه الكاتب صقر أبو فخر، يسير في النطاق نفسه حول أسباب فشل الدولة العربية. في كتاب ديب تفاصيل تقشعر لها الأبدان عمل ديب على بحثها وتدوينها في كتاب شارف على العمل الموسوعي حسب وصف جورج قرم الذي وضع مقدّمة الكتاب، خصوصاً في فصول يتضح محتواها من عنوانها : «دور مصاص الدماء في تدهور العراق» و«حرب الحصار والتجويع». ولا مكان للكلام العابر أو الانشاء في كتاب ديب، فكل صفحة تكاد تقفز على القارىء لما تختزنه من معلومات وتحليلات وصدمات وتفاصيل أحداث ربطها جيّداً وحللها الكاتب. فالكتاب موثّق جيداً من حيث حواشي الفصول والمراجع التي بذل ديب في تنقيبها جهداً كبيراً عملاً بمبدأ أنّه لم يترك كتاباً مهماً أو نصف مهم عن العراق إلا سعى إليه وراجعه واستخلص استنتاجاته. وفي نهاية الكتاب عشرون صفحة من المراجع باللغات العربية والانكليزية والفرنسية.

إنّه كتاب في الاقتصاد والمجتمع في قالب تاريخي متكامل، تجدر قراءته من زاوية نظرية الدولة في الفلسفة؛ مثير في تقديمه أمثلة تطبيقية هامة حول فشل الدولة العربية في زمن العولمة.

«النهار»، 12 كانون الأول/ديسمبر 2003

الصعود والهبوط والانهيار والزلزال والمستقبل، بهذه العناوين يختزل المؤلف كمال ديب تاريخ العراق، ويقدم هذا الكتاب المعلومات والمعطيات الأساسية التي تحيط بقضية العراق منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى الحرب الأميركية- البريطانية على العراق عام 2003، ويتضمن ملاحق وجداول إحصائية ووثائق مجلس الأمن الدولي عن العراق، ومؤلفه أستاذ كندي من أصل لبناني متخصص في العلوم الاقتصادية. بدأت الحرب على العراق عام 1991، ولم يكن الغزو عام 2003 إلا استكمالاً لهذه الحرب، ولا علاقة له بالحرب على الإرهاب، وقد شنّت الولايات المتحدة أربع حروب متتالية على العراق منذ العام 1991، وهي حرب الخليج وتدمير البنية التحتية المدنية العراقية، وحرب الاستنزاف الطويلة والعملية الاستخبارية المتواصلة بالتعاون مع لجان التفتيش، وحرب العقوبات الجماعية الخطيرة، وأخيراً غزو العراق في 20 آذار/مارس 2003.

ويستعيد المؤلف دور أميركا وبريطانيا في تاريخ العراق الحديث من نهاية الحرب العالمية الأولى، ومن ملامح هذا الدور: الاحتلال البريطاني للعراق بعد الحرب العالمية الأولى، وسيطرة الإنجليز على النفط العراقي لمدة عقود من الزمن، ودعم الولايات المتحدة لسلسلة الانقلابات العسكرية الدكتاتورية التي بطشت بالناس وبالكوادر العلمية المثقفة، ودعم العراق في حربها على إيران، وأخيراً الحرب المباشرة على العراق منذ العام 1990.

بدأ التاريخ الحديث للعراق بخضوعه للانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، وقد واجهت بريطانيا ثورة كبرى أجبرتها على القبول بمملكة عراقية عربية مستقلة، رتبت معها لوجود استغلال بريطاني للنفط العراقي. وقد أسهم النفط العراقي في تطوير الاقتصاد والتعليم والبنى والمرافق التحتية المدنية، وأثناء هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية في العراق تحول هيكل الناتج القائم من الزراعة والحرف إلى النفط، وانتقل الثقل الاقتصادي إلى بغداد العاصمة، واضمحل نفوذ زعماء المحافظات لصالح فئة مدينية ومتعلمة، وتريفت المدن العراقية خصوصاً بغداد والموصل والبصرة بسبب الهجرة الكثيفة من الريف إليها.

ويعتبر المؤلف أن الفترة الملكية هي الأفضل في تاريخ العراق الحديث سياسياً واجتماعياً، فقد تمتع خلالها بقدر من الحرية والديمقراطية، وكانت تصدر عشرات الصحف قبل أن تمتد يد السلطات الانقلابية إلى كل شيء فتعيد صياغته وتنظيمه وفق أسس جديدة قائمة على التسلط والاحتكار والعبث والظلم. كانت سنوات السبعينيات ذهبية في حياة العراقيين فارتفع مستوى المعيشة وتطور الأداء الحكومي واختفى الفقر المدقع ووصلت الخدمات إلى جميع المناطق العراقية. وعلى الرغم من القسوة التي تميز بها حكم البعث للعراق، وكذلك الظلم، فقد حقق تأميم النفط العراقي عام 1972، وبرنامج إصلاح زراعي وتعليمي، ولكنه صنع شرخاً في الدولة والمجتمع في العراق، وصنع عداوة عميقة مع إيران وسوريا ودول الخليج.

ثم بدأ الهبوط العراقي بالحرب العراقية الإيرانية، فقد استنزفت سنوات الحرب الثماني موارد البلد، وأدت إلى مقتل مئات الآلاف من خيرة أبنائه وشبابه، وحدث شرخ عميق مع الشيعة والأكراد، وانخفض إنتاج النفط، وتدنّى سعره أيضاً.

وربما كان القرار الأسوأ من الحرب على إيران هو غزو الكويت الذي جر تداعيات على العراق والمنطقة والعالم لم تتوقف بعد، فقد كان الاحتلال لحظة تاريخية للولايات المتحدة تنتظرها بلهفة، بل إنها استدرجت النظام السياسي العراقي والمنطقة إلى تلك اللحظة التي تتيح لها السيطرة العسكرية على منطقة الخليج العربي، والتحكم بالنفط، ومن ثم الهيمنة على العالم.

كانت الغارات الأميركية صباح يوم 17 كانون الثاني/يناير 1991 تستهدف كل المنجزات العراقية بحيث يبدو للوهلة الأولى أنها لا علاقة لها بالحرب؛ القصور الجمهورية والوزارات والمؤسسات العامة والجسور ومحطات الطاقة والمطارات ومصافي البترول والمصانع ومحطات التكرير الصحية ومصانع الأغذية وخطوط السكة الحديدية ومصانع النسيج ومحطات الري والمدارس والمستشفيات إضافة إلى معمل لحليب الأطفال.

وتعرض العراق لقصف لم يستخدم في كمه ونوعه حتى في الحرب العالمية الثانية، فقد نفذت القوات الأميركية 110 آلاف طلعة جوية وأنزلت 85 ألف طن من المتفجرات، وانسحب العراق من الكويت، ولكن تواصلت حرب الاستنزاف والحصار عليه دون رحمة حتى جرى احتلاله عام 2003. ساد في العراق في الربع الأخير من القرن العشرين نظام سياسي قائم على التسلط والقهر والإعدامات والتصفيات والاعتقالات الجماعية من دون محاكمة، ثم تسلم أقارب الرئيس وأعوانه مقدرات البلاد ومواردها، وتحولت أسرة صدام إلى عائلة حاكمة تقود الأمن والجيش والاستخبارات والوزارات والمؤسسات وتتصرف بموارد البلد على نحو شخصي مبالغ في الترف.

وبدأت العائلة الحاكمة تتفكك، فنحي البكر وأبعد أبناؤه، وقتل عدنان خير الله شقيق زوجة صدام وابن خاله في حادث طائرة، وأبعدت عائلة خير الله عن دائرة النفوذ والتأثير، وتقدم عدي وقصي ابنا الرئيس وأخذا يزيحان، بالتعاون مع أبيهما، رجال الدولة المقربين من أبناء عمومة الرئيس، أبناء المجيد وأصهار الرئيس، وأعمامهما من إخوان صدام وأشقائه.

وقمعت انتقاضة الشيعة على النظام في أعقاب حرب الخليج الثانية بقسوة هائلة، فقد قتل وأعدم واعتقل عشرات الآلاف. وكان المنتفضون الشيعة والأكراد لا يقلون قسوة عن النظام، فقد قتلوا عدداً كبيراً من الضباط والمسؤولين العراقيين وأبناء السُنَّة دون حاجة إلى ذلك، وقد أثاروا السنَّة عليهم ودفعوهم لتأييد النظام السياسي العراقي بدلاً من إطلاق عمل سياسي وشعبي معارض يشمل العراقيين كافة .

كانت عمليات الحصار الأميركية على العراق قتلاً بطيئاً لكل العراقيين، وتشبه إسقاط طائرة على متنها 300 راكب لإنقاذها من خاطف واحد. فتوفي مئات الآلاف من الأطفال بسبب الجوع والمرض، وتدنت مستويات المعيشة لدى الملايين، واتسعت مساحة الفقر حتى شملت عائلات كانت ميسورة.

لقد قضى الحصار على الطبقة الوسطى العراقية، ودفع الشعب العراقي للعيش في خوف ومرض وجهل لسنوات طويلة، وزاد في الوقت نفسه ثراء الطبقة الحاكمة والمتنفذة، فقد انخفض الدخل الفردي في العراق من 4000 دولار عام 1980 إلى أقل من 300 دولار عام 1999، وهاجر عشرات الآلاف من أصحاب الكفاءات العلمية والمهنية العالية.

شنت الولايات المتحدة في مساء 19 آذار /مارس 2003 هجوماً على العراق، وأسقطت في الساعات الثلاث الأولى لحربها 3000 قنبلة وصاروخ معلنة حرباً لاحتلال العراق استغرقت 20 يوماً وانتهت بسقوط بغداد في 9 نيسان/أبريل.

ودخلت الولايات المتحدة فوراً في ترتيب الغنائم وإحصائها والسيطرة عليها، وأهمها بالطبع هو النفط، ثم السيطرة الإستراتيجية على المنطقة وتهديد جميع الأنظمة السياسية والدول، وربما يكون التحول في السلوك والموقف الليبي، والإعلان عن مشروعات لتغيير مناهج التعليم في الدول العربية من تجليات ونتائج الحالة الجديدة الناشئة بعد احتلال العراق.

لقد أعلنت الولايات المتحدة عن استثمار خمسة مليارات دولار لإعادة تأهيل قطاع النفط العراقي، تسترجع من عائدات النفط، في حين أعلن أن بإمكان أصحاب الكفاءة داخل العراق تنفيذ هذا التأهيل بنصف هذه الكلفة، وأعيد إنتاج النفط العراقي بواقع 2.5 مليون برميل يومياً في نهاية العام 2003، وسيكون هذا النفط مسؤولاً عن سداد تكاليف الحرب التي بلغت 100 مليار دولار.

أفضل ما يمكن أن يحصل للعراق هو أن تتبع الولايات المتحدة نموذج اليابان فيكون احتلالها قصير الأمد، وينتهي في عام واحد ثم تقوم بمساعدته على بناء نفسه. ويمكن اعتبار أكبر ثروة سلمت من الحروب عدا النفط هي الرأسمال البشري العراقي من الكوادر العلمية والخبيرة، ولكن كيف ستتجه هذه الطاقات البشرية وهل ستكون نواة في بناء العراق الجديد؟

صحيفة «الشرق الأوسط» 24 شباط/فبراير 2004
Page 5
I من العهد الملكي إلى ثورة تموز/ يوليو ومخاض الستينيات

الفصل الأول

تاريخ العراق حتى 1958

مهد الحضارة

العراق هو مهد الحضارات باعتراف المؤرخين الغربيين منذ القرن التاسع عشر(6). وهو ليس وليد الاستعمار كما توحي بذلك بعض المراجع الغربية الحديثة أو كما قبله أولياء الأمر من خبراء ورسميين في العالم العربي من دون مناقشة(7). وليس صحيحاً الادّعاء أن بريطانيا خلقت العراق الحديث عندما أصبحت دولة انتدابية على بلاد ما بين النهرين بعد الحرب العالمية الأولى، فوحّدت ولايات عثمانية سابقة في دولة جديدة أولت عليها أحد أبناء شريف مكة، كجزء من تعهداتها للعرب بالاستقلال لوقوفهم مع الحلفاء ضد الدولة العليّة العثمانية(8).

ربما كان العراق هو أقدم حضارة في العالم، إذ لم يفلح أي مؤرخ منذ أكد ذلك أرنولد توينبي(9) على إثبات العكس. كما أنّ مرور نهري دجلة والفرات في أراضيه يخلق حالة شبيهة بمرور نهر النيل في مصر حيث لا توجد حواجز طبيعية تمنع قيام دولة واحدة في الوادي من أعالي السودان حتى الدلتا، وهذه هي حقيقة العراق منذ الأزل. أقرّ أرنولد توينبي في عمله الضخم، دراسة التاريخ، أنّ الحضارة الانسانية لا يمكن أن يكون عمرها أكثر من ثمانية آلاف سنة، وهذه الفترة حدّدها استناداً إلى حفريات بلاد ما بين النهرين: هنا زرع السومريون القمح لأول مرة، وهنا اخترعوا الكتابة المسمارية والتصويرية، وصنعوا الدولاب لعربة الخيل والبرونز عبر مزج التنك والنحاس لصناعة الأسلحة. وهنا كان مستودع الغذاء للشرق الأوسط، من أراضي العراق المليئة بالحقول المتماوجة الخضراء وغابات النخيل، حيث رعى المزارعون ملايين رؤوس الأغنام منذ فجر التاريخ. فالعراق معروف عند العرب بأرض السواد لخصوبة أرضه ولون تربته الداكن مقارنة بالصحراء. وهو سُميّ العراق إما من كلمة قديمة، أوروك، أو بسبب عشرات المجاري المائية في أراضيه التي تصب في النهرين العظيمين، دجلة والفرات، فتبدو التضاريس وكأنها عروق شرايين تجري في أرض غنيّة. وهنا نشأ النبي إبراهيم في قبيلة تعيش على الرعي، وهنا حدث طوفان نوح الذي يعتقد بعضهم أنّه يستند إلى ملحمة جلجامش العراقية القديمة، وهنا وقعت أحداث في مئات الصفحات من العهد القديم من الكتاب المقدّس.

إنها بلاد الحدائق المعلقة والقنوات الاصطناعية القديمة لجر المياه، ومجد بابل القديم الذي لا يغيب عن ذاكرة الانسانية. هنا عاش الملك حمورابي قبل 4500 عام ووضع أول شريعة قانونية في التاريخ، تعالج المسائل كافة، من الطلاق إلى التجارة إلى شؤون العمال، ويعتقد كثيرون أنّها أساس الوصايا العشر. ويقول حمورابي في شرعته إنّ هدفها «إشاعة العدالة في البلاد والقضاء على الشرير حتى لا يظلم القوي الضعيف». ومن أرض العراق انطلقت امبراطوريات عدّة سبقت الإسلام كالأشوريين والكلدان فرضت سلطانها على المشرق لعدة عقود.

أصبح العراق عاصمة الامبراطورية الاسلامية حيث كانت بغداد مركزاً للعلم والحضارة والقوة السياسية والاقتصادية للعالم الاسلامي من أواسط آسيا إلى الاندلس. ولقرون عديدة ومنذ آلاف السنين كان معظم العالم القديم يُحكم من بغداد.

ولكن العراق أيضاً مصاب بلعنة العنف. فممالكه منذ فجر التاريخ اتّصفت بالطابع العسكري وشنّت حروباً على المناطق المجاورة، وخُلّدت الروح العسكرية في تماثيل تكرر فيها أشخاص بألبسة وأسلحة وخوذات، لا تشبه تماثيل آثارات وادي النيل وبلاد الشام التي تعدّدت مواضيعها. والعراق كان ساحة صراعات الشرق والغرب منذ التاريخ القديم، وخصوصاً حروب الفرس والإغريق ثم الإيرانيين والأتراك. وعدا عن عمل البشر، فالطبيعة لم تكن دوماً مسالمة، حيث تعددت الزلازل والفيضانات والأوبئة والمجاعات(10).
Page 6
العهود الاسلامية 733 – 1918م

ارتبط العراق منذ أصبح ولاية في إمبراطوريات إسلامية امتدّت من العام 733 وحتى 1918، بالحضارة العرببة والاسلامية. وكان أبرز تلك الامبراطوريات الخلافة الأموية والخلافة العباسية والخلافة العثمانية.

وكان العراق المكان الذي وقع فيه الانقسام التاريخي بين الإمام علي بن أبي طالب آخر الخلفاء الراشدين، والخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان في القرن السابع الميلادي. فقد جعل علي مركزه في جنوب العراق وجعل معاوية مركزه دمشق التي بقيت عاصمة الأمويين. وبعد اغتيال علي في مدينة الكوفة عام 661، انتقلت الخلافة إلى العائلة الأموية ومركزها دمشق، ولكن الانقسام السياسي منع الأمويين من فرض سيطرتهم على كل ديار الإسلام حيث استمر الولاء للإمام علي وأسرته وخصوصاً في العراق، إلى أن وقعت مواجهة محلية بين الطرفين، محدودة في حجمها ولكنّها بعيدة الأثر في أهميتها التاريخية لأنّها كانت الفتيل الذي قسم الاسلام إلى سنة وشيعة. ففي العام 680 ورث يزيد الأول الخلافة عن أبيه معاوية بدعم النخبة في سورية ومصر، على الرغم من معارضة نخبة العراق والحجاز. فشرع يزيد في قمع كل من يعارض حكمه لتصبح سنوات عهده الأربع الأكثر دموية في تاريخ الإسلام حتى ذلك الوقت.

وفي شهر محرّم عام 680 في جوار مدينة كربلاء(11)، جرت معركة غير متكافئة بين مجموعة قوامها الإمام الحسين بن علي ـ الذي بتشجيع من أهل الكوفة قدم من المدينة في الحجاز ومعه أفراد عائلته وأنصاره ـ وبعثة عسكرية أموية أرسلها يزيد من دمشق. فاستطاعت الحملة العسكرية قتل معظم أفراد أسرة الحسين وأنصاره القليلي العدد، وأحضرت رأس الحسين إلى دمشق ومعه نساء سبايا. ولأجل هذا الحدث الذي عُرف فيما بعد بواقعة عاشوراء، حصل انشقاق دائم في الاسلام بين سنّة، وهم الأغلبية في العالم الاسلامي، وشيعة وهم الأقلية. وهو انقسام لم تخفف من غلوائه وعمقه القرون، وكان له أعمق الأثر في أحداث العراق في القرن العشرين وإلى اليوم(12).

لم يخضع العراق الكثير السكان للأمويين بعد واقعة عاشوراء التي خُلّدت في ذكرى سنوية للعزاء بأهل البيت، فسادت الفوضى ثلاث سنوات إلى أن مات يزيد عام 683م، فخلفه ابنه معاوية الثاني الزاهد في السلطة والمحب للعلم والذي تنازل عن الحكم، فاختير مكانه مروان بن الحكم، وهو أيضاً من بني أمية، والذي معه وُلدت السلالة الأموية. لقد كانت أوضاع العراق متدهورة منذ وفاة يزيد إلى أن اندلعت ثورة كبرى ضد الحكم الأموي بعد وفاة مروان عام 685م استمرت ثلاث سنوات، فخلفه ابنه عبد الملك بن مروان الذي واصل حملات القمع في العراق. ولئن لم تنجح الحملات في إخماد العصيان، أوفد عبد الملك عام 694م الحجاج بن يوسف الثقفي حاكماً باسم الأمويين إلى العراق على رأس قوة. وجاء هذا الأخير مدينة النجف حيث ضريح الإمام علي، وجمع الناس ليخاطبهم قائلاً: «يا أهل العراق، يا أهل الشقاق، والنفاق، والمراق، ومساوئ الاخلاق. إنّ أمير المؤمنين فتل كنانته فجمعها عوداً عوداً، فوجدني من أمرّها عوداً، وأصعبها كسراً، فرماكم بي، وإنّه قلّدني عليكم سوطاً وسيفاً، فسقط السوط وبقي السيف». ثم قال الحجّاج: «إنّي والله لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوساً قد أينعت، وحان قطافها ، وإنّي أنا صاحبها كأنّي أنظر الى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى». ثم أنشد:

أنـا ابن جـلا وطـلاع الثنايــا متى أضــع العمامــة تعـرفـوني

ولكن الحكم الأموي لم يستمر طويلاً في العراق إذ استطاعت ثورة في ديار الخلافة الاسلامية إنهاء الخلافة الأموية عام 750، وتمكنت مجموعة من بني أمية بقيادة عبد الرحمن الداخل حفيد عبد الملك (ابن معاوية الثالث بن هشام بن عبد الملك) من الفرار من ثورة العباسيين والحفاظ على الأندلس وإعلان استمرارية الخلافة الأموية هناك حتى 1492. وهكذا انتقلت الخلافة الإسلامية إلى العباسيين الذين استمر عهدهم أكثر من خمسة قرون وجعلوا من العراق نقطة انطلاقهم ومن بغداد عاصمتهم، حتى أصبحت، أي بغداد أهم مدينة في العالم في الثقافة والحضارة والفلسفة والعلوم. ولكن رافق ازدهار بغداد دسائس سياسية واغتيالات وتصفيات دموية. والناظر إلى سلسلة الخلفاء العباسيين سيلاحظ النسبة المرتفعة من الخلفاء الذين قضوا اغتيالاً.

الصعود الصاروخي لبغداد في مجالات العلم والحضارة لم يدم طويلاً، إذ عندما تعرّض الشرق للغزو المغولي القادم من أواسط آسيا، دخل التتر العراق عام 1258 ودمروا بغداد وأغرقوا سدود الأنهر فقتلوا مئات الآلاف من البشر. وقدّر عدد ضحايا الغزو المغولي للعراق بثلثي عدد السكان، ذلك أن هولاكو قائد المغول أمر بقتل كل كائن حي.

لفترة طويلة كان المغول يعدّون الخطط لغزو العراق حتى استعدّوا لذلك عام 1257 بجيوش هي الأكبر مقارنة بحروبهم السابقة يقودهم الخان هولاكو. وفي طريقهم إلى بغداد وجّه هولاكو نداءً إلى الخليفة العباسي المعتصم أن يسلّم المدينة فرفض هذا الأخير. ولذلك طبّق المغول أسلوبهم في الأرض المحروقة ضد المدن التي ترفض الاستسلام، وهاجموا بغداد وحرقوها وقتلوا كل بشري وصلت إليه سيوفهم حتى تراوح عدد القتلى بين 200 ألف إلى مليون حسب مؤرخي تلك الفترة. ومن علائم بغداد التي أحرقها ودمرها المغول كان مركز أبحاث ضخم يُعرف باسم «بيت الحكمة» حوى مئات آلاف الكتب والوثائق العلمية والرياضية والفلسفية والدينية والأدبية والتاريخية والتي جرى جمعها وتبويبها خلال مئات السنين من الحكم العباسي.

كان دمار بغداد شاملاً ونهائياً بحيث لم يقم لها قائمة لمئات السنين وحتى القرن العشرين. ولم يكتف المغول بتدمير بغداد بل حطموا المنشآت الهندسية والزراعية التي كان بعضها قائماً منذ آلاف السنين.
Page 7
وكأنّ الزحف المغولي لم يكن كافياً إذ أصاب العراق وباء الطاعون في القرن التالي فقضى على ثلث السكان. ثم جاء الغزو المغولي الثاني عام 1401 بقيادة تيمورلنك الذي احتل بغداد أيضاً وأمر بقتل سكانها مجدّداً، وحدّد أنّ على كل جندي مغولي أن يقتل شخصين ويقطع رأسيهما ويحضرهما إلى قيادته. وعلى الرغم من أنّ العسكر العراقي كان يستسلم للمغول إلا أنّ هؤلاء أصرّوا على قطع الرؤوس تنفيذاً لأوامر تيمورلنك.

لم يتعطل دور العراق طويلاً إذ منه خرجت قوة بقيادة صلاح الدين الأيوبي أحد الأبطال التاريخيين عند الأكراد، قضت على الممالك الصليبية في بلاد الشام في القرن الثالث عشر، ونُسجت حوله أساطير وقصص ذكرها التاريخ عن حلمه وتسامحه وتعامله مع ملوك أوروبا. وفي القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر أصبح الحكم المحلي في العراق لمماليك تركمان، إلّا أن إيران الصفوية الشيعية كانت تفرض نفوذها وخصوصاً في الفترتين 1508 إلى 1533 و1622 إلى 1633، إلى أن وقع العراق في العام 1533 تحت حكم السلطنة العثمانية، ليصبح ساحة الصراع الأمامية بين السلطنة وإيران. وهذا الصراع أبقى الحكم العثماني في العراق ضعيفاً إلى أن بدأت مرحلة هجرة البدو من أواسط الجزيرة العربية وبخاصة من نجد إلى العراق. غير أنّ حركة عسكرية في بغداد أعادت السلطة المحلية إلى أيدي مماليك – الذين كانوا هذه المرة من أصول جيورجية (من جبال القفقاس) ـ وحصلوا على حكم ذاتي للعراق من الباب العالي عام 1747. واستمر هذا الحكم الذاتي حتى 1831، نجح المماليك خلاله في فرض النظام العام وقمع الانتفاضات القبلية وتحجيم دور القوى العسكرية الانكشارية التابعة للباب العالي. كما عملوا على تنفيذ برامج إصلاحية في الإدارة العامة والاقتصاد. وعندما تعرّضت أراضي السلطنة لغزو مصري بقيادة محمد علي وابنه ابراهيم عام 1831، انتهى الحكم الذاتي في بغداد وعاد الحكم العثماني المباشر بقوة(13).

كانت الغلبة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في قرون الحكم العثماني للسنّة من الطبقة المتوسطة فيما غرق الشيعة والأقليات الدينية في الحرمان والتخلف لعدّة قرون(14). والافتراق السنّي الشيعي المستجد في العراق لم ينشب من العدم، ذلك أن جغرافية العراق جعلته ضحيّة الجوار الايراني الشيعي من جهة والجوار التركي السنّي من جهة أخرى، حيث قام كلا الجارين بدعم أبناء ملّته داخل العراق. ولكن في حين ازدهرت الجماعات السنيّة في العلم والتجارة والمناصب الحكومية في الامبراطوريات المتعاقبة، تراجع الشيعة.

وحتى بعد زوال السلطنة العثمانية من بلاد المشرق عام 1920، استمر الصدع حتى اليوم بين السنّة العرب المنادين بعلاقات وثيقة مع العرب وخصوصاً مع سوريّة، والشيعة، وهم عرب أيضاً، الذين سعوا إلى علاقات وثيقة مع العرب ولكن أيضاً مع إيران، الشاهنشاهية ثم الخمينية(15).

ولم يضعف الحضور التركي والايراني في العراق حتى في ظل نظام البعث (1968 – 2003)، حيث اجتاحت تركيا شمال العراق مراراً لمطاردة ميليشيا حزب العمال الكردستاني، في حين دعمت إيران قوى المعارضة الشيعية وكادت تحتل جنوب العراق عام 1986 لولا التدخل الأميركي المباشر في الحرب بين البلدين.

***

إنّ التنوّع التاريخي العنيف والمليء بالأحداث جعل العراق وطناً لعددٍ كبير من الأعراق والأديان والحضارات. ولكن هذا التنوّع في الإثنيات والأديان لم يكن حكراً على أرض الرافدين، بل إنّ دول المشرق كافة، وكذلك الدول التي كانت تشكل جزءاً من الدولة العثمانية كدول البلقان، ضمّت تنوّعاً مماثلاً في سكانها. ويتألف سكان العراق من جماعات إثنية رئيسة هي العرب بشكل أساسي ثم الأكراد والتركمان والأرمن والأشوريون والإيرانيون، وجماعات أقل عدداً من أصول آذرية وأفغانية وهندية وبلوشية. وبمحاذاة التنوع الإثني ثمّة تنوع ديني حيث ينتمي العراقيون إلى طوائف وديانات معظمها نشأ في الشرق الأوسط، أكبرها المسلمون الشيعة والمسلمون السنة، يليهم المسيحيون واليهود واليزديون والصابئة بدرجة أقل.

ونعود هنا إلى معالجة مقولة جاءت في عدة مراجع أجنبية، نقلها من دون مناقشة أحياناً كتّاب عرب، تقول إن التركيبة العراقية فريدة في نوعها، وإنّ «العراق أقل الدول العربية عروبة». وهذا الرأي يشكو من علّتين:

الأولى أن التركيبة العراقية ليست فريدة في نوعها، لأن المطّلع على ديموغرافية لبنان وسورية سيلاحظ أيضاً تنوّعاً دينيّاً وعرقيّاً كبيراً. ففي لبنان عشرون طائفة دينية وعرب وأكراد وأرمن وإثنيات أخرى. وكذلك في سورية وعلى درجات أقل في الأردن وفلسطين. وحتى تركيا المعاصرة هي دولة متعددة تضم بشكل رئيسي الأتراك والأكراد ثم العرب والأرمن والسريان واليونانيين والبلغار واثنيات صغرى وعدّة ديانات وطوائف. وكذلك جزيرة قبرص الصغيرة التي يعيش فيها الأتراك والعرب (من أصل لبناني) واليونانيون وفيها مسلمون سنّة وعلويّون ومسيحيون أرثوذكس وموارنة. وتكفي النظرة إلى حروب التسعينيات من القرن العشرين في يوغسلافيا السابقة لمعرفة تنوع بلاد البلقان الشديد أيضاً، وهي منطقة كانت خاضعة للسلطنة العثمانية؛ ذلك أن الامبراطورية العثمانية التي جمعت كل هذه الشعوب كانت دولة متعددة القوميات. ولم يكن هذا غريباً، ذلك أن القومية القائمة على اللغة والعرق لم تكن شأناً عظيماً قبل القرن التاسع عشر، فتألفت الامبراطورية المقدونية التي أسّسها الاسكندر المقدوني من عشرات الشعوب من أفريقيا إلى حدود الصين. وكذلك كانت أمبراطورية النمسا (أوسترو - هنغاريا) والامبراطورية الجرمانية المقدّسة والامبراطورية الرومانية والامبراطورية الروسية وصولاً إلى الامبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس.

والعلة الثانية في مقولة إنّ العراق «أقل البلدان العربيّة عروبة»، وإنّ العراقيين على المستوى الاثني ينقسمون بشكل رئيسي بين عرب وأكراد إضافة إلى أقليات صغيرة، هي أنّ العراق شكل نواة الحضارة العربية الاسلامية على مدى قرون ما أدّى إلى اصطباغه الى الأبد باللغة والثقافة العربيّة حتى لو تنوّع إثنيّاً ودينيّاً. وحتى الأكراد نجدهم ضليعين باللغة العربيّة قولاً وكتابةً، من أكبر زعمائهم حتى أصغر طفل، وإن أسهم الحكم الدكتاتوري العراقي في احتقان مشاعر الظلم التاريخي في صفوفهم. ولقد لعب حزب البعث دوراً في انتشار الثقافة واللغة العربية في العراق في العقدين الأخيرين من حكمه، ولكن عدا ذلك كان نظام البعث في العراق أبعد ما يكون عن عقيدة العروبة، بل أصبح حكراً على العشيرة والعائلة والمذهب والعسكر، وأسهم في التطهير العرقي وتهجير السكان وتغيير ديمغرافية المناطق وفي إضعاف الانتماء العربي لدى السكان من أصول غير عربية، ما جعل عملية رأب الصدع في صفوف العراقيين صعبة. وهي أمور سنعود إليها في متن الكتاب(16).

الفريد في المسألة العراقية هو أن اتساع العراق وتعدّد سكانه خلقا تعقيدات جدّية من الصعب معالجتها ليصل العراقيون إلى بناء وطن ومؤسسات موحدة تمثّل كل الفئات بعد انسحاب الأميركيين. فالغزو الأميركي في ربيع 2003 لم يأت ِ من الفراغ، بل تسلل من شقاق العراقيين أنفسهم ومن تنوّع غايات زعمائهم ومنظماتهم ومن الحكم الاستبدادي الذي وحّد البلاد بقوة القمع والاضطهاد والقتل. وعندما تحول النظام إلى عشيرة وعائلة وطائفة، عاد كل عراقي إلى حظيرته القومية والمذهبية(17).

وليس صحيحاً أن العراق لا يُحكم إلا بالقوة، أو أن «السنّة حكموا والآن جاء دور الشيعة» (كما كان يقال عن «الامتيازات المارونية» أثناء حرب لبنان، وأنّ الحل في امتيازات مماثلة للمسلمين لرفع الاجحاف التاريخي)، أو أن «الجمهورية الاسلامية هي الحل» أو أن التقسيم إلى ثلاث دول سيحل مشاكل البلاد؛ إذ إنّ العراق المتطوّر بشعبه المثقف وثرواته الطبيعية كفيل بكتابة دستور وميثاق اجتماعي لخلق دولة الرعاية وحقوق الانسان والمؤسسات الديمقراطية المتعددة الأديان والإثنيات. وما يصلح للعراق من نظام ديمقراطي علماني يحترم حقوق الانسان يصلح أيضاً للبنان ولايران ودول المنطقة كافة.
Page 8
الاستعمار البريطاني

بدايات العراق الحديث نجدها في القرن التاسع عشر حيث توضّحت جغرافيته من جراء ارتباطه بالاقتصاد العالمي والتغلغل الأوروبي في مناطق الامبراطورية العثمانية(18). ولقد مرّت دول المشرق بتجارب مماثلة عبر نشر بنية تحتية في مناطق الانتاج في المدن الرئيسة المطلة على مرافىء بحريّة. وخلال فترة زمنية مختصرة في بداية القرن العشرين، انتقل العراق من نمط إنتاج بدائي زراعي إلى إنتاج بضائع صالحة للتصدير الى الهند البريطانية وأوروبا. وفي الخمسينيات من القرن العشرين تطوّرت العلاقات الاجتماعية داخل العراق من تلك التي تستند الى الولاء العشائري وشيخ القبيلة إلى الاقطاع الريفي وتجار المدن وموظفي القطاع العام.

أما الدولة العراقية الحديثة فقد ظهرت بشكلها الحاضر بعد انهيار الدولة العثمانية وانهزام تركيا في الحرب العالمية الأولى، إذ سعت بريطانيا (الدولة الانتدابية) الى دمج ثلاث ولايات عثمانية هي الموصل وبغداد والبصرة في دولة واحدة(19). ولم يكن لسبب هذا الدمج عامل توحيدي أو ديمغرافي بل كان الهدف تسهيل الربط الاداري لمناطق بلاد الرافدين بالخليج وبالشبكة التجارية للامبراطورية البريطانية. ذلك أن العراق كان دولة ـ فعليّاً ـ منذ القرن السابع الميلادي واستمر كبقعة جغرافية موحّدة تحكمها بغداد حتى قامت الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين إلى تقسيمه إلى ولايات تسهل إدارتها. ولكن هذا لم يُضعف من دور بغداد كنقطة الثقل والسلطة في أرض الرافدين؛ فالعراق ليس وليد بريطانيا ولم يكن مجزءاً ليوحّده الانكليز اعتباطيّاً بقرار امبريالي، كما يحلو للتحليلات السطحيّة الكلام عن «جنوب شيعي» مركزه البصرة و«وسط سنّي عربي» مركزه بغداد و«شمال كردي» مركزه الموصل. والحقيقة أنّ الاختلاط أعمق من هذا التصنيف، إذ يقطن في الوسط ملايين الشيعة ويقطن إلى الشمال من بغداد ملايين العرب السنّة.

لا ينسى العراقيون دور بريطانيا وأميركا في تاريخهم الحديث منذ 1920:

أولاً، احتلال الانكليز للعراق بالقهر العسكري عام 1915 واستعمال الغاز السام ضد المدنيين لقمع ثورة العراق ضد الاحتلال عام 1920، ودعم بريطانيا للحكم الملَكي الهاشمي العميل للاستعمار والمنفذ لمشيئة البريطانيين منذ 1920 وحتى 1958.

ثانياً، سيطرة الانكليز على النفط، الثروة الرئيسة في البلاد لمدة عقود عبر «شركة النفط العراقية».

ثالثاً، دعم الولايات المتحدة لسلسلة انقلابات عسكرية دكتاتورية بطشت بالناس وبالكوادر العلمية والمثقفة بين 1963 و1968.

رابعاً، دعم أميركا العراق في حرب استمرت تسع سنوات ضد إيران دون المساهمة في حلحلتها سلميّاً، ومدّها نظام البعث بأسلحة تقليدية ومواد وآليات لتطوير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية جنت منها الشركات الأميركية مليارات الدولارات، ثم صمتها فيما بعد عن استعمال النظام الأسلحة الكيماوية ضد الشعب العراقي وضد إيران.

خامساً، اشتراك أميركا وبريطانيا في حرب انتقامية تدميرية ضد العراق عام 1991 قضت على بنيته التحتيّة وقتلت عشرات الألوف من شعبه.

سادساً، فرض الولايات المتحدة، تدعمها بريطانيا، عقوبات اقتصادية على العراق أصبحت مجازر جماعيّة بحق النساء والأطفال ذهب ضحيّتها مليون وخمسمائة ألف عراقي خلال 12 سنة (1991 حتى 2003).

سابعاً، دعمت الولايات المتحدة وصول حزب البعث الى الحكم عامي 1963 و1968 ليكون سداً ضد الشيوعية، ودعمت حرب النظام ضد ايران واستمرت في دعمه حتى غزوه للكويت عام 1990. وكان دعمها لحكم الحزب الواحد يمنع تطور عراق ديمقراطي،إضافة إلى سكوتها عن مجازر النظام بحق معارضيه والتغطية على استعماله أسلحة الدمار الشامل ضد الأكراد عام 1988.

ثامناً، استهتار أميركا وبريطانيا بالظلامات التاريخية التي عاناها الشيعة والأكراد وعدم الاكتراث بنضال الشعب العراقي نحو المساواة والعدالة.

تاسعاً، شن حرب استنزاف قاتلة ضد العراق في الفترة من 1991 حتى 2002.

قبل العام 1920 كان العراق جزءاً من الامبراطورية العثمانية التي شاركت في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا ودول المحور وضد بريطانيا ودول الحلفاء. بدأت الحرب عام 1914 وسرعان ما رُسمت الجبهات في أوروبا والشرق الأوسط وباتت الامبراطورية العثمانية (التي ضمّت كل دول المشرق العربي ما عدا مصر التي وقعت تحت احتلال بريطاني عام 1882) هدفاً لهجمات بريطانية فرنسية روسية مشتركة. فبريطانيا هاجمتها من مصر ونجحت في خرق الولاء العربي للسلطنة في الجزيرة العربية، وفرنسا أسهمت في المعارك في ساحة سورية ولبنان عام 1918. أما روسيا القيصرية فقد شاركت في الحرب العالمية حتى سقط نظامها عام 1917 وأعلنت الحكومة البلشفية في موسكو خروج روسيا من الحرب.

عام 1914، وحتى قبل دخول السلطنة العثمانية الحرب، أمرت بريطانيا جيشها المرابط في الهند بمهاجمة العراق، وهو جزء من السلطنة في ذلك الوقت، لتأمين إمدادات النفط من إيران الواقعة تحت السيطرة البريطانية، وذلك بهدف استباق الأمور ومنع حليفتها فرنسا من الامتداد كثيراً داخل منطقة الهلال الخصيب من الساحل السوري-اللبناني إلى الموصل وحدود إيران. وكانت بعثة بريطانيّة قد اكتشفت النفط بكميات تجارية في إيران عام 1908، وتأسّست شركة «النفط البريطانية الفارسية» لاستثمار هذا الاكتشاف عام 1909. وتزامن هذا الأمر مع تطوّر تاريخي سيغيّر وجه العالم، إذ بدأت بريطانيا في العام ذاته بتحويل اعتمادها على الفحم الحجري إلى البترول في حاجياتها للطاقة(20)، وكانت خائفة من هجوم مباغت لجيش السلطنة الذي ضم جنوداً عرباً وأتراكاً على محطات البترول في عبادان الواقعة على شط العرب، النهر العراقي الذي يلتقي فيه نهرا دجلة والفرات قبل أن يصبّا في الخليج.
Page 9
وخلال أسابيع تمّ بناء القوة البريطانية في عبادان تمهيداً لاجتياح العراق. وجاءت ساعة الصفر في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1914، بعد يوم من إعلان بريطانيا الحرب على السلطنة، حيث أقدم زورق حربي بريطاني على قصف الحامية العراقية على شاطىء شبه جزيرة الفاو عند نهاية شطّ العرب. ولم تكن الدفاعات العراقية ممتازة جنوب العراق، فسقطت قلعة الفاو بأيدي الانكليز خلال يومين وتقدّموا داخل العراق مباشرةً. وخلال أسبوعين احتلوا مدينة البصرة التي تبعد 130 كيلومتراً داخل البر.

كانت استراتيجية السلطنة العثمانية في جبهة العراق هي الدفاع عن بغداد، ما يعني موافقة ضمنية أنّ المناطق كافة إلى الجنوب من بغداد هي حُكماً ساقطة بيد الانكليز الذين اعتقدوا أنّهم غنموا محافظة البصرة، فأخذوا يعززون وجودهم فيها وينظفون المناطق المحيطة بالمدينة من قرى وبلدات من أي مقاومة عسكريّة. وهذه كانت خطة الدفاع العراقي بالضبط، أيّ جر الجيش الغازي إلى داخل العراق حيث المستنقعات والرمال المتحركة والتضاريس الجغرافية المتغيّرة بين الصحراء والأوحال. ولم يدرك الانكليز ما هم فيه لجهلهم بأرض المعركة، فلاحقوا القوة العراقية المنسحبة شمالاً بمحاذاة النهر، وغطت قوات الغزو أراضي من الفاو حتى وسط العراق، على أساس أنّ هذا الزحف هو سلسلة انتصارات ضد السلطنة.

وفي نيسان/ابريل 1915، عيّن البريطانيون عقيداً إنكليزياً هو تشارلز تاونسند لقيادة اجتياح العراق، لكنه سرعان ما أدرك أنّ لا جدوى استراتيجية أمامه من مواصلة الزحف داخل بلاد ما بين النهرين الواسعة، وأقلقه خصوصاً أنّ العراق لا يبدي أي مقاومة تُذكر، فأبلغ رؤساءه بذلك، فظنوا أنّ العراق أصبح مفتوحاً أمامهم ويمكن إكمال احتلاله. فأمروا تاونسند بمواصلة زحفه واحتلال بغداد، جوهرة العراق الاستراتيجية التي يشكل سقوطها بيد بريطانيا نصراً مبيناً على السلطنة العثمانية.

أبدى تاونسند معارضته لفكرة متابعة الغزو لأنّ القوات التي يقودها ابتعدت كثيراً عن خطوط إمداداته على ساحل الخليج كما أنّ بغداد تبعد مئات الكيلومترات عن الفاو، وشرح لقيادته أنّ جيشه ليس مؤهلاً لمعركة بغداد، لأن المسألة تحتاج إلى تموين ومستشفيات ميدانية ومعدات لوجستية وآليات ومزيد من الجنود حتى يرتاح مَن يشارك في الزحف. ولكن الأوامر لم تتغيّر بأنّ من الضروري احتلال بغداد. وهكذا واصل تاونسند الهجوم باتجاه بغداد وسط أراضٍ في غاية الصعوبة، حيث الأوحال تغطي ضفاف الأنهر فإذا خرجت الطوابير العسكرية من نطاق السواد أصبحت في صحراء رمليّة قاتلة تغرق فيها الآليات. ولم تكن في جنوب العراق عام 1915 شبكات مواصلات تذكر بل قادوميات إلى جانب ضفاف الأنهر للدواب والمشاة، فكانت غير صالحة لإدارة حرب حديثة بمقاييس بريطانيا ومعدّاتها العسكرية في ذلك الوقت. وبدل من جيش عراقي نظامي، تعرّض جيش الانكليز بين الفاو وجنوب بغداد لجيوش من البعوض والذباب القاتل ولم تكن المعدّات الطبية مهيأة لهذا الطارىء الصحي.

وسرعان ما انقلب الأمر عندما اقترب البريطانيون من جنوب بغداد، إذ استنتجوا أنّهم قد وصلوا إلى أقصى حدّ يمكن أن تصله إمداداتهم، وأنّ ما يحملونه من معدات وذخيرة لم يكن كافياً لبدء معركة احتلال بغداد. وظنّ تاونسند أنّ القوة التي يقودها من 10 آلاف جندي هي كافية لمواجهة حامية بغداد. وقرر أنّ الهجوم على المدينة هو أفضل من الانسحاب مئات الكيلومترات الصعبة إلى البصرة. فواصل زحفه حتى خرج إليه جيش عراقي من 13 ألف جندي على بعد 40 كلم جنوب شرقي المدينة. وعلى الرغم من أنّ الانكليز تفوّقوا بالقتال في هذه المواجهة وأثبتوا موقعهم في أرض المعركة، إلا أنّ المواجهة كانت فاصلة لأنّ العراقيين نجحوا في قتل نصف القوة البريطانية المهاجمة التي كانت متعبة ومنهكة على أي حال.

وفي ليلة 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1915، وصلت معلومات استخباراتية إلى تاونسند أنّ بقاءه قرب بغداد ليوم آخر سيعرّض ما تبقّى من جيشه لمجزرة على أيدي حامية المدينة التي تستعدّ لمعركة أخرى؛ ذلك أنّه إضافة لحامية المدينة التي واجهته، فقد أرسلت قيادة الجيش العثمانية فرقة من 30 ألف جندي لتعزيز دفاعات بغداد بقيادة الجنرال الألماني «كولمان فون درغولتز»، وهي على وشك الوصول حتى لو سقطت المدينة بيد الانكليز. وكان قد بقي من القوة البريطانية التي غزت العراق أساساً 4500 جندي تنقصهم الذخيرة والمعدات ويعانون من الجوع. لذلك أصدر تاونسند أمراً لمن تبقّى من القوة بالتقهقر والانسحاب جنوباً، وكان هدفه الابتعاد قدر الامكان عن بغداد إلى نقطة آمنة على بعد 400 كلم إلى الجنوب. ولكن الانسحاب لم يكن سهلاً، ذلك أنّ الجيش العراقي بدأ مطاردة القوة البريطانية، فأخّر انسحابها وقتل ألفاً آخر من عناصرها. ولاحظ تاونسند أنّ الانسحاب يتم ببطء شديد بسبب المواجهات المستمرة مع العراقيين ومعنويات جنوده وتعبهم وحالتهم النفسيّة، فقرّر التوقّف عن الانسحاب لحقن دماء من تبقّى من جنوده والمرابطة في قرية «كوت العمارة» التي تحيط بها مياه النهر من ثلاث جهات على أمل التوصل إلى اتفاق لانسحاب مشرّف. فحصّن الطريق الوحيدة التي تربط الكوت بالبر وسجن نفسه في نقطة مُحاصرة.

رأى الخبراء العسكريون الألمان في بغداد حركة تاونسند هزيمة له وخروجاً من المعركة، فأمر الجنرال فون درغولنز كتيبة صغيرة الاحاطة بالكوت، في حين واصل جيش العراق زحفه جنوباً للقضاء على أي وجود بريطاني آخر، والتحصّن في نقاط استراتيجية لمنع أي هجوم بريطاني جديد من جهة الخليج. وبسبب التحركات الدائمة التي أوصلت تاونسند إلى هذا الحصار، خسرت القوة البريطانية الكثير من المعدّات والمؤن التي كادت تكون كافية حتى نيسان/ابريل 1916. فأرسل خبراً إلى قيادته في عبادان أنّ ما تبقى من مؤن ومعدات سيكفيه حتى كانون الثاني/يناير 1916 فقط. فلجأت القيادة البريطانية إلى قرارات عدّة مرتجلة لارسال حملات تحرر تاونسند ورجاله، ولكن الجيش العراقي ردّها جميعاً وقتل عدداً كبيراً من المهاجمين.

استمر حصار القوة البريطانية في الكوت 146 يوماً جاع خلالها الجنود البريطانيون والهنود وتعرضوا لأمراض عديدة. كما أنّ تاونسند تعرّض للحمى، فحاولت قيادتهم إيصال المؤن بالمظلات، ولكن هواء الخريف والشتاء كان يحملها بعيداً. كما أنّ المحاولات للوصول بالمراكب النهرية فشلت لأنّ الجيش العراقي وضع سلاسل حديديّة في النهر قرب الكوت خرّبت المراكب البريطانية. وأرسلت الحكومة البريطانية وفداً لمفاوضة شروط استسلام تاونسند ورجاله في 26 نيسان/ابريل 1916، فاستطاع الخروج من الكوت ومرافقة الوفد البريطاني للقاء القادة العسكريين للسلطنة الذين يطوّقون الكوت. وعرض الوفد البريطاني مليوني جنيه استرليني لقاء السماح للقوة البريطانية بمغادرة الكوت سليمة. ولكن وزير الدفاع العثماني، أنور باشا، من أسطمبول أمر برفض العرض والاصرار على استسلام كامل. فاستسلمت القوة البريطانية بكاملها فوراً وبدون أي شرط للجيش المحاصِر. وأُخذ تاونسند أسير حرب مخفوراً إلى إسطمبول حيث عومل باحترام. أما الجنود فلقد جرهم الجيش العراقي سيراً على الأقدام إلى بغداد على بعد 150 كلم. ومن ثم نقلهم إلى بر الأناضول ليعملوا في السخرة وفي بناء سكة الحديد الألمانية من برلين إلى بغداد حيث مات معظمهم(21).

جنّ جنون لندن للهزيمة المنكرة، فأزاحت كبار الضباط والاداريين من حكومة الهند البريطانية التي أدارت الهجوم الفاشل على العراق، وخصّصت قوات جديدة ومعدات وأرسلت ضباطاً أكثر مهارة لمعاودة غزو العراق مجدّداً في نهاية العام 1916. وكان الانكليز قد تعلموا دروساً قاسية من حملتهم الأولى وأصبحوا أكثر دراية بتضاريس العراق وقدراته العسكرية. فقاد الجنرال «ستانلي مود» جيشاً في كانون الأول/ديسمبر 1916 وفي خطته أن يتجه فوراً إلى بغداد ولا يتوقف عند مدن الجنوب. وأقام خطوط دعم لوجستي متينة حتى يؤمّن خطوطه الخلفية.

واستغرقت حملة «مود» أربعة أشهر استطاع خلالها تطويق بغداد واحتلالها في 11 آذار/مارس 1917، في وقت كانت فيه جيوش السلطنة تتضعضع عند عدّة جبهات وخصوصاً على جبهة قناة السويس (حيث هزم الانكليز جيشاً يقيادة أحمد جمال باشا)، وعلى الجبهة الروسية وجبهات البلقان(22).

وقد قُتل في محاولة غزو العراق عام 1915 و1916، 33 ألف جندي بريطاني، عشرة آلاف منهم من فرقة تاونسند والباقي في جنوب العراق. وكانت هزيمة منكرة للأمبراطورية البريطانية على يد السلطنة العثمانية التي كثيراً ما كان الزعماء الانكليز يقلّلون من شأنها ويؤكدون سرعة سقوطها في الحرب العالمية الأولى.

لقد بدأ الغزو البريطاني للعراق بـ92 ألف جندي ولكن مع نهاية الحرب العالمية الأولى كانت بريطانيا قد نشرت ما مجموعه 410 ألف جندي في بلاد الرافدين. وفي 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1920 وقع العراق تحت انتداب بريطاني منحته عصبة الأمم الشرعية وأصبح يُعرف بـ«دولة العراق» تحت حكم هاشمي.
Page 10
العهد الملكي

وعدت بريطانيا الأمير حسين الهاشمي شريف مكة بخلق مملكة عربية كبرى تضم الجزيرة العربية والولايات العثمانية السابقة في الهلال الخصيب بعد سقوط السلطنة العثمانية مقابل دعم العرب لجهود الحلفاء ضد تركيا.

زاد الأمر سوءاً بالنسبة للسلطنة اختراق الانكليز لقبائل الجزيرة العربية وتحالفهم مع الشريف حسين حاكم مكة والحجاز لقلب الحكم العثماني وتحقيق استقلال المحافظات العربية. ولكن الوعود انقلبت إلى أكاذيب عندما التقى ممثلو بريطانيا وفرنسا وروسيا على تقسيم المحافظات العثمانية التي يحتلها الحلفاء في ما بينهم. هذه التفاهمات المكتوبة التي عُرفت باتفاقية سايكس ـ بيكو (مارك سايكس وجورج بيكو اسما الديبلوماسيين البريطاني والفرنسي اللذين وقعا الاتفاقية عام 1916) قسّمت الولايات العثمانية إلى مقاطعات نفوذ كغنيمة حرب للحلفاء. وعشيّة الثورة الروسية عام 1917، فضحت الحكومة البلشفية الجديدة في موسكو هذه الاتفاقية عندما نشرت وثائق القيصر. ولكن البريطانيين نجحوا في إقناع الشريف حسين وأولاده بأنّ الوثائق التي عرضتها روسيا مزيّفة. وبعد انتصار بريطانيا وفرنسا في الحرب ثبت صدق الوثائق الروسية، إذ تقاسم المنتصرون الولايات العربية كما اتفقوا، فانتهت منطقة سورية ولبنان إلى انتداب فرنسي والعراق وفلسطين إلى انتداب بريطاني(23).

ورسم واضعو خريطة سايكس بيكو معبراً أرضيّاً بين العراق وفلسطين، لمنح بريطانيا استمرارية جغرافية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ما خلق فاصلاً جغرافيّاً بين سورية والجزيرة العربية. وتدريجاً تعاظم الوجود اليهودي في فلسطين التي وعدهم الانكليز بدولة فيها، فخلق الانكليز دولة ثالثة بين فلسطين والعراق على الضفة الشرقية لنهر الأردن هي إمارة شرق الأردن، أصبحت فيما بعد المملكة الأردنية الهاشمية. ولاكتمال الصورة، سيطرت بريطانيا على معظم الجزيرة العربية ومصر والسودان باستثناء المملكة العربية السعودية التي تبعت أميركا فيما بعد. كما سيطرت فرنسا على بقية الولايات العثمانية التي وقعت في أيدي الحلفاء وخلقت دولتي سورية ولبنان وتنازلت لتركيا عن لواء الاسكندرون السوري ومدينة أنطاكيا التاريخية في شمال سورية.

خضعت التقسيمات الجغرافية للمنطقة العربية لمشيئة الدولتين الاستعماريتين ومصالحهما وذلك لتسهيل إدارة هذه الوحدات السياسية وربطها باقتصاد المتروبول. فمثلاً سهّل خلق دولة العراق من مدينة زاخو شمالاً إلى أم قصر جنوباً شحن نفط الموصل الى الخليج عبر منطقتي بغداد والبصرة. وكما فعلت في الجزيرة العربية، قامت بريطانيا بإغراء مشايخ القبائل في الأرياف والبوادي بالمال والمناصب لخلق بيئة موالية لحكمها، كما استندت في المدن إلى الزعامات المحليّة في الأحياء وإلى التجار وموظفي الادارة العثمانية البائدة وضباط الجيش العثماني من أصول عربية وكردية في العراق من الذين وقفوا الى جانب الانكليز أثناء الحرب العالمية الأولى. وهكذا، كما يفعل كل محتل، استعانت بريطانيا بنخب محليّة، ركيزة الحكم التركي السابق، لادارة البلاد. وكانت هذه النخبة من السنّة العرب الذين شكلوا آنذاك 20 بالمئة من السكان. فاستمرت اللامساواة التي خلقها الأتراك بين السنّة والشيعة لتترك أسوأ الأثر على العراق حتى نهاية القرن العشرين. ومن آثار هذه اللامساواة أنّ السلك الديبلوماسي العراقي لم يضمّ أي شيعي حتى 1956.

وإذ دخلت وحدات عربية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين دمشق عام 1918 أعلن مملكة تضم سورية ولبنان. فرفض الفرنسيون ذلك لأنّ اتفاقية سايكس بيكو وعصبة الأمم وضعت لبنان وسورية تحت إدارة فرنسية، وطردت وحدات عسكرية فرنسية فيصل وجماعته من دمشق. ولكي تحافظ بريطانيا على كلمتها تجاه الهاشميين، نصّبت فيصل ملكاً على العراق باسم الملك فيصل وعيّنت مفوّضاً سامياً على العراق يدعى أرنولد ولسون. وفي آب/أغسطس 1920 أُعلنت الدولة العراقية بضم ولايتي بغداد والبصرة. وفي 1926 ضُمّت ولاية الموصل في الشمال.