eKtab
EN ع
موت عزرائيل
Read free sample

موت عزرائيل

by مفلح العدوان

Page 1
عروج
 
متّكأ الشقي الحلم ·
 
وهذا الكون ضجر !
 
تسرقه الكوابيس فيغفو ···· تسلبه الذكرى فيصحو
 
ملاذه الدمع !
 
لم يبلغ عتبة البهجة ، وما انسل من عباءة السماء !
 
ويراهم حضوراً دائماً إذ يحسب ذاته ضميراً غائباً ···· وميض اليقظة أفولهم ، وبريق الحلم قدومه !
 
هم عاثوا في الأرض فرحاً ، أما هو ففي ميدان الفضاء كان···
 
السماء ملعب ، وساحة لأراجيح حلوله ·
 
مرّةً يضرب القمر بجناحه ···· ومرّةً يترصد بنات نعش ، فيغمز واحدة ، أو يلهو مع الصغرى !
 
تغويه الثريا فيركل دليل السماء بقدمه لاهثاً وراءها !
 
وكان سعيداً ، طليق الجناحين ، حرّ الخيال ··· ممالكهُ عيناه اللّتان تتحسّسان الفضاء بكل لمعاناته ساعة اكتمال خارطة وطنه الذي يقلّب النظر فيه بين نجم وكوكب !
 
يمعن البصر أكثر ·
 
يقتفي أثر جموح النيازك ، ومنازل الأبراج بلذّة طفل أرضيّ · يراقب مراوغة قطعان النجم في تشكيلاتها لفسيفساء سقف الكون، وإذ يرى اندفاع برج الحمل تثور أشجانه ، ويخاف أن يغدره السرطان فيعضّ قدمه إذا اقترب منه · تسلبه صورة برج الجدي التي يتأملها بوابة مزركشة بتيجان النور حين تمر منها الأرواح صاعدة بنزق وانجذاب!
 
يتمتم لروحه : إنه الباب الإلهي !
 
يتتبّع خط العروج ·
 
ينحدر معه إلى أسفل فيرى على سلالمه الأرواح تصعد إلى الأعلى بينما البرزخ شاسع وسحيق بين عُرف الباب الإلهي وجرف نبع الأرواح الصاعدة !
 
يتأمل بؤرة القاع المرح ، فيرى القرية الباسم أهلها ···· يردّ نظره إلى زجاجة وجه الفضاء فتتضح أمامه مشكاة متجهمة ، عابسة بالسناج والبثور !
 
يسمع صناجات وطبول فيعيد النظر كرّة أخرى باتجاه القرية ··· يفرحه العيد فيها !
Page 2
زلزال
 
نساؤها أجمل من تلألؤ النجوم ·
 
صوت موسيقى الحياه فيها أعذب من قداسة الصمت ··· أقدس من سكون السماء !
 
استمتع جبرا بما رأى : حوراً من نساء كلّما ابتسمن زدن حسناً، وكلما تحرّكن فتنةً زدن إغواءً!
 
أنهراً من خمر تتشرب بهجة وسكراً
 
أما الرقص فملاذ الجميع !
 
كرنفال الورد والفرح والأنثى
 
الأجساد تتسامى أرواحاً في الرقص ، تتماهى في ذات واحدة، تتحرك الرؤوس والخصور والأقدام ، يهتزّ الرجال والنساء، يفرح الكهول والأطفال ··· يرتفع صخب الضحك ، فيتشرّب الفضاء بنشوه قهقهاتهم ، وإيقاع غنائهم ، وبراءة لهاثهم!
 
( من قال أنّ تلك القرية ليست جنّة الذين في السماء حين ينحدرون ؟!)
 
تساءل ، وتمنى لو يستطيع الاقتراب من هذا الفرح ·
 
غاب في الوجد من كثرة ما رأى ، فاحتجب عن تجهّم ما حوله من فضاء وما فوقه من عروش !
 
القرية أخذت لب السماء ·
 
حين عاد جبرا من وجده استمع إلى ثرثرة الكواكب والنجوم المتناثرة سبايا في سرايا الأعالي ·· كانت ترقب القرية مثله ، وخلسة تتهامس توقها :
 
تقول الزهرة :( الأرض أجمل منا ! )،فيردّ المريخ محاولاً إيصال صوته لباقي أسرة النجم: ( ضحك وابتسام ·· وقرية عذبة نقية !)· يتنهد الدب القطبي متمنياً : ( لو ننزل إليها إجازة سريعة نكسر بها تجهمنا السماوي!)· يقلب نفسه برج الدلو متحدثاً : (سأسمي كلّ أيامي سعداً علّني أسعد كتلك القرية··· اليوم سعد الملك، وغداً سعد السعود ، وبعده سعد الأخبية !)·
 
يحتجّ درب التبانة : ( من سيؤنس وحدتي إن رحلتم مهاجرين؟!)
 
عزموا النيّة على الرحيل
 
من قال ان النجوم لا تملّ السماء ؟!
 
سماء بلا فرح ! كيف يمكن الخلود فيها ؟!
 
أرادوا الهجرة من مرتفعات الفضاء ، وأزقة المجرّات وخرابيش الأفلاك···
 
جمعوا نورهم ، ورزموا حبال أشعتهم وثلوجهم وأمطارهم ···
 
ومثل بدو رحّل حملوها حيناً على الدبّ الأكبر وحيناً على جناحي الوشق ···
Page 3
حزموا أنجماً على التنين ، واستخدموا طاقة برج الحوت وسرعته في السباحة السماوية، ثم امتطوا الدب الأصغر ليبدأوا الرحلة مستهدين في هجرتهم ببراعة هدي النجم القطبي مرجع السماء ومحورها !
 
الخارطة واضحة أمامهم ، ولا سبيل للتراجع ·
 
سمع جبرا وشوشاتهم ، ورأى استعدادهم فزاد ابتهاجه ·
 
قال لروحه : ( سأتبعهم !)
 
وتابع معهم خطة النزول هبوطاً باتجاه القريه ·
 
الخارطه كلّ جغرافيا الفضاء ·
 
تتبّع المسار معهم : ستضيء لنا نجوم القَدَر الأول غياهب الدرب، وسنتبعها نجماً وراء نجم متسلّلين كأبديي الظهور من أثر الرحيل··· وستكون مراوغة حرّاس السماء لا بالمواجهة بل بمحاولة ولوج أصعب الدروب لا أسهلها !
 
ساد صمت
 
وبعد أن اصطف الجميع استعداداً ، وصف لهم دليل السماء مسلك الهبوط : في البدء سنخترق بحر الأمزجة ، ثم بحر الغيم، فبحر الأمطار ، وبعدها نستريح قليلاً قبل أن نواصل المرحلة الثانية عبر جبال الكربات مروراً بفوهة التيه وهضبة الأحلام ، لنسبح بعدها في محيط العواصف قبل أن نصل خليج قزح محطة إقامتنا الثانية التي لن نستقر فيها كثيراً بل سنبحر قليلاً نحو جزيرة الإخصاب حيث نستريح هناك سنين عددا لنحصي ما خسرنا ونعوّض بالخصب والتناسل ما ضاع منا حتى نعاود الرحلة في مرحلتها الأخيرة فوق بحر الحريق ، ومستنقع النوم وبحيرة السراب وصولاً إلى غابة الحلم قبل بلوغ الأرض !
 
فرح جبرا حين سمع كلمة الأرض ···
 
إنها تعني القرية، تعني البهجة، تعني الانسلاخ من لباس السماء الرسمي والحسابات الدقيقة، والمكيال، والثواب والعقاب بمقدار، ورصد هذا ومتابعة ذاك !
 
أحسّ بالخدر يصيب جناحه ····
 
أفاق من سبات تذكاره على شلال مالح يتسرّب من عينيه إلى وجنتيه ، وينحدر باتجاه شفاهه ساقطاً على مساحه ممتدة أسفل منه···
 
كان ملحاً قاتماً !
 
تذوّقه بلسانه دمعاً مصدره العين ··· تذكّر القرية فزاد جريان الوابل من عينيه !
 
تأمل ذاته ··· أحسّ بخدر جناحه القابع منذ سنوات الهجرة تحت القرية بعد أن طواها ، قالباً عاليها أسفلها ، مثل صفحة في كتاب ثم بقي سجيناً بين جناح طليق يلوّح طالباً الخلاص وبين آخر محصور تحت أنقاض القرية وأطلالها وذكريات البهجة فيها ، كلّما راوده حنين لفرح أو ذكرى ابتسام سال دمعه وزاد منسوب بحيرة الملح المتكوِّنة فوق القرية قرب عينيه!
 
هزّ جناحه الطليق متذكراً ، فهبّت نسمة دافئة على طول حفرة الانهدام التي تشققت قهراً لمّا أحسّت بثقل خسف الجناح في نزوله الرهيب عبر سبع سماوات شاطراً القرية، قطعة من كعك، بكل لذّة مذاقها وحلاوة أهلها ، رافعاً إيّاها عدّة أفلاك قبل أن يقلبها على جناحه الآخر في مكانها الذي كانت تسميه وطن البهجة··· وبقي الجناح دافئاً تحتها، وبقيت حفرة الانهدام ، وبقيت البحيره ماؤها من دمع جبرا الذي كلما هزّ جناحه الطليق يشرئبّ نور حراس السماء مسلطين أضواء مصابيحهم عليه خوف صحوه بعد طول سكون !
 
حاول أن يسحب جناحه السجين تحت بحيرة دمعه ، فأحسّ مياه الملح ثقيلة ·· كزّ على أسنانه وحرّكه بقوة فاهتزّت مساحات اليابسة حوله ، وبدأت الزلازل تداعب الأمكنة وتُشقّق البيوت وتُصدّع الجبال·
Page 4
قضم الهواء بغيظه ، ولم يتحرر جناحه ···
 
صاح : ( أما لهذا العقاب من نهاية ؟! )
 
سلّطوا كشافات أنوارهم عليه ···
 
كانوا حرّاس السماء الأربعين ··· شاهدهم فخاف !
 
اقتربوا منه ·
 
رآهم ··· كلٌّ يحمل سلسلة مصهورة في بؤرة عين الشمس ومجدولة بالنيازك والشياطين !
 
أحاطوا به ·
 
ثلاث ضربات من سلاسلهم في وقت واحد ضربوه ····
 
الأولى ، على جناحه الطليق، فارتخى وهبط ساكناً كحمل وديع بجانب البحيرة ···
 
فسكنت معه الريح!
 
الثانية ، على مفصل جناحه السجين ، فزاد خدره وصار قطعة صخر أسفل البحيرة ··
 
وهدأ الزلزال !
 
الثالثة ، قويّة على رأسه ··· ترنّح ، وزاد بكاؤه ، فزاد ملح البحيرة····
 
ردّدوا في أذنيه تعويذة أملاها عليهم إيل ليوقفوا بكاءه ، ويعيدوه إلى الحلم ····
 
اقتربوا منه أكثر ·
 
مثل جوقة رتّلوا على سمعه معاً : ( الكأس تعرف من تختار·····الكأس تعرف من تختار··)
 
أنهكوه بالتعويذة ·
 
خفّ سيلان دمعه ·
 
غفا ··· وعاد إلى الحلم بعد أن خفقت أجنحة حراس السماء مبتعدة إلى بروجها !
Page 5
دفاتر الغيب
 
شمالاً ··· السماء قاسية كحقد المهزومين !
 
جنوباً ··· الأرض راقصة في بلاط الفضاء !
 
والندامى على شرفة صحن الأعالي يقرعون الكؤوس فرحاً بفوانيس الليل ·
 
حيناً يسكرون ، وأحياناً أخرى يقدّمون مراسيم اللذّة للذي يعبث بأماني الجميع مصرّحاً :
 
( وحدي أنا إيل ··· الليل لكم ، والنهار لي !)
 
حلماً تذكّر جبرا ، تفاصيل هجرة السماء إلى حضن الأرض ···· جناحاه ما كانا مغلولين أسفل الملح والماء والتراب ، وما كان قلبه كسيراً كطفل يتيم ··· غير أن إيل كان ثملاً كسكارى المناجم!
 
تجاعيد وجه السماء النجوم ··
 
وعلى جسد الأعالي كانت الكواكب تسير حرّة بلا رقيب ، بينما إيل كان نادلاً في تلك الليلة !
 
الفضاء حانة له ولأربعة من خدمه المقرّبين : ( عزرا ···جبرا ··· ميكا ··· وإسراف ) ·
 
تلك أسماؤهم ·
 
وليلاً حول مائدتهم السماوية يجتمعون، وبينهم كبيرهم نادلاً يقدّم لهم الكأس لقاء خدمتهم إيّاه ساعات النهار !
 
ملك نهاراً ·
 
ساقياً للندامى ، نادلاً للسكارى ، كان ليلاً !
 
ودائماً يرعاهم بدورة كأسه :
 
دورة أولى ··· رفع الكأس ، فرفعوا كؤوسهم رغبة وخوفاً ·
 
قال : ( نخبكم رفاق إيل ، وزبائن ليلي الآمن !)
 
رفعوا كؤوسهم
 
ولم يشرب كأسه ، بل أكمل قوله :( لكم الليل سكراً ··· ولي النهار ملكاً !)
 
جرع الكأس مرّة واحدة فتسابقوا على الشرب كما فعل ·
Page 6
بكى جبرا ·
 
مثل حلم كانت تلك الليلة ·
 
كنّ ثلاث دورات ، بثلاثة أنخاب ، وما كان السرّ غائباً عن إيل!
 
جنوباً زادت الأحاديث ··· والبشر بين فرح ومرح ، ضحك ورقص ···بهجة كل أيامهم ، والكأس بين يدي إيل قريبة حتى اللامسافة ، حدّ الالتصاق ·
 
وملأ قدحه ·
 
وملأ أقداحهم مرة أخرى ·
 
رفع كأسه قائلاً : ( نخب دفاتر الغيب التي سأقرأها لكم الآن!)
 
خاف جبرا ·
 
تمتم بين جناحيه : ( كيف سيقرأ الغيب ؟!وأسرار هؤلاء جميعاً في الأرض والسماء ، هل سيكشفها كما يكشف عورة رضيع في المهد؟!
 
أما من خيار غير الكشف ؟!
 
هل سينكشف كل شيء كالفضيحة ؟!
 
تنفسهم ، نبض قلوبهم ، ثرثرة ألسنتهم لحظة مزاح ، أو مناجاة حبيب ساعة رضا ·
 
حقدهم على عدو يعجزون عن إيذائه ، أو كذبهم على أطفالهم من شدة الفقر ··· هل ستنكشف كل أسرارهم البريئة بقرار ثمل من إيل؟! ألا خيار ؟!)
 
قبل أن يتجرع إيل كأسه بدأ فتح الدفاتر ·
 
متجعدة كوجه عجوز، وبائسة كعروس مخطوفة، لكنه أكمل قراءتها بنشوة : ( في الصفحة الأولى سيُرهق الأرض النوم ···· وستغفو على حلم !
 
في الثانية ، سيكون الصحو ، فيمشي أهلها كالبؤس في مناكبها ، وسيلهثون !
 
وفي الثالثة ، سيبكون ··· أما فيما تبقى من صفحات الغيب فسيسقطون كسنيّ أعمارهم !)
 
تلفّت حوله ···· ضحك !
 
ارتجفت قلوبهم ··· تجرّع الكأس ، فخاف جبرا ···هجس لسرّه : ( هل قرأ إيل في دفاتره خبر الهجرة من مراعي السماء إلى بهجة الأسفل ؟! )
 
ارتعش قلبه كنيزك ذبيح هوى حتى غياهب الروح ·
 
تمنّى لو أنه لم يسمع شيئاً ··· لو أنه لم يتمنّ الهجرة معهم !
 
رفع كأسه ···· وشربها مع الشاربين !
Page 7
فتنة السماء
 
أتوا ·
 
أربعون حارساً من حرّاس السماء حضروا حين كان إيل رافعاً كأسه ، قارئاً دفاتر الغيب ·
 
دخلوا بخفّة دون استئذان ·
 
اقتربوا منه
 
همسوا له طويلاً في آن واحد !
 
تغيّرت ملامح وجهه فخاف جبرا ··· تساءل :( كيف يقرأ دفاتر الغيب ثمّ ينتظر وشاية أو همسة من حرّاسه ليعلم ماذا حدث ، فتتغير جغرافيا سحنته إثر حديثهم له ؟!)
 
بقيت الهواجس تأكل روحه : ( ما الذي يدور في ذهن إيل ؟! وبماذا وشى الواشون ؟!)
 
تأملهم إيل
 
انفضّ الحراس من حوله ، فهز رأسه صامتاً ··· اقترب منهم وأخذ يملأ كؤوسهم واحداً واحدا ً
 
دورة ثالثة ···· ضحك قائلاً: ( انظروا في الكؤوس ! )
 
خائفاً تأمل جبرا كأسه ·
 
إتضحت معالم السماء والأرض!
 
ركّز أكثر : القرية مثل نثار الياسمين تتضوّع رقصاً ، والفرح شعاع نور يتوهّج هالة ورد فوق الناس فيها !
 
النساء فتنة وبهجة ، وزينة الدبكات ، وخمرة الجلسات ، بينما رائحة النبض خرافية كدفء القلب ، والحب فيها بكر ما شوّهته لوثة التفكير ، ولا غطّته عقدة التكفير !
 
التجاعيد لم تكن أتلاماً على وجوه الرجال ··· وسواليفهم كن خليط الحب والرقص ، وما كانت أذهانهم كهوف ظنون ، فرحهم خبزهم ، وطيبة القلب كفاف عمرهم ···· وكانوا دائماً يضحكون !
 
لا وقت للحزن ولا متّسع للنوم وسط كرنفال الموسيقى ومهرجان الحياة ··· كانت القرية الباسم أهلها!
 
سمع جبرا غضب إيل : ( تأمّلوا الكأس !)
 
حدّق بخوف ·
 
تغيّرت الألوان ، وانقلبت تضاريس القدح
 
رأى فضاء يعرفه ، وشاهد رقصاً وضحكاً لم يألفه !
 
هذى لروحه : ( لقد فُضح نبأ الهجرة !)
 
تابع أخبار السماء بخشية وقلق ·
Page 8
اختلّ الميزان ·
 
صارت أسماء الأماكن تتغير ، وباتت حركتها أكثر دلالاً وغنجاً!
 
القمر عاشقٌ يبدّل لون وجهه ، وتسريحة شعره إغواءً لحوت توهمه مريداً يقضم منه كل حين قطعة إلى أن يحتويه تلبّساً ، ماحياً إيّاه في محاق الحب !
 
الشمس فتاة فقدت حياءها وهي تتسكع في الفضاء شروقاً وغروباً بحثاً عن سرير يحتويها جالباً الدفء لها بعد أن أفقدها انفجارها الأول عذريتها البكر !
 
النجوم تشعّ ثم تنوس كحالم يبحث عن خلاص !
 
والكواكب صارت تصطفّ مشكّلة بفوضاها لوحة لقيثارة أوناي تعزف عليه أغاني القرية التي تصلها ، فتسلبها وقارها وتصير فرقة للّهو على ساحة السماء ··· تشبك أنوارها ومداراتها بعضاً ببعض، تتآلف النجوم والثقوب السوداء والقمر وبنات نعش وسهيل والمريخ وما تبقى من سكان الفضاء ليشكّلوا جوقة في البدء ، ثم تتحول جوقة الفرح إلى مسير ومشي ، فهرولة ، فاندفاع محموم عبر درب مرسوم باتجاه القرية، توقهم الذي يرغبون!
 
السعادة تميمة يتمنّونها
 
والقرية نقش التميمة ومعنى حروفها !
 
من قال أن أهل القرية ما كانوا يحبوّن السماء أيضاً ؟!
 
النجوم عاشقة ، وأهل القرية لها عاشقون !
 
وكانوا يهيمون بها حدّ الفرح ، حدّ أنهم يحسبون مواقيت أعيادهم، وتواريخ ميلادهم ، وترانيم حظّهم ، ومواقيت مدّهم وجزرهم من حركة الكواكب وأبراج النجوم···
 
تمنّوا السماء حرّة مبتهجة ··· تمنوها قريبة كالقلب ·
 
تنفس إيل بحرقة كأتون جهنم !
 
ارتعش جبرا ·
 
سمعه يقول : ( جبرا ··· فتنتهم تلك القرية !)
 
خاف ، ونظر إلى إيل بحزن وخشية ·
 
تابع حديثه : ( هاهم يهربون كشتات الحروب نازحين من السماء !إنهم يهاجرون !)
 
رفع إيل سوطه ···
 
عظيماً كان ·· وكان عرضه عرض السماوات والأرض !
 
حرّكه بوجه المهاجرين ·
 
قال آمراً : ( ارجعوا !)
 
ورفع كأسه الثالثة ·
Page 9
نخب القرية
 
سماء تلهث وراء نجومها ··
 
حرس يحملون شباكاً جبّارة ، ويصطادون الهاربين من مدارات الفضاء !
 
أمّا إيل فكان يرقب العالمين رافعاً كأسه كنُصب إله !
 
صامتاً كان ·
 
وبقي رفاقه صامتين مثله !
 
الصمت نزيف القهر ·
 
والصمت أعمق من حزن النجوم حين دُحرت وتراجعت أفواجاً من المهاجرين السماويين بخذلان منكسر خوفاً من سوط إيل !
 
قطع السكون بمدية صوته : ( القرية فتنة !)
 
رفع الكأس ملآن ·
 
لسع الأفواج المنكسرة بطرف سوطه فتهافتت متراجعة بذعر قطيع غزلان يتعقّبها مخلب ···
 
اصطفّ حرس السماء فصيلاً من المقاتلين ، حاملين أدوات صيد النجم ، أمام بوابة عرش إيل ···
 
حدّق فيمن حوله : ( جبرا ··· ميكا ··· إسراف ··· وعزرا! )
 
تأمل أيديهم ، وأجنحتهم المرتجفة ·
 
شاهد كؤوسهم تتساقط واحدة واحدة أمام تحديق عيونه !
 
تداعت في ذهنه صورته لما رأى وجهه ذات سُكرٍ في كأسه : كلّ رأسه عيون، وآذان ، وألسن ···· وحين تأمّل جسده كانت أيديه كثيرة وأرجله عديدة كما الأخطبوط ·
 
بشعاً كان ·
 
تذّكر أنه جمع النور بين يديه ، وخلطه بإرادته في أن يخلق أربعة يكونون أجمل منه وأبهى·····
 
شكّل النور، نحته ، رسمه بريشة مشيئته حتى صار النور أربعة رفاق له ليلاً أما في النهار فهم أذرعه وعيونه التي تجوب الفضاء خدمة له !
 
رفع كأسه ·
 
قال : ( من يشرب نخب تلك القرية ؟!)
 
لم يجرؤ أحد على الإجابة
 
نكّسوا رؤوسهم كرايات الحداد
Page 10
انداحت الأرض نحوهم ، واقتربت على مرمى عيونهم المنحدرة حتى أسفل أقدامهم ··· حدّ السماء الأولى ··· حدّ غلاف الأرض····حدّ القرية الباسم أهلها !
 
صارت واضحة كسطر في كتاب ، ومضيئة كشعلة في كوكب!
 
اقترب منهم واحداً واحداً ·
 
كأسه بيده ··· وعيونه تجحظهم وتقلّبهم فحصاً ·
 
وكلما اقترب منهم ، زادوا نكوصاً وخوفاً، وازدادت ضربات قلوبهم ، طبولاً تؤذن بشَرّ آت!
 
أربعة كانوا ·
 
وكانوا حول مائدته جالسين !
 
أما إيل فكان وحده واقفاً والكأس ملء يده، بينما عيونه لا تترك لهم فُرجة للمحة عين أوتمتمة شفة ···
 
ولا مجال للهروب !
 
كيف يجرؤ أحد على رفع عينه بعيون إيل ؟!
 
اقترب من جبرا ·
 
صرخ بوجهه : ( ها أنت تلوذ بالصمت كصخر متآمر مع البارود!)
 
لم يجب أحد ·
 
وما انتظر إيل ، بل انتقل إلى الآخر قائلاً :( إسراف ··· خذ الكأس وانطلق مثل ريح قبل إغماضة عيني لتعود لي بخبر القرية!)
 
بقي إسراف صامتاً، فأكمل إيل :( من يشرب كأس القرية بقناعة ورضا ؟!)
 
التفت إلى ثالث الجالسين ·
 
قدّم له الكأس، وهو يهمس بغيظ :( ميكا ··· كن أجرأ منهم، وانفخ نارك على شتات تلك القرية التي فتنت نجوم السماء وكواكبها··· خذ ··· خذ الكأس بقوة ولا تتردد !)
 
طأطأ ميكا رأسه
 
صار كلّ الكون سكوناً !
 
انتقل بسرعة إلى عزرا ·
 
هشّم حائط الصمت بغضبه:( عزرا ·
 
أنت من تعوّدت الموت ، فاقبض أرواحهم ، ولا تتركهم ··· أنت الموت !
 
إذا بقيت القرية فلن نستطيع جمع ما حولنا، وسيكون الخوف شريك موائدنا ·· إشرب الكأس ···· نخبهم ، وابدأ بهم !)
 
لم يكن صوت ··· ولم يأت جواب !
 
اختبأت النجوم خلف ستار الليل ·