eKtab
EN ع
موتى مبتدئون
Read free sample

موتى مبتدئون

by سليم بركات

Page 1
السنجاب، بعد أربع قفزات
 
توقف السنجاب البنيُّ، بعد أربع قفزاتٍ محسوبة بالدِّقة التي يُمليها الخوفُ، تحت شجرة الكستنة الضخمة· دار من حول جذعها العريق نصف دورةٍ يمكِّنُ وثْبتَه من اندفاعتها القصوى· لولبياً تسلق الجذعَ· حمله غصنٌ إلى غصنٍ، طبقةً بعد أخرى، في اتجاه الأعالي، فتناثرت حفناتٌ من الثلجِ العالق بها ـ ثلجِ المشورة التي دَرَج البياضُ على إسدائها للخلاءِ الموحش· استأذن السنجابُ شجرةَ الكستنة إذْ بلغ ذروةَ فضائها الفارغ، قافزاً في اتجاه شجرة الصنوبر· حطَّ عليها في خفَّةٍ كفكرةٍ ارتجلَها أملٌ عابر·
 
لمس نصلُ السهم القصير ذيلَ السنجاب، وأكملَ صفيرَهُ يائساً· ضرب ماسِيْلْدِي كتفَ غِيْرْمُوهالي بقفازه عاتباً: أخطأت قوسُك الفولاذُ الرميةَ مرتين، اليوم· في معدنها شيءٌ من ذرْق البوم استدار الشابان المتلفِّعان بمعطفين من فراء الثعالب الرمادية، عائديْن إلى أقرانهما الجالسيْنَ تحت عريشة من الأغصان المشتبكة بَدَتْ كغارٍ مسقوف بركامٍ من الثلج·
 
أحلم بشواء، قالت دَاهْناليدا الحمراء الأنف من تحت لثامها· أخرجت يدها اليمنى من القفاز الأسود، ومرَّرتها، عبر اللهب المشتعل في كومة الغصون، بضع مرات· شدَّتْ نِيْدِيْدَادْ، حاملةُ لقبِ الغيمةَ، يَدُ داهناليدا: أنتِ تحرقينها شمَّت داهناليدا يدَها الدافئةَ: أحلم بشواء حتى لو كان من لحمي، ورفعت وجهها إلى القادميْن في خيبةٍ: سنأكل الشيطانَ المدَّخن هذا إلى الأبد، أخرجت من جرابها قطعةً من لحم الرَّنَّة المسودِّ اليابس·
 
رمى غيرموهالي قوسَه الفولاذَ إلى الثلج فانغرزت فيه عميقاً· جلس على زحافة من التي حملوا عليها حوائجهم: ماذا نفعل هنا؟، قال من فمٍ سطَّر بالبخار تذمُّرَه على الهواء·
 
ألاترى الأمرَ ممتعاً؟، ساءله جِيْمَاتِيْرْك، وهو يمدُّ عصا في رأسها قطعة من السَّمك المدخَّن صوب اللهب·
 
ماالممتع في الأمر؟ منذ بدء مسيرنا، قبل ستة أيام، لم نلتق أحداً بعد، قال غيرموهالي· رماه رَامُوْسِيْراسْمُو بحبة كستنة: إن لم نلتق أحداً حتى الآن، فالأرجح سنلتقي بكثيرين في خليج مورتفيك· سيغدو الأمرُ ممتعاً آنذاك، ياغيرموهالي وأنت تسلِّي الصيادين العابقة معاطفُهم بزَنَخ ريش البط
Page 2
نهضت دَاهْنَاليْدا الطويلة عن زحافتها المغطاة بجلد الأيلِ ـ ربيبِ غابة القِيْقَب· اقتربت من النار: ماذا نفعل إن لم نلتقِ أحداً؟ تنكمش رئتاي هَلَعاً من فكرتي هذه· أمام مَنْ أدرِّب نفسي على طيشٍ بلاحدود؛ أن أكون امرأة صاعقةً تفاجىء نَفْسَها بالـ··
 
بي، ياداهناليدا المعصوبة العينين، قال جيماتيرك مُقاطعاً· ابتسم لها: درِّبي نفسَك أمامي على ماتشائين· أنا مهيَّأٌ أن أكون صاعقاً بدوري؛ أن أكون فكرتَك أنتِ عن الغريب· ألم نجشِّم أنفسنا كل هذا العناء لنلتقي غريباً نسليه؟
 
مَنْ منا خطرت بباله فكرةُ التسوُّل هذه؟، قال ماسيليدي·
 
أتسمِّي لعبتنا النبيلةَ تسوُّلاً، ياشبحَ الزنبق ماسيليدي؟، ساءله جيماتيرك، فانبرت له داهناليدا، المطوَّقة الرأس، تحت الخِمار الجلد، بعُصابة كالقناع، تبرز عن ثقبين فيها عيناها المجلَّلتان برموش شديدة الشقرة: هذه ليست فكرةَ تسوُّل ياماسيليدي ـ شبح الزنبق، وليست لعبة، يامحيِّر شجر القيقب جيماتيرك، بل هِبة ألزمْنا أنفسنا بها، قبل خروجنا من أرضِ السَّحلبية الزرقاء ـ زهرةِ المغيب الناقص· قلنا: سنفاجىء أنفسنا أمام أول غريب نلتقيه بما يمكن أن نستحضر له من تسلية لم نعرف، قبلاً، أيَّ اقتدارٍ عليها أمام أحدٍ آخر
 
تزعمين، ياداهناليدا المعصوبة العينين، أنك ستستخرجين الطيشَ العاصفَ، الذي فيك، إنِ التقيتِ غريباً· ستنفِّريْنه· ستجفلينه· لن تكون المسألة تسليةً،· قال غيرموهالي، فردت داهناليدا: لست معصوبة العينين· هذا قناعي أتَّقي به وهجَ الثلج، ولأْلأَتَه المُعشيةَ، يانَفَس الأيل في المغيب ـ غيرموهالي· لقد زعمتُ أنْ سأكونُ طائشةً، عاصفةً· قد لايحدث الأمر هكذا· ربما أكون أكثر خجلاً أمام الغريب، أكثر رقَّة؛ خاضعةً، أُمَكِّنه من استحواذ خياله على خيالي· لم يلتق أحدُنا غريباً من قبل
 
خلع راموسيراسمو، الضخم الهيكل، قفازيه المنسوجين من وَبر كلب الجليد· حَسَر عن رأسه غطاءَه الجلدَ، وقضم حبةَ كستنة بأسنانه القوية مع قشرها: هل الغرباء مُلْهِمون إلى هذا الحدِّ؟ مَنْ يُشبه الغريبُ؟، قال بصوتٍ نائم، فردَّت نيديداد:
 
ـ يشبه الغريبُ غريباً مثله·
Page 3
تأجَّج اللهبُ إذ نكتَهُ جيماتيرك بعصاه الرفيعة· تمتم: بدأنا نفاجىء أنفسنا بغريب لم نلتقِه بعد تلفت بعينيه على جهات الغابة العريقة، ذات الممرات المؤجَّلة إلى فصولٍ لاثلج فيها: يشبه الغريبُ غريباً مثله، أيتها الغيمةُ في الشروق ـ نيديداد
 
نزل سنجابٌ رماديٌّ، في هدوءٍ، عن جذع شجرة صنوبر، على بُعد أذرع قليلة من زُحافاتِ القافلة الصغيرة· تأمَّلهم بعينيه ـ عينيِّ العقل المَرِح· لمس ماسيليدي بقدمه قَدَم غيرموهالي: أين قوسُك الفولاذية؟
 
جال غيرموهالي ـ نفسُ الأيِّل في المغيبِ ـ بعينيه على الثلج من حوله بلامبالاة· عاد ببصره إلى الحيوان الصغير ذي الذيل الطائش كعذوبةٍ: هذا السنجاب ذاهبٌ إلى عرس، قال· ضحك راموسيراسمو: بدأ خيالُك ينجب التوائم نظر إلى الآخرين: ألنْ يكون مسليِّاً أن يحدِّث غيرموهالي أول غريب يلتقيه عن سنجابٍ ذاهبٍ إلى عرس؟· أنت تدرِّب نَفْسَك يانَفَس الأيل في المغيب قذفَ السنجابَ بحبة كستنة متمتماً: غيرموهالي يسبقنا
 
اندفع السنجاب كزفيرٍ من رئة الثلج إلى أعالي شجرة الصنوبر، مُلقياً شتائم من خلفه بحروف من لغة الغابة·
 
أسمعتموه؟ أسمعتم ماقاله السنجاب؟، نطقت داهناليدا بصوتٍ خفيضٍ· لمست براحتها فخذ نيديداد الجالسة لصقها: بمَ نسلِّي غرباءً إذا التقيناهم؟
 
نغني لهم، قال ماسيليدي·
 
أليس الأفضل، ياصاحب الصوت المطحون ماسيليدي، أن نختلقَ قصصاً؟، قال جيماتيرك· حدَّق إلى داهناليدا: أو أن ترقص لهم المعصوبةُ العينين؟
 
لاغناء· لاقصص· لارقص· لم نفكِّر بفكرتنا إلاَّ كهبة·دعوا التسليةَ تحضر طوعاً، فيما بعد· سيكون الأمرُ إلهاماً بحضور الغريب، قال راموسيراسمو· أحضِروا··، ورمى بحفنة الكستنة التي في يده بعيداً إلى الفراغ الأبيض· تكلَّم ثانيةً: أحضِروا غرباءً معصوبي الأعين، تدهشونهم حين يفتحونها عليكم· نادوهم بلسان خيالكم· ابتكروهم· ذكِّروهم بأسمائهم إنْ نسوا أسماءَهم
 
انزلقت كومةٌ كبيرة من الثلج عن عريشة أغصان الصنوبر المشتبكة· نزلت، بتقدير دقيقٍ من يد الخفيِّ، على الحطب المشتعل· اختلط الدخان المنبعث من الجمر المختنق بشتائم مقذوفة في الإتجاهات كلِّها·
Page 4
المدية والمبرد
 
شحذ الرجل الجالس على جذع شجرةٍ مهشَّم، قبالة المياه في خليج أُوْدِنْ، مِدْيتَهُ العريضة الشفرة على مبردٍ حجرٍ مضلَّع· نطق المعدنُ في احتكاكه بالمعدن، فأصغى قلبُ الرجل إلى حكمة اللسان الصلب·
 
ثلاثة عشر طيراً من قبائل البط، المطوَّق العنق ببهاءٍ أصفر، عبرتِ البرزخَ الثلجَ إلى البرزخِ المياهِ كقوارب من ريش· مسَّها الرجلُ ببصره؛ مسَّ ببصره الدوائرَ المتداخلةَ على السطح الرماديِّ الساكن· تأمَّلَ البعيدَ المُعْتَصَر في قبضة الأفق المُعْتَصَر تحت ثقل السماء· أغمض عينيه· تحركت شفرةُ المدية، ثانيةً، على المبرد، فأصغى المجهولُ، بعقله الذهبيِّ، إلى الهسيس المرتعش في خيال المعدن·
 
نهض الرجلُ عن الجذع المهشَّم ليستعرض على نفسه المكانَ تفصيلاً بعد آخر: الجذوعَ العتيقةَ الهرمة، والثلجَ المتغلغل، بجسارةٍ، في المياه، والغابةَ المؤتَلِفةَ من خلفه، بأُمم أشجارها العارية منها والمكتسية· تقدم خطواتٍ بلاهدف، ثم انكفأ· حدَّق إلى المدية، فالمبرد، متفحِّصاً أمرَ وجودهما في يديه، باستفسار أخرس· جلس على الجذع المهشم، من جديد· علا هسيسُ احتكاك المعدنِ الحديدِ بالمعدن الحجرِ·
 
رقيقةً تمايلت نُدَف الثلج في نزولها· أُسْدِل الحجابُ الشفيف بإيماءة البياض إلى مريده الخفيِّ· رفع الرجل وجهه ناظراً إلى البطِّ المفتَّت الصور وراء الحجاب· ذابتْ جسومها في سطرٍ متَّصل من حروف بلافواصل· انتزعتْه رعشةٌ خفيفة من تأمُّله في الأشكال· ردَّ خِمارَه الجلدَ، من خلف رقبته، على رأسه الأبيض: أيها البط، ألاتريد أن تسألني شيئاً وأنت تقتحم الماءَ من جهتي التي لي؟ ابتسم ابتسامةً مُرْهَقَة كخياله· وضع المبردَ الحجر في جيب معطفِه الجلدِ السميك الخشن، وأغمد نصل مديته في الجذع الجالس عليه· حرَّر يديه من أحوال الوصف المتتابع للحركة بكلمات الهسيس على لسان المعدن· تكلَّم بانكسارٍ: أيُّ مكانٍ يقود نَفْسَه إليَّ؟ لاأتذكر شيئاً أيها الثلج· لاأتذكر شيئاً أيتها المياه· لستُ ماثلاً أمامي· باردٌ كلُّ شيء، لكنه بردٌ يستعطفني أن أشفق عليه· ليكنْ: سيدي، أيها البرد، 
Page 5
خُذْ من ذاكرتي ماتشاء؛ خذْ خواءَها وضع يديه تحت إبطيه· طوَّق الفراغَ الساحقَ العريق بصوتٍ فراغٍ: هذا البياض الذي حولي متردِّد، زاهدٌ، والمياهُ تُقحمني في شؤون لستُ على عجلة في تأكيدها· لستُ قوياً، ولستُ ضعيفاً أيضاً نهض عن الجذع المهشم· تقدَّم صوب المياه بخطوات تجرح الثلجَ: أأنا أخون ذاكرتي، أمْ تتصنَّع ذاكرتي أنني أخونها؟ كلُّ ماأعرف أنها لاتملكني، ولاأملكها، فلاأشغلنَّ نفسي، إذاً، بأن يخونني مالايملكني، وأن أخون مالاأملك وضع يديه في جيبي معطفه العاليين، على جهتَيْ قفص صدره· قرفص يتأمل سربَ البط· تمتم: أأنا شتاتُ خيالي، أمْ شتاتُ أملي في خيالٍ مصيبٍ على نحوٍ عنيد، أو مخطىء على نحو عنيد؟· لن أعطي ذاكرتي ماتريد منّي الآن، ولاأريد أن تعطيني ماأريد منها الآن· فلأقفْ على جانبٍ، ولتقف ذاكرتي على جانب آخر، في خليج أوْدِن
 
شدَّ لفائف القماش المجدولة على ساق حذائه الجلد وقايةً· استقامَ· نفض ندائفَ الثلج عن كتفيه، وهو يرى سرب البط عائداً إلى الشاطىء الأبيض، وديعاً في حركته المتمايلة· سمع صفيراً· تخبطت بطةٌ مرتين ثم خمدتْ· انذعرتِ الأُخرياتُ· قوقأتْ قوقأةَ المُباغَتِ المُجْفَل· عطْعَطتْ، وعجَّتْ· ضربت الأجنحةُ الثلجَ تتوسَّلُه أن يطير بها· دارت عائدةً إلى المياه· اقتحمتْها موغلةً في الفراغ الأمين·
 
خرج غيرموهالي من وراء اللفيف المثقل الأغصان بالثلج· قهقهَ: انظرْ ياشبحَ الزنبق ـ ماسيليدي· ليس في معدن هذا السهم شائبةٌ من ذرق البوم حرثَ البياضَ بقدميه مهرولاً صوب البطةِ ـ طيرِ الحُجُب المائية في راهنِ الجوهر· راعَهُ شخص الرجل المرهَق العينين واقفاً على بُعْدٍ· توقَّف يزِنُه بميزان بصره· جاوره ماسيليدي، الذي أدار وجهه إلى حيث ينظر غيرموهالي: أهذا غريبٌ؟، قال بنبرةٍ مستثارةٍ· أعاد ترتيب الكلمات على صفحة صوته· نادى: أأنت غريب، أيها الرجل؟
 
لم ينطق الرجل المرهَق العينين· استدار عائداً إلى الجذع المهشم· جلس عليه· أخرج المبردَ الحجرَ من جيبه· سلَّ المديةَ المغروزة في الشجرة الميتة· سنَّ شفرتَها، بتؤدةٍ لامباليةٍ، فَعَلا هسيسٌ نشيدٌ، مُرْهَقٌ كخياله·
Page 6
طيورُ القُرْقُف
 
تصايحت طيور القُرْقُف الصغيرة، لاهيةً، في أعالي الغصون· طارت شموساً، صغيرةً، خفية، مختبئة في أكواز الصنوبر الميتة، المتشبثة بالحياة في عبورها البارد· أعارتِ الشجرَ خيالها، واستعارت خيالَ الشجر، ثم طارت مبتعدة إذ عَلَتْ جَلبةُ القادميْن بزحافاتهم محتشديْن أما الجذع المهشم، حيث يجلس الرجل المُرهَق العينين· طوَّقوه في نصف دائرة، والتهموه بأسنان الشوق الجائع إلى غريبٍ·
 
هل سألتماه مَنْ يكون؟ ساءلت داهناليدا رفيقيها غيرموهالي، وماسيليدي، اللذين سَبَقا الآخرين إليه· تمتما كلماتٍ مكسورةً تُنبىءُ بانهزامهما أمام لامبالاته المُسْرِفة، وهو عاكف على سَنِّ مديته·
 
أهو غريب؟، تساءل جيماتِرك حامل العصا الرفيعة·
 
هكذا يبدو، قالت نيديداد الممتلئة في عباءتِها الفِراء·
 
اقتربت داهناليدا الطويلة، ذات القناع الرقيق، الذي يقي عينيها، الزرقاوين إلى صُفرةٍ، من وهج البياض· حدَّقت إليه تتوسَّله أن لايخون توقُّعَها: سأقتل نفسي إذا لم يكن غريباً
 
جذبها ماسيليدي القصير قليلاً برقة· فتح فمه عن أسنان انكسرت إحدى ثنيَّاتها العليا، وفخ بخاراً على عينينها: أفيقي، أيتها المعصوبة العينين، هدوؤه لايُنبىء أنه غريب
 
أنت تُحبِطني، ياشبح الزنبق، قالت الشابة الطويلة، فردَّ ماسيليدي الحليق الوجه: بل أوفِّر عليكِ الخيبة· قد لايكون الرجلُ هذا، في بساطةٍ، غريباً
 
جاورتْ نيديداد الجذعَ المهشم، عن يمين الرجل المُرهق العينين· جلست عليه بهدوء· تأمَّلتْ وجهَهُ المُطْرِقَ· حَسَرت القُفازَ عن يدها اليسرى· مدَّت أناملها الرقيقة حتى لامست شفرةَ المدية المتحرِّكة، ذهاباً وإياباً، على المبردِ الحجرِ· توقف الرجل عن سنِّ مديته من غير أن يستدير بوجهه إليها· تمتمت الشابة ـ الغيمةُ في الشروق: أنحن نتطفل عليك، أيها الغريب؟
Page 7
شقَّ راموسيراسمو، الضخم، ذو الأنف الأقنى، الستارَ اللامرئيَّ، بيديه، اعتراضاً بلاصخبٍ: لم نرَ غريباً من قبل، أيتها الغيمة في الشروق ـ نيديداد، فلماذا تنادينه بلقب الغريب؟
 
انبرى جيماتِيرك النحيل متحدثاً بلسان الكَشْف: انظرْ إلى مديته العريضة الشفرة، يانكهةَ طحين الأرز ـ راموسيراسمو· هي ليست من صناعة أرض سْكُوْغُوْس ـ إقليم العبث المعتدل
 
لم يأبه راموسيراسمو لكشْفِ جيماتِيرك· قرفصَ أمام الرجل المرهَق العينين، فوق الثلج، يختلس النظرَ إلى وجهه تحتَ الخِمار الجلدِ: لماذا تتصنَّع هذا الهدوء الكثيف المتشابك، الثقيل، الثقيل؟ ألايكفي ستة مثلنا، بزُحافاتهم، وصخبهم، أن يحملوا ثقلَ هدوئك عنك، أو يرغموه على أن يُفسح لنا مكاناً فيه كضيوفٍ؟ اعتصرَ حفنةً من الثلج فتكوَّرتْ· مسح بها شفتيه· لو أن لهدوئك، أيها السيد الصامت، قدمين، لدغدغتُ باطنيهما ابتسم· ألقى نظرةً من خلف كتفه إلى صَحبه· غمزهم مؤكداً ظرافةَ دُعابته·
 
هذا رجلٌ ماءٌ، قالت داهناليدا الكبيرةُ الأسنان· ضحك ماسيليدي: هو ماءٌ، وهدوؤه زيتٌ· سيختنق، قال، آملاً أن يُستثار الرجلُ المُرهَق العينين من لَمْزِهما له، فاستُثير جيماتِيرك: بل هو زيتٌ، ونحن الماء· سنختنق
 
نهض راموسيراسمو في خيبة· حدق إلى الرجل الجالس على الجذع المهشم· حاول، على نحوٍ غير مُتْقَنٍ، أن يفتح ثغرةً مَّا في الهبوب الغامض· سلَّ مديتَه الكبيرة كالساطور· قدَّمها، منحنياً، إليه: اشحذْها لي
 
لاتعابثْه هكذا، ياطحين الأرزِّ، قال غيرموهالي ذو اللحية الكثة الشقراء، وهو ينحِّي صاحبَه الضخمَ، الأقنى الأنف· رفع البطةَ القتيلة، من قدميها، أمام وجه الرجل المُرْهَق العينين: أأنت جائع؟ دار ببصره على صِحابه: منذ البارحة لم أحسَّ بجوع· أجزمُ أنْ لستم جائعين أيضاً· مامن أحد منكم تحدث عن طعام منذ البارحة تأمَّل البطة في عتابٍ على نَفْسه: أكان ينبغي أن تكوني هنا، اليوم، ياطيرَ الحُجُب المائية؟ وضعها على الجذع المهشم، إلى جوار الرجل الجالس·
Page 8
لمست داهناليدا ذراعَ غيرموهالي· سدَّدت إليه كلماتِ النظر المُسْتَدْرِك: لاأرى متاعاً مع هذا الغريب، فردَّ صاحب القوسِ الفولاذِ ذات الزناد: لايحضر الغرباءُ متاعاً معهم
 
من أين لك كشفُك العجولُ، يانَفَس الأيل في المغيب ـ غيرموهالي؟ الغرباء، أيضاً، يصحبون متاعَهم مثلنا، قال جياتيرك ذو الأنف الطويل ـ أنفِ القسمةِ المتقاربة بين العامَّة في أرضِ السَّحلبيَّة الزرقاء·
 
أرأيتَ غرباء، من قبل، حتى تزعم أنهم يصحبون متاعاً، يامحيِّر شجر القيقب ـ جيماتيرك؟، ساءله غيرموهالي، فرد جيماتيرك: أَوَرأيتَ، أنتَ، غرباء، من قبل، حتى تزعم أنهم لايصحبون متاعاً، يانَفَس الأيل في المغيب؟
 
جرَّت نيديداد الممتلئة زحافتها حتى صدمت الجذعَ المهشم· جلست على الزحافة متثاقلةَ الجسد والكلمات: لكُما، معاً، خمسُ خُصى، قالت، فضيَّق غيرموهالي بين أجفانه مستنكراً: أيُّ لسانٍ أيقظ كلماتكِ هذه، أيتها الغيمة في الشروق ـ نيديداد؟
 
أيقظت كلماتي خصيةُ المنطق الخامسةُ في جدالكما، ياغيرموهالي، وجيماتيرك· انظرا إلى الرجل بعين المكان: مَنْ لايحمل معه متاعاً يكُنْ من الجوار، في الأرجح· ربما يقيم في مسكن خلف لفيف الشجر ذاك، وأشارت إلى الجهة الشمالية من الخليج·
 
ساد هدوءٌ متفحِّصٌ· فكَّر المكانُ في نَفْسه، قليلاً، بعقل الإشارات في أعين الجَمْع الصغير وهم يحدِّقون إلى المجهول الأبيض متدحرجاً من خيال الشجر إلى الخليج· تنفَّس البردُ· تنفَّستِ المياه·
 
جرَّ الصحابُ زحافاتهم، تباعاً، يرصفونها نصف حلقة أمام الجذع المهشم· جلس كلٌّ على زحافته مستريحاً· عبرتْ نسمةُ هواء قلَّبت ستَّ ريشاتٍ في جسد البطة القتيلة، ثم خمدتْ النسمةُ فعادت الريشاتُ إلى نومها·
 
أأنت من خليج مورتفيك، أيها السيد الصامت؟ ساءل ماسيليدي الرجلَ المُرهق العينين· حدَّجه راموسيراسمو بنظرة ضيِّقة المعنى: أتنتظر ردَّاً، أمْ تدرِّب لسانَك على الخواء، ياشبح الزنبق؟، فاحتدم ماسيليدي: ولماذا نجلس أمامه، إذاً؟ لماذا لانمضي؟
Page 9
لم يحسم الرجلُ أمره، بعد· هذا مايُبقينا هنا، قالت داهناليدا·
 
فيمَ يحسم أمرَه، يامعصوبةَ العينين؟، ساءلها جيماتيرك متأفِّفَ اللسان، فرمتْه الفتاةُ الطويلة بحفنة ثلج: هذا قناع، وليس عُصابة· عيناي مفتوحتان، يامحيِّر شجر القيقب
 
أهما مفتوحتان حقَّاً؟ أيُّ أمرٍ تريْنَه خليقاً بالحَسْم حتى يحسمه هذا الرجل؟ أمره هو، أم أمرنا نحن؟، ساءلها جيماتيرك وهو ينفض عن صدره مارمتْه به من ثلج· تدخَّل غيرموهالي: أظن داهناليدا على حقٍّ· على الرجل الجالس على الجذع أن يحسم أمره
 
فيمَ يحسم أمره، ياغيرموهالي؟، قال جيماتِيرك باستغراب، فردَّ صاحب القوس الفولاذية:
 
أن يخبرنا، بأية إشارة يريدها، أهو غريبٌ، أمْ من الجوار
 
لن يردَّ، قالت نيديداد الممتلئة، وهي تتمدَّد، بطولها، على الزحافة·
 
ربما علينا تدبير ماندرِّب به خيالنا على هذا الموقف، حتى يحسم أمرَه، ويردَّ· فلْننتظر قال غيرموهالي· سلَّ مديته الضخمة كساطور من حزامه، وأغمدها في الثلج إلى مقبضها المغلَّف بالجلد· سُمِعَ هسيسُ حديدها غائراً في البياض الفاتك·
 
اثنا عشر طيراً من أمَّة البط، المطوَّق العنق ببهاءٍ أصفر، عبرتِ البزخَ المياهَ إلى البرزخِ اليابسةِ· صعدتْ كثيباً من الثلج رفعتْه مساربُ الهواء فوق الهشيم المجتمع في مضيق صغير من ضفة الخليج· اصطفت سطراً لوناً بأربع وعشرين عينا، تمزج السماء بالأرض في حرف واحد من حروف الوعيد· توقف الرجل المرهق العينين عن سَنِّ مديته· رفع وجهه، في ثقل، إلى سطر البط في لوح الكثيب الأبيض· تنبَّه الجالسون أمامه، على زحافاتهم، إلى حركته، فاستداروا بوجوههم إلى حيث ألقى بصرَه· تكلَّم ماسيليدي: بطٌّ حزين· يلقي النظرةَ الأخيرةَ على رفيقته القتيلة، قال، والتفت إلى صاحب القوس: إنه يتهدَّدُك يانَفَس الأيل في المغيب ـ غيرموهالي
 
نهض غيرموهالي الطويل، المتقوس الهيكل قليلاً· رفع البطة القتيلة عن الجذع المهشم، من ساقيها، ومشى في اتجاه كثيب الثلج: تعالي ياعقولَ الماء المُلفَّقةَ؛ أيتها الطيور الشاهدة على هذه النكبة النبيلة· تعالي، قال· انفرط سطرُ البط جُمَلاً تداخلتْ· حركتْ أذيالها القصيرةَ منحدرةً إلى الجهة الأخرى من حجاب البياض، خلف الكثيب· توقف غيرموهالي· جثا على الثلج· حفر حفرةً ودفن البطة القتيلة· عاد إلى صحابه· تكلمت نيديداد المتمددة بطولها على الزحافة: النظرة الأخيرة من كائن على كائن أمرٌ محيِّر
 
لاحيرةَ· لاأمرٌ محيِّر· النظرة الأخيرة نظرة مشوَّشة، لذلك هي أخيرة، قال راموسيراسمو·
Page 10
بدأتما تسليانني، قالت داهناليدا· وضعت راحتها على الجذع المهشم: هذه بداية طيبة لتسلية الغريب، أيضاً سحبت راحتها بتمهُّل وهي تجرف بعض الثلج· تمتمت: كل ختام أمرٌ مشوَّش رماها جيماتيرك بأحد قُفازيه مُدَاعباً· فرك يده بالأخرى: النظرة الأخيرة مشوشة· الختام مشوَّش· أي ختام تعنين، يافتاة القناع؟ التفت إلى غيرموهالي: لماذا هي عقول الماء الملفَّقة يانَفَس الأيل في المغيب؟، قال مشيراً بيده إلى حيث كانت تقف طيورُ البط·
 
إننا نتدرَّب، الآن، على الكمال، قال غيرموهالي، فاعترض جيماتيرك كلماتِ صاحبه· تلقَّفها في الهواء وفَرَكها: على الكمال؟؟؟ شهق شهيقاً خفيفاً· خلع قفازه الآخر ورماه إلى فراغ الأعالي: لاتعدْ إليَّ أيها القفاز، حتى ينجز غيرموهالي تدريبَ خيالنا على الكمال تمدَّد على الثلج مستريحاً: أيُّ كمال، يانَفَس الأيل في المغيب؟، قال بصوتٍ يتصنَّع الشهوة·
 
الكمال في أن نكون مُقْنِعيْنَ، يامحيِّر شجر القيقب، رد غيرموهالي·
 
الإقناع؟!!، ساءله جيماتيرك ممتعضاً· تأمله، ثم استرسل: أأصغيتَ إلى نيديداد، وداهناليدا، وإليك؟ النظرةُ الأخيرةُ من كائن على كائن أمر محيِّر؟! النظرة الأخيرة نظرة مشوَّشة؟! الختامُ أمرٌ مشوَّش؟! البطُّ عقول الماء الملفَّقة؟! أأصغيت إلى كل هذا، يانفس الأيل في المغيب؟!· لاتستطيع إقناعَ··· قاطعتْهُ نيديداد، وهي ترميه، في استلقائها على الزحافة، بكرة ثلج: أنت تحبطُنا· أنت لاتريد بدايةً، قالت، ثم أغمضت عينيها البنِّيتين، الكبيرتين· استنكر جيماتيرك هبوبَها عليه:
 
ـ بل أريد بدايةً·
 
داهمَهُ غيرموهالي بهبوبه عليه: فلتكن البدايةُ تدريباً مشوَّشاً على الإقناع، إذاً· ماذا تخسر يامحيِّر شجر القيقب؟