مُرَافَعة الحَرب والجَوسَسَة
تَرَكَ الفُضُول مَنْحَى الزَمَان ، وَعَرَّجَ نحو إستقامة وميزَان ليوميات، وَوُلدَت أحاديث لا تنفطم عَن ما يجري في هذه الأيام ، حتى ترك اللسان كثرة الكلام وإنزاح لرضى يسكنه ، بعدما أملا من بعيدٍ لغطٌ كثير الجلبة عن غير وعي بما يخبئه الزمان. إشتغلت العيون والأذهان بما فَتَح الجُفُون وجَفَل القلوب ، الليل يَسْكن البلاد العربية و يستفيض بأماكن الغفلة والهيبة وراح الكلام يُثير الخواطر فما كان من عام2003 يثير مكروهًا توطد عرفه بالبلاء ، وإنزاح ستار التكهن ، فبات الإنذار بذعر الإنزلاق في لمنحدر رصيف الحقائق ، وتحوَّل إلى قعر إنسحقت به سلالات أزاحت السيف من الغمد وأنشأ التيار مستعمرة في الزحام ، و إنسلَّ كلُّ خصومٍ من تحت سياج الخداع وجهر السيف من غمده ، وأنشأ التيار مستعمرة لليل وسط النهار ، مشروع بلاد عربي أخرى بعضلة صَدر المحزون ، وأنشأت الرهبانية علاقات وديَّة بين الدول والأنظمة بعقيلة جديدة علمانيَّة لإنشاء ذهنياتٍ تشدُّ مخالبها جوانح الفريسة فتوفر لكلٍ شطره . سقط جسد والروح بأيدي بوليس الهجرة ، وكان شابٌ أملود تجاوز الثمانية عشر بأشهر فما كان إلاَّ أن إمتثل للضغط وحكمة أهل الأرض ، إذ لم يستطع إلى ذلك ردًا
وتهاجم القوم على من هاجر إليهم وأمسى مُراده بأيدي الغدر ، ومن كان مُختبأً تهيأ لنفس الفعل . توارت الطائرة وراء الغيوم تشقُّ السحاب وجهتها موطن الشاب وأرض أبيه الأصليَّة الجزائر ليكون قبره الأخير بين ذويه . تشابكت ينابيع المذاهب والمفاهيم وتهربت من الإستفسارات ، بعدما تحذرت من فتنة الإختلاف والغدر وعزم الزمان على النسيان ، وطال الحبل وصعب السحب ، تعلق الرجاء بين السماء والأرض، وفقد الشاب السيطرة ، أخوه مات في المهجر ، وهاهو يحمل من الهموم ثقل الجبل وصلب الصخر ، وهان على الزمان كما هان أخوه من قبل على الأيام لكن الجدَّة لأبيه ما برئ لها حال ولا توقف لها تفكير في هذه الأحوال من بُدِّ الأخذ بيد الشاب المُهان من طرف الزمان كإنسان نتيج لعميَّة إلاهيَّة وإنقاذه من منحدر شاقٌ الإنزلاق فيه ، هو بضميرها كما إبنها فلما تتركه يرزح بين تصادم الصخور . تغيَّب في الزقاق ، وجلس أرصفة الشوارع وتمسحت عيونه البضائع ، خياله خصبٌ و مسلكه مُبيَّن في أمنية في عملٍ يضيئ عليه ويدرُّ عليه نقودًا ضمان الأيام ومصروف الحاجة الخاصة بالإنسان حتى ولو كانت دراهم الجيب فقط . عمل عند هذا وتنجر اللوح عند ذاك ، وجفت الحرارة ريقه بين سحب وسحق وصهَّر صفائح الحديد . فأخذ على الحال سار مع طيف الشمس في وعي وفي إهمالٍ ولم يسأل سؤال إلاَّ هزَّ رأسه إن لم تكن له إجابة في الإمكان . وعاد إلى حضنه إذا حفر التعب خدَيْهِ، وحفرت قدماه قناة بالأرض ، ترنَّح خياله وسقط الفارس في كُبْوَة وحلَّق يتابع الأطياف وبرمزيَّة لبس روح الأنفة ، وإنشقت عيونه إلى شقين هذا لطيف وذاك منبوذٌ ، وقفزت براءته على الأحبال تجاذب الوحشية والهمجيَّة . ولكنَّه تشعَّر عيونٌ تُلاحقة وتنظره ،
ولمس هوى جاهدْ الرغبة نحوه ويجاوره وتلفت النظرات يمينا وشمالاً ، توقف ودسَّ كُفوفه بجيوبه وما تمهل بل تحرَّك دفعَةً واحدة و بسرعة تتجاوز الرغبة ، وبإلهام منه يجرُ ه إلهام ، توجه إلى مصدر الصوت لتسقط عيونه على شيء جميل ما شهد مثله قال قلبه . وترسَّم خيوط النظر للمسلك ، وتخبط جسده المترامي الجوانب ، وظهرت أمامه فتاة بعمر الزهور ناضجة الملامح والجسد ، تتحفَّظ على خدودها بحُمورة معتدلة ، تتحوَّل بسرعة في مختلف ألأماكن والبضاعة ، تُلْقِي نَظرة تنَضُجٍ وتجَلُلٍ وإستأثر ها بالإنتباه ، ورحلت دون إستئذان ، وتقف على عتبة محَلٍ مفتوحٍ و أسرَّت في إستباحة البسمة ، وإستبدال ما بدى لها دخيلٌ بها ، فألقى عصا الترحال ، وحديث يحمل الصلب والليِّن من الكلام ، تفتحت عيونها وتحركت أهدافها وتفتحت عصرٌ جادٌ بان على وجهها ، وبان ضوءٌ دثَّر بصبرٍ الإنسان الواقف أمامها ، وحفَّت به عيونها وفتشت عنه فحظيت بمجيئه وحضَّرها جسدًا وروحًا ينظر إليها وتملأ نظره بمن تمرُّ بجانبه . لم تنتظر المشاعر من يرفع الستر عنها لتظهر بل برزت من تلقائها ، ولا من يمنح إشارة الإنطلاق لسرب العصافير ليشدو مشاعر ويسعى مع الحُبِّ يُلفف القلب بالأحبال ، ويلبس الروح ونيس الهوى وطليق الشعور أخذ بالجوارح والأحاسيس إلى كلِّ جانب وتداعت داخل الفؤاد بأيسر هيَّام ، وإنفجرت متدافعة تتمسَّح الماضي وتتغيَّب في الحاضر فكانا لا يفارق الشارع الذي تمرُّ فيه حتى تتغيَّب الشمس من السماء وهناك يشرق وجهه وقلبه لا يتضمَّر ، وإنسلَّ إسوداده عن بيضٍ ، وغلق تجوُّف صدره عن الهموم ، وتنحى المَصل المُعْجِزْ لأفكاره وأيَّامه.
توالت الأيَّام فرسم لها حالة لم تكن لها من قبل هدوء وراحة وإستقرار نفسي ، وإستفعل ما فيه موفور إنتعاشٍ لتبريد جفاء قلبه ، حتى دخل عليه ذات يومٍ أخوه الأصغر وهو في مكتبه بالبيت وقدَّم له ورقة ، وعندما قرأها "بَكْر" قال عنها أنَّها إستدعاء . فتح "بَكْرٌ" ما بين يديه وأشغل حواسه بالسطور ، رمت نظراته نظراتُ غضبٍ و إنبعث من رمشه رفَّاتٍ أومضت كالبرق ، لا من يحلُّ الشفرة ، وإستنجد بالصبر علَّه يسدُّ رمقه وما رَانا بل سَحَلَ إلى الباب ، ورمى ساقه رميَةً من غير رامٍ ، وخطا لا يلوي على شيء وقذف بخُطواته حتى رهسَت كلَّ ما أسفل القدمين . والنهار لا يزال يبسط كُفوفه ويمدُ شعاع نوره ، ويتبسَّط الضياء حتى ما بقى ركن غير مُضيء ، سقته أقدامه إلى الشارع وإستراحة عُيونه بأجساد ومرأى المارة . تعكرت رؤيته ورأى مابقلبه وسمعه ، تساقت الذاكرة المرارة وتبارز الألم عَلَنًا مع توسيع للهموم ، وتقاذف للكاَبة الروحية المؤثِّرة . لم يسكن جذعه ولا تَدرج فِيما هو فيه ،وما وضع حمْلاً بصدره حتى تقصَّر أنَانه الممَّر و توضَّح الوافد عليه وهو في ممشاه ، لقد أحسته قبل أن يدخل الشارع ، وأدركته مُتثاقِلاً قوِّي البناء ينظر إليها واقِفًا أمام باب المنزل الذي يسكنه ، وسار أمامها مُستقبلاً مكَانًا تذاكَرَاه طويلاً، بُقعة لمَّتهما ورهناه موقفًا للقائهما من أوَّل لقاء ، وما تقاربا المكان حتى تمَّهل فأسرعت إليه اَخذة بيده ، وسارا في ممرٍ ضيِّقٍ مُعشوشب متواضع للعشاق وتحوَّف بالشجر وبقاياها فتبسطت أرضه خضرة ، ضمانًا من يريد إلقاء ما بصدره للزمن وإحلال ملجأً لا لا يُفوته الناس ليلاً ولا نهارًا ، وتفحص ما حوله يبحث يمكن أن يكون هناك الأفضل كمكان يأوي إليه العشاق ، وإتجه إلى جذع شجرة وسند ظهره ومدَّد ساقيه ، وكانت الضفاف ترتوي من مياه سقاية أخذ منها كلَّ جذع ما يحتاج و إرتوى ، وبين خضرة الساقية والمياه الذهبية ، وإمتثلت عيونه للإنشغال وطفح غليله وبان غيظه ، فأشغل بصره بالمروج وتموُّج البساط ، صورة أشعة الشمس تسترسل بصورة تلقائيَّة وتغطي قفاقف رؤوس النبات الأشعث ، تلفتت إليه فإحتضنها بنظراته وحوتها عيونه ، ومالت برأسها على صدره ، شعرت بضعفٍ أصابعه بين خصلات شعرها وهي تشذِفُ وتُمشِطُ ، وشدَّ يُمناها بملأَ شدَّة بين أصابعه ، فتفرقعت في تقريع سدَّ مبعث الراحة . حضنها وترحَّلها دون مُراجعةٍ ، وتنظَّر لون وجهها وتصرَّف فيه بسماحة وشيئًا من الذاكرة والذكريات السيِّئة منها وإسترقت منه النظر فغطى وجهه وجهها ، لا يسمح لها بالكلام ،كما كانت تسمو بكلِّ غنى وأخيرًا تنحت وقالت : ماذابكَ؟ تقلَّع عنها ومابه من جهدٍ مخزونٍ وقال : هو العجز الذي توقفه السلطة وسُلطان القوَّة المفروضة على الإنسان . ونفذ منها وقال : اليوم وصلتني ورقة التجنيد . كانت هذه كلمات المفتاح ، ووجه السلَّة المفروض تلتهم كلَّ شيء وإحلال السلامة . صوَّبت إليه بسلالة ناخبة في حركاتها تتمسَّح خدَّه بيمناها ، فكان كمن نزل سفح الجبل ونال طول الأناة ، وكانت كمن ناداها من على السطوح . أهذا مايؤرقك ويسعى لهلاك راحتك تسكت ثم تعيد لوجهها البسمة : لماذا تبقى عند سطح الأشياء ، وتقف على طريق مكسور وتتسرَّع في الأحكام ؟ ماذا تعني ستة أشهر أو عام ونصفٍ ؟ وماذا يعني أنني أحبك إذا لم أنتظرك ؟ ونظر إليها يُفسِّرُ أقوالها تفسيرًا سرِّيًا لكنَّه لم يستطع الوقوف أو يحول دون إنهيار المنافذ . وراح يغيِّر سحنة وجهه حنقًا وغيظًا ، وأثار تصرفه سُخطًا وسُحْقًا ز قالت عن ماهو فيه سخافاتٍ ، وردته مُثيرًا للسخريَّة ، ترك ممر النفوذ لكلماتها وما سدَّ له فتحة ، ورهف سمعه يروي ما نُقل إليه من أحاديث وأحْتُجٍزَ مُرْتَهنًا رواج التعسف والإنتقام فلا يريد كثرة ملام ولا إتهامٍ يكفي ما يحمله من الأيام ، أسند رأسه إلى ركبتيها ، وركنت به الرياح ورقيق الشعور ، وتجلَّدت به طبقة ثلجيَّة ، كان رقيق الحال وقال لها أنَّه يحبها لكنه لا يستطيع رفع الأنقاض عن نفسه ، فبعدما كان صاحب مالٍ وفي نعومة عيشٍ وخزفي الصميم ، وما كان ليعلم ما يُرَقد له القدر وما سينقلب عليه من ألم هو عليه ، وتحنَّن إليها فرقت له يبغي تورد خدودها فإنحنت نحوه متبسمة ، ونام وجهها في صفحة وجهه ،ولاطفها فإستنشق رحيق الرغبة ورفت رعشات الحبِّ فإعترته رعشة باردة وإنتفاضة من لذة لمس شفاهها ورعونة تملكته من رشقة القبلة
وتلوى كمن أصابته رصاصة ضائعة خطفته من رضخَ رَضِيٌ بما اَتاه ، لكنَّه توعدها بالحلِّ وهو من يحمل رصيدًا للنفقة قد يصل به إلى رصيف عملٍ اَخر ، وقد يسكن وجعه إلى أن يضع حجر التبليط وعلى ما سيرسى عليه للشاب جسدٌ دائم العزف ، وضغط على ترانيم الحياة ، مُقفل العضلات ، معانق للجمال و ملامحٌ شوكت الأحاسيس وألهبتها وزرعت الحمى بوخز داس حمم بركان بنظراته فأذاب الناظرات من البنات في عيونه ، صريحٌ فيما كان منه حركات تلاعبيِّة غير مُبيَّة لحيلة ولا مستعجل في حُكمٍ ، صاحب رسالة للطف معتمدًا على ذاته وواثقٍ ، ذو صدرٍ فسيحٍ متوالد الهِمَّة ، وكلَّ شيء فيه يعجبها وعلَّه أحبَّ نفس الصفاء بها فكانت متوالدة كما في ذاته ، و صونًا لعرضه منحصرة بباحة جنانه . كلما سارت الأيام إزداد وتضاعف وسار حبه لها وتكاثر وتمتَّن وذاب بها الشاب أكثر، و ذهبت بها أحاسيسه متعلقًا بخيوط ذللتها نفسها . دفع مبلغًا مقابل مهرها وتحفظ بقسطٍ لوقت لاحقٍ ، وراح يعمل عند كلَّ من فتح له الباب ويقابها في رائعة النهار، ويتواعدان في الملاهي وكل مكانٍ يجمعها يلقيان ما بهما من عواطف وشجنٍ ، وربطها بفاتحةٍ وتوعدها بالزواج ، شابان برائعة الشباب لكلِّ منهما ربع القمر ونصفه للأيَّام والقدر ، حُبها له وحبه لها كريح اليانصيب تأتي بالملايير من العواطف وقد تتوارى العواطف وراء الهموم فيخسر كل حظٍ .
................ ............. .................
وجاء اليوم الذي ربط ذراعه بشريط لفلم قرف من رؤْيته وسَماع أحْداثه لكنَّه مَجبُور إنَّه مَطلوب إجباريًا للتجنيد وإلاَّ سيُؤخذ عُنْوَة . سارا طريقًا مُشجرًا مصارعًا للصمت ,وصاغ من الهدوء أسلوبًا للإنصات ، وعصر منه مثال الروح الصافيَّة من صواعق التوتر ، إنهما مرتبطا بفاتحة الكتاب ، طوَّقها بيمينه فمدت يسراها إلى خصره و إلتوى إلى مكان مُشجرٍ بالحديقة وإستصحبا إلى جذع شجرة أين إنتهت بهما الطريق و إنثنى بخفةٍ وعزمٍ ينزع أغصانٍ مورفة ، ووصل رأسه جذع جافٍ فثناه بيمناه إلى أن كسره ، وجلسا وإنتقل بخياله يحكي ما بدواخله وما حُرق بجوفه إنتقد سياسة الدولة ، وأمطر السياسة المُتبعة بوابل من مطر التهجينات ، وراح دون تمهيدٍ يهوى باللائمة على نحافة حظِّه وراح كالصبي يذرف دمعًا ورضَابٌ منزلق عن الشدقين وأنزف بذاءة متسترة ، وأخذ يعوذ بالله مما لقي من الدنيا وما عارضه فيها ، وإنتكص يبغي فمالت إليه وتوسدت صدره حتى تشمم خصلاتها السوداء ، ونظرت إلى الخلاء فإمتلأت عيونها الزرقاء بهواءٍ أحسته باردًا وما سدته عنها أهدابها .وراحت تُداعب أصابعه : هل ستتركُنا ؟. وتوقفت تُفرغ ما إنتظم بها من عَبَثٍ وما تناطح لها من ليلٍ ونهارٍ . ماذا هل تريد الرحيل عنا ومجاورة والدتك ؟ فجاءها الرد: لا ..متمهلاً يسمع ما بقلبه وإن كانت تعكرت أمامه الرؤية ومكره ما حوله ، وتشمَّل بقعًا سودٍ ساقت له أصباغ القبح ، وألقت بجوفه الكلل والخوف فقالت : ماذا لو تبقى ؟ وماذا لو تُنهي ماعليك ونحن لبعضٍ مابلغ مدُّ وجزر الزمن ؟ ماذا لو إجتثثنا أوراق الشجر الذابلة وتوسدنا جذعها الذي شقَّ التراب المُنسل ، ووفرنا إنشراح لمواعيدٍ من صنعنا فإلتحمت فتحت الجرح وتلذذنا بطعم الحياة وتمررنا لذة الشراب تكلمت ضفاف بدون إلتباس ، وألان لسانها نسيج الحديث وواصلت مفصلةً بين الشطرين و إن كان إبتاع قلبها واَلمها الدخيل الوافد فما كانت تلاقيه من رَدَّة أرخى عنانها وأطلقت الهوى يجري في أعنته ، فما أعماها إلاَّ ما أعلنه أمامها . يريد لقاء أمِّه ، فما بقي له إلاَّ هذه الورقة لم يتكشفها بعدما أظلَّ الحل وغَرُبَ عنه حتى أصبح أعزُّ من بيض النوق وإن إرتدَّ فما كان معه منها إلاَّ إفتقاده لحنان جدَّته وحضن حبيبته .
كلام "بكر" إعترافٌ وإن كانت قالت عنه حكمٌ بالغياب ، وتهرب عن تدبُّرٍ ، وبكاءٍ أمام أوَّل إعتراضٍ . إعتصر أمامها نواياه فما إعتاد الغٌبن ، ولا إعتنقه الخمول وجرَّه ذيلُ الذلِّ كما هو الحال معه ، إحتضن يداها فأحسَّ بحبات تعرُّقهما وبرعشة أعربت عن أسرار القلب وبدا على وجهه الأمل وتسلطن الترحال وبانت عليه الغربة ، وأعجل معانقتها وزحفت إليه فضمته إلى صدرها فسكَّن إضطرابها وغاصت به ، ، أحست بكسوره على جسدها وبهواء ساخنٍ من صوته عصي الحركة فقال : هذه أضعاف أحلام منك فقط . فردت عدنِي أنَّها أيامٍ فقط وتعود ؟ وعدني أن لا تُطِيل الرحلة ؟ وأطال صيرها في إنتظاره أن يرد ، وأطاعت لمساته فتحسست أطراف أصابعه ، وتلمس خدودها وتجاذبا سحرًا بهما فأطبق عليها ومال برأسه يُطوِّق ويطوف حول ملامحها كزَّ أسنانه وزمَّ شفاهه كمشها بعيونه فبان أزرقهما وقابلهما إسوداد عيونه ، ودنى فأطبقت شفاهه بشفاهها ، وجمع أطرافها فماكانت لتناقضه ، وأطربا حتى تمنى الإنزياح بمسامعها على أطرشٍ حوليهما ، وتفلتت من المواجهة فنامت بين ذراعيه وتوسدت خدوده ، تتسمَّع نفخ أنفاسه وهي تُطفؤ ظمأها منه ولهبِ حريقها وما أمكنها من حالته . وسار الزمن ليس من يُصغي بأكبر أملٍ مما يتسمَّع ، وترك الخيال لظنِّه فتفتح باب الخوف وإن كان يتصنَّع الصنم فقد إقترف ذنبًا وعاش مع نفسه فيما لا يعتذر جافٍلاً وفي رجاءٍ ، و بعثت عيونه أملاً لا يريده تغميض عيونه فكُلَّما تذكر أبكته عيونه ، والحب تناقض وتنافر بين الحياء ورُفات القدر ، فكيف له بأن يحيا بين الأسوار أو يسير والظلال ، إنتحر على إنحناءت القدر وإقترب موعد المُضي وترك فيض الحنان وإن كان لا يريد ترك مكان أخيه المُدلل ولا إجلاء حُبه وحُرقته الكبيرة ، ولا حياته العاطفية والتي زادت عن 10سنوات لكنَّه حامِلاً لأحلامه وعواطفه وشعوره وعمْرًا يجب أن يرتفع به وبعث من روحه أسباب الحياة الكثيرة ، تساألت عيونه وردَّ عليه قلبه يهفو لأمه ويحنو لحبيبته ، يُماكر الزمن لتركه أبيه الحي وأخيه بالمقبرة وإن كانت صورهم لا تكفُّ عن ولوج أوقاته ، تواعد أمه وخطيبته على مراسلتهما كلَّ وقتٍ وأن يكلم أمه كل ساعات اليوم بالنهار وبالليل . تهرب من دموع والدته بعدما أوصى عليها خاله ، تهرب من سجن لا يطاق إذا ما مثل متسامرًا أمام عيونها ، لكنَّه على الوفاق مع الجميع وإن كانت عودته لن تطول عن بضع سنوات فلن يكون غيابه إلاَّ لمسحِ قرفٍ ، وسدَّ خرقًا لجدارٍ أمامه . تلونت لغته بألفاظ الحروف تركع أمام الحتم والقدر ، فكان يترفع نوارسٌ ترقص على مياه الوجه وعلى رنين صوته يقول كلَّ حياتي أنتم كلَّ البهجة وسقاءٌ لنفسي التي لا تبرئ من القرح ، ولن تتداوى إلاَّ إذا تهاوى ما أتاها من رجاءٍ في اللقاء وقد يطلُّ شهورٌ قليلة حتى و إن كانت طويله .
سار في شوارع واشنطن ، وتفتحت عيونه على هواءٍ يذوب مع النسمات وصحت حواسه وظفر عُمره بكلِّ هدوءٍ منتفخًا يحبو به الأمل تمرَّح مع ماتحمله الشوارع ومع كلِّ ما تحبه الحياة هنا ، وترفعت نفسه عندما تذكر ما يحمله من ضُعفٍ وشوقٍ وسلب التفكير مراَه لافتة بيسراه شارع"الحريَّة" وأحسَّ بثقلٍ بيُمناه وحقيبة تراكمت بها ثيابه ، تحسَّس حبات عرقٍ تنحدر من جبينه باردة تارة وساخنةً تارةً أخرى ، فتفلَّع نَمِرة صوفيَّة كانت أهدتها له "ضِفافْ" منذ أيامٍ مسلوب الفكر محتوم التذكُر لكنَّه يخشى الهموم فيترسم الهلاك مُتغطرسًا ويتعمَّق بئر النسيان بين عشقه ونصيبه ولا يدري ما يفعل ، إنَّه تحت سحاب لسماءٍ واحدة و لكن أناسٌ بعيدين عن الصعوبة . سار فطمسته الأجساد وذاق أحزان الإغتراب وإعترف بالوحشة وبكى من الوحدة ، سار بالغبار وحت تحركات أهداب العيون الذهبية .وكم تمنى خِيار العودة إذا مارُدَّ إليه الخيار . لكنه يطاوع قدماه ولن يُطاوع خواطره مسلوب الإرادة إلاَّ من دفع لأمل من شفاهه . تضلَّع الممشى وإلتوى إلى طريقٍ تجاري إكتضَّ بأجساد المارة وبضاعة طارحت الأرصفة تلوَّن بألوان اللفتات ، وتلفت يقرأ ما كتب يفكُّ حروف اللفتات ويشارك ذاكرته يتفحص معاني الكلمات فسجل دكان الملابس وسوبر ماركة وشارع للسكان هذا وما زال يسير ليدخل زقاقًا ضيِّقًا وإنذلق إلى اليمين وسُلِب نظره منه يالهول مارأى أكياس سود متراكمة تسدُّ مدخل إلاَّ على من هزل وراح يرفع رأسه حتى تشدَّق ويميل إلى النوافذ التي كانت على رسمٍ واحدٍ ، سال فضوله وخانته عيونه ، لكنَّه من أين له بمعرفة البيت وتفرس الورقة "العمارة الأولى على اليمين الشقة الأولى بالمبنى ولم يتمهل ليأخذ قرارًا ولا تمرح حتى تتفرس به ذئاب الهواجس وتهرَّب من المخالب ومدَّ الأنياب وهرع مسلوب الفؤاد لا يتمثل أمامه إلاَّ تمثاله وقد غاب عنها هذه ستة سنوات ، أتراها هنا تتذكره أم تُراها لا تتذكره وهو طفلٌ وهل لاتزال ذات نفسٍ طفوليَّة حُلوة الملامح ماذا عن أختيه هل تتذكراه اَم لا يظن لقد كانت بعمر العامين ، تشعر النار وقبع على الجمر حفى ممشاه وشدَّ على أنفاسه لن ييأس حتى تبلغ عيونه عيونها وتُطبق أجفانه أجفانها ويتلمس خدودها ويتحسس أنفاسها ، إمتدَّ مع السيول ناسيًا ونظر بعيونه إلى بعيد كانت هي أمامه وصعد الدرج فأحسَّ برعشة باردة و سلب ممشاه ماأتاه وقلب الموازين تحسس ركبتاه فجلبه المدُّ أن لازلت تسير على الأرض والشوكة بحلقه وأخلاط التذكر تعجُّ لكنَّه يقرع بيمناه بعدما أعطى الحقيبة ليسراه ، حاسبه ضمير الإنتظار وما سوَّلته أفكاره ، يعذُّ بالله ويسمي ، يتحفَّظ علَّه يُفاجأ مُحاصر يُساق إلى عالم الصبيان لكن الشوق يشقُّ صدره وينفخ به الحظُّ الباسم وتدافعت التفاصيل صحبة ولا يُوفرا وقتًا للتعارف "بكر" هذا ماقالته وهي تختزنه بصدرها وتلُمُه بأنفاسها وجناحيها .
................. ................ ..............
لم يتمهَّل الزمن ولم يُضيِّعا وقتًا لراحتهما بل أخذته بيمناها ونزلت به إلى الساحة ، إستلقيا عربة نقلٍ ومنحت العريفي كلَّ الحريَّة ليسرح بهما ، مابها يفوق الفوق ، بها ورَعٌ يحطُّ بها على السحاب ، لم تحاسب بصره على ماتريده أن يتلفت إليه وأنغام الكون ضجة يأوي إليها فتهيأ له ملجأ مهيبًا وإستحكمت به تحكي وتشير عليه بأسماء الممرات والأماكن الساحلية والساحات الخضراء إلى أن رأت أن تتوقف وتوزع سبيل العربة لتتمشى يترافقا إلى ساحة بها كثرة الناس وإزدحمت بهم ، تعجُّ بسيرٍ مُنظَمٍ في حركات خفيفة تهتزّ أجسادهم ، فأخفى كلام الشفاه وأسال دفق العيون بهيج ومتفردٍ بما يراه . لكنَّها لا تمهله ، هناك الكثير وأخذته من يده ينزلان الدرج إلى بهوٍ اَخر ، ألمعت بالمياه و تلبس سطحها بالحمام والطيور البريَّة تلتم حول القمح والذرى في جوف الساحة وأسرابٍ حول النافورة بها بركة وبصدرها مدٌ يقذف الماء فيعلو قمة ويحط سفحًا . المكان محطة للإستراحة وممر للعبور حجة بصيغة اللطف والظرافة ، ساحة أطلقت العنان لريشة الفنان وإستخرجت من بين الحجر أنيس الوحدة وحسن السمر . توددت الأم لإبنها فكانت تحت تصرفه كما كان هو ، تحرر من قيدٍ مُفترض وتصعبٍ تضرَّم فكانت تدقق تصغيرة وجهه وتتصفَّح خطوطه وتُصفي وضعه فكان كالستائر التي تَشَفي عن النهار فأبرأها من عطش السنين وتوصفها بما كان عليه . عرفت قصته المعلقة بخيوط الخيال وتصانيف وتأليف القدر تصنع له أيامه ،وكيف تصلبت الطين عند قدميه فتصممت و قست قلوب من حوله ، وتصمَّت المتكلِّم وصمَّت المدينة من حوله اَذانها عن حاجته وتصوَّر نفسه مجهولاً بين أهله فما من رقَّ قلبه عليه وتضاد الظل على وجهه فتصامى بعتبة خشمه وإزداد بريقه بينما حجز التوريف في ضيق طول قامته وتضاَلت قوته وتضاربت سيقانه بعدما تضاعف ضعف نفسه . تضرج وجهه دمًا وتضاعف ضخُّ العروق وتصاحب الحنق والندم ، شكى وتألم وضمن صدره التضايق وبكى التطرف ، تطايرت الشكاوي أوراق يابسة وتطايرت الهواجس و وتطابقت عليه الحقبة فإزداد الخناق والحصر وطاول عنقه علّه يرى أحسن وتصوّره زمن وماضي في سبيله ، لكنه تلاحق التضمر والتضليل إلى أن باركه الله وعلاه وتعرف إلى من أفرغ بحجرها مخزن صدره وعلَّق عليها ما يحمله أفقه تفردت الصفاة و إلتهبت بالعواطف فحشت روحه معان الفرح وتفحصته في مراَت نفسها ليسكن غضبه وتفكك شمل التنازع و كلِّ ما فطر قلبه ، كانت ذي "ضفاف" من تفضلت بالجلوس في حِلمه وهي من شغلت باله و هي من نظَّم كلَّ ما فات من أشعارٍ .وأثارها على نفسه غير أنَّ القدر فسخها عنه و إنشطر عن ماهو فيه ليكلِّم وجه أمه المجهول وعدها بإرسال العنوان و إعتدل واقِفًا من أين البريد ؟. دست بكفه مبلغًا وتبسمت عليك العودة بمفردك إلى الشقة ، جرى الفتى إلى مكان أشارت عليه ، وكان المبنى شاهقًا ذو فنٍ مِعماري إستوقف الألباب وشقِّ عباب الخلاء فإستحوذ الأنظار قمم زجاجية بدت كمعلمٍ أثاري وسمحت ساعة متصلة بعلوٍ أن يدرك الزمن الذي هو عليه حيث كان منتصف النهار والشمس مؤلفة الألوان تلفح الأجساد .
…………… ....... ................... ............
عاد مع المساء وحلت الأحاديث وتفتحت مع أمِّه وزوجها وأختيه حول الطاولة ونفذت إليه العيون وإستحكمته لا يُريد التجنيد ولا يريد الولوج في الماضي والزحف إلى قفرٍ سلخه عن أليف بسمته وكتب عليه فتور العيون ، وإستنزف الكثير من تفكيره ضحيَّة نفور مدرسي وتفلُّت وعدم إهتمام ، بقي مُدة يبحث عن موقف أو مديد كلام ، وإنطفأت النجوم وغمَّ القمر عن وما توضَّح نوره ولا بانت صفة ماحلَّ به ، رأى لون الربيع أسود يابس حمل الأسى و قسوى وإشتاق أيام صفاءٍ ليست حياة ما يحياها ، وما جدوى المكوث في زمن لا يريده ، الحياة أيامٌ قلائل ، قد يضيع عمره جفاءٍ وهو من يملك الدنيا الحاملة للؤلؤ والذهب وكلُّ ما يحب . ماذا لو يواصل ...ولماذا لا يجدد حياته ، وهو من الماضي بريء إلاَّ من عاشقة الروح و مُنوِّرة شجرة أيامه فماهو عليه ظاهر عليه . أسِره الصراخ وتحوَّل عنه الأنين وقد عبر الزمن إلى بعيدٍ . أفرغ بكرٍ كلَّ ما في قلبه أمام عائلته وكلُّ ما جرى معه سنين طويلة وقد درى ما يريد وكل كلمة خبَّأها وعبَّر عن مايريد وبان ما به من شوقٍ . عرفت "الأمُّ" أنَّ إبنها رجلٍ وما كان ليقيم وزنًا لتفهاتٍ "زوجة أبيه " التي تركها وتشقق شوقها ، وراحت معه روحها ، هي من تركته معه فتركته للتسليَّة سقاه هوى غريب العطر كان أبيه بعيد عليه بأعماله ، فتلثمَّ الحزن وإعتصم عصاه وتلعثم كُلما بان أمامه ، وإقتربت منه تلقي عليه نظرة وتمسحت عن جبينه الإنزعاج في تعزيَّة وقد تسمَّعت غليان صدره وطفحت حبات عرقٍ ساخنة من صدغيَّة ، وكأنَّها تقول هاقد شفى حطُّك ، وبلغ السلام وقفل مفْتح ريح السموم
مع الصباح تعطَّر الشاب ولبس قميصه الأبيض وسرواله الأسود ، صفَّفَ شعره الأشقر و وتمسح وجهه حتى إلتوت رقبته ووقف على عيونه يفتح لِبسها للجفون ، للفعل أمانة فما أسفِ على شيء ولا على ما عاشه إلاَّ بسمتها وهي تودعه ، كيف وقد كنز صدره أحلى عمرٍ لحظة خفق قلبه وعصر بهجة الحبِّ كيف ولو طلب منها الروح لمنحته إيَّاها ونظر في الزجاج .. أين أنت ؟ وتنهد هو يسمع صوت أمِّه تستعجله فموعد اللقاء مع صاحب العمل شرَّف وتذبذب كما تاه مضانه وإنقسم رجاؤه ورحل إلى أوَّل موعد عملٍ هذا الصباح. صباح الخير وجلس بقامته وغطى على الطاولة التي أمامه ، ورفع الشاب رأسه في عفويَّة وبحركة المغترب لمحها معه حتى تراقصت أهدابه "لويزة " وتبسم حتى ظهرت نواجده كانت تجلس لشاب وسيم فدعاهما للجلوس وكذلك فعل ، المكتب بالفناء حيث الشجر و العشب وورود صنعت الطريق فإحتمى تحت جذع مورف وراح يتفرس ما أتاه ، غير أنَّه يعرف سبب قدومهما فقد تواعدا على اللقاء بهذا المكان وتحدثت إليه السيدة فحرز منها بيت القصيد وخرقت عيونه إحتشامها فعرف منهما مايريده ، ومن حوار المتخاطبين ضغط على زرَّ فقدم للتوِّ شاب في عمر الزهور جميل المُحيَّا و عيون صفراء وخدود ورديَّة واسع الوجه غمرته الحياة ألوانًا وعاطفة ، تحوَّل للجالس وحاوره باللغة الإنجليزية ففهم منه أنَّ له مكانٍ مجهزٍ بالمختبر وأنَّ عمله قد ضُمن بفرع تابعٍ لمستشفى تابعٍ لأحدٍ الخواص وإنَّ كرسيه ينتظره ليشغله تحوَّل إلى أمه وحواها بنظره فقد حُولت عنه صخرة فبادلته الحُنُو وحرَّفت رأسها تُفرغ شجا حنكه الدهر ، وضرَّسته الأيام وبه مَقتٍ أزبد من الحنق عادت السيِّدة وحيدة تنظر قدماها والأرض تحوي كنوزًا وتحولت عيونها بكل مكان ،و تدرجت أوراق الذكريات أمامها ، وكيف أرسل إليها زوجها الأسبق صديقتها فرجينيا تطلب منها المداد والحظي بموعد للتعارف وقلَّبت نظرها تقلِّب الصفحة كانت اَخر أيامها بالجزائر عندما أزاحت الغطاء على وجه صغيرها ذو الأربعة سنوات ونصف فرسمت صورته كان شخصًا غريبًا عنها ، وقبَّلته في خديه وهي تقول أنا عائدة ذات يومٍ .
............... .................. ...............
وما توالدت الشعاعات في السماء وما أشعَّ نجم الصباح حتى طلع الكوكب عالي وقد تكلمت قامته وتفعم بعالم الأحلام فتمنح الحياة ينظر ساعة يمناه السادسة ونصف ، أكمل السير إلى اَخر النهج واضعًا يده بجيوب سرواله مدبَبًا بالأرض أزال حجر عثر عن مسلك أمامه ، هنا الإنسان عكس الطيور والزمن غير زمننا هذا فهذا الوقت لا يمكنك أن تسير ببطئ إذ الطريق بحركة المارة تعجُّ ، يتبسم : الله يغفر لك يا أبي ، والله يذكرك بالخير واشنطن غير دنيانا .. وفي حالة جهلٍ يُرسل نظره ويتغيَّب في الطفح هاهو الباص قادمٌ ، يتراجع متمهلاً والمحطة تلاطمت بها الأجساد ، ما إن توقفت الحافلة فإذا به الوحيد الصاعد . يجلس إلى نافذة يرقب من زجاجها سلطنة الحياة ، كلَّ التطور والتقدُّم يصرخ من أرض كباقي الأماكن هنا كلُّ شيء براقٌ ، العمل ضدَّ الإهانة ، والأقدام تنتعل العجلات والبنات تذبِّل العيون ، التجارة بكل أنواع السلع فهل تكون هنا التجارة كذلك بالبشر .. أطلق خياله دون عنان ، وتغيَّب في الواقع ، طفحت الحيرة لكن شُحَّ الوقت أوقف تنزيله وقطع عنها الظهور ، هي ذي فوهة المستشفى في أبهر نسيج معماري ، فهي مجمع علمي تجاري شهقت قمته الزجاجية المثلثة الشكل المخروطية القاعدة ، وأبواب في حركة دورانية دائمة مَنحت لتمتيع النظر ، وأطفأ دهشته بهو المستشفى ما عكس براعة المعمار . إتجه إلى رُفِّ الإسقبال ومدَّ يُمناه بين أصابعه ورقة ، يشار عليه بالطابق الثالث ، يخفُّ السير ويثبت من يتجلَّد لئلا يظهر مابه . وفرض رجولته وصمد وإستقام حفظ جبهته مرفوعة إلى أن مال إلى الطابق المشار عليه يشرق النور أمامه أحمر ، ويشق الباب فيرتفع صوت : تفضل بالإنجليزية .. الباب إلى اليمين يدخل يُملَّي عيونه بأثاثٍ براقٍ أمامه ، ورجل تملك الهيبة ورسم وجهه أثر الخمسين من العمر . إجلس ؟ يأخذ مكانه .. أنت بكر ورد إلينا أنَّك تحمل لجنسيتين ؟ ردَّ : نعم .. ويأخذه في أسئلة وإجابة ويجرفه المدُّ إلى مخبوءٍ و ظاهر حياته ، يُميط الإنثناء عن وجه الحقيقة فيدرك أنَّه رياضي حافل بالمؤهلات الجسدية من إمتلاكه لجسد ممتلئ وعضلات قويَّة ، وقذف السيِّد نظره في كل جانب وركنٍ وكلِّ ملمَحٍ مُحزنٍ ، وتحف جسمه بالحياة وغرز وميض شمس النهار ووحى بعودة الدم لعروقه . سأله عن إجتهاداته ، هوايته وميله وماذا تعوَّد على فعله وما تمناه ولم يتحقق له ، فكان الشاب طوع الأمر وأصاب من الإجابة ما إستطاع ، وإنكب في توالي الردود وإن كانت على مدٍ اليد والعين تشمل ما أرساه مبغى السائل . أشار عليه بمكان العمل ، مدخل ذو درج سُفلي بنهاية البهو ، كان مختبر المعالجة لكل السوائل ، وقف في باحة القاعة معجوزًا معقود اللسان ،تفتحت فرائسه وتجسَّم شكل مضمونها فما كانت على شكل سابق كراسي على شكل مدرج وطاولات العمل كتل رخام أبيض متلألئ إستحكمت أدوات وقنيات على كلِّ هيئة وحجم فإتخذت أشكالاً هندسية شكلت أمر التمييز الحاصل . سرح نظره وتدرَّج يبدو يتلألئ لم يَحضره سلفها ولا إستوى مضماره ولا صفى ، لكُلِّ مقعدٍ حائزٍ فهذا يدفن رأسه بمجهر واَخر يرقب ما تدره عليه حسابات بيده وذاك كالنحلة بين حملٍ وحطٍ وبين ضيقة وسعة همٍ ، أشكالٍ مُبررة سحبت الخيط من شلَّة الخيوط فبانت معادلة العمل . وشقق خياله ليملأ الصوت فراغه عجوزٍ شكسٍ وبلهجة شكسة تقدَّم كما كانت النيَّة ولا من شدَّه ورفع الظُلمة وما صلَّب عمله ، فكان له أن سأل وإستمسك بالإجابة وبمرفق العرض في قوَّة الشكيمة وتبرير الدخيل . كان ذا التشليح للثياب على هواءٍ بارد سريعٍ ، وغرْفٍ من مغمورٍ تصاحبا يرفعا عنه اللبس ويتنزل ما يقع تحت نظره فيتبصره على حقيقته ، وإستفسر على كلِّ ما رسى عليه ورفع الزكام عن ردمٍ مُعرقل ، وتغيَّب بين المقاعد حتى وصل إلى مقعدٍ قال عنه هو ذا مقعد عملك ولك أن ترافق "فرانيسس " الصغير إلى أن يشبَّ ساعدك وتركب مع الراكبين . لم تغب صوَّر الماضي عنه فكانت موجة عاتية كلما تفرد الجلوس ، شكت قدماه وتفلعت من ضيقٍ وحرارة جلد النعل ووجد تعبِ ما وجده الصاعد للجبل والعاثر بالحفر ولكز الصخر ، عيونه تحنو إلى مكان فيمدُّ بصره يشقُّ الفيافي ، يتمسّح شعره ووجه هو ذا فلا يتوقف إلاَّ وهو يجلس إلى صخرة ، صوَّرت صوَر أحد حدود الهاوية وأفسح الخيال إلى لغزٍ يدور به ، يستدير مع المارة ويتفحص ما بدا من معالم . حطت على وجهه نسمات باردة تطلَّقت ما ملكه الفضاء ، المكان صخور مقطعة وكلُّ قطعة كأنها لوحة ، وتباعدت خيوط الضوء كإنعكاس النور على الزجاج فتحولت من مكان إلى مكان ، ينظر القلعة ذات الجدران الأربعة منيعة تامة الحصانة ، فكانت مُتمة للمتعة الطبيعيَّة من جيرٍ واَليف الصخور المنحوتة الأطراف المُلونة بُني ورمادي وأسود خارق به البياض ، خرقت الصور بوابة ضخمة وقد نَظَّم وطُوِّق بستائر جدران جيريَّة . على السطح دِفاعات شرقية وجنوبية حازت خُلُو الطبيعة ، وفيناء عُلوي مُوازي للسفلي . علت القلعة قمة الهضبة وتدرجت الأرض للوصول إليها نقلٌ من الخيال ولعبة الأقدار فلا تتمكنها إلاَّ وأنت مُنقطع الأنفاس مُتلهث تسيح وتنبعث روائح التصدي ، سيرها مُعقد و مسلكها يحمل ذخيرة المشقة ، أمَّا الاَن فكما ترى وتستمتع سمعت إشارة الرجل فإستدار متجاوزًا الشرح لعبور جسر مديد الطول أو مقعدٍ كهربائي لا يُكلفك ولا يُتعبك وأنت في كلِّ الحالات السائح من منحت للمكان الحياة وأعطيت الحال زحمًا إضافيًا للإقتصاد ، و سمحت قناة بنقل العاصمة للمدينة المحرمة وبيت لعالم متين الدعائم ، ليأخذ قضايا وأحزان الناس إلى بعيدٍ ، فكان يرمز لما حمله النهر وما ساقه على الدرب . أخرج ورقة وقلمًا وأخذ يكتب لها ، لم يكن ليختار مايريد ولا يتقوَّل أو يصبغ الأقوال ، توضحَّ نور المساء وتقصدت الشمس ، أنت يا من تُشاهدك وتتفرجك عينٌ واحدة ، يامن تحتضني كلَّ المعمورة أوصلي ما أقوله لمن أحب ...وإندسَّ في الصفحة : حبيبتي ضفاف أنت الَن إلى جانبي أشاهدك وأسمعك فهل تسمعي صوتي اَسفٌ لِما مرَّ من الزمن وصدَّ نفسي ، لم أستطع ترويض نفسي تائه أبحث عن حماية ، وإن حتى لم أكن بمعزل فلست إلى جماعة بمائلٍ ، مُرافق لقلبك ولعيونك ، أتوق لنبضات صدرك وإلى شهيقك وزفيرك ، حبيبتي تَنفح الحال وإزداد البرُّ إتساعًا ، وأسرَى الناس ما يحبون ، حتى والدتي زحفت صورتها إلى قلبي لتسكنه وكنت أنت كما العادة إلى جانبها ، وفي صريح الحديث منذ إفتقدتك تفقدت الجنُّ العاطفي ، ووضعت بغرق مغمورٍ فزحفت المياه نحوى عيوني وأصبحت روحي في روحك لا فرق بيننا ، أمتلك الكثير وأحيا على براكين وحمم شحنت النفس وتسلَّل الغُزاة فها أنا ذا أحكي ما بنفسي وما أثَّر بها وقاسيها . وهذا عُنواني فما تفعله معك الأيام عجِّلي بالرد ؟