eKtab
EN ع
مرافئ - إبحار في لغة الوجود وفكره
Read free sample

مرافئ - إبحار في لغة الوجود وفكره

by منيرة مصباح

Page 1
التمرد والميتافيزيقيا
 
من القضايا الهامة التي تطرح قديماً وحديثاً في الكتابة الأدبية والفكرية، هي قضية التمرد والثورة، وقدرة هذين المفهومين على التأثير إلى جانب ارتباطهما ببعضهما أو عدمه· ونحن لا نستطيع هنا إلا أن نذكر الشعراء الصعاليك في تراثنا العربي، الذين تمردوا على قانون القبيلة وسمو بعد ذلك بالشعراء الصعاليك· وقد حاولوا أن يبنوا مجتمعاً آخر، ولم يكتفوا بالشعر ليعبروا عن أفكارهم، بل تعدوا ذلك للفعل بالأخذ من أموال الأغنياء وتوزيعها بالتساوي على المحتاجين·
 
وبالرغم من أن البعض قد أضفى الصفة الفلسفية المطلقة على التمرد، تلك الصفة التي آمن بها الغرب الأوروبي في فترة الحرب العالمية الثانية، نتيجة للظروف القاسية والمؤلمة التي عاشها الإنسان سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ودينياً، إلا أنني أضيف صفة التمرد على الإنسان الثائر ضد الظلم الجماعي أياً كان·
 
فالإنسان منذ أن وجد على هذه الأرض، لبس صفة التمرد لبناء المجتمع· وأقصد هنا التمرد الإيجابي وليس السلبي، لأن التمرد ضد الإنسانية يعتبر ارتداداً وليس تمرداً· فالربط بين التمرد والثورة بصفته الإيجابية سيؤدي حتماً إلى الثورة لصلاح الإنسانية·
 
أما قضية التمرد الآخر الفلسفي رغم بعدها عن واقعنا، والتي أكثر ما تظهر لدى الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو في كتابه المتمرد، إنما هو قضية صراع فكري في كيفية التمييز بين عنف الجلاد وعنف المسحوقين، هذه هي قضية التمرد عند كامو لذلك نراه يتساءل فيما كتبه:
 
هل بوسعنا دون الرجوع إلى المبادئ المطلقة أن ننجو من منطق الهـــدم ؟·
 
من هذا التساؤل نستطيع أن نستشف مدى الصراع الفكري بين الحرية الفردية وحرية الجماعة عند كامو· ولهذا الصراع جذوره التي بدأت بكتابته لأسطورة سيزيف التي اقتبسها من شخصية بروميثيوس في الأسطورة الإغريقية· فالاثنان برومثيوس وسيزيف حكم عليهما من قبل الآلهة أن يبقيا مقيدين إلى صخرتهما· لكن الأسطورة الإغريقية تقدم برومثيوس ثائراً متمرداً على الطبيعة المفروضة، فيسرق النار من الآلهة ليحرر البشر جميعاً، ثم ينتصر على الظلم ليبدأ بمجتمع جديد وبنظام للعدل الجماعي والحرية الإنسانية·
 
أما سيزيف فهو متمرد من نوع آخر، هو يعي كل التفاصيل لعدمية الحياة، أما بالانتحار وأما بالهرب إلى منافذ السعادة والفرح المؤقت، وكلا الحالتين تؤديان به إلى العبث، عبثية أن تكون الحياة جديرة بأن تعاش·
 
هنا يبرز الفرق بين التمرد الإيجابي لدى برومثيوس والتمرد السلبي لدى سيزيف، يقول كامو في أسطورة سيزيف: الحقيقة أنني ما عدت أستطيع أن أعاني وأكون محقاً ويكفي هذا لنفهم ما قصده كامو، والمعروف عنه أنه كان لتحوله العقائدي أثر كبير على فكره وأدبه، حيث ظهر هذا بعد أن تحررت فرنسا·
 
فإذا قارنا بين عملين له تأملات في العنف ولا ضحايا ولا جلادون نرى أنه في العمل الثاني، وبعد تركه لمواقفه الفكرية السابقة، بدأ الهجوم على نظريتين فكريتين سادتا أوروبا آنذاك هما:
Page 2
أولاً اليسار السياسي المستنبط من عقيدة هيجل والقائلة بحتمية التاريخ·
 
وثانياً المواقف الفكرية السائدة في فرنسا في تلك الحقبة والقائلة كل شيء أو لا شيء وقد اعترف كامو بذلك حين قال:
 
ما كنت لأكتب المتمرد لو أنني في الأربعينات لم أجد نفسي وجهاً لوجه أمام أناس لم أفهم أفعالهم، باختصار لم أدرك أن أناساً يستطيعون أن يعذبوا آخرين دون أن يكفوا عن النظر إليهم·
 
وهنا أتساءل كيف استطاع كامو أن يكتب هذا، كيف لم يستطع أن يفهم الحدث الذي يعيشه ؟ هل يرجع ذلك إلى تفكيره بأن الجريمة يمكن أن تبرر منطقياً وعقلياً وقانونياً، وأن تحول منهجها إلى قوة ؟ هل هذا ما دفع بكاتب ومفكر مثل كامو إلى قول ذلك ؟
 
إن كامو، وهو أحد رموز فلسفة التمرد التي سادت أوروبا في عصره، يرى التمرد بشكله المطلق الميتافيزيقي، يؤدي بحرية الإنسان إلى التحول لظلم الآخرين· بينما مفهوم التمرد التاريخي المرتبط بالثورة، هو تمرد على الظلم الاجتماعي وتكون محصلته العدالة·
 
وقد فهم كامو التمرد التاريخي لكنه حوله إلى إرهاب شديد ضد حرية الفرد، بينما حرية الجماعة هي حرية للفرد أيضاً· لذلك برزت المتاهات في مفهوم الحرية عند هذا الفيلسوف المتمرد·
 
لقد أثبت كامو ولوجه في معاناة المثقف الأوروبي وصراعه الفكري في تلك المرحلة، وما عرضنا لفلسفته إلا من قبيل المقارنة بين مفهومين للتمرد، المفهوم الأول عند كامو والثاني ذلك المرتبط بالثورة البناءة التي تؤدي إلى حصول الإنسان على حقوقه وحريته كمبدأ عام في المجتمع· وكامو فكرياً وقف ضد التمرد الذي يؤدي للثورة السياسية من خلال مطالبته إياها بالتخلي عن الغايات المطلقة·
 
إن مفهوم التمرد الثوري يظهر في كل عمل فني، سواء كان بالكلمة الشعرية أو الروائية أو كان بالتشكيل الفني· فالفنان الذي يدين الواقع السياسي بلوحة فنية يتحدى بها الواقع المفروض، هو كالشاعر والأديب عندما يعبران عن توترهما الرافض لكل أشكال الظلم بالكلمة التي تدخل في صلب القضية الإنسانية·
 
هؤلاء يقودون المجتمع للتقدم والتغيير من أجل الحرية والعدالة اللتين تقضيان على تعاسة الإنسان وشقائه·
 
هذا هو مفهوم التمرد الذي نطالب به والذي نريده أن يكون بشارة لمستقبل الإنسان، وليس ذلك الميتافيزيقي الذي يرتد إلى المجهول وإلى العبث·
 
1985-4-9
Page 3
الضوء الطليق
 
من أين جاءت قدرته على الانتظار ؟
 
كلمات رددها الكثيرون بعد وفاة الشاعر أمل دنقل· لم تفاجئ الحياة شاعراً مثلما فاجأته· لم يكن الموت مفاجأة له، بل كان الشاعر الوحيد الأكثر هدوءاً بانتظاره وسط غبار الحياة وجو المجازر·
 
لعله أيضاً الشاعر الوحيد الذي تقدم بمنطق الشخصيات التراجيدية، حاملاً جسده الميت وعينيه المفتوحتين، لدرجة أنه أصبح شاهداً على الحياة والموت !
 
إن من عرف أمل دنقل بقصائده، بغضبه النبيل، بارتباكه الطفولي، يكتشف أي حياة قادت هذا الشاعر إلى ينابيعها· فالموت لم يأخذ أمل دنقل إنما الحياة هي التي أخذته والتي تسلل إلى ينابيعها خلسة، فأصبح ظلاً يخشاها ويتسلل منها هارباً·· أليس في ذلك انتصار للشعر؟
 
ففي أعماله الشعرية الكاملة نرى أنه لم يكن ثمة صمت، فما هو حاضر هو الحياة بضجيجها ومباغتاتها، وأحداثها تزدحم في شعره فنشعر أننا في مهرجان شعبي، الموت فيه ليس إلا مهرجاً·
 
إن الصمت في القصائد هو صمت اللحظة العابرة في حركة الحياة المندفعة، اندفاع موج البحر الذي يبدأ فيه الشاعر وينتهي إليه في قصائده·
 
إن رحلة الشاعر في قصائده من البحر وإلى البحر، حاملاً جده الميت وروحه الحية، تلك الروح التي غنت للمدن والناس والأطفال والشهداء·
 
غنت للعاملين الملثمين بمناديلهم الترابية، للمهاجرين بخبزهم الدامي، يفترشون وأطفالهم الشوارع· أيكون أمل قد أدرك فرح الحياة فأبكاه هذا الفرح ؟
 
إن انبثاق شاعر وسط مرارات مسحت الحياة، لم تحجب عينيه عن الواقع، بل جعلته أكثر وعياً لهذه الحياة وأشيائها، فملأت شعره وطغت على أحزانه الخاصة التي توارت خلف ظل هذه الأشياء وشمس الشعر·
 
آه·· ما أقسى الجدار عندما ينهض في وجه الشروق·
 
ربما ننفق كل العمر·· كي ننقب ثغره ليمر النور للأجيال·· مرة !
 
ربما لو لم يكن هذا الجدار
 
ما عرفنا قيمة الضوء الطليق· من البكاء بين يدي زرقاء اليمامة·
 
هل هذه الكلمات هي فرح الفن ؟ أم هي الترف النابــع من آلام الشاعر ؟
 
لقد كانت حساسية أمل دنقل الطاغية على شعره بمثابة الحياة، حتى وهو يبكي أفراحها المفقودة وعذابها المقيم· هذه الحساسية الطاغية في الشعر قادت الشاعر إلى التساؤلات المعذبة والمؤلمة، ونقلته إلى أفق بعيد يخرج عما هو حسي محض، لكنه مع ذلك لا يفارقه·
 
إنه أفق الحكمة والتطلع الممزوج بتجربة الشاعر وعالمه الذي لم يغادر أشياء الحياة إلا ليعود إليها بعيني طفل وحكمة شيخ· ومع ذلك فعالم الشعر لدى أمل دنقل لم تطغ عليه أشباح الفكر وبرودة الأفكار، وإنما ظل حتى لحظة وفاته مفتوحاً على الحياة كوضوح الشمس الآسر وغموض النجوم الشفيف، فانقاد إلى الموت نقياً كالشعر·
Page 4
في كل ليل·· تخلع الذكرى ملابسها المغبرة القديمة،
 
تستحم برشرشات الضوء، تغسل فيه وعثاء الطريق،
 
وتسترد نضارة الألوان والمرح القديم·
 
نديانة كالظل، تخلع خفها المبلول
 
تستلقي جواري في الظلام، تضيء بشرتها
 
برائحة التوغل في الحقول·
 
هكذا عاش أمل دنقل وهكذا مات، واجه كل بشاعة الحياة وكل ما استطاع أن يتلمسه فيها من حلاوة وجمال، وربما كان بذلك قد تقارب في الحالة مع الشاعر خليل حاوي بفارق مهم، هو أن خليل حاوي لم يستطع الصمود أمام الواقع المؤلم، فأقدم على الانتحار في لحظة يأس·
 
بينما أمل دنقل واجهها والأمل ينبض بداخله ليرى ذلك اليوم ويعيشه مع أطفال الحجارة في فلسطين، الذين يقاومون قساوة الاحتلال بإرادة كحجر الصوان الذي يحملونه بأيديهم الفتية·
 
الأرض ما زالت، بأذنيها دم من قرطها المتروع،
 
قهقهة اللصوص تسوق هودجها
 
وتتركها بلا زاد
 
تشد أصابع العطش المميت على الرمال
 
تضيع صرختها بجمجمة الخيول
 
الأرض ملقاة على الصحراء·· ظامئة
 
وتلقي الدلو مرات·· وتخرجه مرات !
 
وتزحف في لهيب القيظ
 
تسأل عن عذوبة نهرها
 
والنهر سممه المغول·
 
1988-6-19
Page 5
الثقافة ليست امتيازاً
 
عادة ما تطلق كلمة مثقف في الدول النامية والتي منها الوطن العربي، على الفرد المتعلم، مما يجعل من هذا المصطلح مفهوماً عاماً ينطبق على كل من قرأ أو كتب أو حمل شهادة· ويرجع ذلك إلى عدم قدرة هذه المجتمعات على التمييز بين المتعلم وبين المتعلم المثقف خاصة بالنسبة للدور الاجتماعي والوظيفي الذي يلعبه كل منهما·
 
ففي المجتمعات التي ما زالت تعيش التخلف التاريخي، إلى جانب حياتها البائسة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يصبح الفرد الحاصل على العلم، مؤهلاً للانتقال إلى شريحة مختلفة على الغالبية العظمى غير المتعلمة، مما يدفعه لتكوين طبقة خاصة تقوم بدور هام في توجيه الناس سلباً أو إيجاباً وبالتحكم بهم، لأنهم يرون أن الفرد المتعلم أو المثقف يسبقها مسافات زمنية إلى الأمام بعيداً عن واقع التخلف الذي ما زالوا يعيشونه وسط حضارة إنسانية تتمثل بالثقافة·
 
وعندما نتكلم عن الثقافة في مثل مجتمعنا، فنحن نشمل بها كافة التوجهات الفكرية الحديثة والتقليدية·
 
من هنا تكمن أهمية المثقف في الدول النامية، فبقدر ما تكون المسافة ملغية بين الثقافة كامتياز خاص وبين واقع الحال في المجتمع الذي يعيشه المثقف بقدر ما يكون الإنتاج الإبداعي مندمجاً بين المبدع والمتلقي· وهذا ما نلاحظه عند البعض القليل من كتابنا المثقفين رغم قلتهم، حيث تنعكس على أعمالهم الأدبية والفنية كل قضايا العالم·
 
نذكر منهم عبدالله النديم الذي كان ملتصقاً بقضايا مجتمعه حياتياً وفكرياً من خلال الكلمة التي كان يكتبها، وجبرا إبراهيم جبرا الذي كان منفتحاً على ثقافات العالم دون أن يبتعد عن تراثه وثقافته العربية، فطرح قضايانا ومشاكلنا الاجتماعية والسياسية بكل وعي، وبرؤية حضارية كان لها أكبر الأثر على ثقافتنا المعاصرة· من أعماله المهمة البحث عن وليد مسعود والبئر الأولى ومعايشة النمرة والسفينة وصيادون في شارع ضيق وغيرها الكثير من الأعمال التي لا يتسع المجال لذكرها هنا·
 
أما عالمياً فيتوارد إلى ذهني الشاعر والكاتب رسول حمزاتوف الذي كتب العديد من المؤلفات الهامة حيث أمسك من خلالها بقضايا اجتماعية مهمة يعيشها شعبه، فلاقت نجاحاً كبيراً وصدى ثقافياً عالياً، منها الكراكي وقصة حافظوا على الأمهات وأشهرها الذي ترجم داغستان بلدي
 
وبالرغم من أن رسول حمزاتوف كان في بداياته قد ألف قصة عن الأدباء، متطورة كثيراً من الناحية الفنية والجمالية والفكرية، حيث حملت مضامين فلسفين ولاقت ترحيباً كبيراً من النقاد لحملها كل متطلبات وشروط النقد المنهجي وقواعده، إلا أنها لم تر صدى واستجابة جماهيرية لأنها لم تستطع تحريك وإثارة مشاعر القراء لعدم ملامستها قضاياهم وحياتهم· لذلك فإن رسول حمزاتوف يقول: أعتقد أن الأدب يحقق أهدافه الكاملة فقط عندما يهتم الناس به، وبشكل خاص أولئك الذين لم يكونوا قد فكروا فيه يوماً ما أو قد عرفوه من قبل
 
أما في حال ابتعاد الكاتب عن واقعه وعن قضايا مجتمعه نتيجة لثقافته المستمدة أو المقتبسة من ثقافات أخرى غريبة عن عالمنا، تصبح ثقافة هذا النمط، وهو الأكثر شيوعاً وانتشاراً في عالمنا المعاصر، سداً منيعاً تحجبه عن مجتمعه بدل أن يكون خيطاً يربطه أو جسراً يعبر عليه للوصول إلى الناس الذين ينظرون إليه على أنه الفئة الحضارية المتقدمة في المجتمع· وهذا القول لا يعني الانغلاق على النفس دون ثقافات الشعوب والأمم الأخرى، فالمثقف لا يحمل صفته إلا بفعل انفتاحه وتفاعله الفكري والذهني على الثقافات الأخرى· إنما القصد من ذلك أن ثقافة الإنسان الفاعل في كافة المجالات الإبداعية المنتجة، يجب ألا تعزله عن قضاياه الواقعية، والتي غالباً ما تكون مرتبطة بجذوره التاريخية، اعتقاداً منه أن يتطور ويتقدم في اتجاه التغيير، بينما هو في حقيقة الأمر ينتكس ويتراجع مؤثراً على كافة النواحي في المجتمع الذي يعيش فيه، وهذا هو واقع الحال في المجتمع العربي·
 
من هنا فإن على المثقف أن يخلق من تفاعله مع الثقافات العالمية، دخولاً عميقاً في قضاياه ليستطيع تصوير واقع الحال وطرح الحلول والبدائل الهادفة للتغيير والتقدم للأفضل· وهذا لا يتم إلا باعتبار الثقافة درجة في التطور الاجتماعي العام، وليس امتيازاً أو مستوى أو خلاصاً فردياً أو شخصياً فقط·
 
85-8-18
Page 6
المرأة نهر الحياة
 
منذ بدء الخليقة والمرأة تلعب دوراً كبيراً في تطور المجتمع وتقدمه· وهي بطبيعتها الفطرية التي وجدت عليها، تمتلك الكثير من الطاقات التي تستطيع من خلالها أن تبدع كالرجل تماماً إذا ما أتيحت لها الفرص للانطلاق والعطاء·
 
ورغم كل القيود التي أحاطت بالمرأة عبر عصور التاريخ من أجل تحجيمها ووضعها في قالب واحد صمم خصيصاً للحد من انطلاقها وتفاعلها مع حركة الحياة، إلا أنها استطاعت ــ ولو بنسب متفاوتة بين شعوب العالم ــ أن تخرج من هذا الحصار لتعطي وتبدع وتقود في اتجاهات عديدة، علمية وأدبية وفنية وسياسية واجتماعية، والأمثلة على ذلك كثيرة·
 
على الصعيد العلمي نرى أن ماري كوري البولونية التي تركت بلدها لظروف سياسية واجتماعية قاسية، قد عملت كباحثة كيميائية في إحدى المختبرات العلمية في باريس واستطاعت فيما بعد أن تكتشف مادة اليورانيوم بطاقاتها الفكرية العلمية، وتقدمه إلى العالم باسم بولونيوم تخليداً لبلدها وأرضها التي نشأت عليها والتي فارقتها قسراً·
 
ولم تتوقف المرأة عند ماري كوري في البحث العلمي بل تابعت مسيرتها وخاضت في أبحاث الفضاء وفي الأبحاث الطبية، ثم صعدت القمر جنباً إلى جنب مع الرجل·
 
أما على الصعيد السياسي فقد لعبت المرأة دوراً مهماً في العالم العربي بل وفي العالم أجمع· فمن نافذة التاريخ نرى أن العديد من النساء استطعن ممارسة الحكم بجدارة، وإدارة شؤون الدولة بنجاح، نذكر منهم زنوبيا ملكة تدمر وشجرة الدر زوجة الملك الصالح التي حكمت مصر بعد مماته وأصبحت المرأة الوحيدة التي جلست على عرش الملوك· أما اليوم فقد أصبحت المرأة وزيرة ونائبة في كثير من الدول وبعضهن يحكمن دولاً بأسرها، مثل مارغريت تاتشر في بريطانيا وأنديرا غاندي في الهند وبندرنيكا في سيلان·
 
وفي الجانب الأدبي فإن العدد لا يحصى، حيث أن المرأة خاضت في بحر الأدب بالكلمة المبدعة والإحساس الصادق بالحياة والكون والواقع·
 
إن أشعار الخنساء ما زالت تتسلل لآذاننا عبر القرون البعيدة، كما ليلى الأخيلية، وسكينة بنت الحسين الأديبة والناقدة، وولادة بنت المستكفي·
Page 7
أما أثر المرأة على حياة الأدباء والفنانين فهو لا يعد، بالسلب أو الإيجاب، وهنا سوف نتكلم عن حياة الشاعر الفرنسي بودلير، حيث كانت أمه أقرب امرأة في حياته عندما كان طفلاً، فأحبها حباً كبيراً دفعه في النهاية للعيش بتعاسة بعد أن تزوجت رجلاً آخر إثر وفاة والده، فأصابه زواجها بسهم مسموم في صميمه، لاعتباره ذلك خيانة له ولمشاعره نحوها كأم· وقد دفعت والدة بودلير بابنها للارتماء في حياة باريس الصاخبة والمليئة بالمرح العاصف·
 
لكن تلك المعاناة التي عاشها بودلير بعد وفاة والده وزواج أمه، جعلته شاعراً مميزاً بمشاعره وأحاسيسه المتطرفة، ونظرته الهازئة للأوضاع والتقاليد إلى حد التحدي· حيث أعطت حالة الاكتئاب التي عاشها بودلير تعريفاً خاصاً للجمال، فأصبح عنده مرتبطاً بالحزن والشقاء وهما رفيقـاه الأبديان· كل ذلك بسبب تعلقه بأمه التي تركته وحيداً بعد زواجها، مما أدى به إلى الإدمان على المخدرات وتعاطي كل أنواعها لاستلهام الأحلام والأوهام·
 
وقد أحب بودلير في حياته امرأة تدعى جان دوفال، لكنها استغلت حبه لها لابتزاز أمواله، مما سببب له أيضاً الكثير من البؤس والشقاء والقرف، حيث كانت تلك الفترة من حياته من أقسى المراحل التي مر بها· ولم تنقذه من ذلك سوى ماري دوبرين، التي أحبها حباً بريئاً رومنسياً، ذلك الحب الذي شتت نفسه بين الخير والشر وبين الصوفية والمادية فأنشد يقول:
 
لا يفتأ الشيطان يحوم حولي
 
يسبح طائفاً بي كهواء لا يلمس
 
غني لأبتلعه وأحس به يحرق رئتي
 
ويملأها شهوة أبدية منكرة·
 
وبالرغم من كل هذا فقد اعتبر بودلير من أكبر شعراء فرنسا بعد راسين· وكانت ثمار هذه المرحلة ديوانه الخالد أزهار الشر حيث استطاع بكتابته النفاذ إلى باطن المخلوقات وأعماق الميول والغرائز، والنفاذ إلى ذلك السر العميق الذي يربط الإنسان بالكون والحياة، الحب·
 
1984-8-5
Page 8
مؤتمر المرأة العالمي
 
منذ أول اجتماع عقدته ممثلات عن 24 منظمة دولية في مقر اليونسكو في باريس، والذي كان يوم 27 نيسان 1975، حيث تقرر من خلاله عقد مؤتمر عالمي للمرأة، واعتبار ذلك العام عاماً دولياً لها، ونحن ننتظر تحقيق تلك الأهداف التي طرحت فيه لتعبئة النساء في كافة أنحاء العالم، للمساهمة في إحراز المزيد من الانتصارات على كافة المستويات في سبيل المساواة التامة والتقدم الاجتماعي والسلم العالمي·
 
في تلك الفترة توجهت أنظار جميع النساء في العالم، خاصة نساء الشعوب المهدورة حقوقها، والمسلوبة أوطانها، لذلك المؤتمر، أملاً في أن تحقق المرأة شيئاً على ذلك الصعيد، لكن بعد أن تغير القرار في عقد المؤتمر في خريف عام 1975 من برلين عاصمة جمهورية ألمانيا الاتحادية، إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، تحولت أنظار نساء العالم أيضاً لأمريكا حيث رفع ذلك المؤتمر شعار 1975 عاماً دولياً للمرأة·
 
والمعروف أن ذلك المؤتمر قد وضع خطة عمل عالمية مدتها عشر سنوات، تنفذ خلالها، مما يدفعنا للتساؤل:
 
ما الذي تحقق من هذه الخطة ؟ وهل الذي تحقق منها كان لصالح المرأة في دول العالم الثالث وفي الدول العربية بالذات ؟
 
لقد نوقشت في المؤتمر الثاني الذي عقد في كوبنهاغن عام 1980، أعمال برنامج النصف الأول لعقد مؤتمر المرأة، وكان ذلك تحت شعارات الأمم المتحدة النابع معظمها من سياسة الولايات المتحدة، إذا ما أخذ بها بالطبع·
 
وليس من الضروري هنا أن نتعرض لمواقف الولايات المتحدة، من قضايا شعوب العالم الباحثة عن حريتها واستقلالها واسترداد حقوقها المسلوبة، لأنها تؤيد علناً الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وسياسة التمييز العنصري لحكومة جنوب أفريقيا، وغيرها من الأنظمة الديكتاتورية في العالم، مع أنها هي نفسها تؤمن بالديموقراطية وتطبقها داخل الولايات المتحدة الأمريكية·
 
لقد عقد الكثير من مؤتمرات المرأة لمتابعة المسيرة التي بدأها مؤتمر مكسيكو سيتي، وفي عدة مدن في العالم، ومن أهمها ذلك الذي عقد عام 1985 في نيروبي، حيث فرضت الوفود الأمريكية المشاركة منهجاً خاصاً بها، طرحته بثقلها وبمعزل عن مشاكل الإنسان في الدول النامية، لذلك نراها قد رفضت مناقشة قضية الشعب الفلسطيني واللاجئين، وقضية العزل العنصري، وحصرت فقط لحضورها المؤتمر، مناقشة المرأة في التنمية والعنف في الأسرة وتنظيمها·
 
ونتساءل، كيف قبلت وفود العالم المشاركة تحت تلك الضغوط، وهل نجحت في تحقيق أهداف المؤتمر ؟ نتمنى أن تكون قد نجحت، حتى تثبت المرأة قدرتها على تحقيق أهدافها، لإرساء سبل السلام في العالم·
 
إن المرأة منذ وجود المجتمعات البشرية، تشارك في بناء وتنمية تلك المجتمعات، وهي في حجر الزاوية في ذلك البناء، إن كان في المجتمعات الريفية أو الزراعية أو الصناعية، ومن الطبيعي أن تكون مساوية للرجل فيها أيضاً· لذلك لا نريد عندما نطالب بالحصول على حقوق المرأة الضائعة، تكريس سلب تلك الحقوق بطريقة أو بأخرى، إنما ما نريده هو ترسيخ مفهوم المساواة حتى لا نفقده في الجوهر· لذلك نحن نطالب المرأة العربية بالحصول على حقوقها في الحرية والمساواة داخل مجتمعاتنا، قبل المطالبة بها خارجها، ولن يتم ذلك إلا بتحرر المجتمع ككل لأنها جزء منه، فكيف لها أن تحصل على حريتها إذا ما كان الكل يرزح تحت غطاء من العبودية والتخلف والحقوق المسلوبة ؟!
Page 9
ومحاولة منا للابتعاد عن الانغلاق حول أنفسنا خلف أبواب عالمنا الثقافي الضيق، وحتى لا نجهل المبادئ وقضايا الالتزام التي تسير عليها الشعوب وبعض المجتمعات في العالم، من أجل مد الجسور بين أفراد المجتمع الواحد، وحتى لا تنفرد فئة دون الأخرى ببث أفكارها، التي غالباً ما تكون محاولة لطمس الحقائق الواقعية وتمويهها، خاصة وأن العرب قد اعتادوا على عملية قلب الحقائق، فأصبحوا يتصورون الهزائم انتصارات، ليس فقط على الصعيد السياسي والصراع مع العدو، وإنما انسحب ذلك أيضاً على كافة القضايا الاجتماعية التي يعيشها الإنسان العربي· لذلك نراه مستكيناً أمام كل ما هو حاصل سياسياً واجتماعياً كنتيجة حتمية لقلب الحقائق·
 
وإذا عدنا إلى مؤتمرات المرأة العالمية علينا أن نذكر بعض الحقائق، فتلك المؤتمرات استطاعت أن تحقق الكثير لصالح المرأة في العالم، وهذا جيد لأن المرأة هي أساس بناء المجتمع· لكن بالنسبة للمرأة الفلسطينية ولقضية شعبها، نرى أن هذه المؤتمرات لم تستطع أن تحقق شيئاً، وهذه حقيقة علينا مواجهتها حتى نستطيع مقاومتها بدل القبول بها والاستكانة·
 
ففي المؤتمر الذي انعقد في نيروبي عام 1985 تقرر وضع مشكلة المرأة الفلسطينية ضمن مشاكل المرأة الخاصة في العالم والتي تتمثل في مشكلة الدعارة والبطالة· هكذا وضعت مشكلة المرأة الفلسطينية المناضلة التي تربي أجيالاً من شعبها الذي يقاوم العدو الغاشم، والتي تناضل منذ نصف قرن تقريباً لاسترداد حقها وحق شعبها السليب·
 
ولا أدري كيف شاركت المرأة الفلسطينية في الداخل، آنذاك في المؤتمر، مع أن المعروف أن الوفد النسائي الفلسطيني الذي كان سيشارك من داخل الأرض المحتلة، قد منع من الخروج من قبل السلطات الإسرائيلية· وكان أعضاء ذلك الوفد الذي منع هنّ: زهرة كمال، رئيسة عمل المرأة في الضفة الغربية المحتلة وكانت آنذاك، تواجه عقوبة الإقامة الجبرية لمدة طويلة·
 
سهام برغوثي، التي قضت عامين ونصف داخل السجون الإسرائيلية بسبب مخالفتها لقوانين الإقامة الجبرية المفروضة على غالبية الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة·
 
أمل وهدان وسميحة خليل، وهما عضوتان في لجنة عمل المرأة داخل الأرض المحتلة·
 
إلى جانب ذلك نرى أن إسرائيل فرضت على المؤتمرين إزالة اسم فلسطين التي تحمله معها الصحفية ناديا حجاب، واستبداله باسم الأردن أو الشرق الأوسط، حيث أصر المؤتمرون على عدم وجود اسم فلسطين في الخارطة الدولية·
 
أليست هذه مهزلة ! في أن نغيب وعي الشعب العربي والمرأة العربية عن الحقائق بهدف مقصود أو غير مقصود ! مما يتيح الفرصة لجميع الذين يسعون وراء السلام لمتابعة رحلتهم الممتعة على مآسي وآلام الشعب الفلسطيني، ومذابح الفكر والعقل العربي ؟ متى نكف عن قلب الحقائق، حتى نواجهها بقوة وبفعل مشترك يدفعنا لتغيير الواقع الذي يفرض علينا سياسياً وثقافياً واجتماعياً·؟
 
وفي النهاية يراودني قول لأندريه مالرو في روايته الأمل والذي جاء على لسان أحد أفراد سرب الطيارين الذين كانوا يحاربون الفاشية في إسبانيا، حيث يقول:
 
الصداقة ليست في أن تكون مع أصدقائك حينما تكون على حق، إنما حينما تكون معهم حتى ولو كانوا على خطأ· ويقصد هنا بالطبع المشاركة في حالة ورود الخطأ لتلافيه أو لمنعه·
 
1985-8-12
Page 10
مجنون الأمل
 
هموم الإنسان وصراعه الأبدي والتطلع إلى الحرية والإرادة الحرة، هي قضايا لازمته منذ القدم رغم الشقاء الذي يتبع هذا البحث الدؤوب· حيث نرى أن تلك التجارب التي سجلها التاريخ البشري ما زالت تتكرر في عصرنا· لذلك فإن ألبير كامو يقول: لقد كان في الشقاء شيء من التجريد والوهم، ولكن عندما يشرع التجريد في قتلك، يتحتم عليك أن تنتبه إليه
 
قول كامو هذا يدفعنا للحديث عن تجربة عبداللطيف اللعبي في كتابه مجنون الأمل، وهو رواية كتبها عن تجربة إنسانية خاصة، لكن من الممكن أن يعيشها كثير من الناس وفي كل يوم·
 
تتمحور الرواية حول ثلاث مراكز أساسية في حياة الإنسان، وهي: السجن، المجتمع، والمرأة· وقد كتب اللعبي روايته وهو في أشد حالات العزلة، فأعطى انطباعاً أن الفكرة التجريدية عن الإنسان ترقى به إلى نقطة يكون فيها إنساناً في أقسى حالات عزلته·
 
ولست هنا بصدد كتابة دراسة عن رواية مجنون الأمل، إنما سوف أتكلم عنها في سياق ما سأقوله عن القصة في الوطن العربي، خاصة وأننا نرى الكثير ممن يكتبون، يطرحون أنماطاً من الناس في قصصهم ورواياتهم وربما من واقعهم، وهم متورطون في عملية التلقين الذاتي بلذة خبيثة، ضمن إطار تناسيهم للحقائق·
 
لذلك نشعر ونحن نقرؤهم، بشيء بغيض سواء في المصطلح أو الموقف الإنساني الذي يخلقه الكاتب في قصصه من خلال شخصيات كرتونية، يسقطها على الواقع ليبرز أخلاقيات مصطنعة وأحداثاً مؤلمة، وكل ذلك بأصداء حادة لردود أفعال عقيمة تنبع من ثرثرة فردية ذاتية فارغة ومنزوعة الروح·
 
وهذه الفئة المتواجدة من كتاب القصة، تحاول إظهار الواقعية من خلال رؤيتها الخاصة، لتعرض تفاهات العالم ولتثبت وجهة نظرها المضادة لتجربة عبداللطيف اللعبي، بلغة جاهلة ومحرومة من استعمال جمالياتها الفنية·
 
ففي بعض تلك الأعمال القصصية نجد عبارات تطن طنيناً موحياً بحيلة مقصودة، لتمثيل إصابات تدفع بالقارئ إلى الشك في الحقيقة، وذلك بسبب إظهار الكاتب لمواقف مصورة بنشاط ذهني مخدوش، وفاقد للعمق الفكري، وللتحليل وللرؤية المجنحة، مما يسبب بالتالي انحطاط وسقوط الذوق الإنساني العام الذي يجب أن ينظر بسمو إلى كل كلمة تصدر عن كاتب· والإنسان أياً كان يود من قراءته للقصة أو الرواية، إلى جانب حبه للمعرفة، أن تمنحه تلك الكلمات التي اختارها حرية النشاط الفكري والمشاعر الروحية، والأمل داخل قسوة هذا العالم·
 
أما بالنسبة للخيال، تلك القضية الموازية للقضية الواقعية في الكتابة، فإننا نرى البعض يعرض الواقع بأسلوب خيالي بعيد كل البعد عن الحقيقة، ذلك الذي يفقده واقعه، وينطلق من نظرة خاصة لا تغير الحقائق في شيء لأنها تنبع من خيال ضيق، ذلك الذي يضفي على الحدث الذي يتعامل معه، كل ما هو بعيد عن الحقيقة التي تصدر من واقع مجتمع يجب أن يكون هو جزءاً فاعلاً فيه·