eKtab
EN ع
مرورا بحياة أخرى
Read free sample

مرورا بحياة أخرى

by وليد هاشم

Page 1
مروراً بحياة أخرى
 
 
 
للكاتب كلمة
 
 
 
أسأل كثيراً عن السبب في قلة إنتاجي الأدبي، مع أنني في الواقع لست مقلاً أبداً· إن خيالي يكتب لي قصة، أو مسرحية، أو رواية يومياً··· لكنني لا أقوم بصياغة ما يمليه الخيال حفاظاً على جماله، وطلاقته، وحريته· لا أكتب إلا إذا أجبرت على الكتابة، ولا أكتب إلا إذا أصبحت الرواية وشخوصها أكثر واقعية مني·
 
دخلت هذه الشخوص عقلي الباطن منذ أربع سنوات، ورفضت الخروج منه· عشت معها لفترة تعلمت فيها الكثير من منال، وبسام، ودوريس، وليث، وريم، وباسل واصلت رفضها للرحيل عني،ونمت بداخلي، إلى أن استجمعت قوة كافية للخروج من نطاق الخيال·
 
لا أنكر أنني استمتعت كثيراً بكتابة مروراً بحياة أخرى، التي كانت بعيدة كل البعد عن أجواء لم أكن هناك وعن جوزيفين، ومع ذلك فهي شديدة القرب من تفرد عملي الأول· مع أنني قد قررت التوقف عن الكتابة مسبقاً للتركيز على دراستي، اكتشفت أنني لست أقوى من الكتابة والرواية، وأنني لذلك لا أملك الخيار· فكما أجبرت على كتابة جوزيفين يوماً، وجدت نفسي مجبراً على كتابة مروراً بحياة أخرى
 
فهنيئاً للم أكن هناك ولجوزيفين وهنيئاً لمرور بحياة أخرى وشخصياتها··· وهنيئاً لكل رواية أو شخصية أخرى تجبرني على كتابتها···
 
 
 
وليد هاشم
Page 2
مقتطفات من الفصل الأخير
 
هكذا بقيت هي، وحيدة، مصدومة، خائفة··· مشتتة···
 
··· ولكن هذا لن يدوم طويلاً··· تمايلت، وهي تحس بوحدة قاتلة تدفعها إلى الموت··· إلى نهاية دائرة مفرغة كانت تعيشها···
 
··· لم تحس بخوف بل باستغراب حقاً، فعقلها يريد موتاً قلبها يرفضه· حاولت التوقف ولم تستطع··· زاد استغرابها·
 
··· فجأة! بعد فوات الأوان اتضح كل شيء للفتاة المتمردة··· أسرعت تركض بعيداً··· تصلبت في مكانها كي لا تدفع··· لم تكن تريد أن ترمى··· لكن الأمر لم يكن بإرادتها···
 
··· ظلت تمشي دون أن تتنفس إلى أن خارت قواها الجسدية···
 
··· سقطت على الأرض على بعد أمتار من الهاوية، والموت···
 
··· حتى بعدما أغمي عليها لم تتنفس···
 
··· كانت إرادتها لا واعية···
 
··· لذا واصلت عدم التنفس حتى بعد الإغماء···
 
 
 
ساد الصمت·
 
 
 
لإحدى الشخصيات كلمة
 
 
 
 
 
إن العالم مكانٌ وحيد، تحكمه الوحدة···
 
نادراً ما يكون المرور بحياةٍ أخرى شيئاً يشكل ملاذاً من هذه الوحدة···
 
أو يكون شيئاً ينتصر عليها ويحتلها···
 
و لكنه أمرٌ ممكن، وهذا ما يجعلنا دوماً نحاول·
 
إحدى شخصيات الرواية···
Page 3
شخصيات الرواية:
 
 
 
إن كنت أقوى رجلٍ في العالم،
 
لماذا أخاف من نفسي؟
 
بسام···
 
 
 
 
 
أنا أشهر امرأة في هذا البلد،
 
لم لا يعرفني أحد؟
 
دوريس···
 
 
 
 
 
الجميع يحبني،
 
لماذا لا أحب نفسي؟
 
ليث···
 
 
 
 
 
أنا وحيدة في غرفتي،
 
لم أخاف من أناسٍ لا وجود لهم؟
 
ريم···
 
 
 
إن كنت أعرف كل شيء،
 
لماذا لا أعرف من أكون؟
 
باسل···
 
إن كانت الحياة مليئة بالأشياء الجميلة،
 
لماذا لا أستطيع النظر خارج نافذتي؟
 
···
 
إن كنت أنا جميلة،
 
لماذا لا أستطيع النظر في المرآة؟
 
منال···
Page 4
منال تقوم بالتعليقات
 
اسمحوا لي أن أعرفكم بنفسي
 
 
 
 
 
ارتقت منال المنصة مرفوعة الرأس، وبعدما استقرت في وقفتها أنزلت رأسها تدريجياً بحيث تلاقي عيناها أعين الحاضرين· لكوني أعرف منال جيداً، كنت أعلم تماماً أنها كانت تنظر أعلى من رأس الجميع بقليل، وليس إلى أعينهم مباشرة· كان السبب الذي لا أستطيع فهمه إلى هذا اليوم هو أن منال، كما كانت تقول دائماً، كانت تكره التحديق في أعين تراها ولا ترى كلماتها· كان من الضروري أن تنظر أعلى من رأس الحاضرين على الأقل في هذه المناسبة بالذات لتخلق ولو نوعاً من التمويه أنها ترى من أمامها، لكني أعلم أنها ليست من أولئك الذين يهمهم ماذا يرى الناس عندما يرونهم· كانت منال من أولئك الذين يهمهم ماذا يسمع الناس عندما يستمعون إليهم· لم تنتظر كثيراً كي يهدأ الحاضرون في تلك القاعة، لأنها كانت تعلم أن أولى الكلمات التي كانت على وشك إلقائها ستتدبر الصمت المطلوب، لذلك أمسكت بيدها الطاولة التي أمامها، وأخذت نفساً أبعد ما يكون عن العميق، ورفعت حاجبيها، وتكلمت·
 
لكي أحترف الجمال· هذا هو جوابي الخالد لجميع الأسئلة التي قد تدور في رؤوسكم· لماذا أنا هنا اليوم واقفة أمامكم؟ كي أحترف الجمال· لماذا واجهت جميع مصاعب الحياة التي حاولت دوماً أن تسخر من كوني؟ لأحترف الحكمة· لماذا قررت الصمود في وجه التيار؟ كي أحترف القوة· لماذا أكون؟ لأكون الأجمل· قد تسألون متى أدركت هذه الحقيقة··· لا أدري· لماذا أجزم أنها حقيقة؟ لأن الجمال حقيقة يجب أن تحترف· إني الآن أعلم أن من يحترف فن الجمال يحترف فن الحياة·
 
خلال سنواتي الدراسية الماضية في هذه المدرسة، اكتشفت حقائق كثيرة، لا يزال أغلبية الحاضرين اليوم يرفضون تقبلها· اكتشفت مثلاً أن الحياة نفسها ليست جميلة لكنها مليئة بالأشياء الجميلة التي تبث نوعاً من السعادة في عقولنا· أنتم جميعاً تعيشون هذه الحياة كي تتمكنوا من خلق الجمال لكم، حولكم، لمن تحبون، متى تريدون· منذ هذا اليوم فصاعداً سوف نقوم نحن أيضاً بالأمر نفسه· أدركت أنا ورفاقي الطلبة هذه الحقائق، هناك منا من أدركها قبل الآخرين، لكننا أدركناها· أنا لست هنا كي أشكر من بين لنا هذا الواقع، بل أنا هنا لأقول للطلبة والمدرسين وأولياء الأمور، ولكل من يهمه الأمر أنني واقفةٌ على جبلٍ وصلت بصعوبة إلى قمته· خلفي الماضي بذكرياته، لن أسمح له أن يتبعني، بل سأعود أنا إليه متى أردت· أمامي المستقبل بتحدياته، لن أسمح له بأن يخيفني، بل سأكون أنا من أخيفه· أجل، نحن لا نخاف المستقبل بل نريده الآن·
Page 5
أعزائي الحضور، رفاقي الطلبة··· آن الأوان· إن الحياة ليست خطاً واحداً مستقيماً نبدأه متمنين الوصول إلى نهايته، بل انظروا للحياة كعدة دوائر تتصادم وتتفاعل فيما بينها· ها قد انتهت إحدى أكبر دوائر حياتنا الدراسية· وها نحن ننتظر بفارغ الصبر الدائرة القادمة· نهاية البداية أو بداية النهاية، سموها ما تشاؤون، فأنا لست هنا لأقول لكم متى نبدأ ومتى ننتهي· بل أنا هنا كي أقول لكم اتركوا صدى صوتكم يرن ما بين الاثنين·
 
هل أقتحم المستقبل بعلمي؟ هل أتحدى الحياة بفهمي؟ هل أهز الأرض بوجودي؟ لا أعلم··· لكني أعلم شيئاً واحداً وهو أنني سوف أبقى الأجمل·
 
عندما أنهت منال كلمتها أشاحت بوجهها عن الحاضرين، وأدارت رأسها أبعد ما تستطيع نحو الجانب الأيسر بحيث يلامس وجهها كتفها الأيسر· كانت هذه إحدى حركات منال المعتادة، كانت دوماً تقول لي أنها إحدى حركات أحد أنواع الطيور· بدأ عند هذا الحد تصفيق الحاضرين المتردد، ونزلت منال من المنصة بالرقي ذاته الذي صعدت به، تاركةً خلفها جواً من الأذهان المشوشة· وأنا بصراحة، مع أني منال نفسها، لا أعلم إن كانت تعمدت صنع هذا الجو المعقد·
 
 
 
تعليق منال:
 
هذه منال، تعرف أنها ستكبر وتضفي أكبر قدر ممكن من الجمال على حياتها وحياة الكثيرين· لا أعرف لماذا لا أستطيع التكلم عن نفسي بصيغة الأنا· أفضل أن أقول منال وكأني أتكلم عن شخص آخر أو فتاة أخرى· هذا الأمر يضفي نوعاً من الغموض الجميل··· أحاول تحليل نفسي وتصرفاتي، وهذا ما يجعل منال مختلفة· منال عندما تنظر إلى العالم الخارجي لا تراه فقط، بل ترى نفسها فيه· كانت منال تعلم أن الجمال الذي رأته لا يوازي جمال العالم الذي كانت مصممة أن تراه· فمنال مأخوذة بفلسفةٍ كانت مصممة على تطبيقها· ومنال هي الوسطى بالمناسبة في الترتيب العمري للفتيات·
 
 
 
اسمحوا لي أن أعرفكم بريم
 
 
 
لريم كلمة:
 
أكره الكثير من الأشياء في نفسي، لكن الشيء الوحيد الذي أمقته، ولا أحتمله هو أن كوني ريم ارتبط مع كوني مجرد إحساس دائم بخليط من الخوف، والتردد، والرعب، والتفكك· يسمونه هم عدم الاستقرار، أسميه أنا ريم
 
 
 
فتحت باب أقبح وأسوأ منزل عرفته على الإطلاق بهدوءٍ تامٍ، وببطءٍ شديد· أدخلت رأسي أولاً بخوفٍ وتردد· أبقيت نفسي محبوساً حتى عندما تأكدت أنه لا أحد في البيت· استجمعت كل قواي كي أدخل··· لكني لم أستطع، وأغلقت الباب بالهدوء ذاته الذي فتحته به، وتهالكت على عتبة منزل كنت أهابه، وأمقته في الوقت ذاته· آسفة··· ليس القصد من هذا كله أن أبقيكم منتظرين، أو أن أضيع وقتكم· سأحاول مرةً أخرى الآن· قمت واقفة، وقمت بفتح الباب بتردد مرةً أخرى··· يبدو إن البيت خالٍ من الجميع، الصمت القاتل يخيفني، لذلك أكلم نفسي طوال الوقت بصوت مسموع، كي أتحاشى الصمت الذي يدفع المرء إلى التفكير· الشيء الذي يدفع دوماً بدوره نحو الألم··· لم أفهم قط لماذا يحب البعض الهدوء والصمت··· آه ··· أنا آسفة، يبدو أني بدأت بالهذيان من جديد··· علي أن أدخل البيت··· لست طفلة· أعرف أن الأرض لن تنشق وتبتلعني حالما أدخل -ربما لهذا السبب لم أدخل البيت بعد··· أعرف أني لن أسقط من السلم عندما أبدأ صعوده··· إنه لأمرٌ سخيف أن أكون متوترة لهذه الدرجة··· لا لشيء سوى لأني سوف أدخل منزلي، أنا متأكدة أنكم تضحكون علي حالياً··· ليس هناك ما أخافه، أو بالأحرى ليس هناك شيء يدعو للخوف بتاتاً·
Page 6
استجمعت قواي، وفتحت الباب، ودخلت المنزل، أغلقت الباب خلفي وأقفلته··· سرت رعشة في جسدي عندما سمعت صوت شخير ذكوري يأتي من الطابق العلوي· لكني كنت أعلم أني قوية بما فيه الكفاية كي أصل إلى غرفتي، وأقفل الباب، وأنتظر ساعتين إلى أن تأتي ريهام، ويمكنني بعد ذلك التجول في المنزل بحرية· إن ريهام تتأخر كثيراً··· مع أنها تأتي في نفس الوقت كل يوم··· يبدو لي أن المدة تطول من نفسها يوماً تلو الآخر··· آه··· أنا آسفة، علي أن أخبركم بشيءٍ عن نفسي··· ريم هو اسمي، بعد أن توفي والداي انتقلت أنا وأختي ريهام كي نعيش مع خالتي وزوجها حياة هانئة وسعيدة··· آه··· أيمكنني أن أكمل بعد الوصول إلى غرفتي؟ أجل··· حسناً··· أين كنت؟ آه··· أجل صعود الدرج، علي القيام بهذا بهدوء، كي لا أوقظ زوج خالتي، إنه مسكين يعمل جاهداً طوال اليوم كي يؤمن لنا هذا العيش الرائع··· آه··· آسفة السلم· بدأت أغني لحناً لنفسي وأنا أصعد السلم· كنت دائماً أحس أني في يوم من الأيام سأسقط منه، وسألوي كاحلي··· أو شيئاً من هذا القبيل··· حياتي هادئة وآمنة··· أليست كذلك؟ ألا تعتقدون أنه··· أنه أمر جيد أن تكون حياة المرء هادئة وآمنة؟ لطالما اعتقدت أنا ذلك·· إني أهذي مرة أخرى أليس كذلك؟ حسناً سوف أغني! ماذا أغني؟ أتمانعون إن غنيت (قابل ولد)؟ حسناً:
 
قابل ولدٌ عندما كان صغيراً فتاة·
 
قابلت فتاةٌ عندما كانت صغيرة ولد·
 
كبر الأول، وأصبح يافعاً وواجه الحياة·
 
تزوج الأخيرة وعاشوا سعداء للأبد·
 
إن صوتك جميلٌ يا ريم·
 
أمسك يدي بقوة، حاول سحبي إلى أعلى الدرج، لم أقاوم بتاتاً··· خارت قواي ولم أعتمد إلا على ثقل جسمي الهزيل في المقاومة· ضغط على يدي، لم أحس بالألم، ترك يدي··· آسفة··· لم أر ما حدث، لم أسمع صراخي عندما قذفت··· ولم أحس حتى بألمٍ نابع من ارتطام جسدي وهو في طريقه إلى نهاية الدرج·
 
 
Page 7
تعليق منال:
 
هذه ريم ترمى دوماً من قبل الحياة· لأن ريم تتكون من مجموعة أحاسيس ومخاوف متصادمة· فريم براءة مقتولة· وريم بالمناسبة صغرى فتيات المجموعة·
 
اسمحوا لي أن أعرفكم ببسام
 
 
 
لبسام كلمة:
 
أنا ذلك الفتى المتهم بالسطحية واللاإنسانية··· أنا ذلك الفتى الذي يلام على فساد المجتمع··· أنا ذلك الفتى الذي قد تجدون أنه من السهل توجيه إصبع الاتهام نحوه· أنا عديم الإحساس، عديم الخلق، أنا السبب في قبح الحياة· أنا من يجرح حياةً لا تجرحه وأناساً يحبونه··· أليس كذلك؟ ومع ذلك أتصرف كما تريدون، وأفعل ما تشاؤون، وأكون ما تتوقعون··· ومع ذلك أبقى ذلك الفتى القاسي الذي لم تمر العاطفة بقلبه قط··· آهٍ لو تعرفون من هو بسام···
 
 
 
لم أتطلع إلى عينيها المتسائلتين، كنت أتطلع إلى الأرض· أحسست بنفورٍ بسيط ورعشة غير مفهومة عندما سمحت لها أن تضع يدها على الجرح الذي بدا واضحاً على وجهي· لم أستطع أن أستمع إلى كلامها المؤنب، أو كلماتها اللائمة·
 
عفواً، أنا بسام··· ماذا يمكنني أن أخبركم عن نفسي؟ إني أتميز عن غيري بشيئين· أولهما الشجاعة والثاني الجرأة، والاثنان معاً يساوون القوة في نظري· أجل··· القوة والإقدام هما الشيئان اللذان يميزاني·
 
لم أقدر أن أعرف ما يدور في داخلها· أتلوم نفسها لأني أتعارك دوماً، أم تلومني لأن قبضتي تندفع نحو كل شيء سواء كان يتنفس أم لا· لم يستطع لساني أن ينطق بكلماتٍ تعتذر لما سببته لها من أذى· لم يتمكن عقلي، السماح لي أن أخبرها أني أفضل الموت على أن أفهم أني سبب ألمها·
 
ماذا تريدون أن تعرفوا أيضاً؟ يلقبونني بالذئب··· لم أكن قط فتىً يستهان به، فالكل يخشاني ويعي مدى قوتي وصلابتي· وحدي أواجه الحياة، ووحدي سأتغلب على أي شيءٍ يقف في طريقي·
 
لم أتمكن من أن أطلب منها الابتعاد عن طريقي عندما اعترضته· لم يتمكن قلبي من البوح لها بأنها الإنسان الوحيد الذي أحيا لأجله· لم أقدر على أن أخبرها بعد وفاة والدتنا أنها كانت أمي حتى قبل هذه الفاجعة· أردت أن أضمها، وأن أقبل يديها، وأن أركع عند رجلها وأبكي كالطفل، ولكن لأنها واصلت اللوم، والصراخ، واعتراض طريقي لم أقم بفعل شيءٍ سوى التراجع وترك المنزل بأكمله·
 
و هذا كل ما لدي لأقوله لكم···
Page 8
لبسام كلمة:
 
أنا ذلك الفتى المتهم بالسطحية واللاإنسانية··· أنا ذلك الفتى الذي يلام على فساد المجتمع··· أنا ذلك الفتى الذي قد تجدون أنه من السهل توجيه إصبع الاتهام نحوه· أنا عديم الإحساس، عديم الخلق، أنا السبب في قبح الحياة· أنا من يجرح حياةً لا تجرحه وأناساً يحبونه··· أليس كذلك؟ ومع ذلك أتصرف كما تريدون، وأفعل ما تشاؤون، وأكون ما تتوقعون··· ومع ذلك أبقى ذلك الفتى القاسي الذي لم تمر العاطفة بقلبه قط··· آهٍ لو تعرفون من هو بسام···
 
 
 
لم أتطلع إلى عينيها المتسائلتين، كنت أتطلع إلى الأرض· أحسست بنفورٍ بسيط ورعشة غير مفهومة عندما سمحت لها أن تضع يدها على الجرح الذي بدا واضحاً على وجهي· لم أستطع أن أستمع إلى كلامها المؤنب، أو كلماتها اللائمة·
 
عفواً، أنا بسام··· ماذا يمكنني أن أخبركم عن نفسي؟ إني أتميز عن غيري بشيئين· أولهما الشجاعة والثاني الجرأة، والاثنان معاً يساوون القوة في نظري· أجل··· القوة والإقدام هما الشيئان اللذان يميزاني·
 
لم أقدر أن أعرف ما يدور في داخلها· أتلوم نفسها لأني أتعارك دوماً، أم تلومني لأن قبضتي تندفع نحو كل شيء سواء كان يتنفس أم لا· لم يستطع لساني أن ينطق بكلماتٍ تعتذر لما سببته لها من أذى· لم يتمكن عقلي، السماح لي أن أخبرها أني أفضل الموت على أن أفهم أني سبب ألمها·
 
ماذا تريدون أن تعرفوا أيضاً؟ يلقبونني بالذئب··· لم أكن قط فتىً يستهان به، فالكل يخشاني ويعي مدى قوتي وصلابتي· وحدي أواجه الحياة، ووحدي سأتغلب على أي شيءٍ يقف في طريقي·
 
لم أتمكن من أن أطلب منها الابتعاد عن طريقي عندما اعترضته· لم يتمكن قلبي من البوح لها بأنها الإنسان الوحيد الذي أحيا لأجله· لم أقدر على أن أخبرها بعد وفاة والدتنا أنها كانت أمي حتى قبل هذه الفاجعة· أردت أن أضمها، وأن أقبل يديها، وأن أركع عند رجلها وأبكي كالطفل، ولكن لأنها واصلت اللوم، والصراخ، واعتراض طريقي لم أقم بفعل شيءٍ سوى التراجع وترك المنزل بأكمله·
 
و هذا كل ما لدي لأقوله لكم···
 
 
 
تعليق منال:
 
لم أتوقع من بسام بتاتاً أن يقول المزيد عن نفسه· لأن بسام كان دوماً فتىً قليل الكلام· فهو أضعف بكثير من أن يتمكن من التعبير عن شعوره بالكلمات· فبسام ذو شخصية مهزوزة تحمي نفسها بالتظاهر بالقوة··· وبسام هو الأوسط في الترتيب العمري للفتيان·
 
 
Page 9
اسمحوا لي أن أعرفكم بليث
 
 
 
لليث كلمة:
 
ليس من الصعب أن تحب دون أن يحبوك· سهولة التعايش مع حياةٍ أكرهها تضحكني، فليس هناك شيءٌ مؤلم في كون الحياة نفسها تكرهني··· الصعوبة تكمن في كرهي لنفسي، ورفضها لي· أحياناً أقول لنفسي أن الأمر قد يكون أحد الأخطاء أو الزلات التي تحدث في هذه الحياة··· قد أكون ولدت مثلاً في جسد شخصٍ آخر··· أحياناً أقول أني قد أحب نفسي في واقع الأمر، لكني أهرب من هذه الحقيقة لسببٍ أو لآخر··· ولكني عندما أمل من التحليل، أعترف أني مجرد فتى آخر ذي قلب مقتول··· وهذا هو أنا···
 
 
 
كان واقفاً أمامي كما تعود أن يفعل كل صباح، كان ظالماً نحوي كما أراد دوماً أن يكون· كان يلهو بنفسيتي، ويلعب بكيان عواطفي كما قرر دائماً أن يفعل لتسلية نفسه· مع أني كنت أنظر بألمٍ إليه، كان ينظر بمللٍ خلالي· كعادته يجعلني أحس بأني نزيلٌ غير مرغوب به· توقفت عن الإحساس بالألم، وبدأت بالإحساس بالغضب· حملقت فيه، وفكرت طويلاً قبل أن أتكلم·
 
من تظن نفسك بحق السماء يا حقير؟! من أنت كي تقول لي من أنا، من أكون، ولماذا أكون؟ أوصلت بك الجرأة إلى هذا الحد··؟
 
لم يتوقف عن النظر بعيداً عني··· نحو أي شيءٍ آخر يحبه أكثر، أو يكرهه أقل مني· كان دوماً بعيداً عني، لم يكن بعده يؤلم، ولكن هذا البعد جعل كل شيءٍ آخر في حياتي يؤلمني أضعاف المرات· فكرت ملياً، يا ترى هل موت عاطفتي تجاهه سبب في عدم ارتياحي؟ ربما كنت مخدوعاً بهذا الإحساس الذي لا يؤلم حقاً· تركته للحظة كي استدير نحوكم·
 
أنا ليث··· لا أدري ما يجدر بي أن أقوله لكم··· هل أحاول جعلكم تحبوني بكلماتي المعسولة، وأسلوبي المحبب؟ أنا واثق من قدرتي على هذا فلم أبدد طاقاتي؟! آسف إن كنت صريحاً زيادةً عن اللزوم· لست غبياً، لست حاقداً أو حانقاً على الحياة· علاقتي في هذه الدنيا تقتصر على علاقتي بنفسي فقط· قد تقولون ميت الإحساس، لكن هذا لا يهم، علاقتي بكم لا تهمني· أكرر أسفي سيداتي وسادتي·
 
كان يسمع كل ما أقوله لكم، نظر إلي بسخرية وضحك· وجهت نظرة صلبة، حادة قوية نحوه· كانت نظرةً غاضبةً كادت أن تخترق الزجاج من قوتها، لكنه عندما لم يبالي لانت نظرتي فجأة· عندها انطلقت من فمي كلمة يتيمة·
 
لماذا···؟
Page 10
تعليق منال:
 
كان ليث يواجه مرآةً بالمناسبة إن لم تفهموا المشهد· ما لا يعجبني في ليث هو أن الحقيقة بالنسبة له شيء يعكس كالمرآة التي كانت أمامه· غريب بعض الشيء، لكن لا تعتبروه مجنوناً إلا إذا كنتم على استعداد أن تعتبروا أنفسكم مجانين· لديه قلب طيب، ودافئ، وحنون··· أو بالأحرى هذا ما يعكسه للجميع· ليث بالمناسبة هو أكبر الفتيان سناً·
 
 
 
اسمحوا لي أن أعرفكم بباسل
 
لباسل كلمة:
 
أحب نفسي··· أستطيع أن أقول هذا الشيء بثقة تامة· خطواتي في الحياة تكون دوماً مدروسة··· لست أجهل الحياة وأساليبها··· لكني أجهل اشخص الذي أحبه: أي نفسي··· مع أن الأمر لا يزعجني كثيراً، لا يحتمل الكثيرين من حولي كوني غير متأكد من نفسي، من أكون أو كيف كنت··· أعرف أني باسل، وأعرف أني أحب باسل وأحب كوني إياه· لكني لا أعرف الكثير عن هذا الأخير··· قولوا لي أنتم··· أين تقع المشكلة؟
 
 
 
دفعت بعنفٍ شديدٍ لأسقط على الأرض، لكني لم أتألم··· ضربت ضرباً مبرحاً، لكني لم أكن أبالي إن أردتم الصراحة··· لا لم تكن الحياة هي التي دفعتني، كان فتى في سني· اعتدلت، وقمت واقفاً، وأخذت سيلاً هائلاً من الشتائم، لكني لم أتمالك نفسي من الابتسام· كنت فخوراً بالحاجز الذي استطعت خلقه حول نفسي·
 
لم أكن أتألم لأني أعلم جيداً لماذا كان الفتى يضربني، ويرفضني· لذا لم أكن أبالي··· كان يعاملني بهذه الطريقة لأحد هذين السببين: قد يكون يغذي عدم استقراره وعدم ثقته بنفسه بضربي ليجعل نفسه يعتقد بأنه أقوى وأفضل مني، أو قد يكون يظن فعلاً بأنه أفضل مني ومن غيره! وفي كلتا الحالتين إنه مثير للشفقة·
 
أنا باسل، لن أزعجكم بمعلوماتٍ لن تحتاجوها عني، بل سأكون صريحاً معكم وواضحاً· إن كانت كلماتكم أسهماً··· فلن تجرحني· لو كانت أحكامكم التي ستطلقونها علي أحكاماً مؤبدة··· فلن أقضيها· قد أبدو ضعيفاً لكن صلابتي لا تضاهى، ولو كنت أبدو من أولئك الذين يسمحون لكم بأن تكرهونهم على حياة لا يريدون عيشها، فاعلموا أني لست كهذا· لا أكرهكم، لا أحبكم، لا أخافكم، لا أحترمكم، لا أحتقركم··· كل ما في الأمر أنه ليس لكم وجود بالنسبة لي···
 
قال أنه يمقتني، يكرهني، إن وجودي وكوني يشعره بالاشمئزاز··· أني صعلوك، أني كائن، أني لا شيء يذكر وسأبقى لا شيء يذكر مدى الحياة· لم أتأثر، كان لا شيء بالنسبة لي، لم أكرهه بتاتاً، لم أتألم· كان لا شيء بالنسبة لي، مثلكم أنتم··· لا شيء أبداً··· مثل··· كال-
 
كالهواء إن أردتم صورةً تقريبية···