eKtab
EN ع
مرتفعات ووذرنج
Read free sample

مرتفعات ووذرنج

by إيميلي برونتي

Page 1
تقديم
 
قد يبدو لقارئ عنوان هذه الرواية قبل أن يخوض عبابها، أن المقصود به الحديث عن سلسلة جبال تقع شمال إنكلترا، لكنه عندما يبحر فيها سيجد أن المقصود بـ «مرتفعات وذرنغ» منزلاً ريفياً في رأس جبل حوله أراضٍ شاسعة كانت مسرحاً للأحداث الدائرة، التي نسجتها الروائية إميلي برونتي.
 
فإن كانت مرتفعات وذرنغ فردوساً فهي ليست بالشيء الدائم، وهي لا محالة زائلة، ولكن الروائية أرادت أن تطرح لنا عبر الصراع الدائر فكرة الحياة والموت، وتتابع الأجيال عبر الزمن، وأن دوام الحال من المحال، وأن الإنسان مهما حرص على هذه الدنيا ومتاعها الزائل لا بد أنه مفارق، لكن المطلوب من الإنسان أن يكون حذراً من مغبة أعماله السيئة، لذا كان لا بد له من أن يسير في ركب الخير، وأن يزرع في أرض خصبة، لا أن يضع بذاره في أرض بور.
 
والدليل على ذلك أن هيثكلف الذي كان يمثل جانب الشر والحقد والكراهية بلغ ذروة غناه وثرائه، وسيطر وتجبر، واستطاع أن يستولي على أملاك عائلتين وحاول محو اسمهما من الوجود فلم يجد إلى ذلك سبيلاً، في حين نسي أنه ربيب السيد «آرنشو» الذي حمله معه من لندن، فهو غير معروف الأصل لكنه احتل في قلب متبنيه مكاناً عالياً ومع ذلك لم يرعَ الجميل وامتلأ قلبه حقداً على كل من حوله، فكان حقده هذا طوفاناً أحاله إلى شيطان لا يمت إلى الإنسانية بصلة، لكنه مع كل هذا لم يخل من بعض النواحي الإنسانية في شخصيته فقد كان محباً دنفاً لم يحصل على محبوبته التي عاش معها منذ الصغر؛ فهي الجانب المشرق في حياته مع أنه لم يرتبط بها.
 
وإذا كانت شخوص العائلتين «آرنشو» و«لنتون» قد بلغوا ذروة التعاسة حين شعروا بالضعف أمام هيثكلف الذي درب نفسه وعوّدها للانتقام منهم جميعاً بشتى الأساليب والوسائل، وحاولوا جاهدين ألا يحصل على مبتغاه منهم، فإن تصاريف رب الكون قد حلت وآل الأمر في نهاية المطاف إلى فردين من هاتين الأسرتين الكبيرتين، فالله - تعالى - تكفل برد الحق لهم، وكان عاقبة أمر هيثكلف الخسارة، فانطبق على حاله المثل القائل: ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.
 
من طبيعة الكون التبدل والتغير، وهذه الأرض أم احتضنت الأجيال المتعاقبة وشهدت صراعها المضطرم، هي أم عطوف لكنها تفرح بالخيّرين منهم وتغضب من أهل الشرور، هي للجميع بيت ولا ترفض أحداً، لكنها تنذر من عليها، فمصيرهم إلى باطنها، فكم طوت من الأجيال، بل هي أيضاً مسرح لبداية النهاية في باطنها، حيث القبور التي يعجز الإنسان عن تجنبها، وحيث بداية الحساب والجزاء لقاء الأعمال التي اقترفها بني الإنسان على ظهرها.
 
تعاقب الأجيال وتتابعها عبرة وعظة للإنسان كي يكون على حذر من أعماله السيئة التي سيحاسب عليها؛ لأن العقوبة قد يعجلها خالق الكون على وجه الأرض قبل زوالها.
 
فرواية «مرتفعات وذرنغ» تُظهر لنا التبدل والتغير في الكون، وأن الشر عاقبته الخسران والندامة، وهي تثبت أن ما شاء الله كائن، لأن إرادة الإنسان وجبروته فوقهما إرادة الله وجبروته.
 
فكانت نهاية حياة هيثكلف عبر وعظة لكل من تسول له نفسه، أن يلجأ إلى الشرور ويظلم الناس؛ فقد خرج من بيته وضِياعه ومزارعه وأملاكه خالي الوفاض، بل إن هذه الأملاك التي أخذها بالتحايل والخديعة آلت لمن أخذها منهم.
 
فالحذر كل الحذر من مغبة الشرور.
 
الناشر
Page 2
1
 
نحن في عام 1801، عُدْتُ لتويّ من زيارة جاري السيد هيثكلف مالك الأرض التي استأجرتها، وهو رجل منعزلٌ عن الناس لا يعاشر أحداً. وهذه المنطقة من بلادنا جميلة جداً، لا أظن أني أجد منطقة شبيهة بها في إنكلترا جميعها في هدوئها وبُعدها وخلوِّها خلواً تاماً من ضجيج الحياة الاجتماعية. إنها جنة الانعزاليين ومحبي التفرّد والوحدة، فأنا والسيد هيثكلف خير رفيقين، اشتركنا في حب العزلة، ويمكننا أن نتمتع بها هادئين.
 
وجاري هذا شخص غريب، فقد قابلته أول مرة وأنا فوق صهوة جوادي وكنت لا أعرفه.
 
فسألته: «أأنت السيد هيثكلف؟».
 
فهزّ رأسه دلالة على الإيجاب. ولم ينبس ببنت شفة. وكان ممسكاً بهدّاب صدارته بأطراف أصابعه. يمعن النظر فيَّ مستكشفاً بعينين سوداوين متسعتين. فشعرت بعطف نحوه.
 
وقلت: أنا السيد «لوك وود» مستأجر أراضيك الجديد، يا سيدي؛ تشرفت بالحضور إليك بنفسي فور وصولي، وأرجو ألا يكون قد بدر مني إساءة باختياري الإقامة في «ثرشكروس غرانج»؛ فلقد شعرت أمس بما يشبه أو أنه قد خطر ببالك فكرة كهذه.
 
فقاطعني ممتعضاً وقال: نعم. إن «ثرشكروس غرانج» من أملاكي، ولن أسمح لأحد بأن ينازعني فيها... ادخل!
 
ومَجَّ الكلمة بين فكّيه، وكأنه يقول لي: «اذهب إلى الجحيم». وشعرت بأن البهو الذي يتكئ فيه لم يكن يرحب بي. لكن الظرف الذي أنا فيه، واهتمامي برجل يبدو أكثر تحفظاً مني، أرغماني على قبول الدعوة.
 
وعندما أبصر حصاني يدفع الحاجز بصدره، أقبل إليه ودفع باب الحاجز بيده فانفتح ثم تقدمني عبر الممر وعليه مسحة من كآبة، وصاح منادياً:
 
- يا يوسف! خذ جواد «السيد لوك وود»، وأحضر لنا بعض النبيذ.
 
كان يوسف رجلاً طاعناً في السن، غير أنه صلب العود قوي الساعد، وقد تمتم لي في لهجة تنمُّ عن حزن وألم وهو - يمسك بخطام جوادي - : «ليكن الله معنا» ثم دقّق النظر في وجهي ملياً، وعليه سيماء القلق والاضطراب.
Page 3
و«مرتفعات ويذرنغ» اسم أطلق على البيت الذي يقطن فيه السيد هيثكلف، وهو منزل ريفي بُني على ربوة مرتفعة، فكان معرَّضاً للريح تعصف به من كل جانب، ويبدو أن المهندس الذي خطط بناءه كان بعيد النظر، فأقامه قوياً متيناً ليقاوم عصف الريح وعوامل الطبيعة الأخرى. فجعل نوافذه ضيقة غائرة في جدرانه، وزواياه مرتكزة على حجارة ضخمة بارزة.
 
وجذب انتباهي، بعض النقوش البديعة على الجدار الأمامي، محفورة حول الباب الرئيس، فتوقفت قليلاً قبل أن أجتاز عتبة البيت، لأقرأ تاريخ الحفر فإذا به منقوش منذ عام 1500، وقد نُقش عليه اسم «هارتن آرنشو»، وتمنيّت لو أعلق عليه ببعض الملاحظات أو أسأل صاحب البيت شرحاً مختصراً له، غير أن ما كان يرتسم على وجه السيد هيثكلف؛ أوحى إليّ بالإسراع في الدخول، أو مغادرة المكان حالاً، ولم تكن فيّ رغبة في إثارته وإزعاجه والتسبب في نفاذ صبره قبل تفقدي معبده.
 
وما كنت أخطو خطوة واحدة؛ حتى وجدت نفسي في غرفة الجلوس العائلية. لم أعبر إليها أي ممر أو دهليز. وهم يسمون هذه الدائرة «البيت»، وهي تضم المطبخ وقاعة الجلوس معاً. وفيها مدفأة كبيرة، عُلِّقت فوق مدخنها بنادق قديمة متنوعة الأشكال ومتعددة الأنواع، وزوج من المسدسات على شاكلة تلك التي كان فرسان القرون الوسطى يستعملونها، وصُفّت فوق رفّها ثلاثة صناديق مزخرفة للزينة. ورصفت أرض الغرفة بالبلاط الأبيض الناعم، وفرشت بالكراسي ذات الظهور العالية بسيطة الصنع مدهونة باللون الأخضر. وفي الزاوية كرسيان أسودان يقبعان في ظل نورٍ خافت. وكانت إلى جانب صوان الصحون، كلبة كبيرة يلتفُّ حولها عدد من الجراء الصغيرة.
 
وأثاث الغرفة بسيط كأنه فرش بيت لمزارع فقير من الشمال، وعليه ملامح الجفوة العنيدة. غير أن «السيد هيثكلف» كان على النقيض من مسكنه، إنه رجلٌ أسمر اللون، كالغجر، لكنه في سلوكه وأخلاقه وملابسه يشبه سيداً من السادات، إلا أنه عديم الاهتمام بترتيب نفسه وهندامه، وإن لم يكن هذا الإهمال واضحاً. وهو رجل طويل، وسيم الشكل، ظريف الهيئة، كثير الصمت قليل الكلام، حتى ليظن بأنه متكبر، غير أني لم أشعر منه بذلك. وأدركت - بالغريزة - أن تحفظه هذا كان رغبة منه في إخفاء شعوره وأفكاره الحقيقية. فهو يحب في صمت، ويكره في صمت. أتراني تسرعت في الحكم عليه؟!
 
اتخذت مقعدي إلى جانب المدفأة مقابل كرسي السيد هيثكلف، وصمتُّ فترة من الزمن كنت أحاول فيها مداعبة الكلبة الأم، فتركت جراءها، وأخذت تلعق قدمي، ويبدو أن مداعبتها لم تعجبها فأثارتها فنبحت.
Page 4
فقال السيد هيثكلف بصوت أجش:
 
- يحسن بك أن تدع الكلبة وحدها، فهي غير معتادة على مثل هذه المداعبات ولم تنشأ في مهد الدلال.
 
ثم التفت بوجهه نحو باب جانبي وصاح: «يا يوسف !».
 
فأجاب يوسف من أعماق القبو بتمتمات مبهمة، كأنه لا يريد الصعود، فهبط إليه سيده، وتركني وحيداً مع الكلبة وجرائها، فوقفت جميعاً ترقب حركاتي وسكناتي. ولم أكن مستعداً للالتحام معها في معركة؛ فجلست ساكتاً هادئاً. ثم لا أدري كيف وجدت نفسي - لسوء الحظ - أغمز للجراء بطرف عيني فأثارت غمزتي الأم ووثبت على ركبتي. فرددتها عني بسرعة خاطفة، وسحبت الطاولة لأجعلها حداً فاصلاً بيني وبينها، فألّبت، هذه الحركة، جميع الجراء عليّ، وهجمت كلها على قدميّ وأهداب ثيابي، فاضطررت إلى أن أصيح بأعلى صوتي مستنجداً بأهل البيت.
 
فصعد السيد هيثكلف وخادمه درجات القبو ببطء وهدوء أعصاب، لم يسرعا خطوة واحدة زيادة على المعتاد، مع أن الصياح والنباح كانا يملآن جو الغرفة ضجةً وجلبة. ولحسن حظي، أن أسرعت لنجدتي إحدى السيدات من المطبخ، تحمل بيدها مقلاة، أخذت تهوي بها على الكلاب ضرباً حتى فصلت بيني وبينها، وبقيت واقفة على استعداد لنجدتي حتى دخل سيدها الغرفة.
 
سألني السيد هيثكلف، وهو ينظر إليَّ نظرة غريبة لم أكن أستطيع تقبّلها بعد هذا الاستقبال الموحش: «ماذا حدث، بحق الشيطان؟».
 
فأجبته: «أي عمل شيطاني هذا؟!! ليس في الوجود أرواح أسوأ من هذه التي تتلبَّس حيواناتك، يا سيدي. لست أدري كيف تجيز لنفسك أن تترك امرأً غريباً بين هذه النمور المفترسة!».
 
فقال، وهو يضع أمامي زجاجة النبيذ، ويعيد الطاولة إلى وضعها الذي كانت عليه قبل أن أجرها للدفاع عن نفسي:
 
«إن كلابي لا تقرب امرأً لم يلمس شيئاً في الغرفة، وهي على حقٍ في حذرها ويقظتها... تفضّل؛ خذ كأساً من النبيذ تهدئ به أعصابك».
 
أجبته: «كلا، شكراً لك».
 
فسألني: «هل آذتك؟».
 
قلت: «لا».
 
فقطب هيثكلف وجهه وقال: «تقدم، إنك مضطرب الأعصاب يا سيد «لوك وود». خذ قليلاً من النبيذ. إن زوّار هذا البيت قلائل نادرون حتى إني لأجد وكلابي كثيراً من المشقة في إيجاد أسلوب نستقبلهم به... نخب صحتك يا سيدي!».
 
انحنيت لأردّ له التحية، وشعرت بأن من الحمق والجهل إظهار اكتئابي واستيائي لذنب حيوانات لا تعي ما تفعل، وأساءت سلوكها معي. ولاحظت أنه استعاد مرحه، ورجّحت أنه قد شعر هو نفسه بأنه من الحمق إيذاء شعور مستأجر أملاكه الطيب، إذ خفف من حدة كلماته، وطفق يحدثني في موضع يلذُّ لي سماعه، فشرح لي محاسن المكان الذي أقطن فيه ومساوئه، وتبيّن لي أنه ملم إلماماً حسناً بالموضوعات التي تطرقنا إلى بحثها. وقبل أن أنهي الزيارة وأعود إلى منزلي؛ قررت أن أكرر زيارته مرةً أخرى في الغد. وكان - على ما لاحظت - لا يرغب في تكرار زياراتي له، غير أني - على الرغم من ذلك - سأعاود زيارته، شاء هذه الزيارة أم أبى.
Page 5
2
 
كان الجو عصر أمس بارداً والسماء متلبدة بالغيوم، فقررت قضاء الوقت إلى جوار المدفأة بدلاً من المشي في الوحل، إلى «مرتفعات ويذرنغ».
 
تناولت غدائي وهممت بالصعود إلى الطابق العلوي. لكن ما كدت أصعد بعض درجات من السلم؛ وأرى الخادمة تنظف الموقد وقد تناثر حولها الفحم وعيدان الخشب، وانتشر الدخان في أنحاء الغرفة... حتى عدلت عن فكرتي.
 
عدت أدراجي فوراً، وتناولت قبعتي وسلكت طريقاً إلى بيت جاري، إلى «مرتفعات ويذرنغ» والمسافة بيننا أربعة أميال وما أدركت باب الحديقة، حتى كان الثلج قد أخذ يهطل.
 
كان الهواء بارداً جداً، أثّر فيّ تأثيراً سيئاً فأخذت أرتجف من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، وحاولت حل السلاسل فعجزت، فقفزت من فوقها، واتجهت - مسرعاً - عبر الممر المسيّج بالعوسج والكرمة، وطرقت الباب طرقاً عنيفاً تردّد صداه داخل البيت فنبحت الكلاب.
 
فتمتمت قائلاً: «تباً لكم أيها الخبيثون، إنكم لتستحقون هذه العزلة الدائمة لسوء ملاقاتكم الضيف، نحن لا نغلق أبواب بيتنا نهاراً - على الأقل - لست أبالي ... فسأدخل على أي حال!».
 
أمسكت بالباب وهززته وهزاً عنيفاً، فبرز لي وجه يوسف من نافذة مخزن الحبوب، وقال:
 
- ماذا تريد؟ إن السيد غير موجود في البيت، وإذا كنت لا بد تريده فما عليك إلا أن تبحث عنه في الحقل.
 
سألته: «ألا يوجد في البيت سواك ليفتح الباب؟!».
 
أجاب: «لا يوجد أحد سوى «السيدة» وهي لن تفتح لك الباب، ولو وقفت تطرقه إلى منتصف الليل».
 
قلت: «لماذا؟ ألا تستطيع أن تبلغها من أنا، يا يوسف؟».
 
أجاب متمتماً: «كلا، ولا أرغب في التدخل في الأمر». واختفى عني وجهه وراء النافذة.
Page 6
أخذ الثلج يتساقط بغزارة بعد ذلك، فأخذت أعالج أكرة الباب مرة أخرى أحاول فتحه، وإذا بشاب في الساحة الخلفية، يحمل مشط الزراعة، يناديني ثم يشير إليّ أن أتبعه. ومرّ بي من غرفة الغسيل، إلى مخزن الفحم، ومنه إلى الغرفة الكبيرة التي استُقبِلت فيها أول مرة. كانت الغرفة دافئة، مضاءة بوهج النار المشتعلة في المدفأة، وقد أعدّت في الوسط مائدة، عليها عشاء فاخر. و«السيدة» جالسة إلى جانب المدفأة. انحنيت لها وانتظرت أن تأمرني بالجلوس، فرشقتني بنظرة مبهمة، ثم أسندت ظهرها إلى الكرسي، وظلت صامتة لا تبدئ ولا تعيد.
 
فابتدأت الحديث قائلاً: «الجو اليوم قاس قارس، ولقد وجدت صعوبة في جذب انتباه الخدم إليّ وأنا واقف أنتظر بالباب».
 
لكنها لم تنبس ببنت شفة، وظلت صامتة كالتمثال، تنظر إليّ ببرود وعدم اهتمام فأثارت في نفسي السخط على سلوكها غير المؤدب. ووقفت صامتاً حانقاً برهة من الزمن حتى قال لي الشاب، الذي أوصلني إلى الغرفة، بصوت أجش:
 
- اجلس ! سيأتي حالاً.
 
قبلت دعوته وتظاهرت بهدوء الأعصاب، كأني لم أرَ شيئاً منها ولم أسمع. قعدت مكاناً قريباً منها صامتاً لا أتكلم، ثم حاولت التسلّي بمداعبة الكلبة التي رأيتها في زيارتي الأولى، وأشرت إليها أن ترفع ذيلها دلالة على أنها تعرفني.
 
وقلت للسيدة: «حيوان جميل! أتنوين يا سيدتي أن تتخلي عن جرائها؟».
 
أجابت: «إنها ليست لي».
 
اقتربت من المدفأة وعدت إلى الحديث عن الجو وقسوة البرد في المساء.
 
فقالت: «كان ينبغي ألا تخرج من بيتك».
 
ونهضت من كرسيها لتتناول علبة الشاي عن الرفّ... لم يكن شخصها ولا ملامحها قد توضَّحت لي قبل مواجهتها النور، أما الآن فقد بدت هذه الملامح واضحة جلية. رأيت قدّاً نحيلاً، تخطت به عهد اليفاع منذ زمن طويل، أما وجهها فجميل، وأعتقد أنه أبدع وجه مكلثمٍ نظرت إليه فأشاع فيّ البهجة والسرور؛ وهي شقراء ذات شعر ذهبي متموّج منسدل على جيدها الأسيل الناعم. وفي عينيها جاذبية لا تقاوم!!
 
كانت العلبة بعيدةً عنها قليلاً، فتحركت من مقعدي لأساعدها في تناولها فصدتني بجفوةٍ، كما يصدُّ البخيل من يحاول مساعدته في عدّ ذهبه. وقالت:
 
- لست في حاجة إلى مساعدتك. أستطيع أن أتناولها وحدي.
Page 7
أجابتها على الفور: «معذرةً يا سيدتي!».
 
سألتني: «هل أنت مدعو إلى الشاي؟».
 
قلت: «يسعدني تناول قدحٍ من الشاي».
 
سألتني مرة أخرى: «هل دعيت؟».
 
أجبتها مبتسماً، «كلا، فأنتِ الإنسان الذي يحب أن يدعوني لذلك».
 
عادت إلى كرسيها، مقطبة الجبين، زمت شفتيها القرمزيتين كطفل أجهش بالبكاء.
 
وكان الشاب، في أثناء ذلك، ينظر إليّ من طرف خفي، كأن بيني وبينه ثأراً قديماً. فاستحسنت الامتناع عن تتبع نظراته وتصرفاته الغريبة. ولم تمضِ غير خمس دقائق حتى دخل السيد هيثكلف فأنقذني دخوله من ارتباكي ووضعني المتعب. فتوجهت إليه بالحديث رأساً وأنا أتظاهر بالسرور، وقلت:
 
- أرأيت يا سيدي، لقد حضرت في الوقت المناسب ! لكن أخشى أن أبقى رهين الجو السيئ نصف ساعة أخرى قبل أن أقفل عائداً إلى بيتي.
 
قال، وهو ينفض ثيابه ليُسقط عنها الثلج: «نصف ساعة؟ هل تعلم أنك تخاطر بنفسك؟ وإني لأخشى أن تضلَّ طريقك وسط المستنفعات. فقد يضلّ كثير من الناس الذين خبروا هذه الأراضي طريقهم في مثل هذه الأمسية، وأستطيع التأكيد بأن ليس هناك أمل في تحسن الجو».
 
قلت: «تستطيع أن ترسل معي أحداً من رجالك ليرشدني إلى الطريق، ويمكنه أن يقضي الليل معي في «غرانج» ثم يعود إليكم في الصباح».
 
أجاب: «كلا! لا أستطيع أن أرسل أحداً».
 
قلت: «أحقاً إنك لا تستطيع ذلك؟! حسناً!! ينبغي أن أعتمد على فطنتي إذاً». فأشاح بوجهه عني والتفت نحو السيدة الشابة، وقال لها:
 
- هل أعددتِ لنا الشاي؟
 
فأشارت إليّ وقالت: «هل سيشرب معنا؟».
 
فأجابها بفظاظة أذهلتني: «أعدي الشاي!» وكشفت لي لهجته القاسية هذه عن طبع سيء، وأدركت أن هيثكلف ليس ذلك الشخص الممتاز الذي تصوّرته.. وعندما أعدَّ كل شيء على المائدة دعاني، وقال:
 
- والآن... تقدم بكرسيك يا سيدي.
Page 8
واقتربنا من المائدة جميعاً بما فينا ذلك الشاب. وأخذنا نتناول العشاء. ساد الصمتُ الغرفة. فخاطبت نفسي قائلاً: إذا كنت أنا سبب هذه السحابة من الوجوم؛ فمن واجبي بذل جهدي لزحزحتها.
 
افتتحت الكلام قائلاً:
 
«إن قدرة العادة على تكوين ميولنا وأفكارنا؛ عجيبة جداً، فكثير من الناس مثلاً لا يستطيعون تصوّر السعادة في حياة بعيدة عن مجتمع، كالحياة التي تحياها يا سيد هيثكلف؛ أما أنا فأستطيع أن أقول - وأنا محوط بأفراد عائلتك وزوجتك المحبوبة».
 
فارتسمت على وجهه سحابة من الحزن وقاطعني قائلاً: «زوجتي المحبوبة !!! أين هي زوجتي المحبوبة؟»
 
قلت: «أقصد السيدة هيثكلف».
 
أجاب: «نعم، نعم.. أواه! أنت تقصد روحها التي تحرس «مرتفعات ويذرنغ» أما جسدها، فغير موجود. هذا ما تعينه؟».
 
شعرت أني وقعت في خطأ فحاولت إصلاحه. وكان ينبغي لي ملاحظة الفارق الكبير بين عمر السيد هيثكلف والسيدة.. كان هيثكلف يناهز الأربعين من عمره، بينما لم يتجاوز سنها - كما بدا لي - سبعة عشر عاماً إلا قليلاً.
 
وفجأة؛ لمح في خاطري رسم الشاب الجالس إلى جانبي، يأكل الطعام بيديه القذرتين فقدّرت أن يكون هو زوجها، وأنه «هيثكلف الأصغر»، وكان هيثكلف قد أكد ظني بقوله: «إن السيدة هيثكلف، زوجة ابني». وأدار وجهه نحوها ورماها بنظرة ملؤها الكراهية والحقد.
 
قلت للشاب: «لقد اتضح الأمر الآن، إنك المحظوظ بهذا الملاك الجميل».
 
فامتقع وجه الشاب، وبدا لي أنه يستعد لمهاجمتي، وكأن هذه الكلمات زادت الضغث إبّالة. غير أنه كبح جماح نفسه واكتفى بتوجيه بعض الشتائم إليّ بصوت خافت، فلم أعره أي اهتمام.
 
قال السيد هيثكلف: «إنك مخطئ في تخمينك يا سيدي!! إن وارث أملاكي الجميل ميّت. وقد قلت لك إن هذه زوجة ابني، أي ذلك المتوفى».
 
قلت: «أليس هذا الشاب هو ... ».
 
فقاطعني قائلاً: «إنه ليس ابني!».
Page 9
وابتسم هيثكلف ابتسامة ذات مغزى، وكأن من المشكوك فيه كون ذلك الدب ابنه.
 
وقال الشاب بصوت أجش: «إن اسمي «هارتون آرنشو» وأنصحك بأن تحترم هذا الاسم منذ الآن!».
 
أجبته - وأنا أسخر في قرارة نفسي بالأسلوب بالذي أعلن فيه اسمه - : «إنني لم أظهر لك أي احتقار».
 
وثبَّت نظره في وجهي، حتى بدأت أشعر بأن وجودي وسط هذه العائلة لم يعد مستحباً. وانتهى العشاء دون أن يتحدث أحد بحديث جماعي. واقتربت من النافذة لأتصفح وجه الجو، ففوجئت بنظر كئيب: لقد أرخى الليل سدوله قبل وقته، واختلط لون السماء بلون التلال، وهبَّت الريح عاصفاً، وتساقط الثلج كثيفاً.
 
التفتُّ إلى السيد هيثكلف وقلت: «أعتقد أن وصولي إلى بيتي سالماً بدون مرشد، أمرٌ مشكوك فيه. فقد دفنت الطرق بالثلوج دفناً تاماً».
 
قال هيثكلف: «أدخل الماشية إلى الحظيرة يا «هارتون» وإلا فسوف يدفنها الثلج تحته إذا تُركت في العراء طوال الليل، كما دفن الطرق».
 
زاد اضطرابي وقلقي فقلت: «ما العمل؟».
 
لم يجب على سؤالي أحد، وتلفت أقرأ الوجوه، فإذا بيوسف يعدّ صحن الحساء للكلاب، والسيدة هيثكلفمنحنية فوق الموقد تستدفئ أو تحاول أن تشغل نفسها فاقتربت منها.
 
وقلت: «يا سيدتي، أرجو أن تسامحيني إذا كنت قد أزعجتك. فهل تتكرمين بإرشادي إلى معالم الطريق الموصلة إلى منزلي؟ فقد عُمّي على طريقي حتى أصبحت أجهل أي معلمٍ من معالمه. ولا أعرف منه الآن أكثر مما أعرف عن الطريق إلى لندن!».
 
فأجابت ببرود: «اسلك في عودتك، الطريق التي قادتك إلى هنا، هذا كل ما لديّ».
 
فقلت: «لو سمعتِ غداً أنه قد عُثر عليّ ميتاً في حفرة من الثلج، فإن ضميرك سيؤنبك كثيراً على نصيحتك الخاطئة هذه ».
 
أجابت: «إنه لا يسمح لي بالاقتراب من جدار الحديقة؛ فكيف بتجاوزه ومرافقتك؟».
 
فقلت: يا سيدتي: أنا لا أسألك اجتياز هذه العتبة من أجلي، خصوصاً في مثل هذه الليلة الحالكة، بل كل ما أريد؛ هو أن ترشديني إلى الطريق بالإشارة، لا أن تريني إياها عيناً وترافقينني. أو حاولي إقناع السيد هيثكلف ليرسل معي مرشداً، على الأقل.
 
قالت: «من تريد أن يرسل معك؟ ليس هنا إلا السيد هيثكلف نفسه و «آرنشو» و«زيلا»، ويوسف،وأنا. فمن تريد منا؟».
 
سألتها: «أليس في المزرعة بعض الصبية؟».
 
فأجابت: «كلا، ليس هناك غير من ذكرت».
 
قلت: «فأنا مضطر إذن إلى البقاء الليلة هنا».
 
قالت: «عليك أن تدّبر هذا الأمر مع مضيفك. أما أنا فلا علاقة لي به».
Page 10
وإذا بالسيد هيثكلف يصيح من مدخل المطبخ بصوتٍ أجش: «أرجو أن يكون لك في ذلك درس في المستقبل. فلا تقوم بجولة جديدة عبر هذه التلال. ليس لدينا أي سرير إضافي للضيف، وإذا شئت المبيت؛ فما عليك إلا أن تشارك «هرتون» أو يوسف فراشه».
 
قلت: «أستطيع المبيت على كرسي في هذه الغرفة» فبدرني «آرنشو» التعس قائلاً: «لا، لا؛ إن الغريب غريب على أي حال، سواءً أكان غنياً أم فقيراً، وأنا لن أسمح لأي أحدٍ مهما كان شأنه، أن يشاركني غرفتي».
 
ثرتُ بهذه الإهانة ونفد صبري وتدفقت على لساني ألفاظ قاسية تنمُّ عن امتعاضي، واندفعت نحو الساحة لألحق بـ «آرنشو». وكان الظلام شديد الحلكة فلم أستطع رؤية الطريق إلى الخارج، فتوقفت أتلفت يمنة ويسرةً لأتبيّنه فسمعت الشاب يقول: «سأرافقه حتى آخر الحديقة فقط».
 
قال سيده: «رافقه إلى جهنم. ومن سيعتني بالخيول سواك؟».
 
قالت السيدة هيثكلف بصوت منخفض فيه من اللطف أكثر ما كنت أتوقعه: «إن استنقاذ حياة إنسان أهم من الاعتناء بالخيول ليلة واحدة. ينبغي أن يرافقه أحدٌ ما».
 
أجاب هرتون: «لسنا تحت إمرتك. يجدر بك أن تصمتي».
 
أجابت: «لا هدى الله إلى السيد هيثكلف أي مستأجر جديد سواه حتى يسود «غرانج» الخراب».
 
قال يوسف: «اسمع!! اسمع!! إنها تصبُّ عليه الغضب صبّاً!».
 
وكان يوسف يحلب البقرات على نور المصباح؛ فاقتربتُ منه، واختطفتُ المصباح وأسرعت به إلى الخارج وقلت له:
 
- سأعيده غداً صباحاً!
 
فصاح الشيخ وهو يلحق بي:
 
- سيدي؛ سيدي!! لقد سرق المصباح، اقبضوا عليه. أمسكوه!.
 
فتح الباب الصغير فجأة واندفع منه وحشان مخيفان قفزا عليّ كالشياطين وطرحاني أرضاً وانطفأ المصباح. ولحسن الحظ؛ أن الوحشين كانا يقصدان النباح دون القضاء عليّ نهائياً، وأرغمت على البقاء مطروحاً على الأرض أمامهما حتى تكرم سيدهما واستنقذني. وما كدت أقف على قدمي؛ حتى رجوته وأنا أتميز غيظاً أن يخلي سبيلي لأخرج من البيت. ونزف الدم من أنفي لشدة غضبي، فانفجر السيد هيثكلف ضاحكاً فكان ذلك إهانة جديدة منه وجهت إليّ. ولا يعلم بمَ كان سيختتم هذا المنظر إلا الله لو لم تدخل المرأة البدينة «زيلا» سائلة عن سبب الضجيج والصخب.
 
كانت تعتقد أن أحد الكلاب قد عقرني، ولم تكن تجرؤ على معاتبة سيدها، فصبّت غضبها على الوغد الأصغر. وقالت:
 
- لقد استبهمت عليّ نيّتك، فماذا تنوي أن تفعل بالضيف يا سيد «آرنشو»؟! أتود أن تقتل امرأً على عتبة منزلك؟ يتراءى لي أن هذا البيت لم يعد يصلح لي - انظر إلى المسكين، كيف يرتجف!
 
وأمرتني أن أتبعها إلى المطبخ فصبت على رأسي وعنقي قليلاً من الماء البارد لينقطع النزيف. ولحق بنا السيد هيثكلف وأمر «زيلا» أن تقدم لي كأساً من البراندي ثم غادرنا ودلف إلى الغرفة الداخلية وترك «زيلا» تتمتم وتبدي أسفها للحادث. وأنا أتهادى من الخور والدوار، ولا أكاد أتماسك.
 
أنعشني كأس البراندي قليلاً، فقادتني «زيلا» إلى الفراش.