Page 1
1- عنكبوت
قاومت أديل الدافع الذي حثّها على الهرب والصراخ. أغمضت عينيها وأخذت نفساً عميقاً، ثم أمرت يديها أن تتوقفا عن الارتجاف. حين أصبحت دقات قلبها أقل تسارعاً فتحت عينيها مجدداً.لم يتغيّر شيء. ما زال العنكبوت ذو الأرجل الثماني والجسم البدين الأشعر يعيش في حوض استحمامها. تراجعت أديل إلى الخلف قليلاً من دون أن تشيح بنظرها عن الأرجل الطويلة الهزيلة، مترقبة أي ارتعاش يشير إلى إقدام هذا المخلوق على حركة مفاجئة. حين حجبت حافة الحوض رؤيتها للدخيل أخذت تتحسّس الرف فوق المغسلة بارتباك، فتطاير معجون الأسنان والفرشاة فيما انتزعت كوب الزجاج الذي يحتويهما. جُلّ ما تريده في هذه اللحظة شيئاً مسطحاً وغير ليّن. جالت نظراتها حول غرفة الحمّام بسرعة من دون أن تقع على شيء محدّد. أجبرت نفسها على النظر مجدداً ببطء أكبر هذه المرة.
رأت المجلة التي قرأتها في المرة الأخيرة مستقرّة باتزان على سلة الغسيل. هذا ما كان ينبغي أن تفعله لولا هذا الدخيل. اهتاج في صدرها غضب حانق ومبرّر، كيف يجرؤ ذلك المحتلّ الصغير القذر على إفشال خططها؟
أمسكت أديل المجلة وسارت نحو حوض الاستحمام، محاولة ألا تسمح لخطاها بالتداعي مع اقترابها. بدا الأمر أسهل بكثير حين كان هناك من يقضي على العناكب سواها، لكن تلك الأيام لن تعود. ها هي الآن وحدها بمواجهة العنكبوت ذي الأرجل الثماني.
رفعت كوب الزجاج المقلوب في يدها آملة ألاّ يتزحلق. بدت أطراف أصابعها مبلّلة بالعرق، وأخذت أنفاسها تصدر في لهثات قاطعتها وقفات طويلة حيث بقي الهواء محبوساً داخل صدرها. خطوتان بعد وتصبح قريبة بما يكفي لالتقاطه!
أصبح الكوب على بعد بضع إنشات فقط من المخلوق. بدا كل شيء ساكناً حتى العنكبوت نفسه، وكأنه أحسّ بها تقترب. ثم تحرك فجأة وصعد باتجاهها على حافة الحوض.
لم تكفّ أديل عن التفكير، لكنها رمت الكوب والمجلة باتجاه مهاجمها وسارعت بالهرب إلى خارج الحمّام، فيما ملأ صوت الزجاج المحطّم أذنيها، أقفلت الباب بقوة واستندت إليه، فلربّما جرّب العنكبوت فتح الباب.
يجب ألا تفعل هذا! الخوف الذي ينتابها غير عقلاني. أرادت أديل أن تبتعد عن الباب في ذلك الوقت، لكن صوتاً من داخل الحمّام جعلها تمسك مقبض الباب بقوة أكبر.
لو أنّ... لا، لن تفعل هذا . . . لن تتمنّى وجوده. إنها ليست بحاجة إلى رجلٍِِ لتمسك بعنكبوت، لاسيما ذلك الرجل بالذات. أفلتت مقبض الباب ومررت أصابعها على شعرها الأسود الطويل، فيما صدرت عنها تنهيدة طويلة. أستطيع أن أفعل هذا! فكرت أديل بذلك وهي واقفة هناك وسط السكون. يجب أن أفعل هذا، فلن يقوم بالأمر أحد آخر من أجلي!
ارتجفت يداها وهي تملّس ثنيات ثوب استحمامها الأبيض المصنوع من قماش المناشف وتشدّ رباطه. بدت تلك حركة غير هادفة، فصديقها المكسو بالوبر في الداخل لا يأبه لشكلها، لكن أديل تحتاج إلى أن تظهر بشكل لائق وهادئ. تحتاج لأن تكون أديل التي لا تخاف من أي شيء.
استدارت لتواجه باب الحمّام. تخيلت نفسها في إحدى بذلاتها التي ترتديها إلى العمل، وشعرها مصفّف في لفّته الاعتيادية وهو ينساب على مؤخرة عنقها، إلاّ أنه ليس منتشراً على كتفيها في شتى الاتجاهات حتى يغطي وجهها. الأمر برمته متعلّق بالموقف العقلاني. أليس كذلك؟ تستطيع فعل أي شيء إذا عقدت العزم على فعله.
حضرت أديل بعض حلقات دراسية تدريبية سخيفة حين عملت في فينتون وباريت. كانت تتظاهر بالاصغاء، بينما هي في الحقيقة تفكر في كيفية إنشاء شركة خاصة بها مؤلفة من مستشارين إداريين. جعلت أحلامها تتحقق منذ ذلك الوقت، وهي تستطيع بالتأكيد أن تقوم بالخدعة ذاتها الآن.
مالذي تفوّه به هؤلاء الناس؟ آه، نعم. التخيّل! ركّزت أديل على المخلوق في حوض الاستحمام، وتحوّل في ذهنها إلى صورة فراشة ضعيفة مشعّة بالالوان. بإمكان أي كان أن يلتقط فراشة. أليس كذلك؟
جذبت أديل الباب ففتحته ثم سارت نحو الحوض. كان الزجاج المكسور يغطي الأرض، لكنّ المخلوق الذي تسعى إلى التقاطه قطع نصف الطريق صعوداً نحو الحنفيتين. لو لم تكن ذكية وخبيرة، لاعتقدت أن العنكبوت يرمقها بنظرة غرور. همهمت في سرها فيما مدّت يدها إلى الأمام وضمّت أصابعها عليه: "فراشة!"
اتسعت المسافة فجأة من حافة الحوض إلى النافذة لتصل إلى مساحة ملعب كرة قدم. حاولت أديل أن تمشي ببطء، لكن بعد خطوة ونصف، أخذت تركض. صرخت فيما بدأت أرجل العنكبوت ترتعش في يدها وهي تحاول جاهدة ألا تتقيّأ: "فراشة!"
صاحت أديل فيما فتحت النافذة بيدها الطليقة، ورمت ذلك المخلوق الفظيع منها: "يا للقرف! عنكبوت، عنكبوت، عنكبوت!" .
Page 2
ارتجفت ثم حفّت يدها على رداء استحمامها مرة تلو الأخرى حتى شعرت بالحرارة تغمر تلك اليد. إنها حقاً تحتاج إلى الاستحمام الآن، لكن قبل أن تفعل هذا، ثمّة الكثير من الزجاج على الأرض لتنظيفه. ما من أحد هنا سواها ليلتقط العناكب أو ليزيل كسرات الزجاج عن الأرض إذا أهملت إزالتها، لذا من الأفضل أن تقوم بعمل جيّد.
كان رأس أديل محشوراً تقريباً في الخزانة تحت مغسلة المطبخ حين رنّ جرس الباب. كانت الشمس قد غابت لتوها، لذا لم يكن من الضروري إضاءة المصابيح لكن الظلمة بدت كافية لتمنعها من رؤية ما تفتش عنه. امتدت أصابعها إلى المنطقة المعتمة في مؤخرة الخزانة.
أين المكنسة والمجرود اللعينين؟ يجب أن يكونا هنا في مكان ما.
راح جرس الباب يرنّ مجدداً، فضربت أديل رأسها بأعلى الخزانة وهي ترفعه لتقف. جرس بابها ليس من النوع الذي يمكن تجاهله، فهو لا يصدر تلك الموسيقى الناعمة التي تشير إلى أن أحدهم ينتظر بصبر خلف الباب مع باقة ورد في يده. آه، لا! هذا الجرس هو أحد الأجراس التي توحي بالاصرار، وتطلق صوتاً مزعجاً كصوت بوق درّاجة هوائية قديمة الطراز.
كلّ ما تبتغيه أديل في أمسية يوم السبت بعد قضاء نهار كامل في المكتب، هو أن تغوص في مياه ملأى بالفقاقيع في حوض استحمامها، وأن تقرأ الفصول الأربعة المتبقية من كتابها. هذا ليس بالشيء الكثير. أليس كذلك؟ حفّت مؤخرة رأسها فيما سارت بخطوات هادئة لكن سريعة نحو الباب الأمامي، وفتحته بعنف من دون أن تهتم حتى بأنها في رداء الاستحمام. كانت على وشك أن تثور قائلة: نعم؟ ماذا تريد؟ إلاّ أن الكلمات تلاشت على شفتيها. رأته مستنداً إلى الحائط والبريق يشع من عينيه، وغمّازة تزيّن كلاً من خدّيه.
عرفت أديل أن فمها كان مفتوحاً، لكنها لم تبدُ قادرة على إغلاقه مجدداً. ابتسم الضيف فتعمقت الغمازتان أكثر في خدّيه.
- مرحباً، أديل!
- نـ... ـك!
في الدقائق القليلة الأخيرة، توارت الشمس أكثر خلف أسطح المنازل وأعمدة المداخن المنتشرة في تلك الناحية، أمّا الوهج الساطع من ضوء الشرفة، فجعله يبدو دافئاً متلألئاً باللون الذهبي.
بدا نك . . . حقيقياً جداً. إنه ليس نك الذي اعتادت أن تصرخ في وجهه في خيالها على مرّ الأشهر التسعة الماضية. صوّره لها خيالها أقصر قامة، صبياني الملامح، وأقل جاذبية. استطاعت على الفور أن تشعر بتلك الكيمياء المألوفة بينهما تسيطر عليها.
نظر نك عميقاً في عيني أديل، فشعرت أن ما تبقى من خلايا دماغها الحية يتلاشى ويتحوّل إلى العدم. حرّك حاجبه، وقال: "إنه هو، لا سواه" .
هزّت أديل رأسها من دون أن تعرف حتى من أين تبدأ. لِمَ هو هنا؟ متى عاد إلى البلاد؟ والأهم من هذا، لِمَ تُراه يقف على الدرج الأمامي لمنزلها كأنّ شيئاً لم يكن؟
- هل يمكنني الدخول؟
أرادت أديل أن تقفل الباب بعنف في وجهه، وأن تطلب منه ألاّ يزعجها ثانيةً، وأن يتصل بمحاميها إذا أراد، لكنها وجدت نفسها تهز رأسها إيجاباً. لطالما تمتّع نك بتلك المقدرة المزعجة على جعلها تقوم بما يريد. على الرغم من أن قصده يبدو شريفاً دائماً، إلاّ أنّ أديل هي التي تنجرح في آخر المطاف، والتي تضطر إلى تحمّل ما نتج من سوء. كانت فكرة سيئة حقاً أن تدع نك هيوز يدخل حياتها. أما الفكرة الأسوأ فكانت أن تتزوجه.
مشت أديل في الرواق وتبعها نك. وحالما وصلا إلى المطبخ، استدارت لتواجهه. سألته: "ماذا تريد، نك؟"
كان رأس أديل محشوراً تقريباً في الخزانة تحت مغسلة المطبخ حين رنّ جرس الباب. كانت الشمس قد غابت لتوها، لذا لم يكن من الضروري إضاءة المصابيح لكن الظلمة بدت كافية لتمنعها من رؤية ما تفتش عنه. امتدت أصابعها إلى المنطقة المعتمة في مؤخرة الخزانة.
أين المكنسة والمجرود اللعينين؟ يجب أن يكونا هنا في مكان ما.
راح جرس الباب يرنّ مجدداً، فضربت أديل رأسها بأعلى الخزانة وهي ترفعه لتقف. جرس بابها ليس من النوع الذي يمكن تجاهله، فهو لا يصدر تلك الموسيقى الناعمة التي تشير إلى أن أحدهم ينتظر بصبر خلف الباب مع باقة ورد في يده. آه، لا! هذا الجرس هو أحد الأجراس التي توحي بالاصرار، وتطلق صوتاً مزعجاً كصوت بوق درّاجة هوائية قديمة الطراز.
كلّ ما تبتغيه أديل في أمسية يوم السبت بعد قضاء نهار كامل في المكتب، هو أن تغوص في مياه ملأى بالفقاقيع في حوض استحمامها، وأن تقرأ الفصول الأربعة المتبقية من كتابها. هذا ليس بالشيء الكثير. أليس كذلك؟ حفّت مؤخرة رأسها فيما سارت بخطوات هادئة لكن سريعة نحو الباب الأمامي، وفتحته بعنف من دون أن تهتم حتى بأنها في رداء الاستحمام. كانت على وشك أن تثور قائلة: نعم؟ ماذا تريد؟ إلاّ أن الكلمات تلاشت على شفتيها. رأته مستنداً إلى الحائط والبريق يشع من عينيه، وغمّازة تزيّن كلاً من خدّيه.
عرفت أديل أن فمها كان مفتوحاً، لكنها لم تبدُ قادرة على إغلاقه مجدداً. ابتسم الضيف فتعمقت الغمازتان أكثر في خدّيه.
- مرحباً، أديل!
- نـ... ـك!
في الدقائق القليلة الأخيرة، توارت الشمس أكثر خلف أسطح المنازل وأعمدة المداخن المنتشرة في تلك الناحية، أمّا الوهج الساطع من ضوء الشرفة، فجعله يبدو دافئاً متلألئاً باللون الذهبي.
بدا نك . . . حقيقياً جداً. إنه ليس نك الذي اعتادت أن تصرخ في وجهه في خيالها على مرّ الأشهر التسعة الماضية. صوّره لها خيالها أقصر قامة، صبياني الملامح، وأقل جاذبية. استطاعت على الفور أن تشعر بتلك الكيمياء المألوفة بينهما تسيطر عليها.
نظر نك عميقاً في عيني أديل، فشعرت أن ما تبقى من خلايا دماغها الحية يتلاشى ويتحوّل إلى العدم. حرّك حاجبه، وقال: "إنه هو، لا سواه" .
هزّت أديل رأسها من دون أن تعرف حتى من أين تبدأ. لِمَ هو هنا؟ متى عاد إلى البلاد؟ والأهم من هذا، لِمَ تُراه يقف على الدرج الأمامي لمنزلها كأنّ شيئاً لم يكن؟
- هل يمكنني الدخول؟
أرادت أديل أن تقفل الباب بعنف في وجهه، وأن تطلب منه ألاّ يزعجها ثانيةً، وأن يتصل بمحاميها إذا أراد، لكنها وجدت نفسها تهز رأسها إيجاباً. لطالما تمتّع نك بتلك المقدرة المزعجة على جعلها تقوم بما يريد. على الرغم من أن قصده يبدو شريفاً دائماً، إلاّ أنّ أديل هي التي تنجرح في آخر المطاف، والتي تضطر إلى تحمّل ما نتج من سوء. كانت فكرة سيئة حقاً أن تدع نك هيوز يدخل حياتها. أما الفكرة الأسوأ فكانت أن تتزوجه.
مشت أديل في الرواق وتبعها نك. وحالما وصلا إلى المطبخ، استدارت لتواجهه. سألته: "ماذا تريد، نك؟"
Page 3
هذه هي اللحظة التي ينتظرها، اللحظة التي تدرّب على الأداء فيها مرات لا تُحصى. لم يشعر في أحلام يقظته كلها بهذا التوتر قط. استدارت أديل لتنظر إليه محاولة ألاّ تجفل. هذا ما كان نك خائفاً منه، فقد تمنّى أن تكون في مزاج ملائم أكثر للتحدّث بعد مرور هذا الوقت. من الواضح أنها ليست كذلك، فمرور الوقت لم يساهم في التئام جراحها.
إنّ الغوص في صلب الموضوع مباشرة وإخبارها عن سبب مجيئه لن يجدي نفعاً، عليه أن يمهّد للحديث المرتقب. ذابت كلمات الالتماس الخالص على شفتي نك واستبدلها بأوسع ابتسامة استطاع أن يرسمها على وجهه: "يا لها من طريقة جميلة تستقبلين بها زوجك!"
ضاقت عينا أديل ولم تقل شيءاُ. أخذ نك نفساً عميقاً. عليه فعل شيء ما ليوقف مهاجمتها له. بطريقة أو بأخرى، عليه أن يبقى في المكان الذي تقطنه حتى يتمكّن من جعلها تستمع إليه. استطاع أن يهمهم كلمات أقل حدّة فقال: "ما رأيك بكوب شاي؟"
استمرت أديل في التحديق به وبؤبؤا عينيها يتقلصان ليصبحا ثقبين صغيرين. حسناً! أهذا أفضل ما تمكن من التلفظ به؟ يبدو أن رأسه ما زال مشوشاً بعد رحلة بالطائرة بدت كأنها أسبوع. كوب من الشاي قد يعطيه خمس عشرة دقيقة على الأقل ليتفاهم مع أديل. أضاف: "كانت رحلتي طويلة حقاً".
بقيت أديل ساكنة وباردة كحجر الغرانيت على منضدة المطبخ، حتى اعتقد نك أنها تجمدت وأنها لن تتحرك البتّة. بعدئذ هزّت رأسها، وسارت لتتناول الإبريق. راقبها بدقة متناهية؛ حين تكون أديل في هذا المزاج، لا يستبعد أن ترمي الإبريق عليه. ملأت الإبريق بالماء وهي لا تزال تدير ظهرها نحوه، فيما كرّرت سؤالها السابق: "ماذا تريد نك؟"
انتظر نك حتى استدارت لتواجهه: "علينا أن نتكلّم".
لا شيء مضحك في هذه العبارة. يبدو أن جهوده الجبارة كي يتجاهل إطلاق المزاح كالمعتاد أثناء التوتر تلقى نجاحاً. هزّت أديل رأسها، وقالت : "لا! كان يجب أن نتحدّث منذ أشهر، أمّا الآن فقد فات الأوان".
- لدي أمر هام أريد أن أقوله لك.
- هـاه!
أجفل نك، وسألها: "ماذا تعنين بهذا؟"
- أنت لا تعني حقاً أموراً مهمة أو مسؤولة أو موثوق بها، أو أي شيء يتطلب الجدية. أليس كذلك نك؟
ها قد بدأت أديل تهاجمه. انهارت كل نواياه الحسنة فالتجأ إلى نوع الدفاع الوحيد الذي ينجح به. التوت زاويتا فمه بابتسامة، وأجاب: "هذا جزء من جاذبيتي".
_ لهذا فشل زواجنا.
اختفت الابتسامة عن وجهه تماماً. من المؤكد أن الوضع لا يسير حسب المخطط. شعر نك أنه متعب جداً، فهو بالكاد يستطيع أن يفكر بطريقة سوية. حاول القيام بالحركة الوحيدة المتبقية لديه والتي تضمن الحصول على ردّ فعل؛ إنّ الأوقات الحرجة تدعو إلى اتخاذ تدابير خاصة. حان الوقت لإطلاق سحر الغمازتين. وسّع نك ابتسامته قليلاً وراقب عيني أديل عن كثب ليرى ما إذا كانت مشاعرها ستلين. لم تستطع أديل مقاومة غمازتيه.
_ توقف عن هذا، نك!
البراءة التي ظهرت من خلال هزّه لكتفيه تستحق فعلاً جائزة الأوسكار.
_ أعرف ما تفعله، ولن ينجح الأمر.
إنها البداية! من الواضح أن أديل أصبحت أكثر تحصناً وقوة أثناء بعاده، لكن لا بُدّ من وجود نقاط ضعف في مكان ما، والمسألة تكمن في تحديدها. هذا ما جذبه نحوها في البدء؛ هذا الغطاء الخارجي البارد جداً الذي يخفي لبّاً حارّاً جداً: نار وثلج. هذا ما كانت عليه أديل. مشى نك نحوها فابتعدت عنه، وقالت : "أقلت إنك تريد التحدّث؟ حسناً! أنا مشغولة في الوقت الراهن".
_ أستطيع أن أرى ذلك.
إنّ الغوص في صلب الموضوع مباشرة وإخبارها عن سبب مجيئه لن يجدي نفعاً، عليه أن يمهّد للحديث المرتقب. ذابت كلمات الالتماس الخالص على شفتي نك واستبدلها بأوسع ابتسامة استطاع أن يرسمها على وجهه: "يا لها من طريقة جميلة تستقبلين بها زوجك!"
ضاقت عينا أديل ولم تقل شيءاُ. أخذ نك نفساً عميقاً. عليه فعل شيء ما ليوقف مهاجمتها له. بطريقة أو بأخرى، عليه أن يبقى في المكان الذي تقطنه حتى يتمكّن من جعلها تستمع إليه. استطاع أن يهمهم كلمات أقل حدّة فقال: "ما رأيك بكوب شاي؟"
استمرت أديل في التحديق به وبؤبؤا عينيها يتقلصان ليصبحا ثقبين صغيرين. حسناً! أهذا أفضل ما تمكن من التلفظ به؟ يبدو أن رأسه ما زال مشوشاً بعد رحلة بالطائرة بدت كأنها أسبوع. كوب من الشاي قد يعطيه خمس عشرة دقيقة على الأقل ليتفاهم مع أديل. أضاف: "كانت رحلتي طويلة حقاً".
بقيت أديل ساكنة وباردة كحجر الغرانيت على منضدة المطبخ، حتى اعتقد نك أنها تجمدت وأنها لن تتحرك البتّة. بعدئذ هزّت رأسها، وسارت لتتناول الإبريق. راقبها بدقة متناهية؛ حين تكون أديل في هذا المزاج، لا يستبعد أن ترمي الإبريق عليه. ملأت الإبريق بالماء وهي لا تزال تدير ظهرها نحوه، فيما كرّرت سؤالها السابق: "ماذا تريد نك؟"
انتظر نك حتى استدارت لتواجهه: "علينا أن نتكلّم".
لا شيء مضحك في هذه العبارة. يبدو أن جهوده الجبارة كي يتجاهل إطلاق المزاح كالمعتاد أثناء التوتر تلقى نجاحاً. هزّت أديل رأسها، وقالت : "لا! كان يجب أن نتحدّث منذ أشهر، أمّا الآن فقد فات الأوان".
- لدي أمر هام أريد أن أقوله لك.
- هـاه!
أجفل نك، وسألها: "ماذا تعنين بهذا؟"
- أنت لا تعني حقاً أموراً مهمة أو مسؤولة أو موثوق بها، أو أي شيء يتطلب الجدية. أليس كذلك نك؟
ها قد بدأت أديل تهاجمه. انهارت كل نواياه الحسنة فالتجأ إلى نوع الدفاع الوحيد الذي ينجح به. التوت زاويتا فمه بابتسامة، وأجاب: "هذا جزء من جاذبيتي".
_ لهذا فشل زواجنا.
اختفت الابتسامة عن وجهه تماماً. من المؤكد أن الوضع لا يسير حسب المخطط. شعر نك أنه متعب جداً، فهو بالكاد يستطيع أن يفكر بطريقة سوية. حاول القيام بالحركة الوحيدة المتبقية لديه والتي تضمن الحصول على ردّ فعل؛ إنّ الأوقات الحرجة تدعو إلى اتخاذ تدابير خاصة. حان الوقت لإطلاق سحر الغمازتين. وسّع نك ابتسامته قليلاً وراقب عيني أديل عن كثب ليرى ما إذا كانت مشاعرها ستلين. لم تستطع أديل مقاومة غمازتيه.
_ توقف عن هذا، نك!
البراءة التي ظهرت من خلال هزّه لكتفيه تستحق فعلاً جائزة الأوسكار.
_ أعرف ما تفعله، ولن ينجح الأمر.
إنها البداية! من الواضح أن أديل أصبحت أكثر تحصناً وقوة أثناء بعاده، لكن لا بُدّ من وجود نقاط ضعف في مكان ما، والمسألة تكمن في تحديدها. هذا ما جذبه نحوها في البدء؛ هذا الغطاء الخارجي البارد جداً الذي يخفي لبّاً حارّاً جداً: نار وثلج. هذا ما كانت عليه أديل. مشى نك نحوها فابتعدت عنه، وقالت : "أقلت إنك تريد التحدّث؟ حسناً! أنا مشغولة في الوقت الراهن".
_ أستطيع أن أرى ذلك.
Page 4
رمقها نك بنظراته من الأعلى إلى الأسفل، وشعر بموجة حرارة مألوفة فيما رأى رجلها الجميلة تظهر من فُتحة في ثوب استحمامها. سوّت أديل وقفتها وشدّت عقدة الحزام أكثر. قالت: "اتصل بي إلى مكتبي في الأسبوع القادم. أنا في خضمّ الاعداد لمشروع كبير، لكن قد تتسنى لي بضع دقائق نهار الخميس لأراك. أين ستمكث؟"
رفع نك حاجبيه، ثم أجال بصره في الغرفة.
_ لا مجال! لن تبقى هنا.
طرف بعينيه وقال: "هذا مسكني أيضاً"
_ للتصحيح؛ قد يكون هذا منزلك، لكنه لم يعد مسكنك منذ أن انطلقت بسرعة نحو الأطلسي، ولم تزعج نفسك بالعودة لمدة تسعة أشهر.
شبكت أديل ذراعيها ونظرت إليه. الآن ليس الوقت المناسب ليذكرها بأنه عاد ما إن تمكن من ذلك. بعد أسبوعين من العراك العنيف، سافر نك خمسة آلاف ميل ليسوي الأمر معها، لكنه عندما دخل إلى المنزل وجده خالياً. كانت أديل قد انتقلت لتعيش مع صديقتها الحميمة. لا! إنّ تذكيرها بذلك لن يجدي نفعاً، فهي ليست في مزاج مؤات لتواجه أخطاءها في هذه الآونة. في الواقع، لا يعتقد نك أنه يستطيع أن يواجه الذكريات أيضاً، لذا دسها في الجهة الخلفية من دماغه وتجاهل الشعور بالغثيان في معدته.
نزع سترته، وقذفها على أحد الكراسي المحيطة بمائدة الطعام المصنوعة من خشب الصنوبر، وغرق في الأريكة الليّنة الموضوعة في زاوية مطبخها ذي الطراز الريفي. إنه في ورطة كبيرة الآن، فلا داعي لأن يزيد الطين بلة. عليه أن يحاول جهده ليصرف من ذهنها فكرة طرده بقامته التي تبلغ الستة أقدام من الباب الأمامي . قد تكون أديل قصيرة القامة لكنها تتمتع بقوة مدهشة.
_ ماذا عن كوب الشاي؟
أغمضت أديل عينيها وهبطت كتفاها. ربح نك الجولة الأولى، لكنه شعر بالأسى لأنه جعلها تبدو متعبة ومرهقة جداً.
_ حضّره بنفسك. سأصعد إلى الطابق العلوي. إذا كنت تعتقد أنك ستضع الحقيبة التي تركتها في الرواق في غرفة نومي، فيمكنك إعادة التفكير بالأمر. أنت تعرف أين تقع الغرفة الإضافية.
أظهر نك تكشيرة فيما استدارت أديل وصعدت الدرج بخطى قوية. لم يتمكن من معالجة الأمور بشكل جيد، لكن المجادلة سوف تجعل أديل تخبط الأرض بنعليها بحدة أكبر. تعلّم نك منذ زمن بعيد أن حملها على الضحك هو الحل الوحيد.
تتمتع أديل بحسّ الفكاهة، لكنها تبقيه مكبوتاً في داخلها معظم الأحيان. أما ما يبرع به نك فهو حمل زوجته على الضحك. لطالما بدت له إذابة الغلاف الجليدي الذي تختبىء خلفه أديل أمراً رائعاً. فعندما تبدو قوية وهجومية كإحدى السمكات المنتفخة، يأخذ نك في التظاهر بأن التفاهم معه مستحيلاً حتى يرى البريق في عينيها ويلاحظ طريقة تحرك فكها وهي تحاول أن تبقي تعابير وجهها جامدة. ما إن يشعر أن التوقيت مناسب، حتى يرمقها بابتسامة أخيرة ونظرة أخيرة، فتطلق نفخة قوية من الهواء وتحرّر ما في داخلها، لتصبح المرأة الدافئة الشغوفة التي أحبّها كثيراً.
ألقى نك رأسه على وسادة الأريكة وأغمض عينيه. إنه يعرف ما الذي تفكر به أديل: أن زوجها أراد أن يثبت وجهة نظره مرة والى الأبد، إلاّ أن نك لم يَرَ المسألة من هذا الجانب. ظلّت أديل متمسّكة بموقفها ومقتنعة أنّها على حق، فلم تلاحظ أنها هي نفسها رفضت التراجع عن موقفها ولو قليلاً. فهي التي قررت أن يكون زواجهما على المحك. لكل قصة وجهان، إلاّ أنّ أديل ظلت مقتنعة تماماً أن وجهتها هي الأصح. و المزعج في الأمر أنها غالباً ما كانت على حق. بالرغم من ذلك، فهي تخطىء أحياناً. وحين تفعل، فإنها ترتكب خطأً كبيراً.
غيّر نك جلسته ليشعر بالارتياح أكثر. بدا أن تعب السفر أخذ يتملك منه، كما بدت تلك الأريكة مريحة جداً. لاحظ أن سترة إحدى بذلات العمل الخاصة بأديل مثنية ومتدلية على ظهر الأريكة وأن رائحة عطرها الدافئة تفوح منها. إذا ما أغمض عينيه سوف يشعر كأنها جالسة بقربه. لطالما أمضيا أمسيات كثيرة سعيدة متعانقين على هذه الأريكة القديمة بعد انتهاء وجبة المساء. كما مرت أوقات أخرى استخدما فيها هذه الأريكة لنشاطات أقل استرخاء.
ابتسم نك فيما أخذ النعاس يثقل أجفانه... أقل استرخاء، لكن أكثر مرحاً...
أصدر الباب صريراً حين دفعته أديل ليفتح، ثم توقفت قليلاً. بدا الجو هادئاً... هادئاً جداً. بدا نك أشبه بالطفل المشاغب. فحين يكون صامتاً يبدو كأنه يخطّط لشيء ما مشكوك في أمره. تأرجح الباب على مصراعيه ورأته ممداً على الأريكة وهو نائم كالطفل. جعلها هذا المنظر ترغب بالصراخ. كيف يفعل ذلك؟ كيف يمكنه بالرغم من كل التوتر بينهما أن يرقد بسلام ووداعة؟ أمّا هي فلم تشعر بالارتياح البتّة. بدت أعصابها مشدودة كمن شرب عشرة أكواب من القهوة الإيطالية القوية المذاق، أو حتى ضعفي الكمية. نظرت أديل إلى نك مجدّداً وصدرت عنها تنهيدة تلقائية. بدا أشبه بالملاك إذ تمكن من النوم بمثل هذه السرعة. لاحظت أن شعره طويل جداً وليس فيه خصل شاردة، باستثناء بعض الشعرات التي تتدلى على جبينه. في الماضي، عندما كانت تستيقظ في الصباح الباكر كانت تبتسم له وتزيل بلطف الخصل العاصية. كل ما استطاعت فعله في تلك اللحظة هو أن تمنع نفسها من عبور الغرفة والقيام بهذه الحركة نفسها الآن. يجب عليها أن تخرج من هنا الآن، وقبل أن تنسى كل الأسباب التي تمنع نك هيوز أن يحتل ولو جزءاً من قلبها.
التقطت أديل حقيبة يدها عن المنضدة، وأغلقت باب المطبخ. ما هي إلاّ لحظات حتى ارتدت معطفها وشالها وقفازيها وانطلقت خارجة إلى الطريق. بدا طقس منتصف شهر شباط في لندن رطباً وبارداً، وهذه الليلة لم تكن مختلفة على الإطلاق. سرعان ما وجدت نفسها في منزل منى. عندما وصلت حياتها الزوجية المتقلقلة إلى نهاية كارثية، احتاجت إلى اللجوء إلى صديقتها المفضلة. فتحت منى الباب وهي تحمل طفلتها فوق خصرها.
رفع نك حاجبيه، ثم أجال بصره في الغرفة.
_ لا مجال! لن تبقى هنا.
طرف بعينيه وقال: "هذا مسكني أيضاً"
_ للتصحيح؛ قد يكون هذا منزلك، لكنه لم يعد مسكنك منذ أن انطلقت بسرعة نحو الأطلسي، ولم تزعج نفسك بالعودة لمدة تسعة أشهر.
شبكت أديل ذراعيها ونظرت إليه. الآن ليس الوقت المناسب ليذكرها بأنه عاد ما إن تمكن من ذلك. بعد أسبوعين من العراك العنيف، سافر نك خمسة آلاف ميل ليسوي الأمر معها، لكنه عندما دخل إلى المنزل وجده خالياً. كانت أديل قد انتقلت لتعيش مع صديقتها الحميمة. لا! إنّ تذكيرها بذلك لن يجدي نفعاً، فهي ليست في مزاج مؤات لتواجه أخطاءها في هذه الآونة. في الواقع، لا يعتقد نك أنه يستطيع أن يواجه الذكريات أيضاً، لذا دسها في الجهة الخلفية من دماغه وتجاهل الشعور بالغثيان في معدته.
نزع سترته، وقذفها على أحد الكراسي المحيطة بمائدة الطعام المصنوعة من خشب الصنوبر، وغرق في الأريكة الليّنة الموضوعة في زاوية مطبخها ذي الطراز الريفي. إنه في ورطة كبيرة الآن، فلا داعي لأن يزيد الطين بلة. عليه أن يحاول جهده ليصرف من ذهنها فكرة طرده بقامته التي تبلغ الستة أقدام من الباب الأمامي . قد تكون أديل قصيرة القامة لكنها تتمتع بقوة مدهشة.
_ ماذا عن كوب الشاي؟
أغمضت أديل عينيها وهبطت كتفاها. ربح نك الجولة الأولى، لكنه شعر بالأسى لأنه جعلها تبدو متعبة ومرهقة جداً.
_ حضّره بنفسك. سأصعد إلى الطابق العلوي. إذا كنت تعتقد أنك ستضع الحقيبة التي تركتها في الرواق في غرفة نومي، فيمكنك إعادة التفكير بالأمر. أنت تعرف أين تقع الغرفة الإضافية.
أظهر نك تكشيرة فيما استدارت أديل وصعدت الدرج بخطى قوية. لم يتمكن من معالجة الأمور بشكل جيد، لكن المجادلة سوف تجعل أديل تخبط الأرض بنعليها بحدة أكبر. تعلّم نك منذ زمن بعيد أن حملها على الضحك هو الحل الوحيد.
تتمتع أديل بحسّ الفكاهة، لكنها تبقيه مكبوتاً في داخلها معظم الأحيان. أما ما يبرع به نك فهو حمل زوجته على الضحك. لطالما بدت له إذابة الغلاف الجليدي الذي تختبىء خلفه أديل أمراً رائعاً. فعندما تبدو قوية وهجومية كإحدى السمكات المنتفخة، يأخذ نك في التظاهر بأن التفاهم معه مستحيلاً حتى يرى البريق في عينيها ويلاحظ طريقة تحرك فكها وهي تحاول أن تبقي تعابير وجهها جامدة. ما إن يشعر أن التوقيت مناسب، حتى يرمقها بابتسامة أخيرة ونظرة أخيرة، فتطلق نفخة قوية من الهواء وتحرّر ما في داخلها، لتصبح المرأة الدافئة الشغوفة التي أحبّها كثيراً.
ألقى نك رأسه على وسادة الأريكة وأغمض عينيه. إنه يعرف ما الذي تفكر به أديل: أن زوجها أراد أن يثبت وجهة نظره مرة والى الأبد، إلاّ أن نك لم يَرَ المسألة من هذا الجانب. ظلّت أديل متمسّكة بموقفها ومقتنعة أنّها على حق، فلم تلاحظ أنها هي نفسها رفضت التراجع عن موقفها ولو قليلاً. فهي التي قررت أن يكون زواجهما على المحك. لكل قصة وجهان، إلاّ أنّ أديل ظلت مقتنعة تماماً أن وجهتها هي الأصح. و المزعج في الأمر أنها غالباً ما كانت على حق. بالرغم من ذلك، فهي تخطىء أحياناً. وحين تفعل، فإنها ترتكب خطأً كبيراً.
غيّر نك جلسته ليشعر بالارتياح أكثر. بدا أن تعب السفر أخذ يتملك منه، كما بدت تلك الأريكة مريحة جداً. لاحظ أن سترة إحدى بذلات العمل الخاصة بأديل مثنية ومتدلية على ظهر الأريكة وأن رائحة عطرها الدافئة تفوح منها. إذا ما أغمض عينيه سوف يشعر كأنها جالسة بقربه. لطالما أمضيا أمسيات كثيرة سعيدة متعانقين على هذه الأريكة القديمة بعد انتهاء وجبة المساء. كما مرت أوقات أخرى استخدما فيها هذه الأريكة لنشاطات أقل استرخاء.
ابتسم نك فيما أخذ النعاس يثقل أجفانه... أقل استرخاء، لكن أكثر مرحاً...
أصدر الباب صريراً حين دفعته أديل ليفتح، ثم توقفت قليلاً. بدا الجو هادئاً... هادئاً جداً. بدا نك أشبه بالطفل المشاغب. فحين يكون صامتاً يبدو كأنه يخطّط لشيء ما مشكوك في أمره. تأرجح الباب على مصراعيه ورأته ممداً على الأريكة وهو نائم كالطفل. جعلها هذا المنظر ترغب بالصراخ. كيف يفعل ذلك؟ كيف يمكنه بالرغم من كل التوتر بينهما أن يرقد بسلام ووداعة؟ أمّا هي فلم تشعر بالارتياح البتّة. بدت أعصابها مشدودة كمن شرب عشرة أكواب من القهوة الإيطالية القوية المذاق، أو حتى ضعفي الكمية. نظرت أديل إلى نك مجدّداً وصدرت عنها تنهيدة تلقائية. بدا أشبه بالملاك إذ تمكن من النوم بمثل هذه السرعة. لاحظت أن شعره طويل جداً وليس فيه خصل شاردة، باستثناء بعض الشعرات التي تتدلى على جبينه. في الماضي، عندما كانت تستيقظ في الصباح الباكر كانت تبتسم له وتزيل بلطف الخصل العاصية. كل ما استطاعت فعله في تلك اللحظة هو أن تمنع نفسها من عبور الغرفة والقيام بهذه الحركة نفسها الآن. يجب عليها أن تخرج من هنا الآن، وقبل أن تنسى كل الأسباب التي تمنع نك هيوز أن يحتل ولو جزءاً من قلبها.
التقطت أديل حقيبة يدها عن المنضدة، وأغلقت باب المطبخ. ما هي إلاّ لحظات حتى ارتدت معطفها وشالها وقفازيها وانطلقت خارجة إلى الطريق. بدا طقس منتصف شهر شباط في لندن رطباً وبارداً، وهذه الليلة لم تكن مختلفة على الإطلاق. سرعان ما وجدت نفسها في منزل منى. عندما وصلت حياتها الزوجية المتقلقلة إلى نهاية كارثية، احتاجت إلى اللجوء إلى صديقتها المفضلة. فتحت منى الباب وهي تحمل طفلتها فوق خصرها.
Page 5
_ يا إلهي! أديل، ماذا حدث؟
_ يتعلق الأمر بنك.
شهقت منى ووضعت يدها على فمها. سألتها: "هل هو. . .؟ هل وقع حادث؟"
_ لا. بل أسوأ.
_ هل هناك أسوأ من الوقوع عن قمة جبلٍ؟
_ ليست لدي فكرة إن كان يتسلق الجبال أم لا مؤخراً، لكنني أعرف مكانه في هذه اللحظة؛ زوجي الذي يعشق الرياضة حي وعلى ما يرام، وهو مستغرق في النوم في مطبخنا... مطبخي!
انعقد حاجبا منى معاً كالغيوم المنذرة بالرعد، وما لبثت أن غمرت صديقتها بطريقة فظة، فيما بدت متفاجئة تماماً. قالت: "من الأفضل أن تدخلي وتخبريني كل شيء".
حين تراجعت أديل، تبين لها أن لعاب الطفلة قد لوّث سترتها. لامست رأس ابنتها بالمعمودية وقبلتها، ثم تركت منى تقودها إلى غرفة الجلوس.
_ ظهر بطريقة غير متوقعة.
_ من دون أي إنذار؟
نظرت أديل إلى صديقتها نظرة ملؤها التعب، وأجابت: "ماذا؟ نك؟ ذاك الرجل الفاشل في التخطيط، والذي لا يستطيع أن يقرّر حتى ماذا يريد أن يأكل على العشاء إلا حين يشعر بالجوع؟"
وضعت منى بيثاني على الأرض فجأة وأعطتها لعبة لتلهو بها، ثم سألت أديل: "ماذا يريد؟"
هزّت أديل كتفيها، وأضافت: "من يدري؟ حاولت أن أسأله فقال إنه يريد التحدث".
_ عمَّ يريد التحدث؟
أطلقت أديل نفساً وشعرت بمعدتها تندفع إلى الأسفل، ثم قالت بهدوء: "أفترض أنه عاد ليطلب... تعرفين... الطلاق".
وأضافت: "...هذا ما يفسر عدم تطرقه إلى الموضوع مباشرة، وإلاّ فما الذي جعله يظهرهكذا بعد تسعة أشهر؟"
_ تسعة أشهر ونصف، في الواقع.
أغمضت أديل عينيها قليلاً وهزت رأسها، ثم قالت: "حسناً! بغض النظرعن عدد الأشهر... حتى نك لن يظهر هكذا ويقول : "مرحباً، حبيبتي! ها أنا عدت إلى المنزل. وبالمناسبة، أنت أصبحت من الماضي".
هزت منى رأسها موافقة، وقالت: "بالطبع، أنت تريدين أن تقولي له ذلك أولاً".
بدت صديقة أديل جدية جداً، فلم تتجرأ على القول إنها لم تفكر فعلاً بهذا الأمر. لكن كان عليها أن تفعل. أين روحها القتالية؟ فجأة أصبح وهج السخط متقداً في داخلها وكأنه يحرق أحشاءها.
سوّت منى جلستها إلى الخلف ونظرت إلى أديل نظرة ملؤها التساؤل.
_ أرجوك، لا تقولي إنك تريدين استرجاعه!
في تلك اللحظة، بدا من الطبيعي أن يصدر عنها جواب تلقائي مفاده "لا" قاطعة أو "بالطبع لا. ليس بعد مليون سنة". وبدلاً من ذلك، أغمضت أديل عينيها وحفت جانبي وجهها بيديها.
_ أديل؟
_ ظننت أنني أريده أن يرحل إلى الأبد. بدا القرارسهلاً حين كان بعيداً آلاف الأميال، لكنه عاد الآن و... لا أعرف... يبدو الطلاق... حاسماً جداً.
_ لا تدعيه يحبط عزيمتك من خلالِ سحره الصبياني، أديل!
_ يتعلق الأمر بنك.
شهقت منى ووضعت يدها على فمها. سألتها: "هل هو. . .؟ هل وقع حادث؟"
_ لا. بل أسوأ.
_ هل هناك أسوأ من الوقوع عن قمة جبلٍ؟
_ ليست لدي فكرة إن كان يتسلق الجبال أم لا مؤخراً، لكنني أعرف مكانه في هذه اللحظة؛ زوجي الذي يعشق الرياضة حي وعلى ما يرام، وهو مستغرق في النوم في مطبخنا... مطبخي!
انعقد حاجبا منى معاً كالغيوم المنذرة بالرعد، وما لبثت أن غمرت صديقتها بطريقة فظة، فيما بدت متفاجئة تماماً. قالت: "من الأفضل أن تدخلي وتخبريني كل شيء".
حين تراجعت أديل، تبين لها أن لعاب الطفلة قد لوّث سترتها. لامست رأس ابنتها بالمعمودية وقبلتها، ثم تركت منى تقودها إلى غرفة الجلوس.
_ ظهر بطريقة غير متوقعة.
_ من دون أي إنذار؟
نظرت أديل إلى صديقتها نظرة ملؤها التعب، وأجابت: "ماذا؟ نك؟ ذاك الرجل الفاشل في التخطيط، والذي لا يستطيع أن يقرّر حتى ماذا يريد أن يأكل على العشاء إلا حين يشعر بالجوع؟"
وضعت منى بيثاني على الأرض فجأة وأعطتها لعبة لتلهو بها، ثم سألت أديل: "ماذا يريد؟"
هزّت أديل كتفيها، وأضافت: "من يدري؟ حاولت أن أسأله فقال إنه يريد التحدث".
_ عمَّ يريد التحدث؟
أطلقت أديل نفساً وشعرت بمعدتها تندفع إلى الأسفل، ثم قالت بهدوء: "أفترض أنه عاد ليطلب... تعرفين... الطلاق".
وأضافت: "...هذا ما يفسر عدم تطرقه إلى الموضوع مباشرة، وإلاّ فما الذي جعله يظهرهكذا بعد تسعة أشهر؟"
_ تسعة أشهر ونصف، في الواقع.
أغمضت أديل عينيها قليلاً وهزت رأسها، ثم قالت: "حسناً! بغض النظرعن عدد الأشهر... حتى نك لن يظهر هكذا ويقول : "مرحباً، حبيبتي! ها أنا عدت إلى المنزل. وبالمناسبة، أنت أصبحت من الماضي".
هزت منى رأسها موافقة، وقالت: "بالطبع، أنت تريدين أن تقولي له ذلك أولاً".
بدت صديقة أديل جدية جداً، فلم تتجرأ على القول إنها لم تفكر فعلاً بهذا الأمر. لكن كان عليها أن تفعل. أين روحها القتالية؟ فجأة أصبح وهج السخط متقداً في داخلها وكأنه يحرق أحشاءها.
سوّت منى جلستها إلى الخلف ونظرت إلى أديل نظرة ملؤها التساؤل.
_ أرجوك، لا تقولي إنك تريدين استرجاعه!
في تلك اللحظة، بدا من الطبيعي أن يصدر عنها جواب تلقائي مفاده "لا" قاطعة أو "بالطبع لا. ليس بعد مليون سنة". وبدلاً من ذلك، أغمضت أديل عينيها وحفت جانبي وجهها بيديها.
_ أديل؟
_ ظننت أنني أريده أن يرحل إلى الأبد. بدا القرارسهلاً حين كان بعيداً آلاف الأميال، لكنه عاد الآن و... لا أعرف... يبدو الطلاق... حاسماً جداً.
_ لا تدعيه يحبط عزيمتك من خلالِ سحره الصبياني، أديل!
Page 6
_ أنا لا أفعل.
_ آه! أنتِ تضعفين. أستطيع أن أرى تصدّعات الضعف بوضوح. أنسيت الطريقة التي عاملك بها قبل مغادرته؟
لا، لم تنسَ. تذكرت كل تفاصيل ذلك اليوم ألذي ألقى فيه مفاجأته المذهلة؛ عمله كمصمم أفلام ذات تأثيرات خاصة للتلفزيون وللسينما بدأ يلقى نجاحاً عظيما بعد سنوات من بقائه نجاحاً عابراً. بدا فعلاً أن ما يقوم به ليس فقط التسكّع في السقيفة الواقعة عند طرف الحديقة مع قطع قليلة من المعدن والأدوات المطاطية. بعد أن قام بتصميم إعلانين عاد التلفزيون وطلب منه أن يتولى إعداد التأثيرات لفيلم جديد منخفض الميزانية. خلافاً لكل التوقعات، لاقى الفيلم نجاحاً باهراً وأصبح نك مشهوراً جداً. كانت أديل ونك راضيين في تلك المرحلة. استطاعت أديل أن تتكيّف مع دوامات عمله الغريبة ومع فكرة اختفائه لأيام عديدة ثم وصوله إلى المنزل غالباً من دون إنذار في الساعة الرابعة صباحاً. لو أنها عرفت إلى أين سيقودهما ذلك كله، لما شعرت بذلك السرور والإثارة تجاه ما يقوم به من أعمال.
في أحد الأيام، دخل نك إلى مكتبها كالإعصار وأعلن الخبر الكبير بابتسامة عريضة جداً على فمه، ما جعلها تظن أن وجهه سينقسم إلى نصفين؛ لقد حصل على عمل ضمن مشروع كبير في هوليود ، هو عبارة عن فيلم يتضمن أحداثاً خيالية مستقبلية. أخبرها أن أمامه خمسة أيام فقط ليوضب أغراضه ويذهب إلى كاليفورنيا ليلتقي بالمخرجين، وإذا أحبوا عمله، يجب عليه أن يبدأ فوراً.
منذ ذلك الوقت بدأت الأمور تسير بطريقة خاطئة. انشغل نك كثيراً في الأشهر التالية، فشعرت أديل أنها عزباء مجدداً. كان الدليل الوحيد لعودته إلى المنزل هو تلك الرسومات الهشة على هوامش تقارير أديل ، والتي كانت تراها حين تستيقظ صباحاً. بعدئذ أرادها نك أن تترك وظيفتها وتنتقل معه عبر العالم. لكن شعرت أديل، ولأول مرة في حياتها أن لديها جذوراً، بيتاً وهدفاً. لا مجال لأن ترمي ذلك كله خلف ظهرها لمجرد نزوة. آن الآوان كي تعارضه وتتمسك برأيها. وقع بينهما شجار كبير، هو الأسوأ بين شجاراتهما، حيث وضعا النقاط على الحروف. وحتى حين صرخت أديل: "اقبل بالوظيفة السخيفة إذا كنت تظن أنها مهمة حقاً". لم تتوقّع أن يأخذ كلماتها على محمل الجد، ويغادر على متن أول طائرة.
صوت منى أعاد أديل إلى الواقع مجدداً. قالت لها: "هيا، يا فتاة! عليك أن تتحلّي بالقوة".
أجابتها أديل بصوت بائس: "أنا قوية".
على الأقل هذا ما أرادت أن تكون عليه. لكنها في الواقع بدت منهكة بعد تظاهرها بالشجاعة لشهور طويلة من دون نك. الفترة اللاحقة لمغادرته المنزل بدت الأسوأ في حياتها، وهي لن تعطيه الفرصة ليعيدها إلى وحدتها ومعاناتها. سوّت أديل جلستها أكثر وقالت: "لا. أنتِ محقّة. من يحتاج إلى الرجال؟ سحقاً لهم!"
_ والآن، ماذا ستفعلين مع ذاك المتهوّر الذي يغفو في مطبخك؟
سوف تجعله يجلس بانتظارها حتى الأسبوع القادم برمية من قوانينه الخاصة!
يا لها من فكرة مثيرة! يجب عليها أن تشجّع ذلك الشعور وتجعله ينمو ويصل إلى أوجه، فلا تفعل ما تتوق جداً إلى فعله... وهو الاستعجال للوصول إلى المنزل كي تراقبه أثناء نومه، ثم تعانقه حتى يستيقظ فتعبّر له عن اشتياقها. لكنها لا تستطيع أن تضعف هكذا... لا... لن تفعل!
قام نك بما وعد ألاّ يفعله البتّة: لقد تركها. حسناً! لن تعطيه الفرصة ليؤذيها بالطريقة نفسها مجدداً. على الأقل، هذا ما فكر به عقلها، أما قلبها فلديه برنامج مجنون خاص به.
هزّت أديل رأسها، وقالت: "أفترض أنه يجدر بي أن أذهب وأتكلم معه في وقت ما، إلاّ أنني لا أستطيع أن أواجهه الليلة. فحين يواجهني نك دون أن أكون مستعدة، ينتهي الأمر بي دائماً إلى الموافقة على أحد مخططاته. لذا أحتاج لأن أكون مستعدة، وقادرة على التركيز".
إنها لا تستطيع أن تدعه يدرك أنه لا يزال يملك تلك القوة التي تجعلها ترتجف كلما اقترب منها، فقد يستعمل هذه القوة ضدها، ثم يجعلها تعتقد أن الأمل بعودتهما إلى بعضهما موجود ويفشل الخطة التي وضعتها لحياتها. إنه أمر محتوم. تحتاج أديل إلى حماية نفسها. عليها أن تجعل نك يعتقد أنها محصنة تجاهه كلياً، ومن المستحيل أن تقنعه بهذا الليلة. إنها لا تزال تحت تأثير الصدمة، ومن المرجح أن تقوم بشيء أحمق كأن تقول له إنها كانت تمزح بشأن الغرفة الشاغرة الإضافية...
قالت منى: "ابقي هنا الليلة".
_ شكراً! أنتِ منقذتي.
حملت منى بيثاني التي بدأت تبكي بكاءً هادئاً، ثم وقفت وقالت: " تعالي يا صغيرتي. حان وقت النوم".
استدارت مباشرة قبل أن تخرج من باب غرفة الجلوس، وسألتها: "هل يعرف عن... تعرفين؟"
شبكت أديل أصابعها ببعضها البعض وشدّتها حتى آلمتها مفاصلها، وأجابت: "لا! لم أخبره".
_ آه! أنتِ تضعفين. أستطيع أن أرى تصدّعات الضعف بوضوح. أنسيت الطريقة التي عاملك بها قبل مغادرته؟
لا، لم تنسَ. تذكرت كل تفاصيل ذلك اليوم ألذي ألقى فيه مفاجأته المذهلة؛ عمله كمصمم أفلام ذات تأثيرات خاصة للتلفزيون وللسينما بدأ يلقى نجاحاً عظيما بعد سنوات من بقائه نجاحاً عابراً. بدا فعلاً أن ما يقوم به ليس فقط التسكّع في السقيفة الواقعة عند طرف الحديقة مع قطع قليلة من المعدن والأدوات المطاطية. بعد أن قام بتصميم إعلانين عاد التلفزيون وطلب منه أن يتولى إعداد التأثيرات لفيلم جديد منخفض الميزانية. خلافاً لكل التوقعات، لاقى الفيلم نجاحاً باهراً وأصبح نك مشهوراً جداً. كانت أديل ونك راضيين في تلك المرحلة. استطاعت أديل أن تتكيّف مع دوامات عمله الغريبة ومع فكرة اختفائه لأيام عديدة ثم وصوله إلى المنزل غالباً من دون إنذار في الساعة الرابعة صباحاً. لو أنها عرفت إلى أين سيقودهما ذلك كله، لما شعرت بذلك السرور والإثارة تجاه ما يقوم به من أعمال.
في أحد الأيام، دخل نك إلى مكتبها كالإعصار وأعلن الخبر الكبير بابتسامة عريضة جداً على فمه، ما جعلها تظن أن وجهه سينقسم إلى نصفين؛ لقد حصل على عمل ضمن مشروع كبير في هوليود ، هو عبارة عن فيلم يتضمن أحداثاً خيالية مستقبلية. أخبرها أن أمامه خمسة أيام فقط ليوضب أغراضه ويذهب إلى كاليفورنيا ليلتقي بالمخرجين، وإذا أحبوا عمله، يجب عليه أن يبدأ فوراً.
منذ ذلك الوقت بدأت الأمور تسير بطريقة خاطئة. انشغل نك كثيراً في الأشهر التالية، فشعرت أديل أنها عزباء مجدداً. كان الدليل الوحيد لعودته إلى المنزل هو تلك الرسومات الهشة على هوامش تقارير أديل ، والتي كانت تراها حين تستيقظ صباحاً. بعدئذ أرادها نك أن تترك وظيفتها وتنتقل معه عبر العالم. لكن شعرت أديل، ولأول مرة في حياتها أن لديها جذوراً، بيتاً وهدفاً. لا مجال لأن ترمي ذلك كله خلف ظهرها لمجرد نزوة. آن الآوان كي تعارضه وتتمسك برأيها. وقع بينهما شجار كبير، هو الأسوأ بين شجاراتهما، حيث وضعا النقاط على الحروف. وحتى حين صرخت أديل: "اقبل بالوظيفة السخيفة إذا كنت تظن أنها مهمة حقاً". لم تتوقّع أن يأخذ كلماتها على محمل الجد، ويغادر على متن أول طائرة.
صوت منى أعاد أديل إلى الواقع مجدداً. قالت لها: "هيا، يا فتاة! عليك أن تتحلّي بالقوة".
أجابتها أديل بصوت بائس: "أنا قوية".
على الأقل هذا ما أرادت أن تكون عليه. لكنها في الواقع بدت منهكة بعد تظاهرها بالشجاعة لشهور طويلة من دون نك. الفترة اللاحقة لمغادرته المنزل بدت الأسوأ في حياتها، وهي لن تعطيه الفرصة ليعيدها إلى وحدتها ومعاناتها. سوّت أديل جلستها أكثر وقالت: "لا. أنتِ محقّة. من يحتاج إلى الرجال؟ سحقاً لهم!"
_ والآن، ماذا ستفعلين مع ذاك المتهوّر الذي يغفو في مطبخك؟
سوف تجعله يجلس بانتظارها حتى الأسبوع القادم برمية من قوانينه الخاصة!
يا لها من فكرة مثيرة! يجب عليها أن تشجّع ذلك الشعور وتجعله ينمو ويصل إلى أوجه، فلا تفعل ما تتوق جداً إلى فعله... وهو الاستعجال للوصول إلى المنزل كي تراقبه أثناء نومه، ثم تعانقه حتى يستيقظ فتعبّر له عن اشتياقها. لكنها لا تستطيع أن تضعف هكذا... لا... لن تفعل!
قام نك بما وعد ألاّ يفعله البتّة: لقد تركها. حسناً! لن تعطيه الفرصة ليؤذيها بالطريقة نفسها مجدداً. على الأقل، هذا ما فكر به عقلها، أما قلبها فلديه برنامج مجنون خاص به.
هزّت أديل رأسها، وقالت: "أفترض أنه يجدر بي أن أذهب وأتكلم معه في وقت ما، إلاّ أنني لا أستطيع أن أواجهه الليلة. فحين يواجهني نك دون أن أكون مستعدة، ينتهي الأمر بي دائماً إلى الموافقة على أحد مخططاته. لذا أحتاج لأن أكون مستعدة، وقادرة على التركيز".
إنها لا تستطيع أن تدعه يدرك أنه لا يزال يملك تلك القوة التي تجعلها ترتجف كلما اقترب منها، فقد يستعمل هذه القوة ضدها، ثم يجعلها تعتقد أن الأمل بعودتهما إلى بعضهما موجود ويفشل الخطة التي وضعتها لحياتها. إنه أمر محتوم. تحتاج أديل إلى حماية نفسها. عليها أن تجعل نك يعتقد أنها محصنة تجاهه كلياً، ومن المستحيل أن تقنعه بهذا الليلة. إنها لا تزال تحت تأثير الصدمة، ومن المرجح أن تقوم بشيء أحمق كأن تقول له إنها كانت تمزح بشأن الغرفة الشاغرة الإضافية...
قالت منى: "ابقي هنا الليلة".
_ شكراً! أنتِ منقذتي.
حملت منى بيثاني التي بدأت تبكي بكاءً هادئاً، ثم وقفت وقالت: " تعالي يا صغيرتي. حان وقت النوم".
استدارت مباشرة قبل أن تخرج من باب غرفة الجلوس، وسألتها: "هل يعرف عن... تعرفين؟"
شبكت أديل أصابعها ببعضها البعض وشدّتها حتى آلمتها مفاصلها، وأجابت: "لا! لم أخبره".
Page 7
- تحت جنح الظلام
أحسّ نك بيد تلمس وجهه فاستيقظ على الفور، وما لبث أن أدرك أنّ اليد يده. لقد وضع مرفقه خلف رأسه فيما كان نائماً، فأصاب الخدر يده وأصبحت ثقيلة.كانت الأضواء لا تزال منارة في المطبخ، لكن الظلام دامس في الخارج، ولم تكن لديه فكرة عن الوقت. هزّ يده الخدرة حتى شعر بالدم يخزه ثم نظر إلى ساعة يده. إنها السادسة صباحاً!
هزّ رأسه ذات اليمين وذات اليسار، ونظر ثانية. لا عجب أنه يشعر بالتيبس، فقد أمضى الساعات الاثنتي عشرة الأخيرة على أريكة ذات مقعدين فقط، والله يعلم ما هي الوضعيات الغريبة التي اتخذها جسمه أثناء النوم. سوف تستيقظ أديل في غضون ساعة تقريباً. لطالما كانت تستيقظ باكراً، فطبيعتها النشيطة تختلف تماماً عن طبيعته المتكاسلة صباحاً.
شعر نك أنه موهن ومنهار، ليس بسبب المكان الغريب الذي نام فيه فحسب، بل أيضاً بسبب رحلته الطويلة من لوس أنجلس في اليوم السابق. لا جدوى من إجراء حديث لطيف مع أديل إذا كان مظهره فظاً ورائحته بشعة. من الأفضل أن يستحم ويتأنّق قبل أن يحاول التحدّث إليها. جرّ حقيبته إلى الأعلى على الدرج، ودخل غرفة النوم الإضافية. عليه أن يتصرف بطريقة ذكية إذا أراد أن يستجلب أديل إلى جهته، فهو ليس سخيفاً ليعتقد أن بامكانه أن يعود فجأة إلى حياته القديمة كأن شيئاً لم يكن. أمِل أن يتمكنا من استرجاع حياتهما معاً، فقد كانا سعيدين جداً. لحظة واحدة من الغضب المتهوّر كلفته فشل زواجه. ليس من عادة نك أن يفقد أعصابه، إلا أن أديل حرّضته وحرّضته حتى انفجر غاضباً. تبين له بعد ذلك أن طريقته الاعتيادية في تجاهل كل ما هو سلبي وإدلائه بالأجوبة البارعة حتى ينجلي الضباب هما الخيار الأكثر أماناً. لو أن هذا ما فعله في شهر أيار الماضي، لربما تغيّرت الأوضاع. لما كان عليه أن يعيش مع هذا الألم العميق الذي لا يزول في داخله. بغض النظر عن عدد المزحات العملية التي أطلقها أمام زملائه ليشتت تفكيره عما يشعر به من سوء.
بعد نصف ساعة، كان نك قد حلق ذقنه وارتدى ثيابه وبدأ يحضّر القهوة في المطبخ. تتمثل خطته في أن يصطاد أديل بتقديم قهوتها الصباحية لها. يعرف نك كل الحيل الصغيرة التي تؤثر في زوجته، وقد استخدمها عدّة مرّات فأصبحت تلك عادة لديه.
بالطبع، عليه أن يكون أكثر حذراً هذه المرة، فالأمر أكثر جدّية من المرات السابقة. تذكر ذلك اليوم حين استعمل أفضل كسرولة لديها في المطبخ ليمزج عصارات غريبة من النباتات فالتصقت بقعر الكسرولة. لم تعجب أديل بلون الطعام الأخضر لاسيما أن آثاره لم تزل مهما حفّت بقوة. تعلم نك أخيراً أن يتجنّب أدوات المطبخ لديها، فهي دقيقة جداً في ما يتعلق بذلك المكان. سيكون حساّساً هذه المرة فيتكلم بطريقة لائقة معها. هذه هي الخطة الأولى، ثم عليه أن يجعلها توافق على الخطة الثانية التي يأمل أن تقوده إلى تحقيق الخطة الثالثة. أما الخطة الثالثة فهي الأكبر: أن يجعلها تدرك أنهما خلقا لبعضهما. لا يمكنه أن يفشل في الخطة الأخيرة، لذا عليه أن يفعل ما بوسعه لينجح. لا بأس إذا مهّد للأمر قليلاً... مع الكافيين والابتسامات والغمازتين.
شغّل نك آلة صنع القهوة وجلس إلى الطاولة مواجهاً للباب. قد تظهر أديل في أي لحظة الآن. إلا أن أديل لم تظهر، و الصبر ليس إحدى ميزات نك. ربما ترغب زوجته في تناول الفطور في السرير! أم أن افتراضه ذلك يبدو مبالغة في التملّق؟ قبل مغادرة نك، لم تطق أديل البقاء مطولاً في السرير صباحاً حتى الآحاد. إلا أنها كانت تفعل ذلك أحياناً إن كان نك موجوداً وأقنعها بأن البقاء في السرير يستحق ذلك. أسند ظهره إلى الكرسي الخشبي وهو يشعر بالاحباط. لقد اشتاق إلى أديل... حقاً اشتاق إليها. حين عاد إلى كاليفورنيا بعد أول رحلة له إلى المنزل، فاجأه أن غليان الغضب في داخله استمر لوقت طويل. لم يستطع أن يتخلص منه كالمعتاد. لكن، كان هذا مفهوما، أليس كذلك؟
قد يشعر أي إنسان بالغضب إذا ما أنهت زوجته علاقتها معه بعد أول شجار بسيط بينهما. كان بإمكانهما التوصل إلى حل معقول بشأن وظيفتهما وعقده الممتد على مدى ستة أشهر في هوليود. إلا أن أديل راحت تصرخ في وجهه مدافعة عن أهمية وظيفتها وحياتها وأصدقائها. بدا الأمر كصدمة فظيعة لنك، إذ أدرك أنه يأتي في أسفل القائمة... هذا إذا كان موجوداً عليها أصلاً. كانت وظيفته مهمة بالنسبة إليه أيضاً، لكن أديل لم تأخذه على محمل الجد. يومها تخلف أحدهم عن تطبيق العقد فسنحت له الفرصة في الدقيقة الأخيرة للعمل مع المخرج المعروف بإبداعه تيم بروكمان، وهو المخرج الأفضل في هوليود. بدت تلك فرصة لا يستطيع رفضها، وآلمه كثيراً أن أديل لم تثق به كفاية لتؤيد قراره.
أصبح الانزعاج يقض مضجعه. تخلص منه وتفحص الساعة. إنها الثامنة والنصف. بالطبع، أديل لا تبقى نائمة حتى هذا الوقت! من الأفضل أن يذهب ويتأكد أنها بخير. هرع نك صعوداً على الدرج، لكنه خفف سرعته وهو يقترب من غرفة نومهما. ابتسم حين تذكر الشخير الهادىء الذي يصدر عنها أحياناً. بدا له هذا الأمر لطيفاً جداً، ومن الغرابة أنه شعر بالرضى لمعرفته أن أديل المثالية تعاني من خطب ما. إلا أنه لم يسمع أي شخير في تلك اللحظة. في الواقع، لم يسمع أي صوتٍ البتة. دفع الباب ليفتحه وطرف بعينيه فيما رأى الغرفة مشعة على غير عادتها. بدت الستائر مفتوحة وشمس شباط الباردة تملأ الغرفة الفارغة بنورها. كانت الأغطية موضوعة بأناقة في موضعها، والوسادات مصفوفة بانتظام كالعادة على رأس السرير. شعر بالاضطراب في معدته، تماماً كما حصل حين دخل إلى الغرفة قبل سنة تقريباً ورأى خزانة الثياب فارغة، والأبواب مشرعة وتعاليق الثياب عارية كأماليد الخريف، ثم وجد الملاحظة المهذبة التي تقول فيها إنها سوف تبقى عند منى وهي لا تريد رؤيته. يومها عاد إلى أميركا مباشرة تاركاً زوجته التي تخلصت منه بسهولة. على الأقل، نجح في إقناع منى أن تجعلها تنتقل مجدداً إلى المنزل بعد رحيله.
Page 8
سار نك نحو خزانة الثياب ودفع الباب بقوة ليفتح. اندفعت أنفاسه بقوة من رئتيه ما إن وجد صف السترات والقمصان والفساتين مصنفة حسب النوعية والألوان. لطالما تميزت أديل بطبعها المحب للتنظيم والترتيب. إذا ما وجدت أديل سروالاً رياضياً خشناً بين فساتينها الصيفية، فهذا يجعلها تشعر بالانزعاج. شعر بالارتباك، فثياب أديل موجودة إلاّ أنها هي نفسها غير موجودة. استدار وتوجه مجدداً نحو الدرج، وما إن وصل إلى الرواق حتى سمع الباب الأمامي ينفتح .
تراجعت أديل إلى الوراء مجفلة. أصبح وجهها أحمر كالنار، وظهر عليها الارتباك على غير عادتها. طرأت على ذهن نك فكرة مرعبة: "هل أمضيت الليل كله في الخارج، أديل؟"
تحسّست أديل بأصابعها جريدة الأحد المندسّة تحت ذراعها. وأجابت: " أظن أن هذا ليس من شأنك. أليس كذلك؟"
ليس من ... ؟ كم بدت هذه العبارة سخيفة!
_ أنتِ ما زلتِ زوجتي!
أعادت أديل طي الجريدة ورمقته بنظرة قاسية ومطولة، ثم قالت: "حسناً! يمكننا أن نجد حلاً لهذه المسألة".
شعر نك بشرارات غير طبيعية من الغضب تتصاعد أمام عينيه، وفاجأه أن هذا الأمر ما زال يحصل معه بعد مرور هذا الوقت الطويل. دفعه الغضب إلى الخروج من المنزل. اندفع نحو الحديقة وسار إلى مشغله، ثم أغلق الباب خلفه بعنف.
ليس من شأنه؟! كان عليه أن يبقى ليناقش هذه المسألة، إلاّ أن رجليه تحركتا قبل أن يبدأ ذهنه بالتفكير. لم يعد يشعر بالرغبة في العودة إلى المنزل الآن، على أي حال.
كانت أديل تعمل على الكومبيوتر النقال حين عاد نك . بدا أن توترها ما زال متوهجاً بعد مواجهتهما في الممر. هذه المواجهة هزت كيانها تقريباً. لكنها في نهاية المطاف استطاعت أن تستجمع قوتها. لن يعرف نك مطلقاً أنها كانت على وشك أن تعانقه لتلطف غضبه. حاولت أن تتظاهر أنها ليست واعية لوجوده وهو واقف على مدخل الغرفة الصغيرة التي يستعملانها كغرفة مكتب. أخيراً قالت، من دون أن ترفع بصرها نحوه: "أنا مشغولة، نك".
_ علينا التحدث في وقت من الأوقات.
هزّت أديل كتفيها وحاولت أن تركّز على الكلمات الموجودة على الشاشة. لم تبدُ أية واحدة منها مفهومة على الإطلاق. قرأت الجملة ثلاث مرات، ثم استسلمت: "حسناً! لنتحدث".
استدارت في كرسيها وشبكت ذراعيها، ثم قالت: "أنا جاهزة للإجابة عن أسئلتك".
هز نك رأسه، ثم قال: "لن ينجح الأمر بهذه الطريقة. دعينا نذهب إلى منطقة محايدة. ما رأيك لو دعوتك إلى الغداء؟"
لطالما أحبت أديل أن تمضي أيام آحاد طويلة وعابثة وهي تتناول الغداء مع نك. كانا يجلسان خارجاً في حديقة المطعم صيفاً. ويجتمعان قرب النار في الداخل شتاءً. لم تشأ أن يذكرها بتلك الأيام السعيدة، لكنه محق. عليهما أن يتكلما في وقت ما، ولا يمكنها أن تتهرّب من الموضوع.
_ حسناً! لكن على حسابك.
_ بالطبع!
***
_ ما الأمر إذاً، نك؟
جلسا ولم يتكلما في صلب الموضوع طوال فترة تناولهما وجبتهما. لم تعرف أديل إن كان هذا أمراً جيداً أم لا. ما عرفته هو أن البدء بالحديث متروك لها، وأن عليها القيام بذلك بطريقة أو بأخرى. أصبحت دقّات قلبها غير مستقرة حين فكّرت بكلمة الطلاق التي قد تصدر من فمه في أية لحظة. من الغرابة أنها الكلمة الأخيرة التي أرادت سماعها، بالرغم من أنها الكلمة التي احتلت تفكيرها منذ الصيف الماضي.
أجاب نك وهو يعبث بالبطاطا في صحنه: "ستبلغ أمي عامها الخامس والستين هذه السنة".
هزت أديل رأسها وقالت: "أعرف".
تراجعت أديل إلى الوراء مجفلة. أصبح وجهها أحمر كالنار، وظهر عليها الارتباك على غير عادتها. طرأت على ذهن نك فكرة مرعبة: "هل أمضيت الليل كله في الخارج، أديل؟"
تحسّست أديل بأصابعها جريدة الأحد المندسّة تحت ذراعها. وأجابت: " أظن أن هذا ليس من شأنك. أليس كذلك؟"
ليس من ... ؟ كم بدت هذه العبارة سخيفة!
_ أنتِ ما زلتِ زوجتي!
أعادت أديل طي الجريدة ورمقته بنظرة قاسية ومطولة، ثم قالت: "حسناً! يمكننا أن نجد حلاً لهذه المسألة".
شعر نك بشرارات غير طبيعية من الغضب تتصاعد أمام عينيه، وفاجأه أن هذا الأمر ما زال يحصل معه بعد مرور هذا الوقت الطويل. دفعه الغضب إلى الخروج من المنزل. اندفع نحو الحديقة وسار إلى مشغله، ثم أغلق الباب خلفه بعنف.
ليس من شأنه؟! كان عليه أن يبقى ليناقش هذه المسألة، إلاّ أن رجليه تحركتا قبل أن يبدأ ذهنه بالتفكير. لم يعد يشعر بالرغبة في العودة إلى المنزل الآن، على أي حال.
كانت أديل تعمل على الكومبيوتر النقال حين عاد نك . بدا أن توترها ما زال متوهجاً بعد مواجهتهما في الممر. هذه المواجهة هزت كيانها تقريباً. لكنها في نهاية المطاف استطاعت أن تستجمع قوتها. لن يعرف نك مطلقاً أنها كانت على وشك أن تعانقه لتلطف غضبه. حاولت أن تتظاهر أنها ليست واعية لوجوده وهو واقف على مدخل الغرفة الصغيرة التي يستعملانها كغرفة مكتب. أخيراً قالت، من دون أن ترفع بصرها نحوه: "أنا مشغولة، نك".
_ علينا التحدث في وقت من الأوقات.
هزّت أديل كتفيها وحاولت أن تركّز على الكلمات الموجودة على الشاشة. لم تبدُ أية واحدة منها مفهومة على الإطلاق. قرأت الجملة ثلاث مرات، ثم استسلمت: "حسناً! لنتحدث".
استدارت في كرسيها وشبكت ذراعيها، ثم قالت: "أنا جاهزة للإجابة عن أسئلتك".
هز نك رأسه، ثم قال: "لن ينجح الأمر بهذه الطريقة. دعينا نذهب إلى منطقة محايدة. ما رأيك لو دعوتك إلى الغداء؟"
لطالما أحبت أديل أن تمضي أيام آحاد طويلة وعابثة وهي تتناول الغداء مع نك. كانا يجلسان خارجاً في حديقة المطعم صيفاً. ويجتمعان قرب النار في الداخل شتاءً. لم تشأ أن يذكرها بتلك الأيام السعيدة، لكنه محق. عليهما أن يتكلما في وقت ما، ولا يمكنها أن تتهرّب من الموضوع.
_ حسناً! لكن على حسابك.
_ بالطبع!
***
_ ما الأمر إذاً، نك؟
جلسا ولم يتكلما في صلب الموضوع طوال فترة تناولهما وجبتهما. لم تعرف أديل إن كان هذا أمراً جيداً أم لا. ما عرفته هو أن البدء بالحديث متروك لها، وأن عليها القيام بذلك بطريقة أو بأخرى. أصبحت دقّات قلبها غير مستقرة حين فكّرت بكلمة الطلاق التي قد تصدر من فمه في أية لحظة. من الغرابة أنها الكلمة الأخيرة التي أرادت سماعها، بالرغم من أنها الكلمة التي احتلت تفكيرها منذ الصيف الماضي.
أجاب نك وهو يعبث بالبطاطا في صحنه: "ستبلغ أمي عامها الخامس والستين هذه السنة".
هزت أديل رأسها وقالت: "أعرف".
Page 9
ثم قطبت جبينها. بِمَ تراه يفكر؟ انحنت إلى الأمام وحاولت التقاط نظرته. بدا نك مأخوذاً في تجميع حبات البازيلا في كومة صغيرة بواسطة سكينه.
_ كيف حال ماغي؟
بدت ماغي ضعيفة بعد رحيل نك، وعرف الجميع أن التواصل معها غير مجد. فاتخذت أديل ذلك ذريعة لتقلل من تواصلها مع العائلة قدر المستطاع. صحيح أنها كتبت بسرعة بعض الرسائل الإلكترونية وأرسلت بطاقة معايدة بمناسبة عيد الميلاد، إلا أنها تجنبت الرد على الرسائل على المجيب الآلي، متظاهرة أنها منشغلة جداً بعملها. وفي الأشهر القليلة الماضية سار كل شيء بطريقة هادئة. أما الحقيقة فهي أنها كانت خائفة، خائفة جداً. فهي ونك منفصلان، وقد تعاملها أخواته وأمه ببرودة الآن، تماماً كما فعل والداها. لقد أصبحت فرداً من العائلة بالصدفة، لذا بدا من الأسهل لها تجنب أي علاقة أكثر عمقاً بدلاً من المخاطرة.
قام نك بوكز كومة حبات البازيلا بسكينه ما جعلها تتناثر في صحنه، وقال: "تعرفين أمي...".
حاولت إخفاء شعورها بالخجل بعد أن أدركت أنها تصرفت مع أمه بسخافة وجبن. عرفت أديل أم نك أكثر مما عرفت أمها، وذلك ليس مستغرباً، فآخر مرة رأت فيها والديها بالعين المجردة كانت قبل ثلاث سنوات. هذا ليس أمراً غير اعتيادي، فذلك ما كان عليه الوضع مذ أرسلاها إلى المدرسة الداخلية، كي تتمكن أمها من السفر حول العالم مع أبيها وهو ينتقل من مكان إلى آخر بسبب عمله.
ماغي هيوز هي من نوع النساء اللواتي تمنّت أديل أن تكون لها والدة مثلهن وهي في عمر المراهقة. منزلها ممتلىء دائماً بالأطفال والأحفاد الذين يتذمرون على الدوام لأنها تتدخل في كل شاردة وواردة من أمورهم، إلاّ أن هذا لم يمنعهم من المجيء إلى منزلها. إنها امرأة ذات قلب كبير، ولطالما كانت حريصة على أن تشعر أديل أنها فرد من أفراد العائلة. مع أنها تتساهل قليلاً مع ابنها الوحيد، لكن ما من أحد مثالي. أليس كذلك؟
_ بلغها تحياتي الحارة حين تكلمها.
سعل نك وقال: "حسناً! أظن أنك تستطيعين إبلاغها إياها بنفسك".
_ ومتى ترغب بأن يحصل هذا؟ لا أظنك نسيت -مع كل أعمالك الناجحة في هوليود- أنها انتقلت للعيش مع العمة بيفيرلي السنة الماضية. أليس كذلك؟ سكوتلندة بعيدة جداً لتقصدها من أجل كوب شاي وحديث.
_ إنها تحضر لحفلة عيد ميلاد كبيرة. شارلوت تنظم هذه المناسبة، وبالطبع اضطرت أخواتي إلى المشاركة في التنظيم.
استطاعت أديل أن تتخيل الأمر. لنك ثلاث أخوات أكبر منه سناً، وهن يشكّلن قوة هائلة معاً. نقطة ضعفهن الوحيدة هي حبهن لأخيهن الصغير. سمعت أديل الكثير من القصص عن المآزق التي ورّط نك نفسه فيها وهو صبي صغير، ولكل تصرف سيء من قبله قصة متناغمة ترويها إحدى أخواته أو كلهن.
_ وما علاقة هذه الحفلة بي؟
نظر نك إلى أديل من تحت خصلة الشعر العاصية، وقال: "أمي تريدك أن تأتي ... في الواقع هي تصّر".
_ لماذا؟
لطالما كانت ماغي حسّاسة ومراعية لمشاعر الآخرين. أضافت أديل: "لا شك أن وجودنا نحن الاثنين في الحفلة سيجعل الأمر مربكاً، فلِمَ تريد أن تخاطر بليلتها الكبرى؟"
_ هـمم... هنا لُب الموضوع. أنا لم أخبرها حقاً عن... عنّا.
أحسّت أديل بطوق التوتر على جبينها يشتد أكثر فأكثر، فاستفسرت: "عنّا؟"
_ عن... تعرفين... مشاكلنا.
_ كيف حال ماغي؟
بدت ماغي ضعيفة بعد رحيل نك، وعرف الجميع أن التواصل معها غير مجد. فاتخذت أديل ذلك ذريعة لتقلل من تواصلها مع العائلة قدر المستطاع. صحيح أنها كتبت بسرعة بعض الرسائل الإلكترونية وأرسلت بطاقة معايدة بمناسبة عيد الميلاد، إلا أنها تجنبت الرد على الرسائل على المجيب الآلي، متظاهرة أنها منشغلة جداً بعملها. وفي الأشهر القليلة الماضية سار كل شيء بطريقة هادئة. أما الحقيقة فهي أنها كانت خائفة، خائفة جداً. فهي ونك منفصلان، وقد تعاملها أخواته وأمه ببرودة الآن، تماماً كما فعل والداها. لقد أصبحت فرداً من العائلة بالصدفة، لذا بدا من الأسهل لها تجنب أي علاقة أكثر عمقاً بدلاً من المخاطرة.
قام نك بوكز كومة حبات البازيلا بسكينه ما جعلها تتناثر في صحنه، وقال: "تعرفين أمي...".
حاولت إخفاء شعورها بالخجل بعد أن أدركت أنها تصرفت مع أمه بسخافة وجبن. عرفت أديل أم نك أكثر مما عرفت أمها، وذلك ليس مستغرباً، فآخر مرة رأت فيها والديها بالعين المجردة كانت قبل ثلاث سنوات. هذا ليس أمراً غير اعتيادي، فذلك ما كان عليه الوضع مذ أرسلاها إلى المدرسة الداخلية، كي تتمكن أمها من السفر حول العالم مع أبيها وهو ينتقل من مكان إلى آخر بسبب عمله.
ماغي هيوز هي من نوع النساء اللواتي تمنّت أديل أن تكون لها والدة مثلهن وهي في عمر المراهقة. منزلها ممتلىء دائماً بالأطفال والأحفاد الذين يتذمرون على الدوام لأنها تتدخل في كل شاردة وواردة من أمورهم، إلاّ أن هذا لم يمنعهم من المجيء إلى منزلها. إنها امرأة ذات قلب كبير، ولطالما كانت حريصة على أن تشعر أديل أنها فرد من أفراد العائلة. مع أنها تتساهل قليلاً مع ابنها الوحيد، لكن ما من أحد مثالي. أليس كذلك؟
_ بلغها تحياتي الحارة حين تكلمها.
سعل نك وقال: "حسناً! أظن أنك تستطيعين إبلاغها إياها بنفسك".
_ ومتى ترغب بأن يحصل هذا؟ لا أظنك نسيت -مع كل أعمالك الناجحة في هوليود- أنها انتقلت للعيش مع العمة بيفيرلي السنة الماضية. أليس كذلك؟ سكوتلندة بعيدة جداً لتقصدها من أجل كوب شاي وحديث.
_ إنها تحضر لحفلة عيد ميلاد كبيرة. شارلوت تنظم هذه المناسبة، وبالطبع اضطرت أخواتي إلى المشاركة في التنظيم.
استطاعت أديل أن تتخيل الأمر. لنك ثلاث أخوات أكبر منه سناً، وهن يشكّلن قوة هائلة معاً. نقطة ضعفهن الوحيدة هي حبهن لأخيهن الصغير. سمعت أديل الكثير من القصص عن المآزق التي ورّط نك نفسه فيها وهو صبي صغير، ولكل تصرف سيء من قبله قصة متناغمة ترويها إحدى أخواته أو كلهن.
_ وما علاقة هذه الحفلة بي؟
نظر نك إلى أديل من تحت خصلة الشعر العاصية، وقال: "أمي تريدك أن تأتي ... في الواقع هي تصّر".
_ لماذا؟
لطالما كانت ماغي حسّاسة ومراعية لمشاعر الآخرين. أضافت أديل: "لا شك أن وجودنا نحن الاثنين في الحفلة سيجعل الأمر مربكاً، فلِمَ تريد أن تخاطر بليلتها الكبرى؟"
_ هـمم... هنا لُب الموضوع. أنا لم أخبرها حقاً عن... عنّا.
أحسّت أديل بطوق التوتر على جبينها يشتد أكثر فأكثر، فاستفسرت: "عنّا؟"
_ عن... تعرفين... مشاكلنا.
Page 10
تمايل الصحن أمام عيني أديل، وشعرت بذلك الاحساس البغيض؛ ها قد فعلها ثانية وتهرب من مواجهة وضع صعب، تاركاً لسواه معالجة الأمور. لا يمكن أن يكون نك جدي في ما يقوله. عبّرت تلك الابتسامة المغرورة الملتوية عنه تماماً. لطالما لجأ إلى ابتسامته تلك حين يعرف أنه فعل شيئاً يثير غضبها. استجمعت أديل قواها كي لا تحمل الصحن وتسكب مكوناته على رأسه، مع كل ما يحتويه من صلصة اللحم وغيرها. شعرت أنها تستحق ميدالية لتمكنها من الوقوف والمشي بصلابة إلى خارج المطعم بصورة عفوية من دون أن تنهار. سحبت نفساً من هواء الشتاء ملأت به رئتيها آملة أن تهدأ أعصابها قبل أن يلحق بها نك. إنها لا تريد أن تفتعل شجاراً غاضباً في موقف السيارات في بارتريدج. ما حصل الآن هو مثال نموذجي عن تصرفات نك! لِمَ سمحت له حتى بأن يفتح فمه أساساً؟ عرفت مسبقاً أن هذا الحديث لن يجدي أي نفع، ورغم ذلك رافقته طوال الطريق كأي تلميذة من الصف الأول.
رأت أديل لمحة من سترة جلدية بنية اللون من زاوية عينها، فعرفت أن نك نجح في دفع الفاتورة واللحاق بها. حسناً! إنها ليست مستعدة للتحدث معه الآن. من حسن الحظ أنهما قررا أن يمشيا نزولاً على الطريق لتناول الغداء في أقرب مطعم، ما يعني أنهما يحتاجان إلى عشر دقائق للوصول إلى المنزل. أصغت إلى الإيقاع المتقطّع لجزمتيها على الرصيف فيما مشت بتشامخ وغضب باتجاه المنزل، ستصل إليه في غضون ثمانِ دقائق إذا استمرت في السير بهذه السرعة.
استطاع نك أن يرى أديل تمشي متشامخة من موقف السيارات فتبعها. أراد حقاً أن يعدو بأقصى سرعته، إلاّ أن صوتاً خفيفاً داخل رأسه نبهه أن من الأفضل له أن يترك زوجته تهدأ قليلاً، فتقبل الأمر ومشى خلفها ببطء. يا إلهي! بإمكانها أن تمشي سريعاً حين تنطلق بهذا الشكل. مضت دقيقة تقريباً قبل أن ينجح في الوصول إلى مسافة مقبولة ليستطيعا التحدث.
_ أديل!
لم تستدر أديل حتى، بل رفعت يداً باتجاهه وحسب، فالأجزاء الأخرى من جسدها لم تكن تستجيب على الأرجح.
_ هيا، أديل! أرجوك؟
كان عليها أن تتوقف في تلك اللحظة لتقطع الطريق، فاستطاع أن يصل إليها.
بدأ نك بفتح فمه، فحذرته أديل قائلة: "لا تفعل! لا تفعل فحسب".
فأقفل فمه مجدداً.
_ استطعت حقاً أن تتغلب على نفسك ، نك. لا أصدق أنك ظهرت هنا بعد تسعة أشهر من انقطاع الاتصال معك لتدعوني إلى حفلة عيد ميلاد.
ضحكت أديل وهزّت رأسها قبل أن تضيف: "هذا مستوى جديد من عدم الاحساس، حتى بالنسبة لك".
مهلاً لحظة! كم من المرّات اتصل فيها نك وحاول الاعتذار بعد رحيله؟ كم من المرّات أقفلت بعنف المجيب الآلي قبل أن يتمكن من التلفظ بكلمة واحدة؟ إن لم يتمكنا من التواصل لمدة تسعة أشهر، فالسبب يعود أكثر لأديل منه لنك. لقد حاول على الأقل. في نهاية المطاف، استسلم وحقق لها ما تريده، فتركها وشأنها . فهل تلومه على ذلك؟
_ حسنا! ربما أنت تملكين كل الأجوبة أديل، إلاّ أنني لا أملك واحداً.
تراجعت أديل عن الحاجز الحجري عند حافة الطريق ونظرت إليه، ثم قالت: "ماذا تعني بهذا؟"
_ ما أعنيه هو أنني أنا نفسي لست واثقاً مما يجري بيننا. ما هو وضعنا؟ هل انفصلنا، أم أن تلك كانت فترة تهدئة طويلة بعد الشجار؟ إذا كنت أنا نفسي لا أعرف الجواب، كيف يفترض بي أن أعرف ماذا يجري في رأسك الصغير المنظم الذكي.
هزّت أديل رأسها وقطعت الطريق. كان على نك أن ينتظر مرور سيارتين قبل أن يلحق بها ثانية. لن يقف مكتوف اليدين بانتظار أن تطلعه على أحدث الأخبار. لقد انتظر تسعة أشهر وسيعرف الأجوبة الآن.
_ ماذا قلتِ إذاً للناس، أديل؟ ما هي القصة التي أخبرتها لهم؟
صمت نك، فهو يعرف ما الذي قالته بالضبط لأصدقائها. لا بد أن منى حصلت على كل تفصيل، وما من شك أن نك هو الوغد الشرير في نظرها فيما أديل هي الطاهرة النقية. مشى خلفها صامتاً. عليه أن يصغي إلى غريزته التي يثق بها، فيدرك أن أديل ليست في مزاج مؤاتٍ حتى لتفسيرات منطقية. كل ما سيقوله نك سيزيد الأمر سوءاً وهي في هذه الحالة.
انتظرها لتقفل الباب الأمامي، وقد بدت شرارات التوتر المتطايرة منها ملموسة تقريباً.
قالت أديل بعد أن مشت تاركةً الباب مفتوحاً: "سأصعد إلى الطابق العلوي".
رأت أديل لمحة من سترة جلدية بنية اللون من زاوية عينها، فعرفت أن نك نجح في دفع الفاتورة واللحاق بها. حسناً! إنها ليست مستعدة للتحدث معه الآن. من حسن الحظ أنهما قررا أن يمشيا نزولاً على الطريق لتناول الغداء في أقرب مطعم، ما يعني أنهما يحتاجان إلى عشر دقائق للوصول إلى المنزل. أصغت إلى الإيقاع المتقطّع لجزمتيها على الرصيف فيما مشت بتشامخ وغضب باتجاه المنزل، ستصل إليه في غضون ثمانِ دقائق إذا استمرت في السير بهذه السرعة.
استطاع نك أن يرى أديل تمشي متشامخة من موقف السيارات فتبعها. أراد حقاً أن يعدو بأقصى سرعته، إلاّ أن صوتاً خفيفاً داخل رأسه نبهه أن من الأفضل له أن يترك زوجته تهدأ قليلاً، فتقبل الأمر ومشى خلفها ببطء. يا إلهي! بإمكانها أن تمشي سريعاً حين تنطلق بهذا الشكل. مضت دقيقة تقريباً قبل أن ينجح في الوصول إلى مسافة مقبولة ليستطيعا التحدث.
_ أديل!
لم تستدر أديل حتى، بل رفعت يداً باتجاهه وحسب، فالأجزاء الأخرى من جسدها لم تكن تستجيب على الأرجح.
_ هيا، أديل! أرجوك؟
كان عليها أن تتوقف في تلك اللحظة لتقطع الطريق، فاستطاع أن يصل إليها.
بدأ نك بفتح فمه، فحذرته أديل قائلة: "لا تفعل! لا تفعل فحسب".
فأقفل فمه مجدداً.
_ استطعت حقاً أن تتغلب على نفسك ، نك. لا أصدق أنك ظهرت هنا بعد تسعة أشهر من انقطاع الاتصال معك لتدعوني إلى حفلة عيد ميلاد.
ضحكت أديل وهزّت رأسها قبل أن تضيف: "هذا مستوى جديد من عدم الاحساس، حتى بالنسبة لك".
مهلاً لحظة! كم من المرّات اتصل فيها نك وحاول الاعتذار بعد رحيله؟ كم من المرّات أقفلت بعنف المجيب الآلي قبل أن يتمكن من التلفظ بكلمة واحدة؟ إن لم يتمكنا من التواصل لمدة تسعة أشهر، فالسبب يعود أكثر لأديل منه لنك. لقد حاول على الأقل. في نهاية المطاف، استسلم وحقق لها ما تريده، فتركها وشأنها . فهل تلومه على ذلك؟
_ حسنا! ربما أنت تملكين كل الأجوبة أديل، إلاّ أنني لا أملك واحداً.
تراجعت أديل عن الحاجز الحجري عند حافة الطريق ونظرت إليه، ثم قالت: "ماذا تعني بهذا؟"
_ ما أعنيه هو أنني أنا نفسي لست واثقاً مما يجري بيننا. ما هو وضعنا؟ هل انفصلنا، أم أن تلك كانت فترة تهدئة طويلة بعد الشجار؟ إذا كنت أنا نفسي لا أعرف الجواب، كيف يفترض بي أن أعرف ماذا يجري في رأسك الصغير المنظم الذكي.
هزّت أديل رأسها وقطعت الطريق. كان على نك أن ينتظر مرور سيارتين قبل أن يلحق بها ثانية. لن يقف مكتوف اليدين بانتظار أن تطلعه على أحدث الأخبار. لقد انتظر تسعة أشهر وسيعرف الأجوبة الآن.
_ ماذا قلتِ إذاً للناس، أديل؟ ما هي القصة التي أخبرتها لهم؟
صمت نك، فهو يعرف ما الذي قالته بالضبط لأصدقائها. لا بد أن منى حصلت على كل تفصيل، وما من شك أن نك هو الوغد الشرير في نظرها فيما أديل هي الطاهرة النقية. مشى خلفها صامتاً. عليه أن يصغي إلى غريزته التي يثق بها، فيدرك أن أديل ليست في مزاج مؤاتٍ حتى لتفسيرات منطقية. كل ما سيقوله نك سيزيد الأمر سوءاً وهي في هذه الحالة.
انتظرها لتقفل الباب الأمامي، وقد بدت شرارات التوتر المتطايرة منها ملموسة تقريباً.
قالت أديل بعد أن مشت تاركةً الباب مفتوحاً: "سأصعد إلى الطابق العلوي".