eKtab
EN ع
مساجلات نقدية - ردود وتعقيبات
Read free sample

مساجلات نقدية - ردود وتعقيبات

by عبد الله العليان

Page 1
التقديم
 
لا شك أن تبادل الحوارات والنقاشات في قضايا فكرية وسياسية وثقافية تعتبر قيمة رفيعة في الحراك الثقافي والفكري في أي مجتمع من المجتمعات، كما أن ديننا الإسلامي يحض على الحوار، والقرآن الكريم يعتبره البعض كتاب حوار في آيات كثيرة، حوار الله سبحانه وتعالى مع إبليس، وحوار حوار الأنبياء مع أقوامهم، وهذه الحوارات تهدف إلى تبيان الحقائق، وإبراز المضامين الايجابية التي تتسق مع الحق وتتوافق مع ما يسهم في حل الإشكالات والتأزمات·
 
ولذلك فان الحوار والنقاش عند الاختلاف والتباين، يعتبر من أهم وسائل تقريب وجهات النظر، وتحريك الساكن الفكري، وإقصاء الرؤية الأحادية التي يجبل عليها البعض، ويعتبرها أنها الحق دون سواه، فمن خلال الحوارات والنقاشات، تبرز مضامين لم تكن حاضرة مسبقا،وربما تتقارب الآراء عندما تتبين الأفكار الصائبة والمنطقية، وهذه من مزايا الحوار والنقاش والتباين، وفق الأسس الحوارية الحضارية، حيث أن تجاذب الآراء واختلافها تفتح الباب على مصراعيه لالتقاط الفكرة السليمة من ركام الآراء المخلوطة والاختزالية، والتي ربما ليست مقنعة أو ايجابية لهذا الطرف أو ذاك·
 
والاختلاف ليس سيئا بصورة مطلقة، فهو حكمة إلهية وسنة كونية،خلقها الله سبحانه وتعالى في الجبلة البشرية، (ولذلك خلقهم)، والحوار وسيلة من وسائل التقارب والتعارف بين أبناء الجنس البشري·
 
في هذا الكتاب الذي بين أيديكم، هو عبارة عن مناقشات وتعقيبات وتصويبات في قضايا فكرية ودينية وسياسية وثقافية، مع كتاب وباحثين وصحفيين، كتبت في فترات مختلفة، في صحف ومجلات ودوريات عربية، وتم وضعها في ستة فصول·
 
الفصل الأول: محاورات في قضية العلمانية ومضامين الفكر العربي تجاه العلمنة وارتباكاتها الفكرية·
 
الفصل الثاني: في مسألة الحوار والصدام بين الإسلام والغرب وإشكالية مقولة صراع الحضارات·
 
الفصل الثالث: حول مفهوم الأصولية الإسلامية والتقاطع والتنافر بين هذا المفهوم وما يقابله في الغرب·
 
الفصل الرابع: في قضية نقد الحداثة واشكالياتها الفكرية ومسألة استنباتها في واقعنا العربي والإسلامي·
 
الفصل الخامس: مقاربات نقدية لمقولات فكرية لبعض الكتاب والباحثين العرب ومناقشة أطروحاتهم ورؤاهم في قضايا متعددة·
 
الفصل السادس: تصويبات وقراءات ناقدة لأفكار مختلفة التوجهات والمشارب وقضايا ومسائل راهنة·
 
ومن الله نستمد التوفيق والعون
 
عبد اللــه علي العليان
 
صلاله - سلطنة عمان
 
أكتوبر 2011
Page 2
العلمانية ومضامين الفكر العربي
 
العلمانية بين مأزق المصطلح
 
و أزمة الموضوعية (1)
 
لا أخفي إعجابي بكتابات أحمد الشملان في عموده (أجراس) بجريدة الخليج سواء اختلفنا معه أو وافقناه··لكن تظل مساحة الود قائمة رغم اختلافنا في بعض ما يكتبه·· ولقد لفت نظري مقالة الأستاذ / الشملان التي حملت عنوان (مأزق المصطلح) حيث كان بمثابة المفاجأة غير المعتادة في ما طرحه من آراء تجافي الحقائق البديهية، وقد تأخرت في الرد كثيراً لأسباب غير إرادية لكون ذلك العدد فقد بعد أيام قلائل من قراءتي له·· لكن الزميل الصديق عاصم رشوان مدير مكتب جريدة الخليج بمسقط أسعفني بصورة من المقال بعد فترة· وله مني كل التقدير·
 
قال الأستاذ / أحمد الشملان - في مقدمة هذه المقالة: (لماذا توضع العلمانية في معارضة الإسلام ؟·· ولماذا يعتبر العديد من واضعي هذا التعارض بين العلم والإسلام من يفكر تفكيراً علمياً بأنه يعتدي على الدين ؟·
 
وفي فقرة أخرى أضاف / الشملان: وقد نتجت عن الاختلاف في التفسير والاجتهاد في المسائل الفقهية والاجتماعية فرق إسلامية ومذاهب فكرية لا حصر لها لم توجه فيها أو فيما بينها تهم العلمانية· هل وجد مصطلح العلمانية في عصور المدارس الفقهية الإسلامية ؟ ! والارتداد لسبب بسيط وهو أن العلمانية المشتقة من العلم القائم على العقل، هي أساس تحول المجتمع العربي إلى الإسلام الذي قام أصلاً على العقل والعلم ؟·
 
وفي صدد اقتباس فقرات ما قاله الأستاذ أحمد الشملان سوف أركز على ما أورده عن مصطلح العلمانية موضوع تعقيبنا عليه، حتى لا نتهم بالاجتزاء والانتقاء بقصد تتبع بعض ما يطرح وترك الباقي، وذلك للأمانة والموضوعية·
 
يضيف الكاتب مواصلاً ما قاله: فكيف يمكن فهم وضع التعارض بين العلمانية والإسلام في أواخر القرن العشرين وبعد الاكتشافات العلمية الهائلة التي وجدها العديد من المفكرين المنتمين للفكر الديني دليلاً على آيات الله ووجوده ؟
 
وأخيراً يحلل كاتب المقال الأسباب التي جعلت البعض يضعون التعارض بين العلمانية والإسلام بطريقة لا تقبل الجدل أو النقاش، فيقول (القضية تحديداً في إظهار (معسكر علماني) في مواجهة (معسكر ديني) هي الخوف على امتيازات الاحتكار المطلق في الإرث الديني الإسلامي وتكييفه بما يخدم مصالح أولئك الحراس الذين - كما يقول - وجودهم ورفاهيتهم مرتبطة من تكريس التحريم على العقل اقتحام ساحة التفسير والاجتهاد الفقهي·) هذه نصوص عبارات الأستاذ الشملان·· وأنا بدوري سأسأل زميلنا الفاضل، هل صحيح أن العلمانية مشتقة من العلم ؟ وأنها أي العلمانية لا تتعارض مع الإسلام والأديان عموماً ؟ وأن القضية برمتها مجرد افتعال هدفها إظهار معسكر علماني في مواجهة معسكر دين للحفاظ على امتيازات الاحتكار المطلق في الإرث الديني الإسلامي··· الخ· لا أخفي صدمتي الشديدة من هذا الطرح الذي يجرد المصطلحات من مضامينها ويضعها في سياق آخر لا صلة له بذلك تماماً !!
Page 3
1 - العلم والعلمانية
 
الذي نعرفه وتعرفه المعاجم والقواميس العلمية أن مصطلح العلمانية لا صلة له بالعلم و العلمية وأنها مجرد مذهب فلسفي ساد في القرن السابع عشر، وأخذت عبر التاريخ تكسب عدة معان منها على سبيل المثال (فصل الدين عن الدولة)، (عزل الدين والكنيسة عن شؤون المجتمع وسياسته)، حتى أن المصطلح هو (Secularism) بمعنى العالمية نسبة إلى العالم (بفتح اللام)، وتعني حرفياً في قواميس اللغة الإنجليزية (المذهب الدنيوي)، أو الدنيوية أو اللادينية ، وهي صيغة نشأت أصلاً كمقابل للمقدس والخارق للطبيعة أو الجمود، إلى آخره من التحديدات التعريفية، أما العلم أو المذهب العلمي فيطلق عليه باللغة الإنجليزية (SCIENCE) والمذهب العلمي يطلق عليه كلمة (SCIENTISM)·
 
لذلك نجد أن دائرة المعارف البريطانية عرفت العلمانية بأنها (حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالدنيا)·
 
وجاء في قاموس أكسفورد شرحاً للكلمة (SECULER) بأنها تعني دنيوي أو مادي ليس دينياً ولا روحياً - السلطة اللا دينية - الحكومة المناقضة للكنيسة·
 
إذن العلمانية تعني تحديداً بأنها الدولة اللا دينية ، وكذلك فصل الدين عن الدولة أو أبعاده ، وهي كلمة تاريخية لها ارتباط بالبيئة وظروفها الاجتماعية والصراع الذي قام بين الكنيسة· والمذاهب الوضعية، ونتيجة لمحاربة العقول والأفكار السائدة في أوروبا في القرن السابع عشر وما بعدها· أما العلم أو العلمية فهي شيء آخر غير العلمانية ، إذ يعني وصف الاتجاهات التي تعتمد على البحث والتجريب وعلى وصف الظواهر وتعليلها وإن المعرفة العلمية تقتصر على استخدام المشاهدة والتجربة لاكتشاف القوانين، ويهتم بالفروض والاستقراءات والملاحظة إلخ·
 
فلذلك العلمانية والعلمية منهجان مختلفان تمام الاختلاف، وإن محاولة ربط العلمانية بالعلم تزييف غير واقعي·· لإلباس العلمانية، وهي فلسفة اجتماعية نشأت عن ظروف معينة لباس العلم تعني إعطاءها حقاً غير حقها وإلباسها ثوباً بالمقلوب·· إلا إذا كان الهدف من إضفاء العلمية عليها إعطاءها مظهر و لباس الكشخة حتى تظهر جميلة و حبوبة ليزداد العاشقون ويكثر الخطّاب
 
فالعلم، يا أستاذنا الكريم لا يقر منهجاً ناقصاً ونظريات تتبدل وتترقع حسب الظروف والميول والاتجاهات·· العلمش لا يرى إلا التجربة والعمل في حالة الفروض والاحتمالات، و العلمانية هي فلسفة قائمة لها مدلولها الاجتماعي وعرفها الغربيون بأنها تعني اللا دينية كما أشرنا آنفاً·
Page 4
أما المعرفة فهي أوسع مجالاً من العلم ولها أدواتها ورسائلها الأخرى منها·· الوحي·· والقلب·· والبصيرة·· والإرادة·· والحس·· ولا تدخل في مجال التجريب، وهذا موضوع آخر ليس مجال حديثنا·
 
معارضة العلمانية للإسلام
 
قال الأستاذ الشملان في مقالته آفة الذكر، (لماذا توضع العلمانية في معارضة الإسلام ؟)، وفي فقرة أخرى (فكيف يمكن وضع التعارض بين العلمانية والإسلام ؟)·
 
فهل صحيح أن العلمانية لا تتعارض مع الإسلام ولا تختلف معه كما يقول كاتبنا الكريم ؟!
 
ولماذا أغفل ظروف نشأة العلمانية في الغرب في صراعها مع الكنيسة وانتهت إلى ما آلت إليه من عداوة للدين أو إقصائه من المجتمع من خلال نزع سلطات الكنيسة إلخ·
 
فالإسلام في منهجه يختلف عن هذه الإشكالية ومن ثم ملابسات وآراء الأفكار العلمانية ليس لها موطئ قدم عند المسلمين فمطاردة الفكر ومحاربة العلماء وحرق كتبهم والقول بالنظريات العلمية كدوران الأرض وغيرها مخالفة للدين ليست في الإسلام!
 
وليست في الإسلام كذلك السلطة الزمنية للعلماء ولا نظريات الحكم الإلهي كما سادت في الكنيسة الكاثوليكية في الغرب· وليس في الإسلام رجال دين يمنحون وينزعون الخير والشر والجنة والنار كما حدث في الغرب وجاءت العلمانية كرد فعل لهذه الممارسات·
 
الإسلام لا يقر مثل هذه التأويلات والأفكار لتقديس البشر واعطائهم هذه المكانة، وهذه التأويلات يرفضها الدين الإسلامي بصورة قاطعة·
 
فقضية التوافق هنا غير واردة لأسباب كثيرة:
 
ـ العلمانية تضع حواجز بين عالمين· الروح والمادة، وتقوم بتخطيط الأنظمة والقوانين التي تضم العلاقات الاجتماعية مجردة عن القيم الروحية - كما يقول زكريا فائد - فهي إذن تختلف عن الإسلام الذي يجمع هذا القاسم في توازن وانسجام·ـ العلمانية نفسها حسب نشأتها التاريخية تفرض على الإنسان قوانين لا توائم الفطرة السليمة للمسلم، فهي تعتمد الميكيافلية التي تقوم على أن الغاية تبرر الوسيلة !·· والإسلام يرفض هذا المبدأ ويمقته··
 
ـ العلمانية تقر وتبارك عملياً الفلسفة البرجماتية التي تجعل المنفعة المادية والعملية المعيار الوحيد للحكم على الأشياء أو الأفكار·· فالحقيقي هو كل ما يأتي عنه منفعة أو فائدة·· فالحقائق المجردة كالأمانة·· والصدق والنزاهة·· والحكم على الأشياء بموضوعية كل هذا عند البرجماتيين كلام فارغ)) ما لم تأت منه منفعة أو مصلحة فهنا يكون معياره صحيح؟!
 
أكثر من ذلك العبادة و الإيمان بالله إذا لم تأت منها فائدة فلا يؤمن البرجماتي بذلك؟
 
فهل الإسلام يتوافق ويتلاءم مع هذه الأفكار القاتلة لكل المعاني النبيلة لخير المجتمع واستقراره؟
 
ـ العلمانية تساهم ميدانياً في ترسيخ الفنون التدميرية كما شرحته الدكتورة زينب عبد العزيز في كتابها لعبة الفن الحديث (مع الاعتراف أن الكثير من الفنون في الغرب ذات مضامين راقية وقيمة)··فالإسلام لا يتوافق مع الهدم لذات الهدم بل يسعى للهدم لذات البناء·
 
ـ والعلمانية مرتبطة أشد الارتباط بالتكوين النفسي والاجتماعي والتاريخي للعالم الغربي، ولذلك هي غريبة عن المجتمعات العربية الإسلامية في أغلب تطبيقاتها السابقة والراهنة·
 
صحيح أن الغرب يريدنا وسيسعى وسيستمر في السعي أن نطبق العلمانية كما هي عنده اليوم قبل الغد!! لكنني أريد أن اسأل الأستاذ أحمد الشملان بصراحة·· لماذا يريدنا الغرب أن نطبق العلمانية في مجتمعاتنا؟هل الغرب حريص على تنمية ازدهارنا وتقدمنا ورفاهيتنا حتى تكون العلمانية مصدر التقدم والرفاهية والازدهار؟!
 
لماذا الغرب نفسه عندما ما انفتح على الإسلام في الأندلس ونقل المفاهيم الحضارية·· أخذ العلوم وتطبيقاتها وترك القيم·· والثقافة العربية؟·· لأن القيم مرتبطة بعقيدة المسلمين وميراثهم الحضاري·
 
لقد تمسك الغرب بميراث اليونان إلى الآن، لكنه رفض حتى مظاهر الحضارة العربية؟·· وهكذا لكل مجتمع موارث حضارية ونفسية واجتماعية والعلمانية هي إذن نتاج الغرب وميراثه الحضاري، وهذا حقه لا نقول أكثر من الاختلاف والتمايز بين مفاهيم الإسلام والغرب·
 
فالقول انه لا تعارض بين العلمانية في الإسلام رأي تنقصه الموضوعية والدقة بكل معنى الكلمة·
Page 5
أحد الكتاب العرب قال عن العلمانية في كتاب له بأن العلمانية هي خشبة الخلاص الوحيدة لمجتمعنا العربي التعس لأنها كما قال - تعزز حرية المعتقد وحرية التصرف وحرية التعبير التي تقرها شرعية حقوق الإنسان ؟!
 
تعالوا نرى تطبيق هذا الكلام الجميل في مجتمعات الغرب العلماني على غيرهم من الشعوب والأجناس التي تحمل الجنسية الأوروبية ولكنها تدين الإسلام؟!
 
فمثلاً قضية الحجاب (غطاء الرأس) في فرنسا على وجه الخصوص، البلد العلماني العريق· الليبرالي الديمقراطي إلى آخر المصطلحات إياها، ضاق ذرعاً بحجاب قلة من الفتيات المسلمات صغار السن· والطرد مستمر للفتيات المحجبات بسبب ارتدائهن الحجاب! والأدهى والأمر في ذلك أن بعض الطالبات عندما تقدمن برفع قضية للسماح لهن بالحجاب رفضت المحكمة ذلك تحت بند أن العلمانية لا تقبل ذلك·· (العلمانية لا تقبل ذلك ؟! (يا عيب الشوم) كما يقول إخواننا الشوام، والتي كما قال صاحبنا أنها تعزز حرية المعتقد، حرية التصرف، وحرية التعبير، وهي خشبة الخلاص للمجتمعات العربية كما يقول بعض العلمانيين!!·
 
ما الفرق بين حجاب الرأس عند المسلمة وغطاء الرأس عند الراهبات المسيحيات ؟
 
القضية إذن عنصرية والكلام الذي نقرأه ونسمعه مجرد شعار فقط·
 
أيضا لماذا لم تقدم المعونة المالية لافتتاح مدرسة إسلامية في بريطانيا بينما يقدم الدعم المالي لأبناء الديانة اليهودية وغيرها ؟ إذن أين هي قيم العلمانية التي يرددها كتابنا العرب والذين لا يكفون عن الصيحات (بجنة) العلمانية ! وأنها خشبة الخلاص لتعاستنا !! والعلمانية نفسها في الغرب لم تستطع أن تحصر الدين في الفرد بطريقة ايجابية، ولم تستطع أن تجعل أبناء الطوائف المختلفة الذين يعيشون في بلد واحد يشعرون أنهم إخوة في الوطن الواحد·· حتى أن شعار (دع ما لقيصر لقيصر·· ودع ما لله لله) لم يعد له وجود في الحياة العلمانية في الغرب· فلماذا القول بعدم التعارض بين الإسلام والعلمانية إذا ؟
 
امتيازات الاحتكار
 
يقول الأستاذ / الشملان في معرض تأكيده في نقد مقولة التعارض بين الإسلام العلمانية إن القضية تحديدا في إظهار معسكر علماني في مواجهة معسكر ديني هي الخوف من امتيازات الاحتكار المطلق في التصرف في الإرث الديني الإسلامي وتكييفه بما يخدم مصالح أولئك الحراس الخ·
 
هل يعقل بهذا التبسيط المجافي للموضوعية أن تنحصر قضية (العلمانية) ووجودها بمعسكر هنا·· ومعسكر هناك والهدف هو امتيازات الاحتكار و المصالح الذاتية كالتي عاشتها أوروبا في القرن السابع عشر ؟!
 
وحتى لا يعتقد الأستاذ الفاضل بأننا ننحاز لإحدى الثكنات التي ذكرها في مقالته تلك سوف نورد بعض أراء الكتاب والمفكرين المشهود لهم بالعقلانية والاستنارة المنطقية والحيادية الفكرية ليقولوا رأيهم في العلمانية وأعرف أن الأستاذ أحمد الشملان يقدرهم ويحترمهم·· وربما أورد ذكرا لهم في مقالات سابقة·
 
يقول المفكر العربي محمد عابد الجابري أن الإسلام دين ودولة في آن واحد، وان العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة غير ذات موضوع في الإسـلام لأنـه ليـس فيه كنيسة حتى تفصل عن الدولة أو تفصل الدولة عنهــا·
 
وفي صفحة أخرى في مقالة مجلة اليوم / السابع من ابريل 1989م يقول أن مسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات وأنه من الواجب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي
 
كاتب بارز آخر، وهو عبد الإله بلقريز، يقول في مقالة بعنوان (في نشوء وإخفاق الدعوة العلمانية في العالم العربي) أن - العلمانية ما هي إلا حصيلة للسيطرة الاستعمارية السياسية والاقتصادية والثقافية على المنطقة العربية
 
الدكتور / حسن حنفي، قال أيضا في هذا الصدد: إن الإسلام لا يحتاج إلى العلمانية، ولذلك نرفض التغريب والعلمانية توجد أراء لحسن حنفي مناقضة لهذا الرأي لذا اتهم بالتناقض والتقلب في أرائه·
 
المفكر العربي السوري الشهير د/ برهان غليون في كتابيه (المسألة الطائفية وقضية الأقليات) و(مجتمع النخبة) قال: العلمانية لم تنبت هنا من الصراع الداخلي·· ولكنها نشأت عن طريق التبني من قبل نخبة محدودة العدد وغالبا معزولة من الشعب ، وأنها، أي العلمانية تبدو عندنا مصطنعة منقولة عن الغرب
 
أستاذ القانون الدستوري المعروف د/عصمت سيف الدولة قال في كتابه عن العروبة والإسلام : لعل مرجع الظن بأن كلمة (علمانية) قادرة على الإيحاء بما يرضي غرور مستعمليها أو أحلامهم ما يدخل في تركيبها من حروف كلمة العلم حتى لتكاد تنبئ بأنها مشتقة منها أو ذات صلة وثيقة بالعلم·· وهي ليست كذلك، لا علاقة البتة بين العلمانية نزعة، وبين العلم منهاجا، والأصل اللاتيني للترجمة العربية ينفي مثل هذه الصلة
 
وهناك العشرات من الكتاب الذين لا يتعسكرون مع احد ضد احد لا يتسع المجال لسرد مقولاتهم في العلمانية وآراؤهم كلها تجمع على أن العلمانية منبت غريب الصلة بالواقع العربي والفكر الإسلامي، وإنها دعوة لإبعاد الدين عن المجتمع وظروفها وبيئتها في الغرب فقط، وهي إشكالية لم تطرح عند المسلمين لان الإسلام لا توجد به دولة دينية بالمعنى الحرفي للثيوقراطية الغربية
 
فلماذا السباق المحموم للدفاع عن العلمانية واعتبارها ذات صلة بواقعنا العربي الإسلامي وأنها تعني العلم والعلمية ؟
 
الجواب آت من مفكر مشهود له بالعقلانية النزيهة وهو د/ برهان غليون في قوله: أن تحويل العلمانية إلى مذهب قائم بذاته أي إلى مصدر ومنبع قيم متميز عن قيم المجتمع كما حصل في تركيا الكمالية وفي بعض بلادنا العربية لا يمكن أن يعني إلا انتحال نموذج قيم الثقافة القومية التي شهدت مرحلة نشوئها، أي القيم الثقافية الأوروبية، وفي هذه الحالة لن تكون هي العلمنة، ولكن الاستلاب الروحي ؟
 
فالقياس على أنماط ونماذج خارج دائرة الوعي العربي جهاد في غير عدو كما يقول الفقهاء، لذلك فإن الهجوم على الدين والإساءة إليه من قبل البعض لن تحقق أهدافه، كما كتب أحدهم في (مفهوم النص) مزيّفاً حقائق الدين ومتحاملاً على أحد أئمة المدارس الفقهية بالكذب والافتراء بدون أن تكون هناك مبررات تستدعي ذلك سوى قصد الإساءة إلى عقائد الأمة الإسلامية وميراثها الحضاري·
 
وكان بودي ألا يدافع الأستاذ أحمد الشملان عن دعاة العلمانية وأنصارها الذين لا هم لهم إلا تشويه الدين وإثارة الشبهات والمقولات الكاذبة حوله تحت شعار (حرية التفكير والإبداع) أي إبداع هذا الذي يقولونه في مناسبة وغير مناسبة··؟ أهو كتاب (نقد الفكر الديني) لصادق جلال العظم الذي امتدح إبليس لعدم سجوده للخالق عز وجل ؟·أهو كتاب (الآيات الشيطانية) للمرتد سلمان رشدي الذي صار ورقة رائجة في الغرب العلماني للطعن في دين الإسلام ونبي الإسلام ؟!
 
هل يعرف الأستاذ الشملان أن كتاباً صدر في فرنسا وترجم للعربية به آراء عشرات الكتاب العرب للأسف للدفاع عن سلمان رشدي باسم الحرية والإبداع والعلمانية في الوقت الذي استنكره العديد من العلماء والمفكرين الغربيين ؟
 
وهل يتذكر الأستاذ الفاضل مقالته القوية عن (المؤتمر الدولي للفكر والإبداع) الذي نظمه الكاتب الماركسي سابقاً لطفي الخولي·· العلماني والديمقراطي حالياً ؟!
 
أقول هل يتذكر ما قالوه في المؤتمر الذي أسماه مؤتمر التضليل العالمي المشبوه على ما أذكر ؟ واعتبر النضال الفلسطيني ضد إسرائيل بأنه إرهاب !!
 
معقول مؤتمر الفكر والإبداع يعتبر أطفال الحجارة إرهابيين !
 
هذا التنديد الذي قاله الأستاذ الشملان عن هذا المؤتمر أعتبره أمراً يدعو إلى التقدير فعلاً·· لكن عتابنا الشديد في دفاعه عن العلمانية واعتبارها مرادفة للعلمية والعقلانية في مواجهة التزمت والكبت وقهر التفكير !ختاماً أرجو من الأستاذ الشملان أن يتسع صدره لهذا الحوار الذي نعتبره جميعاً ظاهرة حضارية في الاختلاف··
Page 6
حواجز الحوار اللامعقول !(2)
 
للأديب اللبناني المعروف الراحل ميخائيل نعيمة بعض الآراء الرمزية والأمثال الحية ذات المعاني العميقة في حياة الناس وتناقضاتهم·· ومما يرويه في ذلك أن الثيران تنادت يوماً للنظر في شأنها مع الإنسان وفي السبيل إلى التحرر من نيره، وكان بين الجمع واحد يتوقد حماسة وشعراً وانبهاراً بذاته الذكية ودفاعه عن الحقوق وتكسير القيود والأغلال التي تعيق الحرية (!!) وأقنعهم بأن الحرية تؤخذ ولا تعطى، وأن بابها المخضب بالدماء لا يقرع إلا بقرون مخضبة بالدماء، وأن لا سبيل إليها إلا باغتصابها في بيتها· فاتخذوه قائداً ودليلاً ومشوا وراءه صارخين: إلى الحرية، إلى الحرية وما زال بهم حتى بلغ بيتاً جدرانه وبابه مضرجة· فقال لهم: هذا بيتها وهذا بابه· فاقتحموا الباب ولا ترتدوا وإن انكسرت قرونكم وسالت دماؤكم أنهاراً·
 
فما كان من الثيران إلا أن امتثلت لأمر قائدها فتكسرت قرونها وسالت دماؤها· وفي النهاية حطمت الباب ودخلت البيت· فإذا بها - في المسلخ··!!
 
هذه الحكاية الرمزية التي رواها ميخائيل نعيمة ذكرتني بقضية السفسطة ذلك المذهب الفلسفي القديم / الجديد، وأتذكر في طفولتنا الساذجة عندما نختلف ترد على ألسنتنا هذه اللفظة ولا نعرف كيف جاءت ولم ندرك مضمونها الدقيق وإن كنا نعتبرها الحوار الذي لا يؤدي إلى نتيجة والابتعاد عن النقاش الحاد الذي يجلب الخصام· وكبرنا وعرفنا بعدئذ أنها مذهب يوناني في الفلسفة وتعني تلبيس الحق بالباطل والدفاع عن الحجة ونقيضها·
 
وكان الهدف من هذه السفسطائية عند أهلها من حيث التلاعب في الألفاظ والمناورة في الكلام الخاوي المتناقض مع نفسه ومع المنطق هو الاعتقاد الذاتي لهذا الخداع النفسي الواهي منطقاً وعقلاً بأنهم أقدر من الفلاسفة على المحاورة والمجادلة وتأليف القياسات الصورية التي لا تمت إلى الواقع بصلة !
 
تفتيش النوايا !
 
في حياتنا المعاصرة هناك سفسطائية جديدة ربما أفظع من سفسطائية اليونايين القدامى·· فالسفسطائية القديمة كانت تدافع عن الحجة ونقيضها وتلبس الحق بالباطل·· لكن سفسطائية عصرنا ويا للعجب !! فهي تزيد عليها بأشياء كثيرة وأهمها أنها تحاول أن تجعل حقائق الحوار وبديهية النقاش لها صلة بقضايا أخرى وأشياء مدفوعة وأخرى مؤجلة واتهام وشتم وتفتيش النوايا والقلوب كل هذا لمجرد أنك ناقشت قضية مطروحة وقابلة للحوار لكن ليست على طريقة صاحبنا الهمام الذي يريد أن يثير الغبار لمجرد الاختلاف في الرأي لكننا لن ننزل إلى مستوى الذي يهدف إليه بحيث يجعل للنقاش المنطقي خلفيات ومرامي مبطنة بالخبث وسوء النية··· إلخ·
Page 7
فعندما تواجههم بالمنطق وتفند دعواهم الواهية بالرد العملي الرزين تجد أنهم تتداعى أوهامهم عند النقاش فزعاً وهلعاً، فإذا بهم يرمون الاتهامات جزافاً لمخالفيهم بطريقة غريبة أشبه بالمناورة الساذجة التي قام بها الممثل سعيد صالح في مسرحية (مدرسة المشاغبين) في قوله لأستاذه عندما عجز عن الإجابة فين السؤال ؟·· فين السؤال ؟·· أعطيني السؤال تلاقيني فريّرة
 
فهي مناورة مكشوفة ولعبة قديمة، فهؤلاء عندما كسدت بضاعتهم وسقطت الأقنعة وتهاوت الأفكار الشمولية والقهرية تخندقوا في أفكار جديدة ونظريات معلبة وجاهزة، ولما يحتاج لها الترويج المغلف بالعلم والعلمية والإبداع وحرية الفكر!!
 
ولعل أفضل رد على هذه الدعاوي ما قاله المفكر والكاتب البارز د· محمد عابد الجابري في معرض مناقشته لثقافة الاختراق الفكري في قوله: إذا كان الصراع الأيديولوجي صراعا حول تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتشريع للمستقبل فان ثقافة الاختراق الثقافي تستهدف الأداة التي يتم بها ذلك التأويل والتفسير والتشريع: تستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم ويستطرد: الإدراك ؟ـ أي نعم الإدراك !!
 
الاختراق الثقافي
 
ويضيف في فقرة أخرى ومع أن جميع المعطيات التي حللناها تؤكد وجود هذه الظاهرة ليس فقط بوصفها إحدى معطيات التطور الحضاري العام، بل أيضا بوصفها صادرة عن استراتيجية وتخطيط قوي تريد الهيمنة وتعمل على فرضها مع ذلك كله فنحن نعي جيدا أن هناك من المثقفين العرب من يفضل السكوت عن الجوانب التي أبرزنا لينظر إلى الظاهرة التي نحن بصددها لا بوصفها اختراقا أو غزوا بل من خلال كونها مظهرا من مظاهر المثاقفة ! وأنها فضلا عن ذلك الوسيلة الضرورية، ولربما الوحيدة لتحقيق التمدن والحداثة، و الدخول في العصر ، والمساهمة في إنجازاته الحضارية·
 
فنحن - كما يقول الدكتور الجابري - لن نخوض في الدوافع التي تؤسس مثل هذه الاعتراضات أو الرؤية الانفتاحية التي قد تكون عند بعضهم نتيجة من نتائج فعل الاختراق الثقافي فيهم، وعند آخرين تعبيرا عن هواجس ومخاوف وأوهام يحركها شعور بالغربة أو الهامشية·· لن ندخل هنا في تحليل مثل هذه الدوافع التي جعلت بعض المثقفين العرب يتحولون إلى عملاء حضاريين للغرب، حسب تعبير الدكتور أنور عبد الملك، فحال هؤلاء معروفة إذ جلهم يتخذ من الجهل ثقافة، ومن الاغتراب حداثة والانشغال بهم بالتالي مضيعة للوقت وإشغال الناس بما لا يجدي
 
فهؤلاء لا ينفع معهم الحوار وروح الاختلاف العقلاني وأساليب المحاورات المنطقية·· فأنت تختلف معهم إذن أنت عدوهم ! وصاحب اتهامات خبيثة ! وتريد شق المجتمعات العربية !! وأخيرا أن العداء للعلمانية ثمنه مرتفع ؟!!
 
أي منطق يقال عند النقاش والحوار والجدل الهادئ، ماذا يعني العداء للعلمانية له ثمن يقدم لكي تكون لها أعداء!! ونحن نطلب من صاحب الأفكار الذكية والاكتشاف العجيب أن يقول لنا من يقبض الثمن من من؟ وهل معنى هذا أن يكون الدكتور الجابري وبرهان غليون وعصمت سيف الدولة وأنور عبد الملك وعبد الوهاب المسيري ومن قبلهم الشيخ محمد الغزالي وفهمي هويدي ومحمد عمارة وكمال أبو المجد وعشرات العلماء والكتاب والباحثين كل هؤلاء قبضوا ثمن العداء للعلمانية أو مخالفتها ؟!!
 
أي منطق هذا الذي يطرح على صفحات الجرائد·· بل أي حوار يناقش عبر وسائل الإعلام ؟!
 
فإذا كانت العلمانية بهذه المكانة عند صاحبنا الذكي، الحاد الذكاء،وأن كل هؤلاء الكتاب والأقلام التي تناولتها بالنقد قد قبضت الثمن ! فهذا الاتهام يحتاج إلى وقفة تأملية في أحوال البعض من أدعياء الاكتشاف الجديد !!
 
لكن الأصح أن الانشغال بهم ربما لا يجدي نفعا، فهم لا يتورعون عن السباب والاتهام الجزافي لأنهم من أصحاب النظرة الأحادية الضيقة التي هي من بقايا الأفكار الشمولية والقبضة الحديدية·· وإحدى ثمار الاختراق الثقافي والاغتراب·· وإلا فلماذا الدفاع عن العلمانية وفي نفس الوقت اعتبارها مرادفة للعلم، وأنها لا تتناقض مع الإسلام؟ !
 
الهدف واضح·· فهؤلاء يسعون الى أن تكون العلمانية هي شعارهم الذي لا يخفت مع أنها فكرة قابلة للنقاش والحوار والاختلاف حتى عند أصحابها ومؤسسيها·· وما التشنج والتهم التي ترمى هنا وهناك إلا إحدى مؤشرات التبديل في حالة اللاوعي كما يقول علماء النفس أو هي أشبه بتأثير انسلاخ الأفعى عن جلدها الذي يتبعه ظهور جلد مماثل له على الفور، ولكن بطريقة سفسطائية وتحت الأضواء الكاشفة !!·
Page 8
الإسلام والعلمانية
 
وقفة حوار مع د/حسن حنفي(3)
 
يعد الدكتور حسن حنفي من الباحثين المعروفين في مجال الفكر الحضاري، والتراث المعاصر، ودعوته الدائمة إلى تبني المشروع الحضاري العربي، الذي يوائم بين القيم الغربية والإسلام، معروفة ومبثوثة في أبحاثه ومقالاته العديدة، وهي دعوة تنقصها الواقعية المبنية على حقيقة هذا الطرح ومعقوليته·
 
ومن هذه الأطروحات التي يروج لها مقولة أن الإسلام دين علماني في جوهره وهي مقولة ليست جديدة، بل أن حسن حنفي في حواره مع المفكر/محمد عابد الجابري في حوار المشرق والمغرب قد طرحها، لكن بأسلوب لا يخلو من الغموض والالتباس والمداراة·
 
أيضاً في ندوة الإسلام والحداثة التي نظمتها مجلة مواقف في لندن 1991م، وفي إحدى المداخلات بالندوة قال ما نصه: نحن منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن نحاول أن نخرج من الإيمان السلفي،إلا أنهم أطول باعا في التاريخ منا، وأكثر رسوخاً، ووراءهم تراث حضاري ضخم، ونحن الأقلية (يقصد العلمانيين)·· كيف نستطيع أن نحجم هذا الأخطبوط الكبير ؟ وكيف نستطيع لهذه الأقلية أن نجعلها أكثر من الأقلية في الوقت الذي يكون وعينا القومي متعادل الكفتين؟·· أقصد ليس برجل قصيرة وأخرى طويلة،لأنه سيكون عندئذ أعرج وليس بعين قوية وعين ضعيفة لأنه يكون عندئذ أعور· لكن لو كان وعينا القومي خلال ألف وأربعمائة سنة مشكلاً من سبعمائة سنة من المحافظة وسبعمائة أخرى من العقلانية والحداثة والعلمانية - إلى آخر ما يقول - فعندئذ أستطيع أن أستبشر خيراً· وبالتالي فإن التقدم عندي سلبي، وليس إيجابياً، وأعتقد أن الإخوة العلمانيين يستعجلون التقدم لأنهم يريدونه إيجاباً فقط، وأنا أريد أن أمنع عوائق التقدم أي اعمل للتقدم سلباً، إذا جاز التعبير فإذا ما استطعت ذلك عندئذ أسلم المجتمع العربي للإخوة العلمانيين لكي يبنوه إيجاباً ومن ثم فأنا مقدم لهم ص 118·
 
وفي مداخلة أخرى في هذه الندوة التي جمعت في كتاب، قال د/حسن حنفي ما نصه: العلمانية ليست في بنية الخطاب· إن المجتمع يوظف الدين توظيفات ثلاثة، والعلمانية لا تأخذ حتى واحداً في المسألة من هذه البنية· كيف تزاحم العلمانية توظيف الدين في السيطرة، وكيف تزاحم تثوير الدين في الطبقة المتوسطة، وكيف تزاحم المصالحة للطبقات المقهورة·· العلمانية لا وجود لها·فإذن لكي يكون خطابك متسقاً لا بد أن تفسح مجالاً للسؤال التالي: كيف تستطيع العلمانية أن تزاحم هذا التوظيف الثلاثي للدين طبقاً للتقسم الثلاثي للمجتمع؟ ص277·
 
وفي كتابه التراث والتجديد ص(55) قال حسن حنفي أيضاً: العلمانية في تراثنا وواقعنا هي الأساس واتهامها باللادينية تبعية لفكر غريب وتراث مغاير وحضارة أخرى !
 
هذه النصوص الموثقة للدكتور حسن حنفي جعلني أتابع مقالاته الأخيرة عن العلمانية التي نشرت بالبيان في أعداد متتالية لعلني أجد رأياً جديداً أو مغايراً لما كان يقوله عن العلمانية لأن المراجعة في قضايا الفكر مسألة محورية وطبيعية في مسار الأمة الفكري ولا غضاضة في ذلك·لكنني للأسف وجدت الدكتور حنفي في هذه المقالات لا يراوح مكانه في مشروعه القديم/الجديد في مسألة العلمانية بل أنه يحاول في هذا الطرح أن يلمع العلمانية بصورة جديدة حتى تتم الاستجابة لطرحه الجديد،وهو عبر عنه آنفا في مقولته فإذا ما استطعت ذلك عندئذ أسلم المجتمع العربي للإخوة العلمانيين ؟!
 
ومن هذه المنطلقات الجديدة التي طرحها ما قاله بجريدة البيان والتي حملت عنوانه السلفية والعلمانية بتاريخ 18 أبريل 1996م: وقد أكد الفكر الإسلامي القديم ذلك،فعند المعتزلة العقل أساس النقل والطبيعة لها قوانينها المستقلة والعدل مع التوحيد أصلاً من أصول الدين والإنسان صاحب أفعاله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرقابة على الحكام واجب العلماء، ولا فرق في ذلك بين السلفية والعلمانية !
 
وفي فقرة أخرى من نفس المقال يقول يقوم الإسلام على التعددية والاجتهاد فللمخطئ أجر وللمصيب أجران، وعلى التعبير الحر فالكل راد والكل مردود عليه والحق النظري متعدد وإن كان الحق العملي واحداً، فأي خلاف بين السلفية والعلمانية على قيم التعددية وحرية الرأي والديمقراطية والحداثة والعصرية·· الخ
 
وفي مقالته الشعارات العلمانية في ثلاث حلقات،قال الدكتور حسن حنفي في الحلقة الأولى ما نصه: والسؤال هو:هل الشعارات العلمانية غريبة عن الثقافات العربية والتراث الإسلامي الذي يشكل الراد الأساسي فيها أم أنها تعبر عن مضمون الثقافة العربية سواء بألفاظها أو بألفاظ أخرى بديلة
 
بعد ما حشد الدكتور حنفي العديد من الآراء والعبارات التوفيقية التي تبرر عدم الاختلاف وضآلة الفروق بين العلمانية والإسلام فقال: فإذا كان شعارا العلمانية العقل والعلم، قد تم تحقيقهما في الثقافة العربية وفي التراث الإسلامي، ففيم الخلاف بين الشعارات العلمانية ومضامينها التراثية؟!!
Page 9
وفي مقالته (الشعارات العلمانية) (الحلقة الثالثة) - قال: فلماذا يقتصر هذا الشعار القانون الوضعي على العلمانية وحدها؟ إن الشريعة الإسلامية كما قال الشاطبي في الموافقات شريعة وضعية تقوم على رعاية الضروريات الخمس: الحياة النفس والعقل والدين والمال والعرض، وهي حقوق الإنسان والمجتمع بالمعنى الحديث والشريعة الإسلامية فطرية تتفق مع القدرة والأهلية !! ومع أن هذا الطرح ليس هو مجال حديثنا، لكن الذي نعرفه ويعرفه أهل العلم والفقه والأصول، أن الشريعة الإسلامية وان كانت تقوم على مصالح العباد في المعاش والمعاد رحمة وعدلاً وحكمة وسعادة لكنها ليست (شريعة وضعية) والإمام الشاطبي لم يقل ذلك نصاً·· بل أن الإمام الشاطبي قال في الموافقات ص 41 ما نصه: أن الرأي لا يعتبر شرعاً إلا إذا استند إلى النقل؟ (الوحي)·
 
أيضاً ثمة آراء كثيرة في هذا المضمار تخالف رأي الدكتور حنفي في وضعية الشريعة الإسلامية وأن مبناها النصوص المستقاة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لكن توجد بجانب هذه النصوص ما اتفق عليه الفقهاء بالإجماع والمصالح المرسلة والقياس·· الخ وكلها مسائل تستمد مشروعيتها من علل النصوص والمستنبطة من جوهرها·· ثم تأتي بعد ذلك مشروعية الاجتهاد في الإسلام الذي يغوص في مضامين النصوص الظنية وفي ما لا نص فيه وتلك قضية لها مسار آخر لا يدخل ضمن ما نود مناقشته·
 
لكن الذي أعيبه على الدكتور حسن حنفي أنه يحاول بشكل حثيث أن يثبت أن العلمانية لا تناقض بينها وبين الشريعة الإسلامية، فكلاهما من الوضع البشري، وهذا مجاف للحقيقة التي لا تقبل الجدل·
 
في مقالته هذا الخلاف في المنهج يكرر الدكتور حسن حنفي نفس الجهود المبذولة للمقاربة بين الإسلام والعلمانية فيقول: كل معرفة في حاجة إلى أصلين: ثابت ومتحول: ويختلف الفلاسفة في نوع النبات بين النص الديني والنص المذهبي والمصادر المنطقية والمقدمة القياسية ولا خلاف في هذا التحول الذي هو الواقع الاجتماعي·· وأن رصد الواقع الاجتماعي عما يقوم به السلفيون والعلمانيون لا خلاف عليه
 
وفي مقالته هذا الخلاف في اللغة قال الدكتور حنفي وهو الأغرب في كل ما قاله: إن الإسلام كلفظ في التداول يوحي بمعنى الدين الذي جاء به آخر الأنبياء والذي يطلق بسببه على معتنقيه اسم المسلمين مع أن الإسلام قد يعني الدين الفطري الطبيعي الشامل (!!) دين البراءة الأصلية الدين الواحد منذ آدم ونوح وإبراهيم حتى موسى وعيسى ومحمد،وقد يشكل أيضاً كل من يؤمن بالله ويعمل صالحاً ومن ثم يتسع مفهوم الإسلام يشمل غيره من الديانات بما في ذلك ديانات الشرق (!!) ليس الإسلام إذن دين جماعة أو طائفة أو فرقة بل هو دين البشر جميعاً وهو ما يحاول العلمانيون الاقتراب منه ؟!
 
يبدو أن الدكتور حسن حنفي يريد تجريد الإسلام من حقيقته العقدية ليكون ديناً جديداً يتوافق أو يرضى عنه العلمانيون·· بل وأيضاً ديانات الشرق الوثنية؟
 
لا أخفي صدمتي الشديدة من هذا الطرح الجديد الذي يسعى إليه د/حنفي·· فماذا يبقى من الإسلام، إذا تساوى مع الديانات الشرقية الغنوصية الوثنية؟ وهل يسمى إسلاماً إذا تساوى مع هذه الوثنيات والفلسفات البشرية؟
 
فليس من المبالغة في شيء أن نقول أن المشروع الفكري للدكتور حسن حنفي هو خطة خداع واضحة المعالم في إيجاد منهجً برجماتي تتوافق فيه مبادئ الإسلام وقيمه مع قيم العلمانية والعقلانية وغيرها من الفلسفات المعاصرة التي أصبحت في ذمة التاريخ! وهذا ما يطرحه الدكتور حسن حنفي، ويعيد صياغته مستشهداً ببعض الآيات والأحاديث ليتوافق مع منهجه الجديد، الذي لا يرى فيه أن هناك اختلافاً شاسعاً بين العلمانية والإسلام ، حيث يستبعد ما لا يراه صالحاً، ويعيد صياغة ما يبدو مرناً وإيجابياً وفق هذا المنهج الغريب·
 
هذه بعض نصوص آراء الدكتور حسن حنفي، يحاول فيها عبر مقالاته العديدة أن يدعم ويحشد الآراء المتناقضة (4) بهدف البرهنة على التوافق الفكري بين العلمانية كفلسفة وضعية والإسلام،وبذل جهوداً كثيرة لإيجاد المصوغات والمبررات على أن العلمانية في جوهرها لا تختلف عن الإسلام·· بل انه في مقالات عديدة قال: إن الإسلام دين علماني في جوهره·· وقد استبعدنا العديد من آرائه المغالية في العلمانية،التي رفعها إلى مستوى التقديس·
 
فالدكتور/حسن حنفي خلط الأمور بشكل لا تخفى على المتابع الحصيف عندما ربط بين العلم والعلمانية وبين العلمانية والمنهجية العلمية وبينها وبين الليبرالية والعقلانية ، والواقع ينفي هذا التوافق والتداخل بين هذه الأفكار والأطروحات··ناهيك عن اختلافها الشديد مع الإسلام منهاجاً وطريقاً وقيماً وسلوكاً···· فالعلمانية في ظروف نشأتها وبيئتها وفلسفة فكرها تتباعد عن الإسلام ولا تتوافق معه، ولذلك فإن الالتقاء والتوافق بينها وبين الإسلام نوع من أحلام اليقظة، ووهم لا ينتمي إلى الواقع ومنطلقاته·· (فالعلمانية) هي نتاج الغرب، وميراثه الديني والحضاري، وهذا حقه، لا نقول أكثر من الاختلاف والتمايز بين مفاهيم الإسلام والغرب، لكن هذا لا ينطبق على الإسلام لأنه لا توجد كنيسة في الإسلام حتى يتم فصلها، ولا حدث في التاريخ الإسلامي حرب على العلم والاختراع والتطور ولا وجدت نظرية الحكم الإلهي كما حدثت في الغرب·
Page 10
في مسالة الفصل بين
 
العلمانية والديموقراطية(5)
 
في مقالته في صفحة أفكار - الحياة - بتاريخ 25 ديسمبر 2005 والتي حملت عنوان فصل إشكالي بين الديمقراطية والعلمانية كتب كرم الحلو تعليقاً على كتاب محمد عابد الجابري في نقد الحاجة إلى الإصلاح: يمثّل هذا النص للجابري أنموذجا للالتباس المفهومي في الخطاب السياسي العربي الراهن، إذ يحمل تصورا ملتبسا لمفهوم ما على إعادة تشكيل الشبكة المفهومية بالكامل تشكيلاً ملتبساً تختلط فيه المعاني والأهداف والتصورات وتضيع البوصلة الموجهة للرؤية الأيديولوجية والفلسفية الكامنة في المفهوم ذاته، وما تنطوي عليه من مبادئ وأحكام واستنتاجات ملازمة· فهل كان الطرح العلماني بالفعل عبّر عن حاجات معيّنة بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات ؟ وهل العلمانية مقرونة ضرورة بالإلحاد ؟ وهل يمكن الفصل بينها وبين الديموقراطية ؟·
 
ويضيف الحلو في فقرة: ولكي تكون ثمة ديموقراطية، يجب أن تتوافر شروط ومبادئ أساسية أغفلها موقف الجابري، وأولها الاعتراف بالفرد الإنساني وبمركزيته السياسية والاجتماعية· وثانيها قيام النظام السياسي على عقد اجتماعي يختاره أفراد المجتمع بإرادتهم ويلتزمون به طوعياً· وثالثها المساواة التامة بين أفراد المجتمع في المواطنية والحقوق والواجبات، بصرف النظر عن الجنس أو الدين أو المذهب أو الطائفة·
 
لقد فات الجابري أن هذه الشروط والمبادئ التي تشكل جوهر الديموقراطية لا يمكن تحققها من دون العلمانية التي تفصل بين الفضاءين الديني والسياسي
 
والحقيقة أن المرء يستغرب أشد الاستغراب أن يكون الطرح النقدي من الكاتب كرم الحلو بهذه الرؤية والاجتزاء غير الدقيق لقضية العلمانية الغربية·
 
والذي لا يختلف عليه أحد أن العلمانية قضية غربية لمشكلة تقع في صميم الفكر الغربي المسيحي والديانة المسيحية التي تفصل بين الدين والدولة أو الدنيا، وهذا ما عبر عنه القول المأثور المعروف للسيد المسيح أو أحد أتباعه في العصر الأول الميلادي  دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر وهذا يعني أن هذه دعوة واضحة للفصل بين الدين والدولة أو السلطة·
 
وعندما حاولت الكنيسة الغربية أن تستأثر بالدين والدولة وتتدخل في قضايا الحياة والكون، كانت الثورة على الكنيسة وأفكارها وتم عزلها وتحجيم دورها الذي كان سلبياً ومناقضاً للعلم والتطور والتقدم· والذي أود قوله على ما قاله الكاتب كريم الحلو، أن عزل الكنيسة وفرض العلمنة ليس خروجاً على الدين المسيحي أو إلحاداً، وإنما هو عودة إلى المنابع الأولى للديانة المسيحية التي ترى أنه يجب أن ندع ما لله لله وما لقيصر لقيصر صحيح أنه حدث رد فعل على تجاوزات الكنيسة وتدخلها، وطالت الدين نفسه، ولنا في أفكار وكتابات بعض فلاسفة التنوير العلمانيين ما يغني عن الشرح·
 
لكن هذا المبدأ لا ينطبق على الإسلام كلية، فالإسلام لا يفصل بين الدين والدولة أو الدنيا، لكن هناك تمييزاً بينهما ضمن أطر ومحددات وضعها الفكر الإسلامي، وتلك مسألة تحتاج إلى طرح آخر·
 
القضية الأخرى التي أشار إليها الكاتب كرم الحلو هي قضية ارتباط العلمانية بالديمقراطية وأنه لا بد من العلمانية لكي تطبق الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة الخ·