eKtab
EN ع
مساهمات في التنشئة الإجتماعية
Read free sample

مساهمات في التنشئة الإجتماعية

by د. زكي حسين جمعة

Page 1
تمهيد

هل الثقافة هي التي تساهم في عمليات تنشئة الفرد الذي ينمو في محيطه وهو ابن بيئته؟ وما المحيط؟ وما البيئة؟ الإجابة ربما تكون سهلة ، لكن ، هل المحيط هو الأسرة أم الجماعة الاجتماعية التي نعيش فيها؟ وهل البيئة هي بيئة المكان أم الناس؟ هذه أسئلة الإجابة أم أسئلة الأسئلة؟ هناك دائما ً حاجة الى المعرفة ، معرفة ماذا نريد أن نعرف . إذا كان الانسان يعيش في وسط اجتماعي وضمن جماعة ، فإنه يعيش في وسط معرفي وفهمي وثقافي ، وهو بذلك يتعلم طرق المعرفة والفهم وعمليات التبادل الثقافي والتناقل ، وهكذا .

ويبدو من الصعب جدا ً الحديث عن الثقافة بمعزل عن الناس الذين يصنعونها ويحملونها وينقلونها بوسائل شتى . ذلك أن مجموعة الأفكار والذكريات والصور والمخططات والتجارب الخ .. لن يكون الكثير منها معروفا ً ومعلنا ً أي أنه لا تواصل فيها قط وتبقى أفكارا ً خاصة وشخصية ، تتحول الى أفكار عامة عندما تصبح محل تداول عن طريق الكلام أو الإشارات أو الصور أو النصوص المكتوبة . وأن غالبية الأفكار المتناقلة هي في حقيقتها محلية ، يتم تداولها بين محليين أشقاء ، شركاء ، أصدقاء ، الخ ... بعضها سيتردد وسينتقل الى جانب العادات والتقاليد والقيم والأعراف .

تقوم ثقافة الناس على تقاسم هذه الامور وغيرها ، وما يستخدم لنقلها وتعميمها من ادوات حسية كلها نتاج معرفة تتمخض عن تصورات الناس وتجاربهم .

وقد جاء في معجم «مفاتيح العلوم الانسانية »، للدكتور خليل أحمد خليل (1) ما يأتي :

وجد علماء الاجتماع والأناسة والأنام ما يربو على 160 تعريفا ً لمفهوم الثقافة ، فصنفوها في سبعة أصناف هي : وصفية ، تاريخية ، معيارية ، نفسانية ، بنيوية ، توليدية ، ناقصة .

1 - عرف مفهوم الثقافة في تاريخ العلوم الإنسانية تطورات عديدة يمتنع حصرها في راتوب (*) زمني بسيط .

- جرى ربط الثقافة بتطور البشرية العام ، فبدت متطابقة مع مرحلة ٍ من مراحل التقدم الشامل .

- ثم جرى إلباس الثقافة لباس المدنية ( Cultur civilisation ) فبدت حينئذ ٍ كأنها حال اجتماعية متقدمة ، أو جملة الموروث الاجتماعي الذي تتناقله الاجيال المتعاقبة ، والذي يتضمن العلوم ، والمعتقدات ، والفنون ، والأخلاق ، والشرائع ، والعادات ومختلف التقاليد والملكات التي يكتسبها الفرد بوصفه عنصرا ً في المجتمع (2) .

2 - يتواصل البحث ، في عصرنا، عن مفهوم اجرائي ( op é ratoire ) للثقافات المتعددة بتعد ُّ د الشعوب واختلاف المدارات الثقافية : مثلما جرى التشديد على خصوصي ّ ة كل ثقافة بسماتها المميزة وتاريخها الخاص : إناسة ثقافية وإناسة اجتماعية ( Anthropologie Culturelle et Sociale ) .

3 - جرى إدخال مفاهيم الثقافة الشعبية والثقافة الجماهيرية (3) للدلالة على نماذج المسالك الاجتماعية والمعرفية وآداب الحياة والتفكير ، ولمقاربة الثقافة الجماهيرية وتقريبها من المجتمع الاستهلاكي وأدواته الاعلامية .

4 - تدل الثقافة على تكو ّ ن الفكر وعلى الشخصية برم ّ تها : ذوق و احساس و ذكاء ، الخ ... في مقابل العادي من المعارف وتكديس العلم النظري وغيرالشخصي .

في دراسة الثقافة ، انقسم العلماء إلى ( اجتماعيين وانتروبولوجيين ):

أ - الاجتماعيون : ويرون أن الثقافة هي دراسة كل ما في نطاق المجتمع من مؤسسات وتفاعل وعلاقات ونظم ويعد من أعلام هذا الاتجاه : دوركهايم و كونت و ليفي برول ورادكليف وبراون وغيرهم .

ب - الأنتروبولوجيون : ويركزون على الثقافة باعتبارها علم الانسان والحضارة والتراث ، ومن أبرز علماء هذا الاتجاه تايلور وبوواس و مرغريت ميد وايريك فروم .

وترى لوسي مير ، (1968 ، L . Mair) استاذة الأنتروبولوجيا في كلية الاقتصاد بجامعة لندن «أن هناك عددا ً من علماء الانتروبولوجيا في بريطانيا وأوستراليا وأمريكا يتركز اهتمامهم حاليا ً في ( الثقافة ) ويطلقون على أنفسهم «علماء الأنتروبولوجيا الثقافية» (4) .

ويع َ رف رالف لنتون (1956, R . Linton) الثقافة بأنها «الشكل العام للسلوك المتعلم ونتائج هذا السلوك الذي يشترك في العناصر المكونة له ، ويتناقله أعضاء مجتمع بعينه (5) .

فيما يركز هايجر وسلزنك على اللغة واستخدام الرموز والخبرة بقولهم : إن الثقافة هي كل شيء يتم إنتاجه عن طريق الخبرة الرمزية المشتركة ، وله القدرة على مساندتها .

ويمكن القول إنّ الثقافة هي نمط معيشة فئة من السكان ، وطريقة حياة وسلوك ولغة وافعال وذاكرة وعادات وتقاليد وأعراف . هي كل ما يعبر عنهم مجتمعاً وجماعة . وفي كل ثقافة توجد مجموعة من الثقافات الفرعية ، مثل : الريف ، والحضر ، والبدو ، وسكان السواحل ، وسكان الجبال . ولكل منها العديد من الأساليب السلوكية والعادات الخاصة بالزواج والولادة والموت والطقوس والمناسبات الدينية وغيرها، وطريقة في الاندماج وبناء العلاقات ، وكذلك النظرة الى الحياة والتي بها تختلف عن بقية الثقافات الفرعية الأخرى .
Page 2
وعليه ، يمكن القول: إنَّ الشخصية ترتبط ارتباطا ً وثيقا ً بالثقافة المميزة لمجتمع معين ، انها تعد نظاما ً للقيم الاساسية وبذلك يكون لكلّ مجتمع شخصيته الثقافية المحددة والمميزة .

ثم أن كل مجتمع يكدح نحو تشكيل ثقافي فريد وخاص ، مختلف ومتمايز عن سائر المجتمعات وإن كان هناك تشابه في بعض النواحي ، إلا أنه يسعى لايجاد فروقات أساسية .

تتكون الثقافة من مجموعة المشتركات بين أفراد المجتمع سواء أكان قديما ً أم حديثا ً، وتختزن عادات الناس وتقاليدهم ، وطرق عيشهم وأعمالهم وتربيتهم وتدريب أبنائهم على الطاعة والانصياع ، وتأمين الغذاء ، وسبل العيش والثروات ، وعلى الاستقلال والمسؤولية الفردية . وذلك طبقا ً لحاجات المجتمع .

وعندما تعمل التنشئة الاجتماعية على تحويل الفرد إلى شخص ، فإنها تقوم بنقل الثقافة من جيل إلى جيل . وهذا يؤدي إلى استمرار الثقافة وتمكنها . ويبدو صعبا ً إنكار الآثار التي تتركها الثقافة على سلوك الأفراد . فهم نتاجها ، و لا يمكنهم المحافظة على بقائهم دون الانتظام في جماعات لها معايير وأعراف تساعدهم على الديمومة والاستمرار .

وتعمل الثقافة من خلال ذلك على تطبيع سلوك الأفراد بما ينسجم وأساليب الحياة . وهم يعملون على نشرها بمقدار اتصالهم بأفراد أو جماعات من مجتمعات أخرى ، واحتكاكهم بهم ، سواء أكان الاتصال والاحتكاك مباشرا ً ام كان عن طريق وسائل الإعلام والاتصال الإعلامي .

تبادلت الشعوب على مر ّ التاريخ الكثير من المظاهر الثقافية مثل : اللغة ، والعلوم ، والفلسفة ، وصناعة الورق ، والطباعة ، وثقافة العمارة ، والزراعة ، والري .... الخ مثلما حصل في المجتمعات القديمة .

ويؤدي الدافع والحاجة دورا ً أساسيا ً في عملية الإنتشار الثقافي والتبادل ، وتختلف اشكال هذا الانتشار والتبادل ، باختلاف الإمكانيات والحاجات والتقبل . ذلك أن مجتمعات قد لا تتقبل ثقافة مجتمعات أخرى لوجود فوارق في القيم تمنع مثل هذا القبول .

وهناك مجتمعات تختار الإمتناع عن الإحتكاك بمجتمعات أخرى والتبادل معها . وهناك مجتمعات تختار ثقافة معينة لتحتك بها ، وتتبادل الخبرات والمعارف ، أو تتكامل معها .

من السهل دون شك قول مثل هذا الكلام أو تخيله ، لكن مسألة التبادل والانتشار أو عدمها ربما كانت تنجم في جزء كبير منها ، وفقا ً لأنماط تحتاج لأكثر من الوصف ، حتى يمكن فهمها . وإلى جانب ذلك ، أين دور الدولة أو النظم السياسية والدساتير في عمليات بناء الثقافة وقبولها ونشرها وتبادلها ، تاريخيا ً وحديثا ً ؟ وما المعايير التي على أساسها تدار الأمور هنا؟

هناك طبعا ً فروقات في قضية الثقافة بين ما تريده الدولة أو النظام وبين ما يريده الناس في كثير من الأحوال ، وهذا مجال بحث آخر . أما ما يعنينا هنا فهو تأثر الفرد والمجتمع في العمليات الثقافية ، وكيف تتم عمليات التنشئة الاجتماعية .

يسعى هذا البحث الى تلك المسائل من خلال قسمين : نظري وميداني .

يعالج في الجانب النظري أمرين :

1 - عرض نظريات التنشئة الاجتماعية .

2 - ونقد النظريات .

ويعالج في الجانب الميداني وضعية الفرد والأسرة والمجتمع ، في محاولة إلقاء الضوء على عمليات الجمع والتشتت والاختلاط والخروج من دائرة الأهل وعمليات التواصل والاتصال الاجتماعي .

وكذلك ، يحاول الإطلالة على عمليات الوعي والسيطرة والتحولات المتسارعة بين الآباء والابناء ، ومسائل متعلقة بالتربية والأهل وقدرتهم وأدوارهم المتغيرة والمتبدلة .

ثم يخلص إلى خاتمة عن الأسرة عامة .

د. زكي جمعة
Page 3
الفصل الأول

عرض نظريات التنشئة الاجتماعية

1 ـ مفهوم التنشئة الاجتماعية

2 ـ نظريات التنشئة الاجتماعية

3 ـ نقد نظريات التنشئة الاجتماعية

1 ـ مفهوم التنشئة الاجتماعية

يدل هذا المفهوم على استيعاب الأفراد في الجماعات ، من خلال عمليات التأهيل التي تجري ضمن مؤسسات نقل الثقافة ، مثل: الأسرة والمدرسة والحي و القرية وغيرها ، بغية إدخالهم في علاقات اجتماعية . ولذلك فإن الكلام على التنشئة الاجتماعية هو كلام على التهيئة والتمكين . و في مثل هذه الحال هي عملية النمو الاجتماعي للفرد ، وتحويله من كائن حي الى كائن ينمو اجتماعيا ً كما ينمو نفسيا ً وجسديا ً، لينخرط في العلاقات والألعاب الاجتماعية ضاقت أم اتسعت ، من خلال عمليات التعلم والقبول والتطبيع والاندماج ، ليصبح عضوا ً في المجتمع . إن ما يدمج الفرد بالمجتمع ويجعله جزءا ً منه ، يعمل على قيامه بنفسه وعلى انطوائه عليه ، فلا يتقب ٌ ل الفرد وسط مجتمعه إلا عن طريق العلاقات والالعاب و الأدوار والوظائف الاجتماعية . وهي بدورها تقوم بعملية التطبيع والدمج .

وحين يكون ذلك ، يتمكن الفرد من اكتساب المعارف والقدرات التي تتيح له فرصة المشاركة وأخذ مركزه ، وتأدية دوره في المجتمع ، بوصفه عضوا ً مساهما ً ومستوعبا ً للقيم الاجتماعية – الثقافية السائدة في الوسط الاجتماعي . وهي عملية تساهم في دمج الأفراد بشكل مستمر ونسبي في وسطهم .

وتصل عملية التنشئة هذه الى أقصى مستوى لها ، في مرحلة الطفولة ، حينما يكون الفرد اكثر استعدادا ً للقبول ، وأكثر استجابة للمؤثرات الاجتماعية ، فيتم تعليم الولد أو البنت بعض آداب السلوك والحياة ، لاستبطان المعايير والأعراف والمواقف والأدوار والمعارف وحسن التصرف . هذه الأمور تصبح نوعا ً من البرنامج المصمم ليوضع لاحقا ً موضع تنفيذ آلي نسبيا ً، الى جانب ما تشتمل عليه من ضغوط وما تفرضه من واجبات ليتعلم كيفية العيش مع الآخرين .

ولما كان المجتمع يكلُ إلى أفراده أدوارا ً متعاظمة التحديد والتخصيص والتنوع ، وإن كان ذلك يحصل داخل أنماط وفئات ، فإنه يحمل هؤلاء الأفراد على التصرف ، واستلهام المسالك ، واختيارهم عوامل المناسبة والمنفعة ، والابتعاد عن العلاقات القسرية التي تفرضها الجماعات المتكاتفة ، وتبديل المواقف المعيارية ، وإما على الالتزام والتكاتف والتراص في الجماعة التي نشأوا نشأتهم الأولى في كنفها ، والتي تملي معايير السلوك ، وتعين مسبقا ً قواعد العلاقات ، وتتحصن داخل دوائر مستقلة من العادات والتقاليد تجمع بين افرادها .

وتفترض هذه الأمور الاندراج في بنية ثقافية ، لا تعدم اشكالا ً وانساقا ً مولدة ، مبدعة ، تتيح للحياة الفردية والجماعية أن تستقر فيها أو أن تغرف منها ، من غير أن يغيب القسر والإملاء .

والثقافة عملية « زرع ، تقويم وتثمير وكل ما يسمح لعقل بأن يثمر » (6) .

وتعرف الثقافة بأنها عملية التمكن من العلوم والفنون والآداب ، وبأنها ما يبقى عندما نكون قد نسينا كل شيء ، والتثقيف من الثقف ، وثقفه ثقفا ً، حذقه وفهمه بسرعة ، وثقفه أي أفهمه وعر ً فه (7) .

ومفهوم الثقافة مغر ٍ ويمكن أن يأخذ اتجاهين : ثقافة الداخل وثقافة الخارج . فنحن نستطيع التحدث عن التواصل الثقافي في الاسرة الواحدة انطلاقا ً من الإسهام في عملية التعبير الاجتماعي وتأكيد عضوية الفرد فيها ، وكذلك عن التواصل الثقافي الخارجي باعتبار أن خارج الاسرة يسعى إلى إقامة مجموعة من العلاقات المكثفة . وهي تتنوع وتتراوح بين التكامل والتقاطع .

وتتمحور أهمية الثقافة في كونها تعطي الفرد امكانيات المعرفة والمهارات التي تساعده على الاستمرار والتقدم ، وإجراء التغيرات الملائمة ، والإسهام في التطوير والتغيير الاجتماعي ، وتمكنه من ضمان عضويته الاجتماعية .

وينزع كل مجتمع إلى تكوين رأسمال ثقافي ، له ميزاته واستقلاليته ، كما يميل الى التمي ّ ز بنسق قيمي يصنع تاريخه ومأثوره الثقافي .
Page 4
2 ـ نظريات التنشئة الاجتماعية

هناك عدد من النظريات المفسرة والموضحة لعملية التنشئة الاجتماعية (8) .

( أ ) نظرية التحليل النفسي

تبين هذه النظرية عملية نمو شخصية الفرد ، وهي طريقة قائمة على تحليل التداعيات الحر ّ ة وتأويل الاحلام والافكار والافعال المغلوطة ، ولا سيما زلات اللسان . وكذلك هي قائمة أيضا ً على الاتصال الوثيق مع ممارسة تقنية خاصة مستندة إلى هذه الطريقة لعلاج الاضطرابات الع ُ صابية. وهي تقنية العلاج النفسي القائمة بصورة أساسية على تحليل ظاهرة الن ُ ق ّ لة .

وتعزو هذه النظرية أفعالنا إلى حركات اللاشعور . ويؤدي هذا إلى بروز ثلاثة عناصر أو قوى رئيسية في الشخصية الانسانية ، هي :

(-1أ) الأنا ( Ego - Moi) : أو الأنا الوسطى ، وتعدّ من منظار غيبي بمثابة الأصل ، الجذر او الأساس لتجليات الوعي والسلوك العينية .

وتدل على الذات ، الذات المتعالية ، مقابل الأنا الاختباري أي الفاعل المنشغل باختباره النفسي الفردي ، والمضطلع بدور الحامل الدائم للذاتية. ويقصد بها الذات بوصفها جزءا ً شعورياً ينمو حين يعي الإنسان ذاته ويبدأ بالتمييز بين نفسه وبين الآخرين ، ويبدأ بممارسة بعض الضوابط الذاتية . وتكون وظيفة الأنا الوسطى ، التوفيق أو إيجاد التوازن بين مطالب الآباء أو السلطة ، ومطالب الأنا . و « لتحقيق ذلك يمكن القول إن هذه الأنا تقوم عادة بعدة حيل دفاعية لحماية نفسها من الشعور بالقلق ، مثل التقمص والتعويض و التبرير و الاسقاط والعدوان ... » (9) . واستقلالية الأنا نسبية ، من الوجهة الفعالية والحراكية تمثل الأنا الوسطى ، القطب المدافع عن شخصية الإنسان .

ويرتبط مفهوم الأنا عند فرويد ارتباطا ً وثيقا ً بنظام ما قبل الوعي – الوعي . ويرى فرويد الأنا أنها ذلك الجانب من الشخصية الذي ينخرط في صراع مع الحياة الجنسية . وذلك تحديدا ً لأن الحياة الجنسية تهدد بطريقة من الطرق المصالح التي ت ُ عنى الأنا بالحفاظ عليها والدفاع عنها .

ويمثل حفظ الذات هاجس الأنا الأول والباعث على معارضتها للنزوات الجنسية . ورأى فرويد حتى عام 1912 أن القوى التي تحفظ الحياة هي القوى التي تنخرط في صراع مع النزوات الجنسية ، وأعطى هذه القوى اسم نزوات حفظ الذات او نزوات الأنا وهي النزوات التي تمث ّ ل الوظائف العضوية الكبرى كالاغتذاء وإخراج الفضلات والتنفس ، الخ .

فاجأ فرويد الوسط التحليلي في العام1920 : بمقالة له بعنوان «في ما يتعدى مبدأ اللذة» بأطروحة تؤكد وجود تعارض بين نوعين من النزوات: نزوات الحياة ونزوات الموت . وقد اصطدمت فرضية نزوة الموت بمقاومات جدية في الوسط التحليلي أيام فرويد ، ولا تزال هذه الفرضية تصطدم إلى اليوم بمثل هذه المقاومات .

(-2أ) الأنا الأعلى ( Sur Moi , Super - ego) : ينجم الأنا الأعلى عن منظومة الواجبات والمح َ رّمات التي تميز البيئة العائلية ( العيب الأخلاقي و العيب الاجتماعي ... الخ ) من غيرها وتعطيها طابعها الخاص ، لا لأنها منفردة ومستقلة عن محيطها ، وإنما لأنها تملك شخصيتها بوصفها أسرة ، وعن استبطان السنوات الأولى من حياة الفرد . ويتمثل بالضمير والوجدان ، وبشكل من احتواء الطفل لقيم مجتمعه ومعاييره من طريق الأهل والمدرسة والرفاق والمحيط الاجتماعي . وتعد هذه الأنا مستودع القيم والمثل العليا والمعايير الأخلاقية والروحية التي تبقى تشد الفرد نحو العمل الصالح والاتزان والتصالح مع المجتمع ، وبالمشاركة الاجتماعية الفاعلة . وهي تحرص على أن تكون عامل ضبط ذاتي أو مراقبة للأفعال والنوايا .

لقد عمد فرويد إلى تسمية موقع الأنا الأعلى بإسم الرقابة ، إلا أنه لاحظ أن جانبا ً من الرقابة يمارس وظائف الضبط والح ُ كم والاتهام ، وهي وظائف تستدعي أن جانبا ً من الشخصية يمارس هذه الوظائف . ولذا رأى فرويد أن جانبا ً من الأنا ينفصل عن جانب ٍ آخر ليتوج ّ ه ضد هذا الأخير ويفرض عليه نموذجا ً معينا ً، ويضبط اختياراته ، ويحكم عليه .
Page 5
ويتزامن تكوين الأنا الاعلى حسب فرويد مع تراجع عقدة اوديب . فالطفل يتخلى في الواقع عن رغباته الاوديبية عن طريق استدخال الممنوع الأسري .

(-3أ) الهو ( Ca - ID) : أو الأنا الدنيا ، يشير فرويد من خلال تعبير الـ : هو إلى أن القوى الفاعلة في هذا الموقع هي قوى لا سيطرة عليها . وتتسم بطابع غير شخصي ومجهول . هذا الطابع الذي يتجلى في صيغ من نوع «هذا يتخطى قدرتي» أو « هذا ما فاجأني» . ويمكن مقاربة «الهو» من عدة وجوه باللاوعي في النظرية المكانية الاولى ، ذلك أن عناصر «الهو» عناصر غير واعية وتخضع علاقاتها للعمليات الأولية ، إلا أنها لا تشك ّ ل كل اللاوعي ، باعتبار أن الأنا الأعلى وبعض جوانب الأنا تتسم هي أيضا ً بطابع غير واع ٍ.

وفوق كل ذلك ، فإن تعبير «الهو» يشير إلى الجانب الغريزي الفطري والشهوات المرتبطة باللذة والرغبات ، أي الجانب النزوي من الجهاز النفسي اكثر مما يشير الى الطابع اللاواعي لمحتويات هذا الجانب . فالهو ، كما يقول فرويد هو «الخزان الكبير» لليبيدو أو الطاقة النفسية الجنسية (10) .

ويمكن وصف الهو ، بأنه عنصر بدائي في شخصية الإنسان ، يهدف إلى إشباع مباشر للحاجات والرغبات دون مراعاة لمطالب المجتمع وقيمه وقواعده ، وهو غالبا ً ما يكون قوياً ووحيداً في وقت الولادة . كذلك ، فالهو شكل من اشكال اللاعقلاني ، لكن ذلك لا يعني أنه يدل على كل ما هو عقلاني أو غير واع ٍ في الحياة النفسية . كذلك الهو الذي يفكر ويتكلم ويدرك أنه يفكر ويتكلم كأنه العالم .

يسعى الهو المحكوم بمبدأ اللذة إلى الإفراغ الفوري للطاقة الليبيدية وهو في ذلك عاجز عن أن يأخذ بالحسبان الظروف الزمانية والمكانية الخارجية ، كما أن الهو لا يملك التحكم بالعالم الخارجي ولا يمارس عليه أي تأثير مباشر . لذا فهو مجبر لبلوغ هدفه في العالم الخارجي أن يلجأ إلى توس ُّ ط الأنا ، اي الى توس ُّ ط هذا الجزء من الهو الذي خضع حسب رأي فرويد للتسويغ بتأثير العالم الخارجي . وبما أن الانا هي وحدها التي تأخذ بالحسبان متطل ّ بات الواقع فإنها لا تفسح في المجال إلا للرغبات التي لا يؤدي إشباعها الى آثار مؤذية على الفرد . كما يتعين على الأنا أن تتصرف بالطريقة التي لا تخل بعلاقاتها الحسنة مع الأنا الأعلى ، أي بالطريقة التي لا ت ُ فقدها حب الأنا الاعلى ولا تعرضها لعقابها ، باعتبارها المراقب الذاتي الذي يحرص على نمو الفرد في مراحله الأولى وفقا ً لمعايير وقيم ومثل عليا .

هذا النمو الذي يبدأ من الهو الى الأنا الأعلى تحدده نظرية فرويد في خمس مراحل هي :
Page 6
 نظرية التعلم

تتحدث هذه النظرية عن التعلم والاكتساب ، الذي يبدأ مع الفرد منذ اللحظات الأولى لحياته ، والذي يعمل على تحديد وتطوير وتفعيل معظم سلوكه الاجتماعي والفردي . وتذهب هذه النظرية إلى القول : إن الإنسان يتعلم معظم الأمور في حياته ويكتسبها من البيئة التي يعيش فيها سواء كانت الأسرة أم المجتمع المحيط أم التي يتعرف اليها مثل المدرسة والحي والمعمل ... الخ . وترى أن الانسان يتأثر كذلك بسلوك الحيوانات التي يعايشها كما يتأثر بالطبيعة وعواملها . ويعود ذلك إلى أن الإنسان يرى ويراقب ويشعر ويحس بما يدور من حوله . فهو يتأثر بتغير المناخ وتبدل الفصول واختلاف الجغرافيا التي تدفعه إلى التكيف معها في ملبسه ومسكنه وطعامه على سبيل المثال .

وقد حدد كل من ميللر ودولارز شروط التعلم في :

1 - المثيرات .

2 - الموجهات .

3 - الاستجابات .

4 - المكافآت .

فالطفل مثلا ً يرغب في الحصول على انتباه والديه (مثير) فيرى أباه يتصرف بطريقة معينة ، أو يمارس هواية أو يعتمد نمط لباس معين ( موجه ) فيحاول التشبه بوالده وطريقة تصرفه ( استجابة ) يرضى عنه أبوه ( مكافأة ). وفقا ً لهذه النظرية هناك اربع عمليات متداخلة في عملية التعلم بالملاحظة حسب باندروا وهي :

أ - الانتباه ( الذي يسبق التعلم ) اذ يلاحظ أن الطفل يركز اهتمامه وانتباهه على كثير من الامور والتي نراه لاحقا ً يحاول التعبير عن معرفته بها .

ب - عمليات الذاكرة والحركة ( في عملية التعلم ) يقوم بحركاته وفقا ً لما يتذكره ويحفظه .

ج - التمرن على الآداء ( عن طريق المشاهدة والمتابعة للآخرين )، اذا تمت مراقبة طفل دون لفت انتباهه سنجده في أحيان كثيرة يردد عبارات أو أغاني أو ألفاظا ً سمعها سابقا ً أو يقوم بحركات شاهدها من قبل .

د - الواقعية ( القوى التي تدفع الانسان للتعلم ) واجمالا ً فإن قوة الحواس لديه وقدراتها ستساعده وتدفعه نحو التعلم وتطوير مهاراته أكثر .

تسعى الاسرة التي يعيش فيها الطفل عادة الى مساعدته لتطوير مهاراته والتعلم اكثر من اجل اندماجه وتكيفه الاجتماعي بصورة أسهل . وبالضرورة ، فإن ما تمارسه هذه الأسر مرتبط بشكل أساسي بثقافة الوسط الاجتماعي الذي تنتمي اليه ، وتعمل على جعل الفرد فيها عنصرا ً من عناصر هذا الوسط . وعملية التعلم الاجتماعي التي تحصل في الأسرة ، تساهم في تكوين « الأنا » والتوافق والتثقيف الاجتماعي ، وفي انتقال الثقافة من جيل إلى آخر . وتتم هذه العملية من خلال إكساب الفرد سلوكا ً ومعايير واتجاهات وأدوارا ً اجتماعية معينة تمكنه من التوافق الاجتماعي . كما أن ذلك سيكون مرهونا ً بنوع السلطة وكيفية استخدامها في تربية الافراد وتعليمهم .

يتعلم الطفل في الأسرة التخاطب من خلال لغات مختلفة ، كالتخاطب الجسدي مثل : الإيماء ، والابتسامة ، والعبوس ، والضحك ، والبقاء واشارات اليد، والتخاطب اللساني ، من خلال تعليمه النطق والكلام وفقا ً للغة الأسرة ومعارفها .

ج - نظرية الدور الاجتماعي

تركز هذه النظرية على مكانة الفرد الاجتماعية التي تتناسب مع الدور المفترض القيام به . ووفقا ً لهذه النظرية يتم تعلم الدور عن طريق التلقين والترشيد ، الذي يتلقاه الفرد في مراحل حياته المختلفة ، وخصوصا ً منها مرحلة الطفولة ، اذ يقوم الأهل بتعليمه كيفية تناول الطعام وآداب المائدة والالتزام بالآداب وكيفية التصرف وفقا ً للأوقات والمناسبات وذلك بما يتناسب وعمره وجنسه ودوره ومكانته . ويحدد « جورج ميد » نمو الفرد ودوره الاجتماعي بمراحل ثلاث ، هي :

1ـ مرحلة الإعداد ، يقلد الطفل فيها كل ما يراه .

2ـ مرحلة اللعب ، يلعب الطفل خلالها ادوارا ً معينة مثل دور المعلم أو المعلمة .

3ـ مرحلة اللعب المنظم ، يتضمن اللعب المنظم بعض المعايير من خلال التفاعل الاجتماعي مع جماعة الرفاق في الحي أو المدرسة أو في العائلة ... الخ .

ويعر ّ ف علماء الاجتماع الدور بأنه الجانب الدينامي لسلوك الفرد والذي يشتمل على منظومة من الافعال المطابقة لوضعية اجتماعية محددة . ويعد تعريف « جوردن ألبرت » من أبرز التعريفات الخاصة بتحديد الدور إذ يعر ّ فه « بأنه ما يتوقعه المجتمع من الفرد الذي يحتل مكانا ً معينا ً داخل الجماعة ». ويعرفه « كوثريل » « بأنه سلسلة من الاستجابات المترابطة التي يقوم بها الفرد في المجتمع ».

وكما تبين هذه النظرية وتعريفات علماء الاجتماع ، فإن سلوك الفرد ينتظم في سلسلة من الأدوار الاجتماعية التي يمارسها في اطار حياته الاجتماعية : كدور الطفل ، الصبي أو البنت ، و الأب ، والمعلم ، والموظف ، و الأخ ، أو الأخت ، و المثقف ... الخ . ويلاحظ أن منسق الادوار يختلف من مجتمع إلى آخر ، ومن ثقافة إلى أخرى .

وفي هذا السياق يميز « ألبورت » أربع خصائص اساسية للدور هي :

أ ـ توقعات الدور : وهي أنماط سلوكية تحددها ثقافة المجتمع . ويتمثل ذلك في ما حدده المجتمع نفسه لبعض الادوار : دور الأم ، الاب ، الجندي ، الحاكم ، المعلم ، التلميذ والموظف ... الخ .

ب ـ تصور الدور : ويتمثل ذلك في وعي الأفراد لمتطلبات الدور وأنماط السلوك الذي يترتب عليهم القيام به في إطار المركز أو المراكز الاجتماعية التي يحتلونها .

ج ـ تقبل الدور : ويتمثل ذلك في مدى قبول الأفراد او رفضهم للأدوار التي يقومون بها ، فالتلميذ قد يكون كارها ً للدور الذي يقوم به مثلاً ...

د ـ أداء الدور : ويتمثل ذلك في مدى حماس الأفراد للقيام بأدوارهم المهنية والطبيعية .

ويرى ألبرت أن توقع الدور يتحدد اجتماعيا ً، أما تقبل الدور فيتحدد فرديا ً.

د - النظرية المعرفية الاجتماعية

تهتم هذه النظرية بدراسة عمليات الاستدلال العقلي لدى الأطفال في حل المشكلات المنطقية ، فالعمليات العقلية التفكيرية لدى الأطفال تمر بتغيرات في أثناء النمو . وهذه التغيرات كيفية يمكن التنبؤ بها .

والنمو يسير في اتجاه تقدمي دائما ً ويعتقد جان بياجيه أن الأطفال أنفسهم يؤدون دورا ً إيجابيا ً وفاعلا ً في عملية التنشئة الاجتماعية ، وهناك نوعان من الأحكام الخلقية عند الأطفال :
Page 7
-1 الأخلاق الموضوعية التي يلتزم بها الطفل حرفيا ً بوصفها قاعدة اخلاقية .

-2 الأخلاق النسبية ، وهي ترتبط بالدوافع والنوايا والقصد في العمل الخلقي .

ومن خلال الإشتراك مع الآخر في صنع القواعد الأخلاقية يفهم الأطفال أن القواعد يمكن أن ت ُ صنع وأن تتعدل وتتغير من خلال العلاقات والتصرفات والمناقشات ... الخ .

هـ - النظرية الايثولوجية

تؤكد هذه النظرية استعداد الإنسان بيولوجيا ً كي يتعلم بعض أنماط السلوك بسبب قيمتها في التكيف مع المجتمع .

ولا يستطيع الإنسان فهم الدلالة التكيفية للسلوك ، بملاحظة كيفية قيام الناس بهذا السلوك أو ذاك . ولفهم السلوك ، يجب أن ننظر إليه كما يحدث بالفعل في بيئته الطبيعية . ولقد حاول « J . Bowlby » ربط هذه المفاهيم النظرية بمفاهيم التحليل النفسي ، لتفسير علاقات الطفل الاجتماعية ، ومعرفة طبيعة هذه العلاقات ووظيفتها ونتائجها في مرحلة الرضاعة ، ثم ذهب إلى القول : إن مصادر أمراض الطفل النفسية يمكن تتبعها او الرجوع اليها في الاضطرابات في مشاعر الحب لدى الطفل ، والتصاقه أو علاقته بأسرته . ويرى علماء النفس أن الطفل بعلاقته بأسرته يتوصل إلى أنماط من السلوك يستغلها في الوصول إلى هدفه ، وقد تظل هذه الأنماط معه طيلة حياته . وتعد علاقة الطفل بوالديه من أهم العلاقات التي يقيمها مع الآخرين . وهي علاقة ذات تأثير بعيد في تكوين شخصيته ، وإن كانت علاقة قابلة للتغير والتبد ّ ل ، خصوصا ً عندما تتبدل وتتغير وقائع حياته ، أو وفقا ً لتبدل وتغير العوامل المؤثرة والتي يمكن أن تكون في ولادة طفل جديد للأسرة مثلا ً، أو فقدان أحد الوالدين . لا تخضع هذه العلاقة اجمالا ً لقواعد وأصول ثابتة ، ولا تسير وفقا ً لخطة موضوعة سلفا ً. ذلك أن النمو العقلي والوجداني للطفل ، أيضا ً، يفرضان على الاهل تغيير هذه العلاقة وتطويرها .

و - النظرية النفس - اجتماعية

تشير هذه النظرية إلى أن الأم تمثل الشخصية الأهم في حياة الطفل ، التي تبدأ من مرحلة الحمل وتكون علاقة بيولوجية ، وعند الولادة تشكل الأم بالنسبة لطفلها مصدرا ً للحب والعطف والحنان والغذاء والأمان العاطفي والنفسي . وهذا ما يؤثر في شخصيته . ويعتمد الطفل في مراحله الاولى بشكل شبه تام على الأم التي تساعده في الانتقال الى مرحلة الاعتماد على النفس . ويمثل أسلوب تعاملها معه ومدى الاستجابة له ولمطالبه اهمية قصوى في حياته .

وتلحظ هذه النظرية وجود الصراعات داخل الأسرة التي تهدد شعور الطفل وتشعره بالذنب ، وتضيف إلى ذلك الدور الذي تؤديه المدرسة في حياة الطفل إلى جانب أسرته ، ومساهمتها في تكثيف المقاربات الاجتماعية ، إضافة إلى جماعة الرفاق والأقران . وفي مرحلة النضج يؤدي الأصدقاء والعمل والزواج دورا ً أقوى في تكوين علاقات ذات معنى ودلالة في حياة الشخص .
Page 8
3 ـ نقد نظريات التنشئة الاجتماعية

حاولت مختلف هذه النظريات أن تفسر السلوك الإنساني والاضطرابات التي تصيب الفرد ، وحاولت أن تعالج هذه الأسباب بطرق مختلفة ، إلا أن أيا ً منها لم يتحدث عن كيفية تلافي هذه الاضطرابات في المستقبل ، لأن هذه النظريات افتقدت في حقيقة الأمر ، نظرة شمولية تحيط بالمرتكزات الأساسية في الطبيعة الإنسانية ، وركزت على جوانب محددة فقط من هذه الطبيعة .

أ - نقد نظرية التحليل النفسي

يمكن الاعتراض أساسا ً على هذه النظرية لكونها ركزت فقط على جانب الدوافع الغريزية في شخصية الفرد ، وأغفلت أو رفضت الجوانب الأخرى من الشخصية الإنسانية والتي تساعد على إيجاد التوازن الأخلاقي والسلوكي لديه . وفي عملها هذا ، أظهرت النظرية جانبا ً واحدا ً هو جانب العبودية للذات والغرائز ، وقادت الإنسان في مختلف مراحل حياته ، وجعلتها عبودية محدودة وقاصرة ، ولم تلحظ أن العبودية لدى الإنسان يمكن لها أن تتطور لتغني ارتباط الإنسان بالمطلق ، بدل إرتباطه بالمحدود ، أي الغرائز ، وأن هذا الارتباط هو ارتباط بالإله الذي يمتلك القدرات ويهبها لمن آمن به وعبده . وهذا ما يحيل الفرد إلى شخص مستلهم لسلوكه من معبوده القادر ، لتصبح القضية الجنسية لديه جزءا ً من نظام عام في حياته . « هنا لا نتكلم حصرا ً على وجهة نظر مرتبطة بدين معين إنما الحديث في سياق إيمان إنساني » كذلك فإن هذه النظرية لم تتطرق إلى قضية المثال الأعلى للإنسان ، خصوصا ً وأن هذا المثال يتطور في ذهن الإنسان وفقا ً لمراحل عمره وتتطور قدراته العقلية والذهنية وينتقل من تصور إلى آخر . كما أن الإنسان يعيش بشكل أو بآخر ارتباطا ً بمثل عليا تحدد له الجانب الأساسي في شخصيته وتؤثر على توجهاته السلوكية العامة . فالطفل ، على سبيل المثال ، يرى والديه مثالا ً أعلى ووفقا ً لهذا فهو يسعى إلى تقليدهما ويسعى إلى التحل ّ ي بصفاتهما وسلوكهما ، وقد يكون له مثل عليا أخرى في العائلة أو بين الاقارب ، كالخال مثلا ً ( بالخصوص عند العرب )، كما قد يشعر الطفل أيضا ً في المدرسة بأن المربي هو مثاله الأعلى وقد ينتقل هذا الشعور في مراحل أخرى إلى بعض الشخصيات والرموز المختلفة في مجالات متعددة من الحياة الاجتماعية . ويسعى بالتالي إلى تقليد هذا المثال ، ولا شك في أن كل ذلك سوف يترك بصمات واضحة على الشخصية .

لقد رأت هذه النظرية العقائد والقيم أشياء ً خارجية مفروضة على الانسان تتعارض مع نزعاته الفطرية . وهذا خطأ فاضح ، ذلك أن الإنسان يتميز عن الحيوان بجانب روحي سام (11) يمكنه من الاعتقاد والتقييم والإيمان والامتناع عنه وما إلى ذلك .

في المقابل ، أظهر ملنوفسكي وهو عالم انتروبولوجي في أبحاثه أنه لا وجود لعقدة اوديب في المجتمعات التي يكون النسب فيها أموميا ً. ففي جزر التروبريان ، لا صراع بين الأب والإبن . و الاولاد لا يعرفون شيئا ً عن دور الأب في انجاحهم فالخال هو الذي يربيهم ويرشدهم ، فيعارض الأبناء الخال الذي يمثل السلطة ، في حين يبقى الأب صديقا ً، وبالتالي تصبح عقدة أوديب واقعة مشروطة اجتماعيا ً (12) .

لقد اختار فرويد المسألة الجنسية محوراً مركزياً لحركته ، وظل هذا الاختيار العنصر الأساسي في النظرية الفرويدية حتى نهاية حياة مؤسسها . وقد يكون تفسير هذا الاختيار راجعا ً الى العديد من الأسباب ، منها بعض المشكلات التي عانى منها فرويد في طفولته والجو العائلي الذي كان سائدا ً. يقول فرويد « أنا ايضا ً أثقلت بالحب على والدتي ، وبالغيرة من أبي ، حتى أنني ارى أن هذه المشاعر ظاهرة عامة تشمل جميع الأطفال » (13) .

ويمكن تلخيص مشكلات هذه النظرية بما يأتي :

-1أ- ركزت هذه النظرية على الجانب الجنسي ( غريزة الجنس ) محددا ً لحياة الانسان .

-2أ- لم تأخذ في الاعتبار التعامل الاجتماعي على مستوى الشعور الواعي بين الأفراد في الأسرة والمجتمع ، بكل ما يتضمنه من قيم .

-3أ- أغفلت المؤهلات البيئية والاجتماعية ، خارج الأسرة ، في تكوين الأنا الأعلى .

د- لم تفرق بين الجنس والحنان والوجدان في العلاقة بين الآباء والأبناء .

هـ- أهملت العوامل الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية .

ب - نقد نظرية التعلم

-1ب- أظهرت هذه النظرية دقة كبيرة في تفسير المواقف البسيطة ، لكنها وقفت عاجزة أو قاصرة عن تفسير المواقف الاجتماعية المعقدة .

-2ب- ركزت النظرية على مبدأ الإثارة والاستجابة والثواب والعقاب والتعزيز الاجتماعي ، ولم تلتفت إلى مسألة أن أنواع التعلم ليست كلها خاضعة لهذا المبدأ . وإذا كان هذا المبدأ قد حقق مع حيوانات المختبر نجاحا ً ملموسا ً، ولكنه قد يمنى بفشل ذريع أحيانا ً في العلاقات الإنسانية والاجتماعية .

-3ب- حولت النظرية علاقات الإنسان وسلوكه إلى آلية ، مغفلة أن لدى الإنسان قدرات تمكنه من التفكير والإدراك والتفسير والتصرف وفقا ً لذلك .

ج - نظرية الدور الاجتماعي
Page 9
-1ج- إن مفهوم الدور لم يتحدد بصورة قاطعة وواضحة خصوصاً في المجتمعات الحديثة .

-2ج- إن من الخطأ إغفال تركيب الشخصية وخصائصها في تأدية الدور الاجتماعي .

-3ج- ركزت هذه النظرية على الجانب الاجتماعي في عملية التطبيع وعلى دور الذات في نمو الطفل اجتماعيا ً، ولكنها أهملت كثيرا ً من الجوانب الأخرى .

د - النظرية المعرفية - الإنمائية

-1د- أهملت عملية الاستدلال الخلقي في مرحلة المراهقة والرشد ، يستطيع الفرد التمييز بين القواعد الاجتماعية والمبادئ الخلقية .

-2د- لا يسير الشخص ولا الناس في أحكامهم الخلقية أو في استدلالهم الخلقي منحى ً واحدا ً وثابتا ً، بل قد يستخدمون مستويات مختلفة في المواقف المختلفة . وقد يستخدم الإنسان خليطا ً من المستويات الخلقية .

-3د- المعرفة النظرية قد تكون شيئا ً، بينما السلوك الفعلي هو شيء آخر .

هـ - النظرية الإيثولوجية

-1هـ- لم يتم تحديد كيفية دراسة السلوك في المواقف الطبيعية ، وهل ذلك يعد كافيا ً إذا استثنينا العوامل الاجتماعية والثقافية؟

-2هـ- وصف السلوك وتفسيره وفقا ً لهذه النظرية ناقص .

-3هـ- لم تحدد وظيفة السلوك ونموه .

و - النظرية النفس - الاجتماعية :

-1و- حصرت الدور بالنفس - الاجتماعية للأهل ولا سيما الأم ، وأهملت دور المؤسسات الاجتماعية المختلفة .

-2و- لم تحدد بدقة ما العوامل النفس - اجتماعية المؤثرة في سلوك الشخص وكيف تساعد في صقل الشخصية .

-3و- لم تفسر كيف ينظر الأطفال إلى القيم الخلقية على أنها قيم مطلقة لا تقبل الشك ولا تخضع للإستثناءات .

-4و- إن هذه النظرية على اختلافها لم توضح كيفية النظر إلى موضوع السلوك الفردي ، وتبدو في الظاهر أنها متعاملة في تفسير عملية التنشئة ، و لكنها في تفسيرها تعد ناقصة للأسباب الأتية :
p • إهمال إيجابية الفرد الذي يستجيب لإلحاح دوافعه الداخلية ويخضع لضوابط البيئة الخارجية بأسلوبه الخاص .
p • لم توضح دور الإلتزام المتبادل بين الفرد ومؤسسات البيئة المختصة بالتنشئة الاجتماعية .
p • ركزت كل نظرية على استنتاجاتها الخاصة وأنكرت أو أهملت ما وصلت إليه النظريات الأخرى من استنتاجات وحقائق .
p • أهملت الجانب الأخلاقي المرتبط بدور الفرد ومكانته .
p • لم تبين كيف تتكامل مؤسسات التنشئة الاجتماعية أو وسائل التنشئة في إحداث التفسير المطلوب في سلوك الشخص ، وأهم هذه المؤسسات الأسرة ، والمدرسة ، وجماعة الرفاق ووسائل الاتصال ..
Page 10
الفصل الثاني

الفرد ، الأسرة والمجتمع

تمهيد

1 ـ الأسرة ولادة الجسد والروح .

2 ـ بين الجمع والتشتت .

3 ـ دور الحضانة ، فبركة من نوع آخر .

4 ـ المدرسة ، العلم والتغير الاجتماعي .

5 ـ الرفاق ، الإختلاط والترحال .

6 ـ وسائل الإعلام ، الإحتواء والاغتراب .

تمهيد

آل التراكم المعرفي والتقدم التقني الذي حظيت به المجتمعات المعاصرة ، إلى تبدل وتغير في المرويات والقصص والأساطير ، التي كانت تحكم جو الأسرة والمجتمع؛ شأنها في ذلك شأن كافة الأنشطة الثقافية وخطوطها ، والتي ترتبط بالإيقاع الاجتماعي ، الاقتصادي والسياسي . وثمة مرويات لاتزال متداولة ، ولكنها اصبحت أقرب إلى الخيال وغير قادرة على إحداث نقلة نوعية في وعي الفرد ، الذي بات أكثر التصاقا ً بالتقانة (*) التي غيرت صورة المجتمع ، وبدلت وجوه أرضه وأوجدت مزيدا ً من التعقيدات الحياتية . ولم يعد الوقت كافيا ً لاستيعاب الأعمال التي باتت بحاجة للمزيد منه في تفصيلاتها وتنوعاتها . هذا الأمر ، أوجد نزاعا ً خفيا ً حينا ً، وظاهرا ً حينا ً آخر ، بين المنزل وما عداه ، ونزوعا ً بالأحلام أو الواقع إلى الاستقلال وامتلاك الكيان الخاص الذي ينهض إزاء كيان الأهل المتعدد .

المدرسة ، والزملاء ، والأقران ، والرفاق ووسائل الإعلام والإعلان ، تعمل جميعا ً على تفريع دور الفرد ، من غير أن تنفك الأسرة عن « التربع » في محل الصدارة من مراتب الإختيار العاطفي والمسلكي والاجتماعي معا ً.

بقيت هذه الصدارة مقدمة لازمة لا يطالها الشك ، ولم تنافس منظومات سلوك أخرى ، غير المنظومة الاهلية والعائلية ، هذه الاخيرة على تصدرها وتقدمها .

ذلك أن الأسرة هي القطب الذي ينبغي أن يتماسك معه المرء ، أي بالانتماء اليه ، وما يخرج من دائرتها نحو الأحياء والمدن والقرى وخارج المجتمع ، ي ُ نذر بالإنشعاب والتفرق والتباعد الفكري والوجداني كما الجسماني ، وإن كان الناس والمجتمع في لحظات معينة وصور محددة يمثلان صورتين عن الأهل ، وامتدادين من جسمهما الواحد .

والتقدم والتكنولوجيا والتمدن ، وغير ذلك ، لا تعصم من الأهل والاسرة ، ولا تنشئ أمكنة تباعد وتقرب ، إلا إذا عمد الفرد إلى ذلك ، واذا نشأ مثل هذا ، كان عليه أن يجد متسعه خارج الناس والمجتمع وبعيدا ً عنهما .