eKtab
EN ع
مسائل الاعتقاد عند ابن عطية
Read free sample

مسائل الاعتقاد عند ابن عطية

by د. عبد الحميد راجح الكردي

Page 1

الإهداء

* إلى صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، من أرسله الله تعالى هدى ورحمة، من أرجو شفاعته، وأتوق للشرب بيديه الشريفتين من حوضه، سيدي رسول الله ، الذي حمل الأمانة، فأداها، وكان للناس سراجا منيراً.....فصلاة ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.

* إلى أستاذي، وشيخي، وملهمي، من ترعرعت على يديه... فكان نعم الأب... ونعم المعلم... ونعم الشيخ.... ونعم الصديق... من وسع صدره لآهاتي... ووسع قلبه لمحبتي.... فكان لي مرشداً ملهماً.... فضيلة أبي

* إلى الصدر الدافيء... والعين الراعية... والقلب الرؤوم... من سهرت ليلها ... وتعبت نهارها... فكان كاتب هذه الأسطر من ثمراتها... أسأل الله لها البركة في عمرها... حضرة أمي

* إلى من تحملت معي كل اللحظات... بكل أشكالها... من أعانتني... وصبرت علي....زوجتي

* إلى أحبائي... سرا... محمد... آصال... نبض القلب وريحانة الفؤاد...

حماهم الله جميعاً وجعلهم نبراس صلاح وهدى... وعناصر صالحين في أمة الإسلام

* إلى إخوتي.... وأخواتي ...... في كل أرض وديرة ... أسعدهم الله دنيا وأخرى

* إلى كل طالب علم يبتغي وجه الله تبارك وتعالى

أهدي هذا العمل...... والله ولي التوفيق.

Page 2

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه...أما بعد.

فقد أنزل الله القرآن الكريم، هدى للمؤمنين، أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ليكون بشيراً ونذيراً، فيه من الآيات والعظات ما به ينجو العباد إذا اتبعوه، أنزله عقيدة وشريعة وخلقاً، وجعله نوراً هادياً، وطريقاً للسعادة في الدارين.

والقرآن الكريم دستور الأمة الإسلامية، وفيه أركان الإيمان، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقدر خيره وشره. وقد يسر الله تعالى لهذا القرآن في كل جيل من المفسرين من يظهر بيانه ويستخرج كنوزه. وكان من هؤلاء الإمام عبد الحق بن عطية الذي وضع نصب عينيه خدمة كتاب الله عز وجل، فشمّر ساعد الجد، ولم يترك شيئا من الجُهد والجَهد، فكان تفسيره المحرر الوجيز، الذي سطر فيه من العلوم النافعة ما يستحق الدراسة والتمحيص، والنشر والتدريس. وفيه من الموضوعات الشيء الكثير في مختلف علوم الإسلام.

وقد لفت نظري ما لهذا العالم الجليل من شهرة علمية عالية، أدت إلى حصول خلاف في فكره العقدي، فتوجه الجهد عندي لجمع آراء ابن عطية العقدية في أركان الإيمان، وهي خدمة للدراسات القرآنية من ناحية، وخدمة أصيلة للدراسات العقدية من كتب التفسير واتجاهات المفسرين العقدية من ناحية أخرى. فأسأل الله التوفيق.

Page 3

إشكالية الدراسة

تكمن مشكلة الدراسة في تعدد الآراء في عقيدة ابن عطية بين رافع من شأنه وأنه من مدرسة أهل السنة، وبين متهم له بالاعتزال، وبين من يغمزه ويتهمه أنه يدخل في فكر وعقيدة أهل السنة ما ليس منها.

كما أن تفسير ابن عطية يتسم بكثرة معلوماته وتعددها. ومن هنا كان لا بد من قراءته وفرز معلوماته لأتمكن من الإجابة على الأسئلة التالية حتى تتضح إشكالية هذه الدراسة:

1- هل اعتنى ابن عطية ببيان الآراء العقدية في تفسيره ؟وهل شكلت أهميةً علميةً عنده ؟

2- هل اعتمد ابن عطية آراء سابقين عليه في المسائل الاعتقادية ؟ وهل كانت له آراء مستقلة تمثل مدرسة بذاتها؟

3- ما رأيه في مسألة الإيمان، والاستدلال على وجود الله تعالى ووحدانيته ؟

4- ما رأيه في: صفات الله، وأسمائه ومسألة التأويل ؟

5- هل تحدث عن مسألة النبوات، وفصل فيها القول ؟وما آراؤه العقدية فيها؟

6- ما رأيه في مسألة القضاء والقدر؟

7- هل له آراء في اليوم الأخر؟

لكل ما سبق فقد عقدت العزم لأقدم عقيدة ابن عطية من خلال تفسيره المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، وسأدرس آراءه العقدية في ظل مدرسة أهل السنة، مقارنة مع غيرها من المدارس إذا لزم الأمر لبيان رأيه وتحديد مدرسته الفكرية العقدية.

Page 4

منهجية البحث

1- المنهج الاستقرائي، وذلك بتتبع آراء ابن عطية في المسائل الاعتقادية وجمعها، وتصنيفها تحت أبواب الدراسة، كل مسألة في مكانها بحسب التقسيمات العقدية في محاولة اكتشاف قواعد تفكيره العقدي.

كما سأقوم باستقراء المسائل العقدية في كتب علم الكلام عند أهل السنة، وإذا لزم الأمر عند المعتزلة وغيرها من الفرق لتأكيد الرأي المذكور أو مناقشته.

2- المنهج التحليلي والاستنباطي، بدراسة النصوص التي تم استخراجها من تفسير ابن عطية، وتحليلها، واستنباط الآراء العقدية فيها. ومن ثم تأصيل الاتجاه العقدي عند ابن عطية من خلال معرفة مدى تقليده للمدارس الكلامية أو إضافته عليها، أو مخالفته لبعض آرائها، وبالتالي الحكم على اتجاهه، ومعرفة أي المدارس العقدية يتبع إن كان يتبع أحدها.

Page 5

الفصل الأول :ابن عطية: حياته وعصره

المبحث الأول : حياته الشخصية والعلمية

المطلب الأول: حياته الشخصية

المطلب الثاني: حياتـه العلمية

المبحث الثاني : عصــــر ابن عطية

Page 6

المطلب الأول: حياته الشخصية

أولاً: اسمه ونسبه

هو: "عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عبد الروؤف بن تمام بن عبد الله بن تمام بن عطية بن خالد بن عطية بن خالد حقاقَ بن أسلم بن مُكرم من ولد زيد بن محارب بن خَصفَة بن قيس غيلان بن مضر"([1]).

هكذا ورد اسمه في فهرسه عندما عرّف بوالده, ولهذا فلا يعتد بمن خلط في اسمه لأنه ربما لم يطلع على فهرسه, وإلا فهو أعرف بنفسه واسمه ونسبه.

كنيته: أبو محمد, هذا ما ذكره هو, وأجمع عليه من أرّخ له, وذكره مستغناً به عن غيره([2]).

شهرته: ابن عطية.

ثانياً: ولادته, ووفاته

أجمع المؤرخون على أن ابن عطية ولد سنة( 481 هـ/1088م). ولم أجد عند المؤرخين ذكراً لمكان ولادته, إلا أنهم نسبوه إلى غرناطة, ولا أدري أفيها ولد أم أنه نسب إليها لمعيشته فيها, ولم أقف على من قال إن ولادته كانت بها.

أما وفاته فقد اختلف المؤرخون فيها على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه مات في رمضان سنة( 541 هـ/1048م). وقد ذكر هذا الرأي المفسر الشهير بابي حيان الأندلسي في مقدمة تفسيره البحر المحيط([3])، كما ذكره الإمام السيوطي والداودي في كتابيهما, طبقات المفسرين([4]).

وهذا الرأي هو أرجح الآراء, وأقربها إلى الصواب كما يبدو من كثرة ذكره في كتب التراجم, وقد أيّد هذا محققو التفسير كما هو واضح في مقدمتهم لتفسير ابن عطية ([5]).

القول الثاني: إن وفاته كانت سنة(542 هـ), وعلى هذا القول ابن بشكوال، والسيوطي والكتبي، والزركلي([6]).

القول الثالث: إن وفاته كانت سنة(546 هـ), قاله الزركلي والحنفي([7]). فيكون تاريخ ولادته (481 هـ), وتاريخ وفاته - رحمه الله تعالى - على الأرجح وأصوب الأقوال وأكثرها سنة(541 هـ).

Page 7

المطلب الثاني: حـيـاتــه الـعـلـمـيـة

لقد كان للنشأة المتميزة لابن عطية في بيت علم وفضل أثر كبير في سيرته العلمية؛ فوالده القاضي أبو بكر بن عطية اهتم كثيراً بهذا الغلام اليافع([8]), ومن شدة اهتمامه به حرصه على تعليمه أولاً, ثم إرساله إلى الشيوخ والعلماء لسماع الإجازات([9])، وقد كان رحمه الله فقيهاً, عالماً بالكلام, محدثاً, مفسراً, شاعراً, أديباً, عالماً بالأنساب, ولشدة علمه ولاه حاكم([10]) دولة المرابطين القضاء.

كما أن في سيرته العلمية عدداً من الشيوخ, ومعظمهم يُنسبون إلى المذهب المالكي, وهو مذهب أهل الأندلس والمغرب, ولا عجب أن يكون مذهب ابن عطية مالكياً كذلك.

كما كثر تلاميذه المجازون على يده مباشرة, أوبالإسناد إليه, وأثر رحمه الله في كثير من المفسرين قديماً وحديثاً مما سيتبين عند الحديث عن تفسيره .

أولاً: شيوخه وتلاميذه

تحدث ابن عطية عن شيوخه في كتابه الفهرس, وهو كتاب مخصص لشيوخه, ذكرهم, وما أخذ عنهم وقد تحدث عن هذا الكتاب عبد الوهاب فايد الذي استنتج أن ابن عطية قد أخذ العلم عن شيوخه بطرق أربعة هي كما يقول: "السماع والقراءة والمناولة والإجازة"([11]), ويعدّ الفايد أن كثرة الإجازات لعبد الحق بن عطية دلالة على مكانته العلمية، ويستدل على ذلك بقوله: "ويبدو لي أن الشيوخ حين أجازوه, وجدوا منه الأهلية التامة للعلم, والاستعداد الكامل لتلقيه فهؤلاء الشيوخ مالكية, وللإمام مالك شروط في الإجازة, أحدهما أن يكون المستجيز من أهل العلم ومتسماً بسمته, حتى لا يوضع العلم إلا عند أهله, وكان مالك يكره الإجازة لمن ليس من أهل العلم ولا ممن خدمه وقاسى صنعته" ([12]).

أما شيوخه فقد عدّهم ابن عطية في فهرسه ثلاثين شيخاً منهم:

1- والده الفقيه القاضي أبو بكر غالب بن عطية (518هـ), قال عنه ابنه: "قرأت عليه -رحمه الله - غير مرّة كتاب الموطأ, للإمام مالك, وكتاب الجامع الصحيح المختصر للإمام البخاري"([13])، وقد ذكر فيه سنده إلى الإمام البخاري, كما قرأ عليه كثيراً من المصنفات الأخرى([14]).

ومما ذكره ابن عطية في الفهرس ما يدل على أنه أخذ عن أبيه سماعاً وإجازة، كتاب: مختصر كتاب الطبري الكبير لأبي عبد الله محمد بن أحمد النحوي.

2- الفقيه الإمام أبو علي بن محمد بن أحمد الغساني(498هـ): ذكر ابن عطية أصل شيخه، وجزءاً من حياته ومولده ووفاته, ثم ذكر أنه قرأ عليه موطأ الإمام مالك, ومصنف أبي داوود السجستاني في التاريخ ([15]).

3- الشيخ الجليل أبو محمد عبد العزيز بن عبد الوهاب بن أبي غالب(495هـ): مدحه بقدم سماعه وقراءته على العلماء, وذكر أنه قرأ عليه البخاري, والتمهيد للباقلاني الأشعري مسنداً([16]).

4- الشيخ الجليل أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصقلي(518هـ) : ذكر أنه حدثه بكتاب التبصرة للشيخ أبي الحسن اللخمي , إجازة منه له([17]).

وأكتفى بذكر هؤلاء من شيوخه، ممن ذكر أن له منهم إجازة أو قراءة أو سماعاً وللاستزادة يراجع كتابه الفهرس.

أما تلاميذه فقد ذكر محقق كتاب الفهرس عدداً من تلاميذ ابن عطية([18])، منهم: ابنه حمزة، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الأندلسي المعروف بابن حبيش(584هـ), وهو ممن روى عن ابن عطية تفسيره([19]), ومنهم محمد بن أحمد بن عبد الملك المرسي(599هـ)، الإمام صاحب كتاب نتائج الأفكار ومناهج النظار في معاني الآثار, وهو من العارفين بأحكام المذهب المالكي، والفيلسوف المشهور ابن طفيل(581هـ)، صاحب قصة حي بن يقظان([20]). وفي هذا إشارة إلى فضل هذا العالم الجليل الذي تتلمذ على يديه الفقيه والمتكلم والفيلسوف.

Page 8

ثانياً: آثاره العلمية

ترك ابن عطية أثرين علميين فيما وصل الينا؛ أحدهما (فهرسه) الذي تحدث فيه عن شيوخه, والثاني: هو تفسيره الشهير (بالمحرر الوجيز). ويبدو أن له آثاراً أخرى غير هذين الكتابين، ولكن لم يصل الينا منها شيء إلى الآن. ودليل ذلك أن القضاعي صاحب كتاب التكملة، وكتاب المعجم، قال عند ترجمته لأبي محمد الرشاطي (وهو محمد بن عبد الله بن علي محدث بلاد الأندلس، وصاحب كتب الأنساب): "..وله كتاب إظهار فساد الاعتقاد ببيان سمو الانتقاد رد فيه على أبي محمد عبد الحق بن عطية، وانتصر لنفسه لما تعقب عليه مواضع من كتابه الكبير في النسب"([21]). وهذا النص يدل على أن للقاضي ابن عطية كتاب كبير في التفسير، ولم يظهر إلى الآن.

والذي يظهر أن انشغال ابن عطية بالجهاد تارة، وذلك أنه عاش في دولة المرابطين التي كثر فيها جهاد أعداء الله الصليبين، وقد شارك في أكثر من معركة منها([22]), وبالقضاء تارة أخرى, ثم تفرغه لتفسيره العظيم, كان سبباً مانعاًً من كثرة آثاره العلمية، لانشغاله به أكثر وقته.

والحقيقة أن تفسيره يكفي أن يكون أثراً علمياً له، أفاد منه وما زال يفيد منه كل من جاء بعده من أمثال الأئمة القرطبي والثعالبي، وابن عاشور، وغيرهم.

وللحديث عن تفسيره لا بد من الإشارة إلى ما يأتي:

1- كان تفسير ابن عطية الذي وسمه بالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز, زاخراً بالعلوم الشرعية، والاعتقادية واللغوية, ولذا وجد اهتماماً كبيراً من الباحثين.

2- وقد كان هذا التفسير العظيم نبراساً في حياة ابن عطية، وذكراً حسناً له بعد وفاته بما وفقه الله تعالى فيه من جليل العبر, وغزارة الفكر.

3- كما اختار ابن عطية علم الكتاب لأسباب يحدث عنها في مقدمة تفسيره فيقول:
"فلما أردت أن أختار لنفسي, وانظر في علم أعِدّ أنواره لظلم رمسي, سبرتها بالتنويع والتقسيم([23]), وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم, فوجدت أمتنها حبالاً, وأرسخها جبالاً, وأجملها آثاراً, وأسطعها أنواراً: علم كتاب الله جلّت قدرته, وتقدست أسماؤه" ([24]).

4- نهج ابن عطية في تفسير كتاب الله عز وجل منهجاً ذكره في تفسيره بقوله: "وقصدت أن يكون جامعاً وجيزاً, لا أذكر من القصص إلا ما تنفك الآية إلا به, وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم على ما تلقى السلف الصالح رضوان الله عليهم كتاب الله تعالى من مقاصد العربية السليمة من إلحاد أهل القول بالرموز, وأهل القول بعلم الباطن وغيرهم, فمتى وقع لأحد من العلماء الذين حازوا حسن الظن بهم لفظ ينحو إلى شيء من أغراض الملحدين نبهت إليه وسردت التفسير في هذا التعليق بحسب رتبة ألفاظ الآية: من حكم, أو نحو, أو لغة, أو معنى, أو قراءة, وقصدت تتبع الألفاظ حتى لا يقع طفر كما في كثير من كتب التفسير(...) وقصدت ايراد جميع القراءات مستعملها وشاذها، واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الالفاظ، كل ذلك بحسب جهدي، وما انتهى إليه علمي، وعلى غاية الإيجاز وحذف فضول القول" ([25]).

5- وصف تفسيره: بدأ ابن عطية تفسيره بمقدمة، بين فيها شرف دراسة علم الكتاب, ثم بيّن خطته أو منهجه بإجمال في تفسيره, وعرض بعد ذلك للحديث عن ما ورد عن النبي r وعن الصحابة, ونبهاء العلماء رضي الله عنهم في فضل القرآن المجيد وصورة الاعتصام به.

ثم عقد باباً في فضل تفسير القرآن, والكلام على لغته والنظر في إعرابه ورقائق معانيه, ذاكراً الأدلة على ضرورة تعلم آيات القرآن الكريم، ومعرفة أسباب نزولها وما يتعلق بها. ثم عقد باباً فيما قيل في الكلام في التفسير والجرأة عليه، ومراتب المفسرين، وذكر فيه أهمية التفسير، منوها على فضل الإمام الطبري في جمع أشتات التفسير.

ثم بين رحمه الله معنى قول النبي : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه"([26])، ذاكراً أقوال العلماء في المقصود بهذا الحديث، ورجح أن يكون المقصود به "أن القرآن أنزل على سبع لغات لسبع قبائل انبث فيه من كل لغة منها، وهو بهذا يؤيد ما ذهب إليه القاضي الباقلاني في أخر أقواله: "إن ما صح وترتب من جهة اختلاف لغات العرب الذين أنزل القرآن بلسانهم، وهو اختلاف ليس بشديد التباين. ....والشرط الذي يصح به هذا القول هو أن تروى عن النبي " ([27]).

ثم ذكر رحمه الله باباً في ذكر جمع القرآن، وشكله ونقطه، وتحزيبه وتعشيره، وتحدث فيه عن أن القرآن كان مفرقاً، وكيف جمع ثم نسخ، والتاريخ في ذلك.

ثم ذكر باباً في ذكر الألفاظ التي في كتاب الله وللغات العجم بها تعلق، وذكر اختلاف الناس في هذه المسألة فقال: "قال أبو عبيدة: إن في كتاب الله تعالى من كل لغة، وذهب الطبري وغيره إلى أن القرآن ليس منه لفظة إلا وهي عربية صريحة"([28])، ورأي ابن عطية في هذا، أن القرآن الكريم نزل بلغة عربية، فليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب فلا تفهمها إلا من لسان آخر، وأما الألفاظ التي يقال بعجمتها فهي مما دخل اللغة العربية واستعمتله العرب أشعارها ومحاوراتها، فهي ألفاظ معربة، وهي بهذا عربية([29]).

ثم تحدث رحمه الله عن إعجاز القرآن الكريم، والألفاظ التي فيها إيجاز، ومعنى القرآن والسورة والآية، وتفسير الاستعاذة والتسمية، ثم الشروع في تفسير سور القرآن الكريم بحسب ترتيب المصحف.

6- القيمة العلمية لتفسيره: لقد برزت القيمة العلمية لتفسير ابن عطية من خلال حديث العلماء الذين جاءوا بعده، والذين وصفوه بأروع الأوصاف، وأجمع العبارات، ومن ذلك؛ ما يقوله صاحب بغية الملتمس، وهو ممن عاش في نهاية القرن السادس الهجري :"ألف ابن عطية في التفسير كتابا ضخما أربى فيه على كل متقدم"([30]). وقد أثنى على هذا الكتاب كل من ترجم لابن عطية، ومن المفسرين من سلك دربه وتأثر به، بل ونقل عنه كثيرا ًمن آرائه سواء أحال أم لم يحل، ومن هؤلاء الإمام القرطبي، الذي كان كثيراً ما يستشهد بآراء ابن عطية، وبما يزيد عن ثماني مائة مرة، منها على سبيل المثال قوله عند تفسير قول الله تعالى" فالله يحكم بينكم يوم القيامة" قال:" قال ابن عطية: بهذا قال جميع أهل التأويل"([31]) والإمام أبو حيان الأندلسي، الذي زاد استشهاده بآراء ابن عطية أكثر من ألف مرة، منها قوله:" قال ابن عطية: يحتمل أن يكون المرصاد في الآية اسم فاعل كأنه قال لبالمرصاد فعبر ببناء المبالغة"([32])، والثعالبي الذي اختصر تفسير ابن عطية في جزئين هما تفسيره المعروف بالجواهر الحسان، وغيرهم.

ومن المعاصرين من تأثر بابن عطية، مثل ابن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير والذي كثيراً ما نسب من الآراء لابن عطية.

وقد وصف ابن خلدون في مقدمته تفسير المحرر بقوله: "وهو تفسير مختصر للتفاسير بالمنقول، ملخص لها، مع العناية الفائقة في التحقيق والتمحيص والتحري بما هو أقرب للصحة والصواب، حسن المنحى"([33]).

ولعظمة هذا التفسير فقد ذكره ابن تيمية مادحاً له، مع أن ابن تيمية أتهم ابن عطية بالقرب إلى أصول المعتزلة، ولكن مع ذلك قال "وتفسير ابن عطية، وأمثاله.

أتبع للسنة والجماعة، وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري"([34]).

وفي نفح الطيب: "ولأبي محمد بن عطية الغرناطي في تفسير القرآن، الكتاب الذي أشتهر، وطار في الغرب والشرق، وصاحبه من فضلاء المائة السادسة" ([35]).

7- ميزات تفسيره: يتميز تفسير ابن عطية فيما يأتي:

1- الأمانة العلمية في نسب الأقوال لأصاحبها.

2- اهتمامه بالقراءات القرآنية في توجيه التفسير.

جـ- محاولته جمع الآراء المتناقضة، ودفع التعارض بينها، وبالتالي تصحيح الآراء المختلفة وفق وجهات النظر، وبدون أن يخل ذلك بالنص القرآني.

4- عدم ذكره للقصص غير الصحيح، والتنبيه على الإسرائيليات غالباَ، وإذا ذكر شيئا َمن القصص غير الثابت، فإنه مقل في ذلك، ويعلل ذكره بأنه جاء بما تنفك به الآية فقط.

هـ- إذا رجح قولاً من الأقوال فإنه يذكر الأدلة عليه.

6- في معظم تفسيره كان -رحمه الله- يبين المواضع التي فيها اعتزال تنبيها ًعليها، وكان في معظمها راداَ على أفكارها، مرجحاًَ لمذهب أهل السنة.

7- يسند بعض أقواله خصوصاَ ما نقله عن أبيه.

حـ- يهتم كثيراَ بالمسائل العقدية، وبذكر الآراء فيها. ويوجهها مستدلا َعلى الصحيح، راداً غير الصحيح منها.

وهذا المنهج أعطى قيمة علمية لتفسيره، ساعدني في دراسة موضوعي.

ولكل ما سبق بيانه تظهر القيمة الحقيقة لتفسير ابن عطية.

8- منهجه العام في تفسيره: ذكر فايد أن تفسير ابن عطية يقوم على أسس ثمانية هي:

أولاً: جمعه في تفسيره بين المأثور والرأي([36])، ولهذا إذا ما ذكرت التفاسير التي تجمع بين المأثور والرأي عدَّ تفسير ابن عطية منها، وقد ذكر الفايد أمثلة من تفسير ابن عطية بين فيها كيف استخدم ابن عطية ثقافته الحديثية في شرح الآيات القرآنية، ومن ذلك ذكره لحديث رؤية الله تعالى عند تفسيره لآيات الرؤية([37]). وعن تفسيره بالرأي ذكر الفايد أيضاً أن ابن عطية كان يحاول التوفيق بين الآراء المختلفة في المسألة الواحدة، وسيأتي كثير من هذا في هذه الأطروحة في موضعه.

ثانياً: اتجاهه إلى اللغة والنحو([38])، وقد أكثر من ذلك حتى أنه كتب فيه رسالة دكتوراه في القضايا اللغوية في تفسيره.

ثالثاً: نظرته الصادقة في توجيه القراءات([39]): سواء أكانت هذه القرآءات مستعملة أم شاذة، إلا أن ابن عطية- كما يرى الفايد - قد التزم بالقواعد اللازمة التي وضعها علماء الأمة باعتبار القراءة مقبولة، وهي: "أن توافق القراءة العربية بوجه، وأن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وأن يصح إسنادها"([40]).

رابعاً: مسلكه في عرض الأحكام الفقهية([41]): وقد امتاز ابن عطية بترجيح آراء المالكية، وهذا أمر ليس بالغريب، فدولة المرابطين في المغرب كانت تمتاز بالمذهبية لمالك رحمه الله.

خامساً: حيطته في الأخذ بالإسرائيليات([42])، حيث كان رحمه الله يحرص على عدم ذكر أي من القصص التي يشكك فيها أو لا تصح عنده لسبب من الأسباب، وفي متن هذه الأطروحة سيظهر ذلك.

سادساً: محاربته للتفسير الرمزي والقول بالباطن([43])، حيث رفض كثيراً من التأويلات لآيات في القران الكريم .

سابعاً: رأيه في إعجاز القرآن الكريم([44]): ذكر الفايد أن ابن عطية يرى أن إعجاز القران هو فقط الإعجاز البياني، وأنه رفض ما يسمى بالإعجاز الغيبي([45])، والحق أن ما ذهب إليه الفايد في هذه المسألة ليس دقيقاً، فابن عطية اعتبر أن إعجاز القرآن هو بوجهين: بياني، وغيبي، وستوضح هذه المسألة والرد على الفايد في موضعها في هذه الأطروحة عند الحديث عن أوجه إعجاز القرآن عند ابن عطية.

ثامناً: إقلاله من الأسرار البيانية في تفسيره، وقد بين الفايد أن السبب في ذلك هو أن المغاربة لم يهتموا بعلوم البيان، وذكر سبباً آخر هو أن ابن عطية ضيق دائرة المجاز في القرآن الكريم، وقد ضرب الفايد على ذلك مثلاُ تفسير ابن عطية للميزان على أنه الميزان الحقيقي، وليس العدل. والحق أنه وبعد استقراء تفسير ابن عطية فإنه يكثر من المجاز، وهذا سيظهر إبّان بيان آرائه العقدية، ولا يعدو المثال الذي ذكره الفايد عن أن ابن عطية ذهب مذهب أهل السنة في أن الميزان هو على الحقيقة.

9- شبهات على تفسير ابن عطية: اتهم بعض العلماء ابن عطية، بالاعتزال أو القرب من الاعتزال، ولم يوفق من اتهم ابن عطية بالاعتزال من جانبين:

- الجانب الأول: أنه أتهمه من غير أن يطلع على تفسيره.

- الجانب الثاني: أنه اتهمه ولم يفهم مقصده من الكلام في المسألة التي اتهمه بها.

ومن المتهمين لابن عطية، ابن حجر الهيتمي(بالتاء)، فقد سئل عن تفسير ابن عطية هل فيه اعتزال؟ فكان جوابه: "نعم , فيه شيء كثير, ونقل قولاً نسبه لابن عرفة المالكي: يخشى على المبتدئ منه أكثر ما يخاف من كشاف الزمخشري؛ لأن الزمخشري لما علمت الناس منه أنه مبتدع, تخوّفوا منه, واشتهر أمره بين الناس بما فيه منه الاعتزال, ومخالفة الصواب, وأكثروا من تبديعه وتضليله, وتقبيحه وتجهيله, وابن عطية سني, لكن لا يزال يدخل من كلام بعض المعتزلة ما هو من اعتزاله في التفسير ثم يقرّه ولا ينبه عليه, ويعتقد أنه من أهل السنة, وأن ما ذكره من مذهبهم الجاري على أصولهم, وليس الأمر كذلك, فكان ضرر تفسير ابن عطية أشدّ وأعظم على الناس من ضرر الكشاف"([46]).

والظاهر من كلام الهيتمي اتهام ابن عطية ليس بالاعتزال فقط, بل إنه يدس نصوصاً اعتزالية حتى لا يشعر الناس بها ويظنون أنها من كلام أهل السنة!

ولا أدري هل قرأ ابن حجر الهيتمي تفسير ابن عطية أم أنه اعتمد على قول ابن عرفة فقط ؟بدليل أنه لم يأت بمثال واحد من تفسير ابن عطية يدل على ما ذهب إليه! ولأن القارئ لتفسير ابن عطية يجده على عكس ما قاله الهيتمي؛ حيث يجد شدّته على المعتزلة , ونبذه لآرائهم, بل ورفضه لأقوال بعض أهل السنة ممن يشتبه أن يكون في قوله شبهة اعتزال, وفي تفسيره للآيات المتعلقة بالعقيدة أمثلة كثيرة على رفض هذه التهمة.

وقد نسب إلى الإمام ابن تيمية أنه يتهم ابن عطية بالاعتزال، ولم أجد في نص ابن تيمية ما يشير إلى هذا الاتهام، ونصه في كتابه: مقدمة في أصول التفسير،: "تفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة، وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجه، لكان أحسن وأجمل فإنه كثيراَ ما ينقل من تفسير الطبري، وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدراَ، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كان أقرب إلى السنة من المعتزلة"([47]). بل ان ابن تيمية يؤكد في نصه هذا على أن ابن عطية أقرب إلى السنة منه إلى المعتزلة. ولكن قد يؤخذ على شيخ الاسلام رحمه الله أنه يأخذ على ابن عطية أنه يترك قول السلف، ويأخذ ما شابه قواعد المعتزلة في تحقيق أصولهم، وهو هنا يشير إلى الأشاعرة الذين قرروا أصولهم وفق قواعد كلامية.

وهذا مما لا يعاب على ابن عطية؛ لأنه حدد وجهة نظره في مسائل الاعتقاد وفق مدرسة ارتضاها ومنهج سار عليه. وكما أنه يحق لابن تيمية رحمه الله أن يأخذ بما شاء فإن لابن عطية ذلك أيضاً. علماً أن ابن عطية لم يترك قضية نقلها من أحد من العلماء فيها شبهة اعتزال، وليس الاعتزال واضحاً، إلا أشار ونبّه إليها, وكثيراً ما نرى في تفسيره عبارة: "وفي هذا نزعة اعتزال", بل إنه كثيراً ما رد على المعتزلة, كما سيتضح في موضعه.

وقد قام الفايد في رسالته بعقد فصل في الرد على الشبهات الواردة على اتهام ابن عطية بالاعتزال ورد عليها، علماً أن الفايد لم يطلع على كل تفسير ابن عطية كما يصرح هو بذلك([48])، وبالتالي فإنه يوجد أمثلة أخرى في رد ابن عطية على آراء المعتزلة، وسأقوم بذكرها وبيانها كل واحدة في موضعها.

Page 9

ثالثاً: مكانته

كان ابن عطية رحمه الله صاحب مكانة علمية كبيرة, حيث كان له أدوار متعددة في حياته ذكرها عنه المحققون([49]). ألخصها فيما يأتي :

1- كان ابن عطية مجاهداً في سبيل الله تعالى , جاهد أعداء الله الفرنجة مع ملوك المرابطين في الأندلس.

2- وكان رحمه الله مجاهداً في سبيل الله بنشر الحق، والرد على أهل الزيغ والبدع, وبيان ضلالتهم.

3- وكان رحمه الله قاضياً , تولى قضاء المريّة ([50]).

4- وكان حريصاً على تلقي العلوم الشرعية واللغوية, وحمل الإجازات والالتقاء بالعلماء.

5- كما كان صاحب علم وفضل, وصف بأنه: فتي العمر, كهل العلماء, حديث السن, قديم السنا, لبس الجلالة برداّ ضافياً, وورد الماء صافياً, وأوضح الفصل وسماً عافياً, سما إلى رتب الكهول صغيراً, وسن كتبة ذهنه على العلوم مغيراً, فبناها معنى وفضل وحواها فرعاً وأصلاً, وله أدب يسيل رضرضاً, ويستحيل ألفاظاً مبتدعة وأغراضاً([51]). قال عنه السيوطي: "كان يتوقد ذكاء, وكان فاضلاً من بيت علم وجلالة, غاية في توقد الذهن, وحسن الفهم, وجلالة التصرف" ([52]).

ومن أهم ما أظهر مكانة ابن عطية اهتمام العلماء والباحثين بما كتب , وتأثرهم به.

وقد ذكر الفايد في رسالته فصلاً كاملاً عن تأثر المفسرين المغربة بتفسير ابن عطية منهجاً وموضوعاً([53])؛ حيث بين أن القرطبي تأثر بابن عطية من الناحية المنهجية، ومن ناحية كثرة نقل النصوص عنه سواء أنسب أم لم ينسب([54])، كما ذكر أن صاحب البحر المحيط قد تأثر أيضاً بابن عطية في المنهج والموضوع، كما كان ناقلاً بكثرة عن ابن عطية مع التزام النسبة، وبين أنه تعقب على بعض آراء ابن عطية، وأنه لم يكن موضوعيا في كل تعقباته بل جانب الصواب في بعضها([55]).

وذكر الفايد أن الثعالبي وضع مختصراً لتفسير ابن عطية هو الجواهر الحسان في تفسير القرآن، حيث اختصر تفسير ابن عطية بذكر آرائه، وحذف كثير من الأراء النحوية والقصص، كما قام الثعالبي بترجيح أو تضعييف بعض آراء ابن عطية دون تعقيب عليها([56]).

وكل ما سبق يعطي دلالة على عظيم صنيع ابن عطية في تفسيره للقرآن الكريم، وأهمية تفسيره للعلم والعلماء، فهذه العناية، وهذا النقل، والاختصار، والتعقب، إن دل على شيء فإنما يدل على مكانة ابن عطية العلمية وتفسيره.

رابعاً: مصادره في مسائل العقائد

تُعرف مصادر ابن عطية في جميع المسائل العقدية الواردة في تفسيره بما ينسبه من أراء لأصحاب المدارس العقدية, ومن ثمّ تأييد هذه الأقوال, أو بذكر رأيه العقدي والاستدلال على صحته بذكر آراء أصحاب هذه الأقوال, وهو على الأول أكثر.

وقد استخدم ابن عطية كثيراً من المصادر العقدية مما قرأه, أو سمعه, أو تناوله, أو أجيز فيه من والده ومشايخه من كتب علماء أهل السنة, وقد ذكر هذا في فهرسه. والمستقرئ لمسائل العقيدة عند ابن عطية يرى أن من مصادره في العقيدة كتب الإمام الأشعري، والإمام الباقلاني، والإمام الجويني، كما أنه أخذ من بعض مصادر الماتريدية. ومن الأمثلة على ذلك:

1- كتب الإمام الأشعري, ومثاله ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى:(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)([57]) قال ابن عطية: "فقال أبو الحسن الأشعري وجماعة المتكلمين, تكليف ما لا يطاق جائز"([58])، وقد ذكر هذا المثال الفايد في رسالته، وآدم في رسالتها([59]). ومن الأمثلة أيضاً ما ذكره ابن عطية: بأن الله تعالى لا يجوز أن يُسمى بغير ما سمّى به نفسه حتى لو كان هذا الاسم يقتضي مدحاً خالصاً. قال ابن عطية عند ذكر هذا المثال:" قاله أبو الحسن الأشعري"([60]).

2- كتب الإمام الباقلاني, وهو ما كان يذكره في تفسيره أحياناً باسم القاضي الباقلاني, أو القاضي ابن الباقلاني, أو القاضي فقط أو القاضي ابن الطيّب, وفي البحث أمثلة كثيرة تغني عن ذكرها هنا. ومن هذه الكتب كتاب التمهيد، وكتاب الأنصاف.

3- كتب الإمام أبي المعالي الجويني, وكثيراً ما كان يستخدمها ابن عطية، حيث زاد ما أخذه ابن عطية من الجويني من آراء ذكر فيها نصاً أنها من قول الجويني ما يزيد على خمس وأربعين مرة.

ومن كتب الجويني التي أفاد منها: كتاب الإرشاد, والشامل, والتلخيص.

هذه المصادر ذكرها أيضاً الفايد في رسالته، إلا أنه غفل عن ذكر غيرها من المصادر التي حدثنا عنها ابن عطية ذاته في تفسيره ومنها:

4- كتاب الاقتصاد للإمام الغزالي, ولم يذكره كثيراً.

5- ذكر ابن عطية كتاب التوحيد للإمام أبي منصور الماتريدي, ذاكراً رأياً له هو قوله: "قال أبو منصور في عقيدته: الرزق ما وقع الاغتذاء به"([61]).

ولا يعني هذا أن ابن عطية لم يكن له آراء مستقلة في بعض المسائل العقدية، فهو أحياناً يبين وجهة نظره بعد أن يعرض آراء العلماء، وهذا يدل على سعة علمه واتقاد ذهنه.

6- والملاحظ أن ابن عطية لم يذكر في مصادره رسالة أبن أبي زيد القيرواني، ولا أشار لها، وهي رسالة شاملة جاء فيها بعض المسائل العقدية، ولابن عطية أراء توافق ما جاء في الرسالة كما في مسائل الصفات ومسألة القضاء والقدر.

وتأثر ابن عطية بهذه المصادر يتضح عند استقراء المسائل العقدية في تفسيره، حيث يظهر تأثره وإفادته منها، كما يظهر مدى علمه وفطنته في فهم هذه النصوص، ومن ثم تأييدها أو معارضتها. ومن الأمثلة على ذلك ذكره لبعض آراء الباقلاني في الصفات، ثم التعقيب عليه بقوله:" وقول الباقلاني مرغوب عنه"([62]).

Page 10

خامساً : آثاره الأدبية

لابن عطية مجموعة من الآثار الأدبية في عدد من صنوف الأدب, منها:

1- الشعر: وقد ذُكر له أبيات من الشعر في أكثر من مناسبة فيما ذكره المغربي في كتابه المغرب:

وكنت أظن أن جبال رضوى

تزول وأن ودك لا يزول

ولكن الزمــان له انقلاب

وأحوال لابن آدم تستحيل

فإن يك بيننا وصل جميـل

وإلا فليكن هجري جميل([63])

وفي القلائد لابن خاقان قصيدة مطلعها

ونحو أمير المؤمنين تطامـحت

نواظر آمال وأيدي رغائب

وهي قصـيدة طويلة ([64]).

ونسب ابن خاقان له الرسائل البديعة: وهي عبارة عن مسائل سمعية, بالنثر لا بالشعر, وفيها أنواع متعددة, منها ما يكون للمدح، أو الرثاء أو غيره ([65]).