eKtab
EN ع
مشاهدات في السينما العالمية
Read free sample

مشاهدات في السينما العالمية

by جاسم محمد المطير

Page 1

مقدمة

ربما يبدو للوهلة الأولى أن العلاقة بين مدينة العمارة والمهرجانات السينمائية هي علاقة كلامية ليس غير، فقد علمتنا السياسة أن العمارة هي مدينة الفقراء البائسين بينما المهرجانات السينمائية تقترن بالمظهر البورجوازي الترفيهي. وشتان ما بين منفعة الفقراء من السينما ومنفعة السينمائيين من مدينة فقيرة.

غير أن بعض أيام العام 2008 قدمت مواقف خاصة وأوضاع خاصة في هذه المدينة عن طريق فعاليات مهرجان الهُرّبان السينمائي الدولي الأول الذي قدم على أرض ميسان معطياً للعالم كله فكرة جديدة عن الاستقرار الأمني والسياسي في جزء كبير من بلاد الرافدين، مثلما عبّر عن إمكانية صيرورة مدينة العمارة في الطليعة، بإقامة علاقة مشتركة مباشرة مع الفن السابع. هذه الإمكانية هيأت شكلاً خاصاً لمهرجان دولي سينمائي يقدم للمشاهدين والدارسين ممارسات تؤيد سيادة الإنسان العراقي على هذا الفن أيضاً.

هناك في مدينة العمارة أقام بعض الشبان مهرجاناً فنياً حمل لأول مرة علماً عراقياً ليؤكد أن سابع الفنون ما زال قادراً على إشباع بعض جوانب حاجات المجتمع العراقي من خلال عرض 72 فيلماً سينمائياً مأخوذاً جلّها من تجارب فنية متنوعة لمواطنين هدفهم الأول والأخير تنظيم العلاقة بين الإنسان والفن، بين الإنسان والمجتمع، بين الإنسان والدولة. وقد ساهم مهرجان الهُرّبان السينمائي الأول في تقديم أنسكلوبيديا سينمائية هي بالتمام والكمال التعبير الضروري عن حب مثقفي وفناني وسكان مدينة العمارة للفن السينمائي، كما استطاع الفنانون العماراتيون والعراقيون جميعاً أن يأخذوا من المهرجان كثيراً من اشتقاقاته، في مقدمة ذلك العناية الحالية بتطوير مظهر ونظام الدورة الثانية لهذا المهرجان، التي تقرر أن تقام في كانون الثاني/يناير عام 2010. هذه العناية تشير بوضوح تام إلى أن رجال المهرجان القاص محمد رشيد، المخرج فيصل الياسري، المخرج فاضل خليل، الكاتب ناظم السعود، السيد حيدر حسين (أبو سعد) صاحب المكتبة العصرية، الكاتب سعد حيدر، القاص تحسين عبد الرضا، الأستاذ سعدي وهيب صيهود، الفنان جميل جبار، الإعلامية سندريلا الشكرجي، المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان، الأستاذ نجم الأميري والمبدعة شيرين الرماحي يساهمون بكل تأكيد وبمختلف الوسائل من أجل أن تصبح الدورة الثانية أكبر مكانة في النشاط السينمائي العراقي، وأكثر دلالة على عزيمة الفنانين السينمائيين، للنهوض بقوة وبجرأة بمستوى الفن السينمائي، الذي ما عاد تابعاً للدولة، كما كان في العهود السابقة، حيث تبددت الأموال والجهود وسادت البيروقراطية فأوقفت السينما عن التقدم الحقيقي، مما جعل المهمة ملقاة على عاتق السينمائيين العراقيين أنفسهم. عليهم، الآن، أن يواكبوا مسالك السينمائيين في المجتمعات الإنسانية المتطورة، وأن يستوعبوا علاقاتها المتبادلة مع العالم الذي ما زال متخلفاً. إن الضرورة الملحة في هذه الظروف تنحصر في مظاهر سلوك السينمائيين العراقيين خصوصاً من الشباب المتعلقين بعلوم وفنون السينما متشبعين بالحاجة التجريبية للجيل السينمائي الأسبق. بمعنى أوضح وأكثر مباشرة هو تحويل مهرجان الهُرّبان السينمائي الدولي إلى تيار فني خلاق قادر على مضاعفة الجهود الإنسانية، وتجميعها في بوتقة واحدة، لتكون قادرة على توليد مرحلة سينمائية عراقية جديدة، متطورة، بعيدة عن الخضوع لنفوذ الدولة والتطبع بطابع بعض دوائرها ومؤسساتها.

مدينة العمارة اليوم صارت رائدة.

صارت أماً لمهرجان سينمائي.

صارت تتمتع بشخصية فنية متميزة بالمعرفة والعمل والخلق.

دعتني اللجنة المسؤولة عن الدورة الثانية لكي أكون واحداً من جالية مهرجان الهُرّبان السينمائي وإذ كان لساني عاجزاً عن الامتنان والشكر فإنني آسف أشد الأسف لأنني لا أستطيع المشاركة في هذا الشرف الكبير تحت تأثير وضعي الصحي المتراكم في صعوبته إلى حد لا يسمح لي بمعايشة إنجازات هذا المهرجان الكبير، إلّا عن بعد، ببزوغ فكرة إصدار كتاب سينمائي بسيط يتضمن رؤيتي لعدد من الأفلام السينمائية العالمية المتعددة الجنسية، أملاً أن يكون هذا الكتاب حاملاً حسنة خاصة من قبلي كي تضاف إلى حسنات عامة في خضم مهرجان الهُرّبان السينمائي الثاني، الذي أثق أنه سيقدم باقة غنّاء من الأفلام الجديدة، مثلما أنا واثق بأن رعاية اللجنة المسؤولة ستُغِذُّ السير في خطى السينمائيين العراقيين كي ترتبط روح الفن السينمائي بالشعور الاجتماعي لأبناء شعبنا العراقي كلهم.

جاسم المطيربصرة/لاهاي في 27/5/2009
Page 2
أحلام محمد الدراجي..

حاز فيلم «أحلام» الجائزة الأولى في فئة الأفلام الطويلة في مهرجان الخليج السينمائي، للمخرج العراقي محمد الدراجي. أسعدني الخبر وأفرحني. لا شك أنه أسعد وأفرح كل العراقيين وفي مقدمتهم الفنانون السينمائيون.

لكن، وكما هي طبيعة الشر والأشرار، فإن العديد من «الفنانين» العرب لا يريدون للفنانين العراقيين وللسينمائيين العراقيين أن يسعدوا أو يفرحوا. ظهر واضحاً على منصة المهرجان وأروقته مع الأسف الشديد بعض السينمائيين «العرب» حاملين في جعبتهم الهجومية على «أحلام» العراق التي جسدها سينمائياً إبداع المخرج السينمائي محمد الدراجي في فيلمه الذي نال الجائزة الأولى التي يستحقها. لم يحمل هجومهم تحليلاً فنياً ولا محاولة التعرف على مدى قدرات وسيطرة هذا الفنان السينمائي العراقي ولا على وسيلته الإبداعية، بل عبّروا في هجومهم الضعيف عن دفاع متجمع على نفسه للتعبير عن أرثوذوكسية فنية، وثنية، رحلت في العراق مع رحيل نظام صدام حسين صاحب النظرية الطغيانية في السياسة والحروب والآداب والفنون كلها بما فيها فن السينما..

لقد حرص فريق عمل الفيلم السينمائي العراقي الطويل «أحلام» على دعوة أكبر عدد ممكن من المخرجين والإعلاميين والحضور، لمشاهدة الفيلم الذي عرض عند العاشرة من مساء يوم 17/4/2008 في سينما سيني ستار بمول الإمارات. النتيجة كانت جمهوراً يكاد يكون الأكبر بين المشاهدات المتواصلة للأفلام المعروضة في المهرجان، لا سيما وأن القائمين على الفيلم اجتهدوا في طباعة ملصقات وتثبيتها في مختلف المواقف، لدعوة الجمهور وتذكيرهم بالفيلم.

ما لم يكن في الحسبان، هو حجم الاختلاف والسجال الذي دار ناقداً الصور واللقطات الواقعية التي عرضها الفيلم، رغم الإقرار والإعجاب الجماعي بالتقنيات والفنيات السينمائية حيث شهد الجميع بتنوع أفكار المخرج محمد الدراجي.

لكن بمجرد أن أسدلت ستارة النهاية على الفيلم انهال عدد من المخرجين العرب بنقد طغياني على فريق العمل في فيلم «أحلام» الذي أظهر كثيراً من اللقطات السياسية الناقمة على نظام صدام حسين. راح البعض يلوم مخرج الفيلم وممثله في المهرجان والبطل الرئيسي، لكونهم أسهبوا في التنقيب عن بربرية الدكتاتور صدام حسين وأتباعه في لقطات تصويرية عاطفية مجردة من الإنسانية، دونما إظهار سلبية الدور الأميركي في العراق. كأن هؤلاء اتفقوا على أن يحرموا الفنان العراقي حتى من «أحلامه» في السينما..!

أحد المخرجين العراقيين استوقف المتحاورين من «الإخوة الأعداء» داعياً إياهم للخروج من «دائرة» السياسة والتعامل مع الفيلم من «زاوية» السينما، لكنه لم يتمكن حينما أصر البعض على انتقاد الرسائل التي حملها الفيلم، فاضطر ذلك المخرج لمغادرة قاعة العرض رافعاً صوته اعتراضاً على طبيعة النقاش الدائر..!

لقد تخبط المنتقدون وهم لا يدركون حقيقة المرض الذي تركه صدام حسين في الجسد العراقي طوال 35 عاماً لا عدالة فيه ولا قيمة إنسانية.

بعضهم قال كلاماً فيه التعدي الواضح على تاريخ نضال الشعب العراقي ضد الدكتاتورية.

وبعضهم قال كلاماً فيه غرائز وشهوات صدام حسين وشروره.

آخرون قالوا ظنوناً هشة وسطحية وعابرة عن نظام هلك يريدون إبقاءه حياً من خلال الفن السينمائي وهو الفن الأكثر صعوبة والأكثر قدرة على المساهمة في إلهام الناس وتنويرهم. أولئك وأمثالهم من مدّاحي نظام صدام حسين أرادوا قتل موهبة المنهج السينمائي التوليدي الذي تحقق في فيلم «أحلام» ومخرجه محمد الدراجي، وقد برهنوا عن كفاءتهم السينمائية وجهلهم السياسي وقد حشروا أنفسهم حشراً أنانياً، دون مراعاة، ولامبالاة، داخل اللوحة المظلمة التي رسمها صدام في الحياة العامة لسكان وطن الرافدين العادلين.

ليس لي من قول سوى رسالة أوجهها لأيتام صدام حسين، أن طبيعة الإنسان ليست كطبيعة الحيوان إلّا في جدلية الدكتاتور، وأن الفنان الحق هو الذي يكرس فنه لخير المحكومين للخلاص الأبدي من الحكم الظالم..

وتحية إلى محمد الدراجي مبدع النفحة الجديدة في السينما العراقية.

ومختصر الكلام هو: أن في قلب العراقي الأصيل محمد الدراجي زهرة لن يتمكن الأشرار من أن يخطفوها..!
Page 3
إنغمار برغمان صانع الثريا المضيئة لسينما القرن الحادي والعشرين..

لم يكن من قبيل المجاملة أن يصف بعضهم المخرج السويدي إنغمار برغمان بعد رحيله بأنه من عباقرة السينما، ولم يكن تباعداً عن الواقع حين وصفه بعضهم بأنه شاعر السينما العالمية، ولم يكن مفارقة أن بعضهم وصف سيرته السينمائية الذاتية بأنها مراجعة للفلسفة الإنسانية، أو أنها مراجعة للتاريخ الإنساني في بعض جوانبه، أو أنها ببساطة كانت من المحاولات الفنية الجادة لكشف معاناة الإنسان المعاصر وكشف آماله وطموحاته.

بصورة عامة تناولته الصحف العالمية الكبرى بنوع من التأبين الجدير والمكين بعد رحيله بطريقة لا تتناول قصة حياته الكاملة وحسب، بل أيضاً في استغلال مناسبة الوفاة لإضاءة الحجج الفنية والمنجزات الإبداعية التي أوجدت علاقة راسخة بينه وبين السينما لم تكن علاقة عادية بل كانت قوية إلى درجة أكدها النقاد باعتبارها أصبحت مصدراً من المصادر الأساسية في تطور السينما العالمية في القرن العشرين. حتى أن أحد الكتاب قال: «برحيل المخرج السينمائي السويدي أو الأحرى، فنان السينما الكبير إنغمار برغمان عن عالمنا، يُغلق كتاب كامل في تاريخ الفن السينمائي، بل وفي تاريخ الثقافة والفكر والإبداع..».

سينما برغمان هي سينما الفكر والخيال والفلسفة الإنسانية عندما تتعامل مع وسيط يختلف عن الكلمة المكتوبة، وليس غريباً أن يقال إن برغمان فنان «الكتابة بالضوء». بصورة عامة يمكن القول إن أفلام برغمان لا تشبه غيرها من الأفلام، ليس فقط فيما تعالجه وتطرحه من تأملات فلسفية، بل أساساً في الأسلوب السينمائي المتميز الذي اعتبر بمثابة سباحة كاملة ضد التيار، ضد تيار الفيلم الأميركي، الفيلم الذي يبرر ويمنطق ويشرح العالم ويحل كل المشاكل دفعة واحدة من خلال تلك «النهاية السعيدة» التي يعرفها المشاهدون جميعاً ويسعدون بها.

كثيرون من معاصري برغمان من النقاد السينمائيين والصحفيين أكدوا حقيقة مشتركة مفادها أن برغمان تناول في أفلامه تعقيدات الحياة الإنسانية:

ــــــ مغزى الحياة ومعنى الموت وهل يمكن هزيمته.

ــــــ وجود اللَّه، ورسالة الإنسان، وما يدور تحت الجلد الخارجي للإنسان من تناقضات وتمزقات وتساؤلات عميقة عن الكون والخليقة.

ــــــ قسوة البشر ووجود ظاهرة استغلال الإنسان الأقوى للإنسان الأضعف.

ــــــ المرأة ككائن أكثر حساسية في علاقتها المعقدة بالرجل.

لا شك أن لنشأة برغمان في بلدة نائية (في جزيرة فارو) في السويد، حيث الوحدة والعزلة والوحشة وقسوة العلاقات، مع تمزق العلاقة مبكراً بين والده ووالدته، قد ترك تأثيراً كبيراً على فلسفته ورؤيته وأفكاره كما ظهرت في أفلامه.

لكن لا شك أيضاً أن برغمان، ابن المسرح السويدي وأحد أقطابه الكبار، جاء إلى السينما مسلحاً بهموم وهواجس فكرية عن عالم الرأسمالية المعاصرة «كمفكر سينمائي» يبحث عن إجابات لعشرات الأسئلة الحائرة في داخله.

ولد إنغمار برغمان في 14 حزيران/يونيو 1918، لم يعش حياة صاخبة مثل الكثير من الفنانين وربما صفته الرئيسية في الهدوء والمجاملة والإصغاء إلى «صوت الآخر» قد انتقلت إليه من والده الذي كان قساً. ارتبطت طفولته بالبيانو لكن شبابه ارتبط بالمسرح حينما دخل كلية الآداب كي يدرس تجربة وأفكار أوغست ستدندبرغ إذ كانت هذه الشخصية موضوع أطروحته الجامعية. لم يكن ستدندبرغ كاتباً مسرحياً تقليدياً، بل كان فيلسوفاً وجودياً شغله (الوجود بكليته والعدم بغموضه) مما أدى إلى ظهور هذه الأفكار الرئيسية في مضامين أغلب الأعمال المجيدة من أفلامه فيما بعد.

في البداية، أي بعد تخرجه من الكلية اتجه نحو التأليف المسرحي ثم الإخراج، لكن السينما سرعان ما جذبته إلى ميدانها الواسع الفسيح وإلى جمهور المشاهدين السينمائيين وهو الجمهور الأكبر. ولأنه كان يؤمن بأن السينما كفن وكأداة ثقافية ستكون علامة بارزة من علامات القرن العشرين، بدأ اهتمامه الأساسي بها منذ ثلاثينيات القرن الماضي غير أنه صار ذا شأن سينمائي عام 1944 حين كتب معالجة سينمائية لفيلم «العذاب» ثم راح يخرج بحماس شديد فيلم «أزمة» عام 1946 ثم «إنها تمطر عليَّ حباً» عام 1949، وفيلم «فجر السعادة» عام 1949 وبذلك أصبح متعلقاً بالعالم السينمائي تعلقاً كبيراً وباهراً وكان يبذل الجهود الكبرى والمتواصلة لاستخدام التكنيك السينمائي الراقي في أعماله كافة والتي مات وهو يعتقد أنها ستكون مثيرة ومفيدة لفناني سينما المستقبل.

في ستينيات القرن الماضي انتبه النقاد وجمهور السينما لما يقوله برغمان، الذي اتجه نحو تناول الموضوعات الخاصة بالفرد وأعماقه ومعاناته الداخلية مما جعل العديد من أفلامه الأولى تبدو مبهمة وغامضة. الكثير من النقاد ومن متابعي أعماله ظنوا أن الإبهام والغموض في أفلامه هما تعبير عن أفعال درامية ضعيفة، بينما راح آخرون يقدمون تفسيرات أخرى لهذا الغموض باعتباره تعبيراً عن القلق الوجودي المحيط انغمار برغمان نفسه بسبب نتائج أفعال الرأسمالية العالمية واستغلال الإنسان المعاصر إلى أقصى حد وبسبب حروبها الكونية وبسبب أفعال الفاشية والنازية التي ألحقت عذابات كثيرة بالإنسانية جمعاء، ربما كان فيلمه المهم «بيضة الأفعى» يعبر عن كل هذا.

نعم.. إن برغمان نفسه يعترف بصورة غير مباشرة بالغموض في بعض أفلامه الأولى حيث يشير بقوله: «الفيلم عندي يبدأ من شيء ما قد يكون ضبابياً، كأي ملاحظة عابرة، أو أي شيء ضبابي جميل يرتبط بحالة معينة، كأن يكون موسيقى، أو حزمة ضوء تسقط على قارعة الطريق، وعلى هذا فإن السيناريو هو الأساس التكتيكي غير المتكامل للفيلم.. والسينما على هذا لا تجمعها أية رابطة بالأدب، وذلك لأن خصائص ووظيفة السينما والأدب تقعان في تناقض مستمر».

منذ ستينيات القرن الماضي حتى يومنا الراهن، وأفلام برغمان شغلها الشاغل الإنسان وعلاقته بالآخر، ولأن الأسرة هي أصغر وحدة في المجتمع، وبالتالي في الوجود الكوني، فقد كانت أفلام برغمان بحثاً واستقصاءً عن علاقة الرجل بالمرأة، وهذه العلاقة ليست حسية بالضرورة، بل هي علاقة امتلاء وجودي مشحون بالحب والكره والتفاؤل والفرح.

رحل انغمار برغمان عن منصة السينما العالمية الأولى تاركاً موروثاً غزيراً في تجارب السيناريو، والإخراج والتمثيل، وغير ذلك من الفنون المرتبطة بالسينما تتجسد بتجارب نحو 50 فيلماً روائياً طويلاً للسينما ربما يمكن اعتبار أكثرها أهمية: «الختم السابع» (1957)، و«الفراولة البرية» (1957)، وثلاثيته الشهيرة «من خلال زجاج معتم» (1961)، و«ضوء الشتاء» (1962)، و«الصمت» (1963)، ثم «برسونا» أو «القناع» (1966)، ثم فيلمه الملّون الأول «صرخات وهمسات» (1972).

من يدري ربما تكون نبوءته بأنه كان يعمل لسينما المستقبل ستظهر نتائجها في سينما القرن الحادي والعشرين وربما تكون «ثريا» تجاربه لازمة لا غنى عنها في تطور سينما العصر القادم.

لاهاي 10/8/2007
Page 4
مهرجان غرناطة السينمائي الدولي..رؤية أولية..

لم تتكون بعد منظومة علاقات سينمائية عربية ذات قيمة أو طاقة لتكون قادرة على التفاعل مع السينما العالمية في سياق تجاربها المتقدمة سريعاً في الاستوديوهات الأوروبية والأميركية.. هذا قول حق وواقعي.

هذه الصورة وضعت نفسها في 9-17 حزيران/يونيو 2007 داخل مهرجان غرناطة الدولي للبرهنة العفوية على أن الطاقة السينمائية العربية وسينما العالم الثالث بصفة عامة يمكنها أن تستجيب وتتجاوب مع ما بلغته مستويات الأفلام الأوروبية.

لا أريد الحديث هنا عن طقوس وعروض الأفلام أو عن الاستنتاجات التي اجتازت اختبارات علاقة السينما العربية مع السينما الأوروبية لكن متابعتي لأخبار المهرجان وفعالياته في جنوب إسبانيا ساعدتني على اكتشاف حقائق جديرة بالانتباه تحمل علامات نجاح عربي هام داخل هذا المهرجان يمكن الإشارة إليها كما يلي:

1 ــــــ أصبح من الممكن القول إن أفلاماً عربية انعكست بقوة داخل المهرجان فقد استطاع يوسف شاهين على سبيل المثال أن يحول أفلامه إلى قوة سينمائية جاذبة لأكبر قدر من المشاهدين من خلال نقاط التألق في عدد منها التي تابعها المشاهدون الإسبان تلقائياً إذ احتشد أكثر من نصف مليون مشاهد إسباني في اليوم الأول لمهرجان غرناطة الدولي الأول لمشاهدة أفلام هذا المخرج العربي ــــــ العالمي يوسف شاهين التي بهرتهم مثل «باب الحديد»، و«اسكندرية ليه»، و«حدوته مصرية»، و«أنت حبيبي»؛ وذلك في ساحة الكاتدرائية وصالة مسرح غرناطة وصالة المكتبة الأندلسية. وجرى تكريم يوسف شاهين (81 عاماً) في هذا المهرجان أيضاً معترفاً به كمخرج عالمي ضمن فعاليات دورته الأولى التي عرفت باسم مهرجان غرناطة الدولي.

2 ــــــ تحقق خلال المهرجان هدف إيجابي له وزنه وتأثيره في العلاقات السينمائية الأوروبية ــــــ العربية مستقبلاً إذ ساعد هذا المهرجان بالذات سواء في عروض أفلامه أو في لقاءاته أو ندواته على التبادل المعرفي السينمائي بين أقاليم الجنوب الأوروبي والعالم الثالث مما يوفر فرصاً واسعة لفتح أبواب إسبانيا وأوروبا عموماً على صناعة الأفلام السينمائية في الدول النامية بالجنوب.

3 ــــــ نجح السينمائيون المغاربة في تأسيس فعاليات مهرجان غرناطة الأول وذلك بالنشاط الفعال الذي بذله كل من المخرج والممثل جيلالي فرحاتي والذي حضر إلى جانب المخرج التونسي فريد بوغذير وزميله الجزائري مرزاق علواش، فقد ساهموا جميعاً في لقاءات متعددة في إسبانيا تمهيداً لميلاد المهرجان المذكور الذي حظي بدعم كبير من طرف الحكومة الجهوية للأندلس. هذا مما يساعد على تطوير إمكانيات التعاون السينمائي العربي ــــــ الأوروبي وتقريب المواقف التي تشجع على التفاهم الثقافي، بدلاً من صراع الحضارات، عن طريق البحث الجاد عن مساحات للتلاقي كفيلة بترسيخ جذور ثقافة الحوار تتجاوز حدود الهيئات السياسية.

4 ــــــ الشيء الأهم في هذا المهرجان هو تطوير الوصف السينمائي لأخلاقية التسامح بين الناس فقد جرى تركيز إدارة المهرجان على ضرورة تحويل الوظيفة السينمائية بمشاركتها بدرجات عالية من الوعي لوضع الأحاسيس البشرية جميعها في خدمة التعاون الإنساني من أجل مستقبل أفضل للجميع وقد أشار مدير المهرجان نفسه خوسي سانتشيز إلى أن اختيار غرناطة لاحتضان مهرجان سينما الجنوب جاء لكونها تعتبر أرض «التسامح والإخاء» التي تعايش على أرضها طيلة قرون شعوب تنتمي للديانات السماوية الثلاث.

5 ــــــ من طرائف المهرجان وليس من غرائبه أن إدارته وضعت جوائز لــــــ «الصور الفوتوغرافية» بموازاة الجوائز السينمائية للأفلام الفائزة إذ استقبل المنظمون قبل تاريخ بداية المهرجان صوراً فوتوغرافية لأشخاص يحملون في تقاسيم وجوههم أحاسيس مختلفة تعبّر عن الضحك أو البكاء أو الحلم على أن يمنح صاحب أحسن صورة ألف تذكرة لولوج قاعات السينما.

تقع مدينة غرناطة جنوب إسبانيا وهي آخر قلعة استقر بها المسلمون الذين افتتحوها عام 711 م وكانت تضم آنذاك جميع أراضي شبه الجزيرة الأيبيرية، إسبانيا والبرتغال حالياً، ولم يخرجوا منها إلّا بعد حروب طاحنة سقطت على إثرها آخر ممالك الطوائف غرناطة في أيدي الإسبان عام 1492م. وجاء في المطبوعات التي وزعها المشرفون على تنظيم هذه التظاهرة الفنية والثقافية الأولى من نوعها في إسبانيا أن الخيار وقع على مدينة غرناطة التاريخية العريقة لاحتضان المهرجان نظراً لقدرتها المتجددة على أن تدمج في حضنها كل الأقليات الثقافية والدينية التي تعيش حالياً بين ظهرانيها.

وضّح القائمون على تنظيم المهرجان أن مستشاري الثقافة في الحكومة الأندلسية الإقليمية قرروا تنفيذ هذا المشروع الطموح في إطار الإجراءات الجديدة الرامية إلى تنمية القطاع السمعي ــــــ المرئي في الإقليم.

إن «مهرجان غرناطة لسينمات الجنوب» فعالية سنوية تتخصص في إنتاج البلدان الآسيوية والأفريقية والأميركية اللاتينية، وإنه سيولي اهتماماً خاصاً كذلك بالعالم الإسلامي.

ينقسم المهرجان إلى قسمين: واحد رسمي ذو طابع تنافسي مع جوائز وآخر متجول (إعلامي) يكون واجهة لعرض الأعمال الأكثر إثارة للاهتمام المنتجة في سينمات الجنوب. ويتكون كل قسم من 15 فيلماً على الأكثر، تُعرض بوتيرة فيلمين لليوم الواحد ضمن أحد القسمين. ويعيّن «مهرجان غرناطة لسينمات الجنوب» كل سنة لجنة تحكيم دولية تضطلع بمهمة منح الجوائز.

ثلاث قيم رئيسية يمكنني أن أسجلها لمثل هذا المهرجان:

ژ1 أولاً هناك تثمين للأفلام التي تتناول قضايا السلام بين الشعوب.

ژ1 والقيمة الثانية أن تطوير العلاقات بين رجال السينما في العالم الأوروبي والعالم الثالث يقدم المصداقية للنتاج السينمائي الإنساني.

ژ1 والقيمة الثالثة أن المهرجان يساهم في ترتيب الوشائج على شكل تصاعدي لمتابعة ودراسة التجارب السينمائية المختلفة.

بصرة/لاهاي 16/6/2007
Page 5
ثقافة البيئة في أول مهرجان سينمائي عربي

يواصل الناس في كل مكان على سطح الكرة الأرضية وفي أجوائها وأعماق بحارها جهودهم اليومية المتزايدة من أجل تعرية طبيعة الأرض جميعها واكتشاف كنوزها. وتعتمد هذه الجهود على خطوات كبرى متسارعة حسب صيرورة التصنيع واستخراج المعادن وتنظيم المصارف المائية وحفر المناجم وإزالة الأحراش وزراعة الحقول. وفي كل هذه الفعاليات استخدمت التقنيات الجديدة والمواد الكيماوية السامة وغير السامة وكثير من الأدوات والآلات ذات التراكيب والنتائج المتنوعة والمختلفة.

في ظل هذه التغيرات الكبرى تنامت بسرعة أيضاً ثقافة إنسانية من نوع جديد هي «ثقافة البيئة» التي قامت على ضرورة انتباه الإنسان إلى احترام روح الكرة الأرضية وصون عوامل حساسيتها بإيجاد قيم أخلاقية لا تؤذي حياة البشرية.

وقد شهدت العقود القليلة المنصرمة اهتماماً عالمياً بالحركة البيئية وبالثقافة البيئية وقد انتقلت هذه الحركة وهذه الثقافة إلى ميدان الإنتاج السينمائي حيث بالإمكان استخدام السينما كوسيلة وثائقية وروائية لتطوير نظرة الإنسان إلى البيئة والمحافظة على نظافتها وسلامتها وأن تكون الممارسات الجماعية سواء أكانت ممارسات أجهزة الدولة أم المؤسسات الرأسمالية الصناعية خالية من نماذج الهيمنة على مستقبل صحة البشرية مقابل السعي وراء المصالح الربحية الضيقة.

توحي بعض التجارب السينمائية في أوروبا وأميركا أن الفيلم السينمائي الوثائقي يمكن أن ينهض بدور ثقافي لنشر الأخلاق البيئية لكي تتجنب «الأرض أم البشر» كوارث محتملة بما يمكن أن توجهه من نقد للذهنية النمطية لرجال الأعمال الذين لا يهتمون فكرياً بالتأثيرات البيئية التي قد تصيب البشر بأضرار متواصلة.

من جهتها فإن السينما العربية تحاول للمرة الأولى جدياً تكثيف العقل السينمائي العربي بهذا المسار لنشر المبادىء الضرورية المتعلقة بــــــ «الإنسان والبيئة» كي تحث المجتمع العربي على اتباع تدابير الحد من التلوث. فليس من حق إنسان أن يؤذي جاره وليس من حق أي مؤسسة صناعية أو زراعية أو تجارية الإضرار ببيئة المجتمع لمجرد توفير بعض المال أو توفير الربح الأعلى، فالجماهير تحتاج دائماً إلى الضغط الثقافي على الدولة لاتخاذ التدابير العامة ضد الملوثين من كل نوع.

ضمن هذا الهدف وهذا السياق تمت محاولة استخدام فعاليات مهرجان النيل السينمائي الأول الذي استضافته القاهرة في الفترة من 5 إلى 10 حزيران/يونيو 2007 وهو أول مهرجان مصري سينمائي متخصص لأفلام البيئة بمشاركة نحو 60 فيلماً روائياً وتسجيلياً من 15 دولة عربية وأجنبية منها مصر وعمان والكويت والإمارات والولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا وكندا والصين والهند وبريطانيا وإندونيسيا وإقليم كوسوفو..

ضمن الاحتفال باليوم العالمي للبيئة اختتمت في القاهرة الأحد 10/6/2007 فعاليات الدورة الأولى لمهرجان «النيل» الدولي لأفلام البيئة، الذي أقامته الجمعية المصرية للارتقاء بالذوق الفني وتنمية البيئة وهو أول مهرجان من نوعه في مصر والشرق الأوسط. ترأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الناقدة الفرنسية ميشيل لوفيو، وضمت في عضويتها 6 سينمائيين بينهم النجمة المصرية ليلى علوي، بينما رأس التونسي فتحي الخراط لجنة تحكيم الأفلام التسجيلية التي ضمت أربعة بينهم المخرج الفلسطيني سعود مهنا والناقد المغربي عمر الفاتحي والمخرج المصري مُسعد فودة.

قال المهندس ماجد جورج وزير الدولة لشؤون البيئة إن مهرجان النيل الدولي للأفلام البيئية حقق واحداً من أهم أهدافه، وهو تضمين المفاهيم البيئية في الأعمال الفنية عامة والسينما بصفة خاصة والاستفادة مما طُرح من أفكار وقضايا من الدول المشاركة، وأن قضية البيئة والحفاظ عليها أصبحت اليوم على أجندة اهتمام العالم بأسره شعوباً وحكومات، مما يستلزم حشد كافة الطاقات والبرامج لمواجهتها، وأوضح أن للفن رسالة ثرية عميقة في وجدان الناس، فهو يُحرك مشاعرهم ومن ثم فإن رسالته السامية هي التغلغل وتغيير سلوكيات المجتمع نحو الأفضل، مؤكداً أنه مهما سُنّت التشريعات والقوانين لحماية البيئة ووضعت الآليات لتطبيقها، فإنه يبقى دائماً في وجدان الشعوب وسلوكياتها ما تحدثه لمسات الفن وتأثيراته.

في ختام الاحتفال.. قام المهندس ماجد جورج والفنان مصطفى حسين بتوزيع شهادات التقدير والجوائز على الأفلام الفائزة في المسابقة بالمهرجان، وتقديم شهادة تقدير للفنانة المصرية سميرة أحمد وتنصيب محمود الخطيب نائب رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي سفيراً للبيئة الذي أكد أنه سيعمل على حث الشباب المصري على الحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث، وسينادي في جميع المحافل والنوادي الشبابية والتجمعات لرفع شعار حماية البيئة في أرض مصر.

فيما يتعلق بجوائز المهرجان كانت نتائج لجان التحكيم كما يلي:

فاز الفيلم الصيني «أخي الشجرة» بجائزة هبة النيل الذهبية لمهرجان النيل الدولي لأفلام البيئة، لتأكيده بأسلوب سينمائي رفيع أهمية الماء كعنصر أساسي لحياة الإنسان والبيئة وجمالية التصوير والحبكة الدرامية، فيما فاز الفيلم الهندي «امتلاك» بجائزة هبة النيل الفضية، لتركيزه على صعوبة تعايش المرأة وتناغمها داخل هذه البيئة.

منحت اللجنة جائزة لجنة التحكيم الخاصة مناصفة للفيلم المصري «جحيم تحت الأرض» لنادر جلال، الذي يعالج قضية الألغام التي زرعتها القوات المتحاربة في الحرب العالمية الثانية عام 1942 في منطقة العلمين شمال مصر والتي ذهب العديد من أبناء الشعب المصري ضحيتها، وفيلم «مخرج» للينديتا سيكيراج من كوسوفو، ويحكي عن معاناة الشعوب بسبب الحرب.

في مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة والقصيرة، أعلن رئيس لجنة التحكيم الدولية رئيس مهرجان قرطاج السينمائي فتحي الخراط فوز الفيلم الكويتي التسجيلي الطويل «المحميات الملاذ الأخير» بذهبية المسابقة، في حين فاز الفيلم الإيطالي «المياه» بالجائزة الفضية مع منح الفيلم الهندي «رقصة لاما» شهادة تقدير خاصة من لجنة التحكيم.

أما بالنسبة للأفلام التسجيلية القصيرة، فاز الفيلم العماني «شجرة القرم» بذهبية المسابقة، وحصل على الجائزة الفضية الفيلم المصري «نداء الصحراء»، وحصد الفيلم الجزائري «بين البحر والرمال» جائزة لجنة التحكيم الخاصة، ومنحت لجنة التحكيم شهادة تقدير خاصة لكل من الفيلم المصري «همس الخيل» والفيلم الإندونيسي «رامبا»، وتم التنويه بشكل خاص بأفلام عُمانية أنتجتها وزارة البلديات الإقليمية والبيئية والموارد المائية.

كان هذا المهرجان أول خطوة فاعلة لتنشيط حركة سينمائية جادة تخدم البيئة وتعالج قضاياها وتحافظ عليها وتعمل على تجميلها، حيث تمثل السينما أحد أهم روافد الثقافة والإعلام البيئي، بالإضافة إلى تشجيع المنتجين السينمائيين للاهتمام بقضايا البيئة في موضوعات أفلامهم.

بصرة/لاهاي في 15/6/2007
Page 6
سينما الشرق في دول الغرب السينما التركية نموذجاً

تكمن جاذبية السينما الغربية في الأسواق السينمائية الشرقية منذ أكثر من ستين عاماً في حالة الإشباع النفسي الذي تقدمه الأفلام العالمية الأوروبية والأميركية للمشاهدين الشرقيين العرب والأتراك والإيرانيين والهنود وغيرهم لأن هذه الأفلام تقدم حججاً من خلال المشاهد واللقطات والأحداث والحوار قادرة على إقناع المشاهد الشرقي حتى ببعض مضامين الأفلام التي تقدم وقائع زائفة أو محرّفة في بعض الأحيان داخل حركة الأفلام الروائية والوثائقية سواء بسواء.

غير أن الأفلام الشرقية لم تتمكن حتى الآن من الاعتماد على الأمور السينمائية القادرة على التفاعل مع المشاهد الغربي ليس فقط بسبب نقص التكنيك السينمائي وإنما بسبب ضعف الربط المطلوب بين الانفعال والتعبير في مضامين الإنتاج الشرقي عموماً. مؤخراً بدأت بعض الدراسات السينمائية الجادة التي يقوم بها باحثون غربيون وشرقيون تقدم رؤية أولية شاملة تتناول أسباب ضعف أو قوة المعايير السينمائية التي تظهر معاناة السينما الشرقية في الأسواق الغربية وأسباب انفصال المشاهد الغربي وعدم تفاعله مع الأفلام الشرقية.

من هذه الدراسات المهمة دراسة بعنوان «السينما التركية في ألمانيا.. أفلام في ثقافتين..» كتبها: أمين فارزأنفار. تناول فيها منظومة العادات الاجتماعية المحيطة بعالم الإنسان التركي: وقد أورد فيها حقائق عن العائلة التركية والقيود الجماعية التي تتحكم فيها مشيراً إلى نموذج سينمائي تركي حاز تقييم الكثير من الألمان مشاهدين ونقاداً. منذ فوز المخرج فاتح أكين التركي الأصل بجائزة «الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي عام 2004 صار لدى السينما التركية في ألمانيا قبول جماهيري، فمعظم مشاهديها من الألمان. لذا يجدر بنا أن نلقي نظرة على ركائز نجاح هذه السينما.

بعض القصص الواقعية كانت قد ساهمت في إيجاد القبول الألماني للأفلام التركية ومعالجاتها عبر استجابات إنسانية عادية لظروف يومية صارمة ومنها:

«يغادر دورسون تركيا إلى ألمانيا من أجل العمل. يذهب لعمله ويترك زوجته الشابة تورنا حبيسة الشقة التي يسكنانها بإحدى العمارات العالية، وذلك بحجة حمايتها من التأثير السيىء للثقافة الغربية. ولا تلقى رغبات تورنا في الخروج والترفيه والاتصال بالبشر أي قبول لديه، فالأمر يتعلق في نهاية المطاف بشرفه. وعلى المرأة التي تزوجت في الأناضول برجل أكبر منها بكثير، أن تدفن حلمها بمزيد من الحرية في الوطن الجديد، إنها سجينة داخل أربعين متراً مربعاً. ثم تأتي اللحظة التي يصاب فيها دورسون المريض بالصرع بنوبة وهو يستحم، ثم يموت في ردهة البيت. تجلس تورنا أمام جثته لوقت طويل، وفي لحظة ما تزيح الجثة وتغادر البيت».

اليوم يمكن أن يعتبر فيلم «ألمانيا أربعون متراً مربعاً» في نقاشات المهاجرين الأتراك مثالاً رجعياً عن تقديم صورة محمّلة بالكليشيهات عن المهاجرات التركيات. وفي وقت إنتاجه عام 1987 كان هذا الفيلم الذي أخرجه توفيق باشر هو بلا منازع أول فيلم يخرجه تركي في ألمانيا عن موضوع تركي. ومن الناحية الفنية تميز أداء الممثلان أوزاي فيشت ويامان أوكاي (الذي شارك بالتمثيل في رائعة يلماز غونيه سورو Sürü ) بصدقية عالية، وكذلك تميز عمل المصور عزت أكاي الذي عرض الحكاية عبر مشاهد طويلة وألوان تتميز بالغنى والوضوح. كآبة مضمون الفيلم والمبالغة في تجسيد الشخصيات بصورة تبدو فيها إما طيبة تماماً وإما شريرة تماماً، إما أبيض وإما أسود، قد تكون نابعة من الميل أو الانجراف إلى الميلودراما التركية، بقدر ما قد تكون نابعة أيضاً من الظروف القاسية للواقع.

قبل فيلم باشر كان المخرجون الألمان هم أول من قاموا بتصوير حياة العمال المهاجرين. في البدء كان فاسبندر: فيلم «كاتسلماخر» (وهي كلمة ساخرة تشير إلى العمال الإيطاليين في ألمانيا والنمسا)، يحكي عن كيفية سقوط عامل يوناني، في أحد المجمعات السكنية الجديدة الضيقة، ضحية ثلة مأفونة. أما فيلم «الخوف يأكل الروح» فيتناول هذا الموضوع بتوسع، فهو يعرض لامرأة وحيدة تدخل في علاقة مع شاب مغربي، وفي الحال تلقى احتقار المجتمع من حولها. وتفشل العلاقة في آخر المطاف بسبب صراعات نفسية داخلية. لم يكن فاسبندر يسعى فعلياً إلى عرض صورة واقعية لثقافة المهاجرين: فبطله الجنوبي ليس سوى إطار موضوع من أجل تصوير برودة الحياة الاجتماعية في ألمانيا ما بعد الحرب، ويصبح هذا البطل أيضاً في عزلته الاجتماعية والثقافية رمزاً للوحدة والنرجسية التي يعيشها المخرج. لكن المأساوي والغريب في الأمر أن الممثل هادي بن سالم قد انتحر بعد أن تركه فاسبندر. في هذين الفيلمين ارتسمت معالم ما سيأتي في الأعوام القادمة: الأجنبي ــــــ غالباً ما يكون تركياً ــــــ يحكي قصة معاناته، قوم فقراء في بلد بارد، رجال يخضعون لعهد شرف عفا عليه الزمن، ولسطوة العمل المنهك، النساء يعانين القهر، وجميعهم يعصف النازيون القدامى بحياتهم: وكون أن جزءاً من هذه الكليشيهات كان صائباً، يثير ضيق الجناح المثقف من المهاجرين وكذا الجيل الثالث منهم حتى يومنا هذا.

من هذا المنطلق، كان فيلم «عرس شيرين» واعداً، حيث قام المخرج زاندر ــــــ برامز بوضع المرأة التركية ومعاناتها في بؤرة الاهتمام. تأتي شيرين إلى ألمانيا وتعمل كعاملة تنظيف وينتهي بها المطاف في عالم الدعارة. أما فيلم هارك بوم الرائع «ياسمين» فيظهر قوة الحب في مواجهة عنفوان التقاليد، فعاشق ياسمين الألماني يصبح فارساً رومانطيقياً، يأتي على ظهر دراجته البخارية وينقذ العروس التركية من أسر عشيرتها الذكورية.

الشيء الرئيسي في إيجاد منافذ دخول الأفلام الشرقية إلى قاعات المشاهدين الغربيين يبنى أساساً على الصدمة السينمائية الضرورية في أنماط الفهم الثقافي داخل وبواسطة الفن السينمائي الشرقي، فمن دون الصفة المركزية المستندة إلى صدق الرغبة والعاطفة في القصة السينمائية الشرقية وحوارها لا يمكن إيجاد العلاقة الثقافية مع المشاهدين الغربيين.
Page 7
جائزة الأوسكار.. متى تأسست وكيف..؟

في الثاني من هذا الشهر ــــــ آذار/مارس 2006 ــــــ وما قبله بقليل وما بعده بقليل أيضاً انشغل السينمائيون والمتابعون لترشيح جوائز الأوسكار التي أعلنت نتائجها من على خشبة مسرح «كوداك» في هوليوود، في لوس أنجلوس الأميركية؛ لمعرفة سعداء الحظ في مهرجان الأوسكار، هذا العام، كما هو الحال في كل عام. وكان قد سبق إعلان الجوائز ببضع ساعات وصول تماثيل الأوسكار الذهبية على متن طائرة خاصة.

لا أريد التحدث هنا عن الفيلم الفائز أو الممثلة الفائزة أو الممثل الفائز فقد جرى تغطية ذلك في الصحافة الفنية طيلة الأسبوعين الماضيين لكنني أود الاستجابة لطلب إحدى قارئات جريدة «القبس» التي تفضلت في رسالتها الكريمة بالتعقيب على مقالتي المنشورة في الجريدة بداية عام 2006 حول حظ الفيلم الفلسطيني «الجنة الآن» بنيل الأوسكار عن جائزة أفضل فيلم أجنبي بينما كانت النتيجة لغير صالحه حيث ذهبت الجائزة إلى الفيلم الجنوب إفريقي «توتسي tootsie »، من اخراج وتأليف «جافين هود» وتدور أحداثه حول تأثير نظام الفصل العنصري على نفوس السود في جنوب إفريقيا. لقد استفسرت القارئة الكريمة عن أصول جائزة الأوسكار وتاريخ تأسيسها وآلية عملها وقد وجدت أن الاستجابة ضرورية لتعريف ذلك إلى جيل القراء الجدد وخاصة من الشباب الذين قالت إنهم يسمعون بجائزة الأوسكار ولا يعرفونها. وها أنذا أكتب عن فعالية الأوسكار وجائزتها على أرض الواقع كشهادة فنية كبرى في ميدان السينما العالمية حيث تم منذ أول احتفالية لجائزة الأوسكار في 1929 وحتى الآن توزيع 2578 جائزة هي عبارة عن تماثيل صغيرة مغطاة بالنحاس والنيكل والفضة والذهب. انبثقت فكرة تأسيس جائزة الأوسكار إثر ولادة فكرة تأسيس (أكاديمية العلوم والفنون السينمائية) في اجتماع خاص عقد في كانون الثاني/يناير عام 1927 في منزل المنتج السينمائي الأميركي المعروف «لويس ماير» مدير أستوديوهات مترو غولدين ماير. وكان قد شارك في هذا الاجتماع ست وثلاثون من أبرز الشخصيات والنخب المهنية والابداعية السينمائية الأميركية آنذاك. وبعد عدة شهور من الأعمال التحضيرية والتكميلية تم في الرابع من شهر أيار/مايو 1927 تسجيل طلب التأسيس رسمياً تحت اسم (أكاديمية العلوم والفنون السينمائية) في ولاية كاليفورنيا التي أقرته في الحال. كما عقد المؤتمر التأسيسي الأول في فندق بالتيمور في الولاية نفسها.

وقد نص النظام الداخلي لطلب تأسيس الأكاديمية على تشكيلها من خمسة فروع سينمائية هي:

(1) فرع الإنتاج.

(2) فرع التمثيل.

(3) فرع الإخراج.

(4) فرع الكتاب.

(5) فرع المهنة السينمائية.

وفي ضوء النظام نفسه تم تشكيل لجنة خاصة من الأكاديمية تتكون من سبعة أعضاء مهمتها التحضير لمنح جائزة سينمائية تحت اسم (جائزة الأوسكار). وفي أيار/مايو 1928 وضعت قواعد الجائزة وهي: أن تكون الأفلام قد عرضت في محيط مدينة لوس أنجلوس، في الفترة من أول آب/أغسطس 1927 حتى 31 تموز/يوليو 1928، وأن تتقدم الشركات بقوائم بها في موعد أقصاه 15 آب/أغسطس، ويقوم كل فرع من الفروع الخمسة للأكاديمية، بتقديم 10 تسميات في الجوائز التي تخصه، ثم يكون القرار الأخير، باختيار من يفوز بالجائزة، بيد أن شخصاً واحداً، هو ممثل الفرع في مجلس إدارة الأكاديمية، يذكر أن عدد الجوائز كان 12 جائزة، وبمرور الأعوام زاد عدد الجوائز إلى 23 جائزة، تمنح من فروع الأكاديمية كلها، أو من لجان خاصة، وفي عام 2001 زادت الجوائز جائزة جديدة، لأول مرة منذ سنة 1980، وهي جائزة لأفضل فيلم رسوم متحركة طويل.

أول حفل لتوزيع الجوائز أقيم في 16 أيار/مايو 1929. أما الجائزة التي يحصل عليها الفائز فهي معنوية وليست مادية. تقتصر الجائزة على تمثال صغير لا تتجاوز كلفته أكثر من ألف دولار. تمثال الأوسكار يرمز إلى رجل عارٍ يضم سيفاً رأسياً أمامه، ويقف فوق بكرة سينمائية فيها خمس فتحات فقط، رمزاً لعدد فروع الأكاديمية.

وقد وضع تصميم التمثال ــــــ الجائزة الفنان الشهير «سيدريك جيبونز»، ونفذه أحد أساتذة الفنون الجميلة يدعى «جورج ستانلي». وقد اختلفت آراء الباحثين عن سبب تسمية الجائزة بــــــ «الأوسكار» التي قيلت بشأنها آراء كثيرة. ومنهم من قال إن التسمية جاءت عفوياً على لسان أمينة مكتبة الأكاديمية «مارغريت هيريك»، عندما شاهدت نموذج التمثال للوهلة الأولى صاحت قائلة: «إنه يشبه عمي أوسكار»؛ فأصبح اسمه تمثال الأوسكار.

استمرت احتفالية الأوسكار السنوية منذ تأسيسها وحتى الآن أي طيلة 78 عاماً ولم تلغ أي احتفالية حتى في سنوات الحرب العالمية الثانية لكنها تأجلت لبعض الوقت في ثلاث دورات: الأولى عام 1938 بسبب فيضان لوس أنجلوس، والثانية سنة 1968 بسبب اغتيال داعية الحقوق المدنية «مارتن لوثر كينغ»، والثالثة سنة 1981 إثر محاولة اغتيال الرئيس الأميركي «رونالد ريغان». تمنح الأوسكار ثلاث جوائز لأفضل فيلم ناطق بالإنكليزية، وأخرى للفيلم الناطق بغير الإنكليزية، وثالثة لأفضل فيلم رسوم متحركة طويل، وهناك 4 جوائز أخرى: اثنتان للأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة، واثنتان لما يسمى أفلام الموضوعات القصيرة: واحدة للتمثيل الحي، وأخرى للرسوم المتحركة. وبإضافة جائزتين للتمثيل المساعد، أصبحت جوائز التمثيل 4. وقد استقر السيناريو بعد تعديلات عديدة على جائزتين لأفضل نص أصلي، وأفضل نص مأخوذ عن نص وسيط آخر. جوائز التصوير والمناظر أصبحت واحدة فقط، وأضيفت جوائز لتصميم الأزياء. بينما بلغت جوائز المؤثرات الهندسية 4 جوائز للمؤثرات الخاصة والصوت وتوليف الصوت والماكياج، كما أضيفت جوائز للمونتاج والموسيقى. بالإضافة إلى مجموعة من الجوائز الخاصة، التي لا تخضع لنظام التسمية التقليدي، ولا تعلن في حفل توزيع الجوائز.
Page 8
عندما يكون القتل سهلاً

حين تشاهد فيلماً عنوانه «عندما يكون القتل سهلاً» تقف مذهولاً، تحدّق باللقطات المتتالية وأنت عاجز عن أيما قول أو فعل. كان عددنا قليلاً عندما احتمينا من البرد بزاوية من زوايا القاعة التي عرض فيها فيلم أثار عندي وعند المشاهدين الآخرين توتراً منذ اللحظات الأولى، بل أقول صراحة إن الحركة السريعة لعنوان الفيلم كافية لإثارة المشاهدين وغضبهم، فسريعاً يحس المشاهد أنه يجلس في قاعة مدججة بالسلاح وأنه محاط بجنود إسرائيليين وهم يكادون لا يمتلكون صوابهم وهم في غاية العجرفة إذ يعبّرون تعبيراً دقيقاً ومباشراً عن السياسات الوحشية التي تتبعها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وكل من يدعم ويدافع عن حقوقه المشروعة حتى وإن كانوا من أبناء الدول الغربية.

باختصار أقول إن مشاهد الفيلم توغلت فينا، في أعماقنا، تدريجياً لتعيد بناء حساباتنا مع قدرة الإعلام السينمائي على تحريك مشاعر الإنسان المشاهد، بل جعل تلك المشاعر وقوداً للغضب بوجه الآلة الإسرائيلية التي تبتدع أخطر أساليب القهر الإنساني وتعمل على اغتيال المضامين الإنسانية الحية ليس فقط ضد أبناء الشعب الفلسطيني سواء أكانوا داخل الدولة الإسرائيلية أم في المناطق التي تحتلها مما جعل هذا الفيلم مكرساً نفسه وهدفه للمشاهدين الغربيين الذين هم بحاجة ماسة إلى مواجهة «صدمة» تفرض نفسها بقوة على مشاعرهم. وقد كان مسار أحداث فيلم «عندما يكون القتل سهلاً» قادراً على تقديم وصف عميق لجرائم إسرائيلية مرتكبة ضد العدالة والحرية والسّلام وضد دعاتها من الغربيين بمن فيهم الشبان اليهود أيضاً كمقدمة أساسية للتعرف على ما يفعله الجيش الإسرائيلي بالناس من الجنسيات ومن كل الأنواع وحتى بالناس الإعلاميين والثقافيين الباحثين عن الحقيقة والقادمين من بلدان غربية.

أول سؤال يتبادر إلى الذهن من هو منتج الفيلم..؟

هل هو فنان فلسطيني..؟

هل هو مدعوم من جهة إعلامية أو سينمائية عربية..؟

هل هي الجامعة العربية مثلاً..؟

الجواب بالنفي على جميع هذه الأسئلة الثلاثة. فنحن العرب لم تتوافر عندنا، بعد القدرة على الدخول الفعال في متغيرات الرأي العام العالمي، ولا في إيقاعاته الفنية التي تشكل عنده منظومات قيمية فنية جديدة تؤثر في الموقف السياسي العالمي وعليه.

قد يستغرب القارىء الكريم إذا قلت إن فيلماً حديثاً من هذا النوع أنتجته جهة إعلامية غربية وليس عربية، بل أنتجته واحدة من أكبر المؤسسات الإعلامية الغربية المؤثرة على ثقافة وأصول الرأي العام العالمي، فهو من إنتاج محطة (بي. بي. سي) البريطانية.. يتناول الفيلم خلال خمسين دقيقة وهو ناطق بالإنكليزية حوادث قتل ثلاثة من نشطاء السلام الأجانب على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، ويوثق بالصور والمستندات ملابسات ووقائع تصفيتهم:

(1) الضحية الأولى هي «راتشيل كوري» ناشطة السلام اليهودية، الأميركية، في الثالثة والعشرين من العمر، حاولت الاحتجاج على تدمير منزل عائلة فلسطينية في قطاع غزة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، لكن بلدوزراً إسرائيلياً يقوده رجل بلا قلب، بارد المشاعر والأحاسيس الإنسانية دهسها عمداً وحطم عظامها تحطيماً كاملاً في السادس عشر من شهر آذار/مارس عام 2003 واستمر في تدمير المنزل دون أي مبالاة للجرم الفظيع الذي ارتكبه، وكأن القتل جزء من ثقافته.

(2) الضحية الثانية هو «توم هورندال» مصور بريطاني في الثانية والعشرين من العمر، أصابته رصاصة المحتل الإسرائيلي في رأسه فأردته قتيلاً على الفور في الحادي عشر من شهر نيسان/أبريل.

(3) الضحية الثالثة هو المصور البريطاني «جيمس ميللر» الذي أطلق جندي إسرائيلي النار عليه عند مغادرته المنزل فأودت الطلقة بحياته.

يبين هذا الفيلم الوثائقي من خلال تناوله قصة نشطاء السلام وعشاق الحقيقة والحرية، مدى وحشية الاحتلال الإسرائيلي، ويحاول كشف الحقائق حول جرائم قوات الاحتلال.

هؤلاء الثلاثة ما هم إلّا بعض ضحايا الاحتلال وقسوته، فمن المؤكد بالإحصائيات الرسمية إن عدد القتلى والشهداء يتجاوز الآلاف، وحيث أن العنف الإسرائيلي مستمر في كل بقاع الأرض المحتلة.

كما يبين الفيلم أن «القتل أسهل ما يكون» عندما تدور الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تمارس قوات الاحتلال الإسرائيلي أبشع السياسات ضد الشعب الفلسطيني وضد كل من يدعمه.

يمكن لكل من يشاهد الفيلم أن يقول إن من الصعب جداً رصد وكشف نتاج الآلة الإعلامية الإسرائيلية القديرة في وسائل المراوغة والمداهنة والتمويه والتضليل وذر الرماد في عيني الإنسان الغربي من دون مقدرة إعلامية عربية مكثفة بمستوى هذا الإنتاج الإعلامي الفني، فقد كان هذا الفيلم شاهداً أساسياً بمستوى فني راقٍ وبلا شعارات براقة، أن يضرب صميم التضليل الذي يمارسه الإعلام الإسرائيلي.

إن فيلم «عندما يكون القتل سهلاً» هو شأن فني كبير المستوى تخطى الفن السينمائي الوثائقي التقليدي ليصبح في غمرة لقطاته ومشاهده أمراً ليس فقط محتملاً من قبل الآلة العسكرية الإسرائيلية العمياء بل أمراً حاصلاً وحادثاً واقعاً أمام عيون مشاهديه الغربيين.
Page 9
متى نشاهد دراما عبد الكريم قاسم على الشاشة التلفزيونية..؟

صار فنانون كثيرون يتلذذون بمذاق إنتاج المسلسلات التي تتناول حياة الزعماء العرب وصراعاتهم الناتجة عن طريقتهم في العيش وطريقتهم في الحكم. الأخبار الواردة من القاهرة تؤكد أن هناك جهوداً فنية تعدّ الآن لحشد الإمكانيات من أجل إنجاز مسلسل عن الرئيس المصري جمال عبد الناصر ليتم عرضه على الشاشات الفضائية في شهر رمضان القادم.

كاتب سيناريو المسلسل الجديد هو يسري الجندي.

يبدأ تصويره خلال الأيام القليلة القادمة، وقد قيل إن المسلسل الناصري يأتي رداً على مسلسل «الملك فاروق» الذي أنتجته قناة MBC .

كان مسلسل «الملك فاروق» الذي أذيع في رمضان الماضي قد لاقى نجاحاً جماهيرياً هائلاً، وتناوله محللون سياسيون وتاريخيون كبار بالتعليق، ووصفوه بأنه وثيقة هامة تعيد الاعتبار لآخر ملوك أسرة محمد علي التي حكمت مصر، ولنظامه السياسي الذي تميز بالليبرالية والديمقراطية.

انتهى يسري الجندي من كتابة المسلسل الضخم «جمال عبد الناصر» كما صرح للعربية نت، وهذا المسلسل يحكي سيرة ذاتية للرئيس الراحل، تبدأ منذ طفولته، ويتناول الفترة التاريخية نفسها التي شهدها الملك فاروق، ويجري الآن التجهيز له واختيار الممثلين وسوف يبدأ تصويره قريباً لمصلحة التلفزيون المصري، ويقوم بإخراجه محمد فاضل.

قال يسري الجندي إن مشاهدته لمسلسل «الملك فاروق» جعلته يعيد النظر في بعض ما كتبه في سيناريو مسلسل «عبد الناصر» خاصة أن الأخير يتعرض للفترة التاريخية نفسها. وأضاف أنه لم يترك أي كتاب أو مرجع تكلم عن عبد الناصر إلّا واجتهد في قراءته، سواء اتفق مع سياسة عبد الناصر أو كان ضده، مؤكداً أنه استعان بمراجع روسية وهندية وإنكليزية تناولت حياة الرئيس الراحل.

يبدأ المسلسل من فترة طفولة عبد الناصر في الثامنة من عمره، وهي المرحلة التي بدأ يتشكل فيها وعيه، وكيف تأثر بوفاة والدته التي كان متعلقاً بها للغاية. وأيضاً كيف تشكل وعيه ضد الاحتلال الإنكليزي من خلال مشاهدته لحادثة صدم سيارة جيب إنكليزية فتاة مصرية، ولم يتحرك أحد لإنقاذ الفتاة أو القبض على سائق السيارة.

يؤكد كاتب السيناريو الجديد أنه تناول فترة كان العالم العربي ومصر يمران بمرحلة مخاض عنيف تستدعي إلقاء الضوء على تلك الفترة بمزيد من الاهتمام والدقة، وأن نركز على دور الشعوب، مما يستدعي من الكاتب ومؤلف الدراما التاريخية مراعاة الضوابط التي تحكم استلهام التاريخ لكتابة الدراما.

أضاف في حديثه الصحفي أن كاتب الدراما التاريخية ليس مؤرخاً، لكنه مطالب وهو يقدم تفسيره ورؤيته، أن تكون إحاطته شاملة للواقع الذي يسرد أحداثه خلال الفترة التاريخية التي يتحدث عنها، وأن يستحضر كل ملابسات تلك الفترة.

أرجع يسري الجندي النجاح الجماهيري الهائل لمسلسل الملك فاروق «للإحساس بالإحباط من الواقع الذي نعيشه، فنحن نمر بلحظة تردٍّ شديدة، فمن قال إنه حقق نجاحاً لأنه يحمل إسقاطاً على واقعنا المعاصر، يريد أن ينفي أي إدانة عن ثورة يوليو قد يكون المسلسل قد حملها في بعض ثناياه. ولكن المرحلة التي نعيشها ليست مرحلة ثورة يوليو، بل على العكس هي المرحلة التي مسخت كل ما يتعلق بمرحلة يوليو، فتجربة ثورة يوليو من التجارب التي يجب أن نلتفت إليها بشكل جدي ومحايد وهذا ما أريد قوله في مسلسل «عبد الناصر» والذي كتبت فيه كل ما للثورة من إيجابيات، وكل ما عليها من سلبيات دون تحيز أيديولوجي».

سنظل نحن العراقيين مثل كل الشعوب العربية بانتظار شهر رمضان المبارك عام 2008 لمشاهدة هذا المسلسل ــــــ شاهدنا من قبل فيلم «ناصر 56» عن تأميم قناة السويس ــــــ عن فترة من حياة الشعب المصري كان فيها الكثير من الإثارة والجراح والمنجزات، والطمأنينة والخوف، ومحن الحروب والهزائم، ولعل هذا المسلسل يحرك الفضائيات العراقية والفنانين العراقيين عسى أن يفكروا في إنتاج عدد من المسلسلات عن الأنواع الحية في أحداث التاريخ العراقي من خلال تناول حياة الزعيم عبد الكريم قاسم والتجارب السياسية الكثيرة التي سبقت ثورة 14 تموز/يوليو (3 ملوك حكموا العراق) أو أعقبتها (4 رؤساء حكموا العراق لغاية نيسان/أبريل 2003).

في الحقيقة أنه لا يوجد خط فاصل في الدراما التي عاشها الشعب العراقي طيلة القرن العشرين إلّا ما ندر.

هل ننتظر فناناً عراقياً يبدأ بمبادرة العبور السياسي في ضفاف الفن التلفزيوني لوضع بعض أجزاء التاريخ العراقي في منظومة الدراما كجزء من شبكة الحياة الثقافية ــــــ السياسية العراقية المترابطة..؟

بصرة/لاهاي في 26/11/2007
Page 10
فاتن حمامة بين ضياء الفن وبناء المذكرات الشخصية

المذكرات الشخصية ما هي إلّا أحد الأجناس الأدبية التي يعبّر فيها الإنسان عن تجربته في الحياة وعن عواطفه وأفكاره وانطباعاته. في هذه الأيام يكثر الحديث عن مذكرات فاتن حمامة التي يقال إنها مكتوبة بالكامل وهي تضم مخزوناً كبيراً عن تجربتها الطويلة في السينما المصرية، وقالت بعض أخبار الصحف المصرية إن فاتن حمامة رفضت عرضاً مغرياً لشراء المذكرات بمبلغ 40 مليون جنيه تقدمت به إحدى القنوات الفضائية الكبرى مقابل تسجيلها وعرضها بثلاثين حلقة أو أكثر على الشاشة. لكن فاتن حمامة ما زالت مصرة على رفض العرض رغم الضغوط عليها.

لا أحد يعرف حتى الآن أسباب الرفض خاصة أن كل كاتب مذكرات يتمنى صدورها أثناء حياته وكل فنان يتمنى أن يرى بعينيه على الشاشة تاريخ حياته وتطور القيم الفنية في تلك الحياة مثلما يتطلع المشاهدون أيضاً لمعايشة أحداث روافد الفن والثقافة من خلال المذكرات وتحويلها إلى عمل تلفزيوني.

إن أهمية فاتن حمامة الفنية والثقافية والسينمائية ليست شيئاً عادياً فإلى جانب تجربتها الفنية الغزيرة التي تركت أثراً عميقاً في السينما المصرية فإنها كانت من النساء المصريات اللاتي نهضن بمهمة الدفاع عن حقوق المرأة المصرية في الفيلم السينمائي الشهير «أريد حلاً» عام 1975، وفيه تركيز على ضرورة مساواة المرأة مع الرجل أمام القانون وهو الفيلم الذي نال جوائز عديدة من منظمات نسائية عالمية كانت أولاها منظمة نساء الاتحاد السوفياتي.

عندما بدأت فاتن حمامة عملها في السينما المصرية كان النمط السائد للتعبير عن الشخصية النسائية للمرأة العصرية في الأفلام يمشي على وتيرة واحدة وكانت المرأة في أفلام ذلك الوقت إما بورجوازية غير واقعية تمضي معظم وقتها في نوادي الطبقات الراقية، وإما تطارد الرجال أو بالعكس. وأيضاً كانت هناك نزعة لتمثيل المرأة كسلعة جسدية لإضافة طابع الإغراء لأفلام ذلك الوقت وكان معظم الممثلات في ذلك الوقت يُجدن الغناء أو الرقص.

احتفلت فاتن حمامة الملقبة بسيدة الشاشة العربية في السابع والعشرين من أيار/مايو بعيد ميلادها السادس والسبعين وهي تعتبر من قبل الكثيرين علامة بارزة في السينما العربية حيث عاصرت فاتن حمامة عقوداً طويلة من تطور السينما المصرية وساهمت بشكل كبير في صياغة صورة جديرة بالاحترام لدور السيدات بصورة عامة في السينما العربية من خلال تمثيلها منذ عام 1940.

قبل مرحلة الخمسينيات ظهرت فاتن حمامة في 30 فيلماً ولكن المخرجين كانوا يسندون إليها دور الفتاة المسكينة البريئة الضعيفة دائماً أو الضحية دائماً أو المغدورة دائماً ولكن كل هذا تغير مع بداية الخمسينيات. بدأت حمامة في الخمسينيات ونتيجة التوجه العام في السينما المصرية نحو الواقعية بتجسيد شخصيات أقرب إلى الواقع، ففي فيلم «صراع في الوادي» (1954) جسدت حمامة شخصية مختلفة لابنة الباشا فلم تكن تلك الابنة السطحية لرجل ثري وإنما كانت متعاطفة مع الفقراء والمسحوقين وقامت بمساندتهم وفي فيلم «فاطمة» (1952) مثلت دور طالبة في كلية الحقوق من عائلة متوسطة وكانت تؤمن أن للنساء دوراً يوازي دور الرجال في المجتمع. وفي فيلم «إمبراطورية ميم» (1972) مثلت دور الأم التي كانت مسؤولة عن عائلتها في ظل غياب الأب. وفي عام 1988 وفي رائعة خيري بشارة «يوم حلو ويوم مر» تلعب دور أرملة في عصر الانفتاح والمبادىء المتقلبة وتحمل هذه الأرملة أعباء ثقيلة جداً دون أن تشكو وكلها أمل بالوصول إلى يوم حلو لتمسح ذاكرة اليوم المر.

يرى معظم النقاد أن حمامة وصلت إلى مرحلة النضج الفني مع فيلم «دعاء الكروان» (1959)، هذا الفيلم الذي اختير كواحد من أحسن ما أنتجته السينما المصرية وكانت مستندة إلى رواية لعميد الأدب العربي طه حسين وكانت الشخصية التي قامت بتجسيدها معقدة جداً من الناحية النفسية، ومن هذا الفيلم بدأت حمامة بانتقاء أدوارها بعناية فتلا هذا الفيلم «نهر الحب» (1960) الذي كان مستنداً إلى رواية ليو تولستوي الشهيرة آنا كارنينا، وفيلم «لا تطفىء الشمس» (1961) عن رواية إحسان عبد القدوس، وفيلم «لا وقت للحب» (1963) عن رواية يوسف إدريس.

في عام 1996 أثناء احتفال السينما المصرية بمناسبة مرور 100 عام على نشاطها تم اختيار فاتن حمامة كأفضل ممثلة وتم اختيار 18 من أفلامها من ضمن 150 فيلماً من أحسن ما أنتجته السينما المصرية. وفي عام 1999 تسلمت شهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأميركية بالقاهرة، وفي عام 2000 مُنحت جائزة نجمة القرن من قبل منظمة الكتّاب والنقاد المصريين وُمنحت وسام الأرز من لبنان ووسام الكفاءة الفكرية من المغرب والجائزة الأولى للمرأة العربية عام 2001.

رافقت عودة الفنانة فاتن حمامة للعمل الفني بعد غياب طويل ضجة إعلامية حيث شاركت في المسلسل التلفزيوني «وجه القمر» (2000) الذي عرض على 24 قناة فضائية ومحطة تلفزيونية عربية والذي انتقدت فيه العديد من السلبيات في المجتمع المصري من خلال تجسيدها شخصية مذيعة كبيرة في التلفزيون وكان في المسلسل تعاطف مع الانتفاضة الفلسطينية عبر مشاهدة أبطال المسلسل للأحداث على أرض فلسطين على شاشات التلفزيون وتأييدها. ولدت فاتن أحمد حمامة في 27 أيار/مايو 1931 في المنصورة عاصمة الدقهلية في مصر حسب سجلها المدني لكنها وحسب تصريحاتها ولدت في حي عابدين في القاهرة وكان والدها موظفاً في وزارة التعليم في مصر..