eKtab
EN ع
مشكلة الوعي ووعي المشكلة
Read free sample

مشكلة الوعي ووعي المشكلة

by د. مازن مرسول محمد

Page 1
مقدمة

لم يكن وعي الحياة الإنسانية والقدرة على تحديد مشكلاتها الكثيرة قاصراً على توافر عقل إنساني فحسب، وإنما درجة وعي ذلك العقل واستطاعته الفرز الدقيق لمعرفة توجه الحياة وإدراك تناقضاتها ومحاولة خط طريق مستقيم وواسع لها.

ومن المؤكد أنّ الإنسان عندما خُلق لم يكن مختلفاً عن غيره في التركيب الجسماني، إلا أنه يختلف عن بعضهِ الآخر في القدرة العقلانية القادرة على النظرة الدقيقة إلى أمور الحياة ومجرياتها.

فلم تمتلك المنظومة الحياتية وعياً متكاملاً قادراً على أن يضع الإنسان في أعلى درجات السلّم التقدمي الحياتي، ولكن وجدت منظومة وعي قادرة على أن تتلافى كثيراً من محبطات الحياة وانتكاساتها ومشكلاتها، وبالمقابل انعدام ذلك الوعي الجاد والوعي بأمورٍ تحط من الحياة الإنسانية وتقلل من شأنها.

ولما كان الإنسان ابن بيئته فقد عملت ظروف محيط ذلك الإنسان على تبلور صورة واقعية عن مدى تعبئته بوعي دقيق أو وعي زائف.

وما تناقضات الحياة منذ القدم وحتى اليوم، إلا اختلافات وتصادمات أوجدتها الطبيعة المختلفة لدرجة الوعي الإنساني.

فقد يكون الإنسان بوعيه قادراً على إدراك حياته جيداً من ناحية حدوده ومحيط ذاته وقدراته ومدى تلاؤمه مع محيطه ودرجة ما يكسبه منه وكيفية التناغم والتعامل مع بني الإنسان في المحيط وخارجه.

وقد يكون قادراً بوعيه غير الدقيق على إدراك حاله والوضع غير المناسب لأسس الحياة الإنسانية، فيمضي في سعيهِ لصب الحياة في قالب الوعي غير الناضج وفق ما تعرّض له من مثيرات ومحفّزات ساهمت في بلورة وعيهِ بهذه الصورة.

ولما كان الإنسان في بعضه قادراً بوعيه والآخر غير قادر، فله أن يدرك طبيعة المشكلات المحيطة به ذات التأثير الكبير على أسس حياته ومجتمعه، فيحاول تشخيصها وإيجاد الحلول لها، وربما محاولة القضاء عليها والحيلولة دون نشوئها مجددا ً، والطرف الآخر هو غير القادر على معرفة ووعي ما يحيط به من مشكلات أو النظر إليها على أنها لا تدخل في نطاق ما يعيق دينامية الحياة والمجتمع فلا يعدَّها مشكلة.

ومن هنا تبرز تناقضات أخرى بين من يعي واقع الحياة ومشكلاتها، ومن لا يعي بذلك وله كيانه الخاص والمؤثر في المجتمع.

لذا فالأمر مناط بالإنسان ذاته فهو من وضع نفسه في صور الحياة المتعددة هذه ببؤسها وترفها، فهو القادر على الاستمرار في تدني مستويات رفاهية الإنسان، وبالتالي وضع المجتمع على محك الانهيار والنزول إلى أدنى درجات النوع الإنساني، وهو نفسه بيده الخيار لرفع شأن الإنسان والصعود به نحو درجات الرقي والتطور المنشودة.

ولما كان المجتمع الإنساني يعيش هذه التناقضات، لذا لابدّ من وضع استراتيجيات واضحة تعدّل من المعيار الإنساني فيما يتعلق بمنظومة الوعي وإعدادها إعداداً قادراً على الإدراك الصحيح غير المتعثر في تمييز أمور الحياة وما يحيط بها وما يناسبها، وبالتالي تشخيص أسباب المشكلات ليس لعلاجها فحسب، وإنما للحيلولة دون إيجادها مرة أخرى بوعي أقرب إلى الحالة التكاملية.

وبما أنّ الإنسان متفاوت في القدرات العقلية فلا يمكن أن يتم ذلك بصورةٍ سهلة وبدون تقييد، لذا فالأمر بحاجة إلى جهودٍ كبيرة تتوقف على الذات نفسها في بادئ الأمر، من خلال وعي الإنسان لذاته أولاً ومعرفة حدوده، ثم الانتقال بذلك الوعي الذي يريد أن يشق طريقاً جديداً به نحو الإنسان الآخر في تعاملاته وطريقة عيشه معه واكتشاف ما يعيق حركة الإنسان المستقيمة من تناقضات وصراعات وحروب واقتتال، ومحاولة وعي أسباب نشأتها وليس معالجتها فحسب، على اعتبار أنّ ذلك لا يتم بعمل الإنسان وحده مالم تتكاتف كثير من العقول نحو هذا التوجه الواحد في المضمون، وهو توجيه الوعي الدقيق العقلاني نحو إعادة صياغة الحياة الإنسانية بشكلٍ أفضل بعيداً عن التناحرات والتصدعات التي أوجدها الإنسان ذاته لأخيه الإنسان.

ومن ذلك نرى الشعوب المتقدمة وسيرها الحثيث نحو البقاء في القمة من خلال وعي أنّ الحياة يجب أن ينظر إليها نظرة دقيقة، لغرض تلافي مزالقها وجني جميع ثمار وعيها بصورةٍ أفضل، وعلى العكس من ذلك لم تكن الشعوب المتأخرة سوى شعوب قد عانت وما زالت من قصورٍ في الوعي، الوعي بأمور الحياة وإدراك كنه الإنسان في تعاملاته ورغبته في الحياة بطريقةٍ قويمة وليست بمخالفة أسس التعايش الإنساني والذهاب إلى وجهةٍ لا تجني إلا التصدّعات ولا تزيد من وعيها إلا قصوراً وزيفاً وعدم الأهلية في ضمان حياة الإنسان.
Page 2
الفصل الأول

منظورات نحو الوعي والمشكلة

لعل التعمق في قضايا الوعي والمشكلة يستلزم غوراً مفاهيمياً يمكن أن يستدرج المعاني ويربط الأسباب بالنتائج، لمعرفة ماهية الوعي وماهية المشكلة.

وللبناءات أسس ترتكز عليها، والخوض في غمار أصول الوعي والمشكلة يتطلب الوقوف على ما يسمى بوعي الوعي والمشكلة وإدراكهما عن طريق فك لبس غموض المفاهيم ودلالاتها الخاصة بها.

في ديباجة الحياة ظهرت صور عديدة صوّرت تصرفات وسلوكيات الأفراد على أنها نابعة من انحدارها من مواقف ضعف أو عدم فهم أو قلة خبرة أو التغاضي عن الفهم العميق الحقيقي من جانب، ومن جانب آخر قد تكون نابعة من سلوكيات وتصرفات صحيحة مدروسة، وهي انعكاس لتمكين المعرفة من إدارة الحياة بشكل متزن، وما هو حادث في أغلب نواحي الحياة.

فكيف يدرك ويعرف ويتوقع الإنسان ما هو مطلوب منه وما ينبغي عليه أن يفعله ؟ وهل كل البشر قادرون على امتلاك منظومة وعي مدركة كاملة، وكيف يكتسبونها ؟ ولماذا يتغافل عنها الكثير رغم استعدادهم لإدارة المعرفة بشكل منطقي عقلاني ؟ وهل نشأ الفرد في محيطٍ يؤهله لأن يتمكن معرفياً من خوض غمار الحياة ؟

إن الحياة التي جعلت الإنسان يتصرف بها وفقاً لعقلهِ مطوّعاً ما يمتلكهُ من إمكانيات ومعرفة ووعي بتذليل صعابها وكسب ثمار نتائجها المبهرة، جعلت ذلك الإنسان يمتلك منظومة وعي قادرة على أن تفكر في كيفية وعي الوعي ذاته، فليس كل إنسان مؤهلاً لامتلاك الوعي وواعياً لأمور محيطه وحياته، ونجد العكس من ذلك عند الكثيرين.

يفرق ايمانويل كانط «بين الظاهرة ( Phenomenon ) والشيء بذاته، فالظاهرة هي كل ما نعيه ويتبدّى لوعينا وندركه على النقيض من الشيء بذاته الذي يفرز الظواهر ولا نعيه أبداً بعقولنا، وعلى عكس كانط، يرى هوسرل أنّ الظاهرة هي كل شيء والوعي بالظاهرة هو وعي بالوجود، ويرى أنّ مقولة الشيء بذاته تحمل تناقضاً منطقياً واضحا ً، فأن تقول إننا لا نعلم عن الشيء شيئاً يعني أننا عرفنا عنه شيئاً، ووجود المعرفة بالشيء مهما كانت ضئيلة لا يمكن أن تكون عدم معرفة، وبما أنّ الظاهرة هي كل ما ينكشف للوعي، إذن، هي حجر الأساس للمعرفة، والوعي نفسه لابد وأن يكون قصدياً ويتطلب ذاتاً عارفة وموضوعاً خارجياً يتم التعرف إليه» (1) .

ولما كانت المعرفة الاجتماعية كالفكر والحدس والإدراك الحسي وغيرها، والتي تتحدد من قبل البناء الاجتماعي تمثل علم الوجود، لذا فالمعارف الاجتماعية تختلف باختلاف الجماعات، والتي تتضمن كل منها معرفة اجتماعية خاصة بها (2) .

وهكذا تنمو وتنشأ المعارف في كل مكان وتتطور وتزدهر القابلية على الإدراك، حتى وإن كان الإدراك والوعي نحو الأفضل أو نحو الأسوأ.

وتأتي التخبطات عند الأفراد في التفكير والإحساس والإدراك لما يتصرفون به ولما يحيط بهم، ناتجة عن خلل في منظومة الوعي بالشيء وتشخيصه، فليس كل فرد قادراً على التشخيص الصحيح وفق ما تمليه عليه منظومة وعيه، فقد يكون قاصراً عاجزاً عن إزالة غموض الأشياء أو القصدية في مغالطة ما يقوله الوعي.

ويمكن أن نطلق على وعينا لذلك بأنه اضطراب في التفكير أو قصورٍ به.

إذ يعد كثيرون أنّ اضطرابات التفكير هي عرض من أعراض الفصام يتصف بفقدان الترابط بين الأفكار وفقد محتواها من حيث المعنى وعدم التماسك (3) .

وكحالة مطابقة وواقعية على قصور التفكير هي أنّ حياة الإنسان قائمة ولا تزال على تخطيط تفكيري احتل الفكر الإنساني فيه القمة، فما وصول الحياة إلى ما هي عليه الآن إلا انعكاس لصورةٍ تكاملية فكرية راكمت أفكار الإنسان وتطورها بازدهارٍ حياتي متطور أو العكس من ذلك، لعب الفكر الإنساني دوراً آخر في الحط من قيمة النوع الإنساني، لارتباطهِ بالتفكير القاصر وتوظيفهِ لعرقلة الحياة ولضررها.

وعندما يتجرد الفرد من سياق تفكيرهِ وعاطفتهِ وتطغى على شعورهِ تجربة عاطفية وفكرية معينة، عند ذلك يشبّه الفرد بأنهُ قد دخل في حالة من الغيبوبة وهي حالة تشبه النوم، إذ يكون فيها الوعي كما لو أنّ روحاً أو قوة تأمرهُ أو شخصاً آخر يتحكم بهِ، وعندها يفقد الإحساس بالهوية الشخصية والدراية لما حوله (4) .

ومن ذلك تبرز مشكلة الوعي بمنظومة الوعي نفسها، فالسيطرة على الأمور ووضعها في نصابها بدقةٍ تدلل على سلوك الوعي في قنواتهِ الصحيحة، والعكس هو اندثار الوعي وتأزمهُ.
Page 3
ومن الطبيعي أنّ الخلل والقصور في استيعاب الإنسان لمجريات حياتهِ ينم عن الضعف الواضح في مستلزمات الوعي الموجود لديه.

لقد تعددت المنظورات إلى الوعي غير أنها تجمع كلها على كبر تأثيرهِ في المجتمع، بما في ذلك تحريك وتغيير المجتمع باتجاهاتٍ مختلفة (5) .

ويقيناً نحن على معرفة تامة بجدوى الوعي في إدارة المنظومة الحياتية، وما تنقيبنا في ثنايا الوعي ومعرفة نتائج خللهِ إلا نتيجة لدور الوعي المتأزم في شلِّ حركة الإنسان وبالتالي الحياة.

يمكن أن يقال: إن كل إنسان يمتلك وعياً، أو له الاستعداد لذلك، لكن ليس كل إنسان يتصرف بوعيٍ كامل لمعرفة كنه حياتهِ وحياة الآخرين.

إذ إن فهم الحياة لم يأت بالصدفة أو وجده الإنسان جاهزاً بقالبٍ حياتي، وإنما لعب الوعي والمعرفة دوراً كبيراً في سيرها نحو الجادة الصحيحة أو الخاطئة.

ومثلما وظّف الإنسان وعيه لبناء كيان استقلالي له ولأخيه الإنسان، أيضاً هو نفسه ساهم في تدمير ذاتهِ وذات الآخرين، وكل ذلك جاء عن التصرف بعقلانية أو مغالطة العقلانية المستندة إلى الوعي بالحياة. و « تستند فكرة القصدية في الفكر الهوسرلي إلى الدعوى التالية: كل فكر هو فكر في شيء، أي أنه يقصد وبصيغة أدق: الوعي هو وعي بشيء ما ولا يوجد وعي بالفراغ، فالوعي إذن، دائماً يعي شيئاً، فأنا أعي الطاولة والقلم والشارع والناس التي تمشي...الخ، وكل هذه الأمور موضوعات للوعي» (6) .

ي ُنظر إلى الوعي لغةً على أنهُ الفهم وسلامة الإدراك، وهو في الاصطلاح إدراك الفرد لنفسهِ وللبيئة المحيطة بهِ، وهو بهذا المعنى يتضمن إدراك الفرد لنفسه ولوظائفه العقلية والجسمية وللعالم المحيط به ِ (7) .

ويمكن أن ينسحب الوعي إلى أبعد من ذلك شرط أن يعي الفرد نفسه أولاً، ويكون الوعي هو معرفة حجمهِ كإنسان وما المطلوب منه وما يجب أن يعيه بالنظر إلى ما يحيط بهِ.

وما تناقضات العالم اليوم إلا تصدعات واضحة في الوعي الذاتي قبل الوعي بالمحيط، وهي صورة لوجود القشرة الفارغة لكيان الإنسان الذي يفترض أن يمتلك وعياً قادراً على إحاطة نفسهِ بهالة قادرة على تسيير الحياة.

وقد يكون الوعي هو العلم المشترك والمعرفة المتبادلة، القائمة على إدراك الذات للآخر، والذي يشكل الأداء المعرفي للعقل البشري (8) .

بينما يرى باحثون في علم الاجتماع «إن المقصود بالوعي هو إدراك الفرد لنفسهِ كعضو في جماعة، ويرى ميد (G . H . mead) أنه ينشأ نتيجة الفعل الاجتماعي، إذ تمكن عملية التواصل من أن يعي الفرد ليس غيره فقط أي الآخر، بل أن يرى نفسه أيضاً من منظور الآخر، أي أنّ يقوم بدور الآخر إزاء نفسه، وأنّ استدخال الآخر على هذا النحو هو شرط ضروري في قيام الوعي: الذات تصبح موضوعاً لذاتها « (9) .

لعل تشابكات الحياة وبناءاتها تحتّم على الإنسان، بل ينبغي عليه أن يعي الوعي، على اعتبار أنّ جل حياتهِ في ازدهارها وانتكاساتها يديرها وعيه الخاص بهِ والمكتسب من المحيط.

وما سلوك الوعي وبقاؤه في مكانهِ المناسب، إلّا انعكاس لصورة التحرك المستقيم للإنسان في ولوج مراحل الحياة.

وما اختلال الوعي وتأزمه إلا ويلقي بضلالهِ السوداء على تفكك حياتي، فردي ومجتمعي مصاحباً لأزمات وكوارث على الصعد كافة، يمكن أن تحيل حياة البشرية إلى فوضى دائمة من صنع الإنسان ذاتهِ.

وللوعي في آراء الفلاسفة معانٍ كثيرة تشير إلى حالاتٍ خاصة من الوعي ودرجاتهِ، ففي رأي الرواقيين هو حاسة باطنية تدرك النفس بها توتراتها، في حين كانت وجهة نظر القديس توماس الأكويني( Thomas Acquinas )بأنه إدراك شيء ما أو معرفته وقد كان ليبنز Leibniz) )هو أول من ميّز بين الوعي واللاوعي، حيث إنّ الإدراكات البسيطة تصبح مجتمعات إدراكية واعية بالتراكم (10) .
Page 4
ولكن المشكلة تكمن في كيفية إدراك الفرد لنفسهِ ولما يدور حوله: هل هو إدراك عقلاني صحيح أم يعتريه الضعف ؟

فكل إنسان مهيأ للوعي وهو قادر على ذلك، ولكن الإشكالية تكمن في نوعية امتلاكهِ للوعي وهل هو جاد أم وعي مغالط للواقع والمنطق. و « الوعي عند أدموند هوسرل لا يهدف فقط للمعرفة التجريبية والواقعية، إنما يهدف للتعالي على هذه الوقائع، لكي يصل إلى الماهيات الخالدة، أي أنّ الوعي هو الطريق من العالم الزماني والتجريبي لكي يصل إلى عالم الماهيات اللازماني والخالد، وهو قول شبيه جداً بأطروحات المثاليين، فالصورة أهم من الهيولى عند أرسطو، والفكر ضمان الوجود عند ديكارت، والموناد هو الروح الذرَي عند ليبنز، والقالب الصوري هو الحاوي لتناقضات المادة عند كانط، والتمثل الفكري عند شوبنهور، مثلما أنّ الواقع هو العقل نفسه عند هيغل» (11) .

ولربما طرح آخر يرى أنّ الوعي هو القدرة على تأويل المشاعر وتفسيرها، بالعبور منها إلى الواقع الموضوعي، وهي القدرة على العبور من الذاتية إلى الموضوعية عن طريق التأويل (12) .

إن الوعي وإدراكه ينقل الفرد إلى فضاءات أوسع يمكن أن يتصرف فيها وفق هذا الانسجام في الوعي، ويمكن أن ينقله وعيه إلى قيعان التقوقع والعزلة عند مجانبة الواقع والعقلانية.

كذلك، فإنّ مستوى الوعي يعد الخطوة الأولى في تكوين الجوانب الوجدانية بما تتضمنه من الاتجاهات والقيم، وغالباً ما يكون الوعي مشبعاً بالجانب المعرفي رغم وقوعهِ في أدنى درجة من التصنيف الوجداني، وللوعي مجالات عديدة منها: الاجتماعي والبيئي والسياسي والاقتصادي (13) .

من ذلك تبرز بجلاءٍ واضح ضرورة فكِّ غموض الوعي لتركز الجانب المعرفي عليه، ولا يقتصر على وعي الفرد لذاتهِ وإنما يلحقه الوعي بالآخرين ووعي الفرد أو المجموع للمحيط الاجتماعي، وكذلك للبيئة وللثقافة والسياسة والتكنولوجيا بل تشمل جوانب الحياة كافة.

فضلاً عن ذلك، ما يمكن أن يعيه الفرد ولكن بطريقةٍ انقلابية على الوعي بتسييرهِ لمعاكسة نظم الحياة دون مبررات منطقية واضحة، والوعي بتحطيم الآخرين وتهميش الحياة الإنسانية.

«إن تضخم الذاتية يحجب عنّا الوعي ويحملنا على إسقاط مشاعرنا الذاتية الخاصة على العالم وفهمهِ من خلال هذهِ المشاعر، فالوعي يقوم على تحويل الذات إلى رؤية خالصة من شوائب الرغبة، والإنسان في صميمهِ (وجود في العالم) كما يعبرّ الوجوديون، ولكن نمط وجودهِ يختلف عن نمط وجود الأشياء، فالإنسان يتميز عن الأشياء بصفتهِ قيمة في ذاتهِ، فهو غاية في ذاتهِ وليس وسيلة أو أداة لغيرهِ» (14) .

ربما تكون المعرفة الذاتية لذات الإنسان نفسه قادرة على قولبة وعي متكامل قادر على انتشال الإنسان من محيط مقفر ويمكنه من النظر إلى ما هو أبعد بعين عقلانية فاحصة، في حين أن مديات منظومة الوعي الصحيحة لا يمكن أن تبقى حبيسة الفرد نفسه، وإنما التلقائية الموجودة فيها تدفع الإنسان إلى تعميمها على الخارج ومن ضمنها الإنسان الآخر والمحيط.

وما قيمة الإنسان الجوهرية ووجوده الخالص إلا وكان انعكاساً لوعي نوعي خط الطريق لذلك الإنسان وساهمت ظروف معينة في صقلهِ وأوصلته إلى ما هو عليه.

وارتباطاً وإجمالاً لذلك فالوعي بمعناه العام تشكيلة من الأفكار والاتجاهات والمفاهيم والنظريات والصور الذهنية إزاء الظواهر والموضوعات الكبيرة، يؤلف مكوناً مهماً في الثقافة الحديثة (15) .

وهو ملكية الإنسان التي تحدد مسار حياته في أن يكون إنساناً نوعياً يساهم في رسم طريق صحيح لحياتهِ ومجتمعهِ دون انتكاسات، أو يخرج وينزلق في هاوية نقص الوعي أو عدم إدراك الوعي نفسه.

لذا فمشكلة فهم الوعي تتفاقم بتجاهل الإنسان لهذهِ المنظومة، التي تحرّكه في ميادين حياتهِ، على أن يكون الفهم المطلوب هو للوعي الجاد وليس الوعي والتنبه لإخلال توازن الحياة وتفكيكها.

فقد يكون الإنسان واعياً ولكن ما مضمون الوعي الذي يملكه هل هو الوعي بعقلانية بالذات وبالآخر وكيفية بناء الحياة، أم هو الوعي والتنبه للإطاحة بمقدرات النوع الإنساني ؟
Page 5
إذ قد يحتج البعض على قول : إن الإنسان قد يكون واعياً أو لا، بقولهم: إنّ الجميع يملك الوعي وهو قادر على التصرف بهِ.

حيث إن الأمر يتمثل بقابلية الإنسان على التصرف بوعيٍ تام أم لا، فالفرد لديه الاستعداد ليعي كل شيء وعياً خالصاً دون عراقيل، ولكن بالمقابل قد لا يعي أيّ شيء أو يتغافل عن ذلك بوعيٍ مناقض أو مضاد، أي يعي الأشياء للمصلحة التي يريدها ويترك الأشياء الأخرى، كأن تكون الخاصة دون العامة، أو توظيف وعيهِ ومعرفتهِ لجوانب لا تعم بالفائدة على الجميع.

فمن الخطأ الحكم على الشخص بأنهُ لا يوجد لديه وعي عند التصرف بتصرفات مناقضة للعقلانية، وإنما لديه وعي ولكنه وعي سلبي مضاد وليس الوعي الجاد العقلاني الذي يمكن عن طريقه إدراك ذاته ِ ومن حولهِ ومحيطهِ الداخلي والخارجي وفق الأسس الصحيحة، وبالتالي يحيا سلوك النوع الإنساني.

ولذلك وجد الوعي نفسه أمام مشكلةٍ ألا وهي كيفية وعيه، أي وعي الوعي وإدراكهِ، أليس عالمنا اليوم يديره البشر، ومن هؤلاء البشر، كلنا بشر، ولدينا القابليات على إحالة حياتنا دماراً أو ازدهاراً، ومنظومة الوعي كفيلة بذلك.

على أن يشذ من ذلك ضعيف القدرات العقلية من البشر، حيث إن الأمر رهن وكفيل بالإنسان الصحيح البنية والفكر في كيفيته ِ بالتصرف في رسم خطوط الحياة إلى الأفضل أم الأسوأ.

لذا فقد لا نجانب الحقيقة ولا نغالي إن أيقنا بوجود مشكلة في الوعي الإنساني جاءت وتبلورت بتأزم هذا الوعي من قبل الإنسان ذاتهِ.

كما أنّ انسرابات هذا القصور الذي لحق بالوعي كبيرة جداً وامتداداتها عميقة وواسعة، وإلّا فما معنى تسيير الحياة بقلة وعي أو وعي مأزوم متدهور، ولعل لسان حال العالم والبشرية يوضح ذلك بالقول إن صورة التأزمات الحياتية المختلفة في الميادين كافة ما هي إلا انعكاسات لتأزم منظومة الوعي سواء بتغييبهِ أو ضعفهِ أو استخدامهِ بطريقة غير عقلانية.

وإذا كان الوعي قاصراً كيف لنا كبشر أن نتصرف حيال مشكلاتنا ، هل هناك من وعي لمنع حدوثها وكيفية علاجها إن حدثت؟ قد يكون التفسير لذلك هو معالجة ما أنتجته العقول غير الواعية أو ضعيفة الوعي من تقزمات وانتكاسات ومشكلات بما هو موجود من وعي متكامل صحيح وعقلاني.

إن المشكلات تعج اليوم في حياتنا البشرية، منها ما هو اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي وغيرها، وعدم الوعي بها معناه تفاقم وتزايد هذه المشكلات وسيرنا نحو طريق مغلق يؤول إلى فناء الحياة أو عيشها بتأزم وبكثير من الأمراض.

نُظر إلى المشكلة على أنها «أية صعوبة محيّرة، حقيقة كانت أم اصطناعية يتطلب حلها إعمال الفكر» (16) .

فكثير من معوقات الحياة وتناقضاتها اليوم اتفق على نعتها بمشكلة، أي تتطلب حلولاً تخفف منها أو تزيلها نهائياً.

والمجتمعات البشرية مملوءة اليوم بالمشكلات وعلى الأصعدة كافة، وهي من وضع الإنسان الذي جعل نفسه بينها تتجاذبه أمواجها.

إن المشكلة الاجتماعية تحدث في المجتمعات البشرية كافة، وأياً كان نوع هذه المشكلة فهي دلالة على تعويق أو حدوث اضطراب يعرقل سير الأمور بتلقائية، الأمر الذي يستدعي وجود معالجات كفيلة بحلها (17) ، إذ إنها تمثل انقطاعاً لحلقات يمكن أن تكمل حلقات المسيرة الإنسانية، أو إنها تمثل مرضاً يصيب جسم المجتمع فيحاول نخر أعضاءهِ وتهديمه ِ.

ويُنظر إلى المشكلة كذلك على أنّها نقص متزايد في القيم الاجتماعية، التي يتمسك بها المجتمع ولا يفرط بها ، لذلك تختلف المشكلات حسب اختلاف النسق القيمي في المجتمعات (18) .

ومما سبق يمكن التساؤل والقول: هل إن الخلل أو النقص في القيم الاجتماعية خلقته ظروف خارجة عن الكيان البشري ؟

بالتأكيد لا، فالإنسان هو المسؤول عن خرق القيم وضعفها بعدم عقلانيته ِ لها، وبنقص الوعي أو تدهورهِ لديه، الأمر الذي جعل من تدهور النسق القيمي مشكلة كبيرة له، على اعتبار أنّ النسق القيمي معناه الترابط الاجتماعي والتكامل والتناغم والتوحد دون التمزق والحفاظ على العادات والتقاليد والهوية والثقافة.

فكيف لا يمثل انهيار النسق القيمي أعظم المشكلات؟
Page 6
ولا يقتصر الأمر على وجود خلل في القيم، وإنما قد تحدث المشكلة الاجتماعية عندما يهدد موقف آخر غير القيم أهل مجتمع ما، بحيث لا يمكن تفاديه أو تصحيحه إلا بالحلول الجذرية الناجعة (19) .

هذه الحلول قد تشكل ما يسمى بأداة الضغط على الأفراد وتفرض نوعاً من الإلزام الذي يتطلب إيجاد الممكنات لحل هذهِ المشكلات في المجتمع (20) .

وأداة الضغط هذه تدفع البشر إما إلى مراجعة أنفسهم – وهؤلاء نسبة قليلة وغير مشجعة للأسف - لمعرفة بذور المشكلة والقضاء عليها، أو إيجاد بعض المعالجات والترقيعات الخاصة بها، في حين أنّ هناك بشر لا يلزمون أنفسهم بحلها، لعدم وعيهم الجاد بآثارها ومخاطرها.

ولا تتوقف المشكلة الاجتماعية عند حد الرفض الذهني أو العقلي، فالمشكلة الاجتماعية تشكل نوعاً من التحفيز لتحريك السلوك المضاد بغرض حلها ، وإذا كانت فاقدة لصفة التحفيز لا يمكن عندها الشعور بها واعتبارها مشكلة آنذاك (21) .

وليس كل إنسانٍ قادراً على إدراك ووعي المشكلة، وإلا لما كانت حياتنا مليئة بالمشكلات، وليس أيضاً كل إنسان قادراً على التخلص من سلبياتها بوعيهِ، فكثير من الناس ما يكون فاقداً لقدرة التمييز على أنّ ذلك الموقف أو الفعل يُعد مشكلة أم لا، وبالتالي لا يتمكن بعد حدوثها من وضع الحلول لها لأنه لم يعِها كمشكلة.

وتمتاز المشكلة الاجتماعية أيضاً بنسبيتها، فما قد يحدث ويُعد مشكلة في مجتمع، قد لا يُعد كذلك في مجتمعاتٍ أخرى (22) .

وحسب رؤية هوسرل فالأشياء تبقى موجودة بذاتها لكنها قد تكون بالنسبة لنا غير موجودة في الوقت نفسه (23) ، أي أننا نعي الأشياء حسب ادراكاتنا لها،لكنها باقية بذاتها ومعطياتها.

واختلاف المجتمعات بتمييزها للمشكلات يعود إلى تشكيلة الوعي في تلك المجتمعات المتأتية من ظروف وبيئة كل مجتمع، التي قد تناقض غيرها من المجتمعات، إذ إن الوعي خاص بالإنسان والإنسان ابن بيئتهِ وقيمه وعاداتهِ وتقاليده، ومن ذلك تختلف الدرجات في تمييز وإدراك المشكلة أو عدّها كذلك بين مجتمعٍ وآخر.

حيث إن عدم عدِّ مجتمع ما ما يشخصه مجتمع آخر على أنه مشكلة، قد لا يعني قصور الوعي عند ذلك المجتمع، وإن ذلك الحدث قد لا يشكل بالفعل مشكلة له، وقد أدركه بوعيه على هذه الشاكلة.

إلا أنّ الأحداث المتفق عليها والتي تمس كل البشر، إذا شخصها مجتمع على أنّها مشكلة وآخر لا يعدّها كذلك، يمكن القول وبشيءٍ لا يقبل الشك: إنّ منظومة الوعي في المجتمع الأخير مأزومة إلى حدِّ عدم تمييز الشيء وعدّه مشكلة أم لا، وذلك يعود إما إلى ظروف بيئتهِ التي تشكّل وعيه على أساسها أو لقصورٍ ذاتي يعود إلى الشخص نفسه أو المجتمع.

وكذا الحال على مستوى أصغر، إذ ما يعدّه الإنسان مشكلة في جانبٍ ما أو مكانٍ ما قد لا يعدّه آخر كذلك، وذلك يتوقف على درجة الوعي الصحيح له وكيفية تمييزه للأشياء الضارة والنافعة منها.

ومن هنا تبرز أهمية الوعي بتشخيص المشكلة، أما القصور بهِ أو ضعفهِ فمعناه التسبب في حدوث المشكلات، وعدم صياغة الأشياء بصورة عقلانية منطقية ينجم عنها حدوث المشكلات، أو السعي الحثيث وبوعيٍ تام سلبي نحو إيجاد المشكلات وصناعتها.

وذلك الترابط بين الوعي والمشكلة يوضح لنا ما مفاده أنّ الضعف في قابلية الوعي على إدراك الإنسان لذاتهِ ولمحيطهِ، كفيل بإنتاج المشكلات الاجتماعية ويضعف بالتالي، القابلية على تلافيها أو إيجاد الحلول الممكنة لها.

إن الوعي منظومة يفترض أن تكون متكاملة، لتتمكن من نقل الإنسان من طورٍ إلى طورٍ آخر أكثر منطقية وعقلانية، ولعل شواهد التاريخ تشير إلى خطى سير الحياة وكيف سار الإنسان وانتقل من مرحلة إلى أخرى وقام ببناء حضاراتهِ وانجازاتهِ، وهو اليوم يُصارع لغرض البقاء مع الطرف الآخر المغيب الوعي والذي يعاني من قصورٍ في هذه المنظومة، التي تجعل منه حاملاً لسلاحٍ فتاكٍ يمكن أن يستخدمه لإبادة البشرية.

ولما كان الوعي بالشيء وما حوله وعياً صحيحاً يقي الإنسان من أزمات الحياة ومشكلاتها، فذلك يعني أن نقيضه وتحت أيّ ظروف معناه نبذ الوعي بإرادة أم بدونها وجعله وعياً مضاداً يقف على الضد من الوعي الجاد والمطلوب لتحقيق استقامة الحياة.

وعليه، فهناك علاقة ترابطية توضّح أنّ أصل المشكلة بحدوثها هو قصور الوعي وتأزمه، وكيفية حلها كفيل بوجود الوعي الجاد القادر على وعي أسبابها وليس إيجاد الحلول الجزئية لها، ولا يشذ عن ذلك نوع واحد من المشكلات وإنما تشترك فيه المشكلات كافة التي جاءت من الإنسان وبسبب الإنسان ويمكن أن تنتهي عن طريقهِ أيضاً.
Page 7
الفصل الثاني

ميكانزمات المحيط وتكوين الوعي

لا يمكن لمنظومةٍ كمنظومة الوعي أن تنشأ من قبيل الصدفة لدى الإنسان أو تأتي جاهزة، فيوجد الإنسان ويجد نفسه واعياً أو ممتلكاً للوعي، ولابد من محفّزات تساهم بشكلٍ كبير في تكوين وعي الفرد وبلورتهِ نحو الأفضل أو الأسوأ.

وكما هو معلوم فالإنسان ينشأ عند ولادته صفحة بيضاء حيث تكرّس الحياة ومحيطه الاجتماعي كل أفعالهما على هذه الصفحة، وبما يتلقاه هو بصفتهِ عضواً في جماعة اجتماعية من عادات وقيم وتقاليد الجماعة التي ينتمي إليها.

من ذلك نرى أنّ المجتمع بإرثهِ الحضاري والثقافي مسؤول بشكلٍ كبير عن ترسيخ روح الجماعة والتساند والتكافل ومعرفة الجادة الصحيحة وتمييز العراقيل التي يمكن ان تضع ذاته ومجتمعه في أدنى درجات الإنسانية والتطور.

فالإنسان يتلقى كل معارفه وأفكارهِ لتحديد ذاته وهويتهِ وكيفية توافقهِ وتلاؤمهِ مع أخيه الإنسان من مشارب متعددة جميعها تساهم بإغناء ذلك الإنسان مما يؤهله لأن يدرك ويميز ويعي كل شيء من حولهِ.

وتتفاوت المجتمعات بمؤسساتها المختلفة من ناحية القابلية والقدرة في وضع الفرد على الجادة الصحيحة أم الخاطئة.

وتبدأ مؤسسات هذا المجتمع بتلقينه كل ما من شأنه أن يجعله إنساناً واعياً له القدرة والإمكانية على أن يعي ما يخصه ويدور حوله وما له علاقة بمجتمعهِ، وبالمقابل قد تخطئ هذه المؤسسات المسؤولة عن بناء المجتمع في إعداد ذلك الفرد بدءا ً من الأسرة وانتهاءً بآخر مؤسسة، فينشأ كياناً يعاني وخصوصاً في قابلية وعي الأشياء وتفسير الظواهر والأحداث، وتأتي أحكامه غير دقيقة وقد تؤدي إلى حدوث كثير من المشكلات، لوجود قصورٍ في بناء شخصيتهِ المتأتي من انعكاسات حياتهِ سواء في أسرته أو في المحيط.

لذا فإعداد الوعي لدى الإنسان يبدأ وكما هو مفروض بأسسٍ صحيحة لبنائهِ درجة درجة، لإتمام هذه المنظومة بشكل ٍ يستوعب شكل الحياة المزدهرة، ولا يتم ذلك بمعزل عن مكملات كثيرة تساعد الفرد على امتلاكهِ الوعي الجاد في حياتهِ ومحيطه ِ الاجتماعي.

وكما هو معلوم فإنه لا يوجد إنسان بدون أحاسيس أو عقل أو معتقدات، كما أنه لا يكون معزولاً عن باقي الأفراد في مجتمعهِ أياً كان هذا الإنسان بدائياً أم عصرياً، إلا أن هناك مؤثرات تؤثر في مصادر الملكات المعرفية التي يمتلكها، والمتأتية من التأثر بنوع المجتمع ذاته ومحيطهِ (24) .

فصفة الاستئناس تلزم الإنسان مشاركة الآخر لتكوين منظومة حياتية بأشكالها وعلاقاتها ونظمها المعهودة، والعزلة تخرج ذلك الإنسان عن الصفات الإنسانية أو النوع الإنساني، وغالباً ما يتأثر الإنسان بما يحيط به ويملأ مداركه وأحاسيسه منها.

فالفرد يصبح تابعاً وملتزماً بسلوكهِ لكل أعضاء جماعتهِ عندما يكون قد أدرك معايير وتوقعات دورهِ، ويتصرف وفق ما تمليه عليه توقعاته بالرجوع إلى الجماعة الأصلية ووفق تصوره الذاتي (25) .

وعلاقة الفرد بالجماعة تتمثل بعلاقة الجزء بالكل، إذ يجب على الفرد لكي يسلك سلوك الجماعة المنتمي إليها، أن يقوم بتمثيل علاقات الجماعة كلية في داخل عقلهِ (26) .

وما سلوكه بهذه الطريقة إلا رغبة في أن يعيش دوره كفرد له حرياته وكيانه الخاص بهِ ويحظى بالمقبولية، ولكي يساهم في بناء حياته ِ دون تعثر وتطبيق ما تلقّفه من عادات وتقاليد الجماعة ، لغرض الشعور بالأمن والطمأنينة من أنه قد طبّق تعاليم الفئة التي ينتمي لها.

وما اكتساب الأفراد للمعارف والمهارات والتمثيلات المعرفية إلا لاستخدامها حسب الأطر والرموز، أي بمعنى استخدامها حسب السياق الثقافي الذي يولدون وينشؤون فيه، مع اكتسابهم للقدرة على التعديل والتطوير في هذه المعارف والمهارات، بما فيها من صالح للمجتمع (27) .

ولما كان المحيط الاجتماعي مسؤولاً بشكلٍ كبير عن تلقي الفرد لكل معارفه وسلوكياتهِ، لذا فهو مسؤول بدرجةٍ أكبر عن بناء الوعي الذاتي لذلك الفرد، بما يشتمل عليه وعي ذاته ووعي الآخر ووعي ما يدور حوله في محيطه ومجتمعه.
Page 8
ولا يقتصر تأثير المحيط الاجتماعي على تكوين منظومة الوعي، وإنما هو مسؤول بشكلٍ مباشر - كما ذكرنا - عن تلقي المعارف والمهارات والأفكار.

«فتتعدد وتتنوع معارف الإنسان حسب نمط عيشه وتطوره الفكري والاجتماعي، فمنها ما هو ذاتي - انطباعي، وأخرى تراثية وبعضها عقلية، ومنها علمية، وأخرى دينية، وقسم منها خرافية - أسطورية عاكسة لزمانها ومكانها، أي المرحلة التطورية لها والمنطقة الجغرافية التي تعيش عليها، موضحة علاقتها بالمجتمعات الأخرى والثقافات المتصلة» (28) .

وذلك ما يشير إلى تنوع معارف الإنسان وفق بيئتهِ ومحيطه الذي ينطلق منه، وكذا الحال بالنسبة إلى ملكة الوعي التي تنشأ لدى الفرد وتتشكل وفق ظروف الجماعة التي ينتمي لها وإمكاناتها وسلوكياتها، وما يتشربه من قيم وإرث وعادات ذلك المجتمع الذي يحيا فيه.

وتتناوب على تكوين الوعي لدى الإنسان عدة مؤثرات في هذا المحيط تتبلور على شكل عمليات ومؤسسات لها الأثر الكبير في تعديل وإضافة سلوكيات جديدة للإنسان بشقيها الإيجابي منها والسلبي.

إن طور حياة الفرد يمر بما يسمى بالتنشئة الاجتماعية ( Socialization )، التي تساهم في نوعية انتقال الفرد من مرحلة عمرية إلى أخرى، بما تحمله هذه المراحل من اكتساب مهارات وعادات وتلقي خبرات، وهي المسؤولة عن تكامل حياة الفرد في المجتمع.

حيث إن لكل مجتمع طرقه وأساليبه ومعاييره الاجتماعية الخاصة بهِ والمميزة له، ويستخدم ما يناسبه ويختاره لتحقيق النمو الاجتماعي المطلوب، إذ تمارس التنشئة الاجتماعية دورها في مساعدة الفرد على التصرف وفق معايير مجتمعية، تجعل منه ملتزماً قدر الإمكان بأساليب الحياة في ذلك المجتمع وسقفه الثقافي (29) .

ولما كانت التنشئة الاجتماعية تعمل بهذه النوعية في حياة الفرد، لذا فهي تساهم بقوةٍ في تشكيل وعيه وتفتح مداركه وقدرته على التمييز.

وتتطور هذه القدرة بالانتقال من مرحلة إلى أخرى، على أن لا ننسى كيف تكمل كل مرحلة المرحلة التي سبقتها في رفد الفرد بالمهارات والوعي والمعرفة.

إن السلوك الاجتماعي للإنسان هو مظهر من مظاهر التنشئة، يعتمد في تطوره على قوتين متفاعلتين بعضهما مع بعض، هما قوى الإنسان الذاتية أو الموروثة من جهة، وقوى المجتمع المضافة له من جهة أخرى (30) .

ولا يمكن لعملية التنشئة أن تؤدي دورها دون تكامل معطيات الحياة وتوافر عناصر إتمام العملية من مؤسسات وأدوار وسلوكيات.

إن مفهوم التنشئة الاجتماعية في معناه العام يشير إلى العمليات التي تساعد الفرد على كيفية الاستجابة للمؤثرات الاجتماعية المختلفة، بغرض التواؤم والتوافق مع الآخرين، وكذلك يشير هذا المفهوم إلى العملية التي يتحول خلالها الفرد من كائن عضوي بيولوجي إلى كائن اجتماعي (31) ، يعيش مع الآخرين في بيئة يساهم هو في اكتمالها وتطورها.

تعدُّ التنشئة الاجتماعية عملية قديمة قدم المجتمعات الإنسانية، التي مارسها كثير من الشعوب القديمة ومازالت الحديثة منها تمارسها، لتنشئة أجيالها وفق خصائصها وعاداتها وتقاليدها التي كونتها وتعاطت معها (32) .

إن صورة واضحة لما وصل إليه الإنسان اليوم، هي دليل على انخراط مراحل حياته وخضوعها للتنشئة الاجتماعية، التي جعلت منه منتظماً في الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ليكتسب صفة المقبولية الاجتماعية في المجتمع.

ويجب أن لا ننسى تعثر قنوات التنشئة الاجتماعية بالنسبة للفرد وما قد يؤديه ذلك التعثر من سلخ الفرد من مقبولية الحياة الاجتماعية، وما خروج الحياة اليوم وفي رصيدها أعداد هائلة من المنسلخين عن السياق الاجتماعي، إلا دليل على قصور التنشئة الاجتماعية لهذه الأعداد من الأفراد.
Page 9
وقد مارست الشعوب التنشئة الاجتماعية باعتبارها ضرورة اجتماعية هدفها إعداد الفرد إعداداً قويماً، لينال مكانة في جماعتهِ ولتنشأ أجيالها على ما نشأت هي عليه، بغية الحفاظ على التراث والهوية والعادات والتقاليد (33) .

وواقعاً، فإن إعداد الفرد لامتلاك واكتساب المهارات والمعارف والوعي المتكامل، لا يمكن أن تتكفل به مؤسسة أو مرحلة بمعزل عن المؤسسات أو المراحل الأخرى، وذلك لتكاملية الدور التأهيلي للتنشئة الاجتماعية في صياغة الشخصية الإنسانية القادرة والمالكة لوعي متكامل.

إن مصطلح التنشئة الاجتماعية بات يُطلق على العملية التي يتعلم بواسطتها الأطفال أو الأفراد المستجدون في المجتمع كل أساليب وسلوكيات حياة مجتمعاتهم، فهي الوسط الأول والأساس لنقل ثقافة المجتمع الذي يحيا فيه الفرد من جيل إلى جيل وعلى مدى الدهور (34) .

وحقيقة إن عملية نقل الثقافة لا يمكن أن تتم بسهولة، ودون تهيئة إمكانية النقل من دون مؤثرات، وللتنشئة الاجتماعية دور جوهري في إعداد الأفراد الذين مرَوا بدقةٍ متناهية عبر قنوات مراحل حياتهم ، كما أنه لها دور مؤثر في صقل حياتهم عبر اكتسابهم لخبرات ومعارف الحياة.

ولا يمكن للفرد امتلاك المعارف والخبرات ونقل الثقافة دون وجود منظومة وعي متكاملة ساهمت قنوات التنشئة في إعدادها بالشكل الأمثل، حيث تساهم التنشئة الاجتماعية في تعبئة الوعي لدى الفرد مكتسبة ذلك من مؤثرات الحياة المحيطة بالفرد وقنواتها.

ويؤخذ بعين الاعتبار والحسبان ما تقوم به التنشئة الاجتماعية من تحويل الفرد إلى كائن اجتماعي وإشباع حاجاته الثقافية ومساهمته في الاتجاهات العقلية والقيم السائدة في مجتمعهِ (35) .

إن نقل الإنسان من طبيعة الكيان الذي لا يملك صفة الإنسانية والقريبة من الحيوانية بعدم امتلاكه لخبرات وسلوكيات البشر وتفاعلاتهم إلى كيان اجتماعي، يشير إلى البدء بإنشاء وصقل الوعي لذلك الفرد وزيادة التراكمات المعرفية عنده، لينتقل عن طريق وعيه من مرحلة حياتية إلى أخرى أكثر نوعية وتطوراً أو مكملة لمسيرة حياتهِ.

فالفرد الواعي يصبح مستجيباً للمؤثرات الاجتماعية التي هيأتها له التنشئة الاجتماعية، وما قد تشتمل عليه هذه المؤثرات من ضغوط وما تفرضه من واجبات التكيف للسير في الحياة وتقبل الآخرين (36) .

وربما يكون الفرد في مرحلة إعدادهِ اجتماعياً عن طريق التنشئة الاجتماعية قد صاحب وعيا ً يحتاج إلى تكوين نوعي أكبر، لكنه أصبح على وعي بدرجة أو بأخرى بضرورة المضي والولوج في سياق الحياة الاجتماعية، الذي يحتم عليه اكتساب صفات ما يحيط به من الأفراد وكيفية معاملتهم لسير الحياة.

ولا تخرج عن ذلك مساهمة التنشئة الاجتماعية في عملية تكوين الأنا للفرد والتعلم الاجتماعي والتوافق الاجتماعي والتثقيف ، بما تمتلكه من وحدة وتكامل مميزين (37) .

وتكوين الأنا ضروري جدا ً لشخصية الفرد وإطلاق قابلياته وتحديد حدود شخصيتهِ، وهو ما تساهم به التنشئة الاجتماعية بجعل الفرد يفكر بوعيٍ كيفية بناء حياته والبدء والشروع بتحديد مصيره على كل المستويات ومعرفة ما يدور حوله وفي محيط مجتمعهِ.

ومن صفات عملية التنشئة الاجتماعية أنها تستمر على مدى العمر وتتمخض في بعض نتائجها عن تشكيل وإعادة تشكيل التفاعلات الاجتماعية، إذ تتيح المجال للأفراد بأن ينمّ وا أنفسهم ويطوروا قابلياتهم وطاقاتهم للاندراج في سياق الحياة الاجتماعية (38) .

واستمراريتها هذه تأتي من تعاقب أجيال البشر وانتقال مراحل تنشئتهم من جيل إلى آخر دون انقطاع، ولا يشذ عن ذلك استمرارية التنشئة الاجتماعية غير السليمة في إعداد الأفراد بطريقة خاطئة .

وعليه، فامتلاك الوعي يمكن أن تساهم بهِ قنوات التنشئة الاجتماعية بدرجة أكبر، سواء أكان الوعي الجاد أم الوعي القاصر المأزوم، كلٌّ وفق ظروف وبيئة ومحيط الحياة التي نشأ وتربى الفرد في داخلها.
Page 10
فضلاً عن ذلك، لا يقتصر دور التنشئة الاجتماعية على غرس المهارات والمعارف وغيرها فقط، وإنما يقوم أيضاً، بوضع آلية الضبط والكف عن الأعمال التي لا تتسق مع معايير وقيم المجتمع، مع تشجيع الأفراد على العيش والاندراج ضمن الحياة الاجتماعية دون الانعزال عنها (39) .

وعملية التقبل والاكتساب هذه التي يلحقها الرفض والكف عن كل ما من شأنه مخالفة قواعد المجتمع ، لا تأتي بسهولة عن طريق التنشئة الاجتماعية، وإنما تحتاج إلى مساهمة التنشئة في بلورة منظومة الوعي بشكلٍ إيجابي، للوعي بهذه الأمور والمساهمة في تقبلها والسير وفقاً لها.

ومن مساهمات التنشئة الاجتماعية الأخرى إنها تساعد الفرد على الانتقال من الاتكالية المطلقة والاعتماد على الغير والتمركز حول الذات في مراحل عمره الأولى ، إلى الاستقلالية والإيجابية والاعتماد على الذات وتقبل الحياة والآخرين (40) .

ومن المؤكد أنّ سير عملية التنشئة الاجتماعية بصورة سليمة من شأنه أن ينقل الفرد من طور الفرد البعيد عن الصفات الاجتماعية إلى الحياة بصفاتها الاجتماعية والبعيدة عن الانعزالية والتقوقع حول الذات وإلى الانفتاح وحق تكوين الشخصية ومعرفة حدود ممارساتها وطموحاتها.

وللوعي بذلك وقفة كبيرة في حثِّ الفرد على فتح مداركه للتخلص من السلبيات التي تدفع الإنسان إلى الانسلاخ عن الجانب الإنساني .

ولما كانت التنشئة الاجتماعية تساعد على تشرب الفرد لثقافة مجتمعه ِ، لذا فهي تعمل على بناء الشخصية لذلك الفرد المتماثلة مع قيم واتجاهات وعادات المجتمع الذي يحيا فيه (41) .

ومن ذلك تبرز أهمية التنشئة الاجتماعية بقنواتها المختلفة في نشوء ملكة الوعي لدى الفرد وكيفية مساهمة المنظومة الثقافية لمجتمعه في تعزيز دور الوعي لديه في إدراك وتمييز الأحداث والمساهمة الفاعلة في الحياة.

وتختلف قنوات التقبل لعملية التنشئة الاجتماعية لدى الفرد باختلاف نوعية الوعي المكتسب عن طريقها، إذ إن نشوء الفرد واعياً بذاته ومحيطه وأقرانهِ دليل على إتقان التنشئة لدورها في ترسيخ وعي جاد عقلاني، أما القصور في وعي الذات والمجتمع فيشير إلى تعثر هذه العملية في رفد الفرد بوعيٍ منطقي قادر على إدراك كنه الحياة ومواصلة تراكميات حياته بصورة سليمة مع إتمام مراحل الانتقال التي أوجبتها عملية التنشئة بدقة كبيرة.

وعليه تمكن الإشارة إلى أنه رغم أنّ للتنشئة الاجتماعية دوراً كبيراً في إيجاد الوعي وصقلهِ لدى الفرد، إلا أنه بالمقابل، فللوعي دور أكبر في تقبل هذه المراحل والانتقال بها من طورٍ إلى طورٍ آخر.

فالفرد ذو الوعي الجاد والمنطقي يدرك أهمية بناء الذات ومد جسور الألفة والعلاقات الاجتماعية بينه وبين الآخرين دون الانعزال والسير عكس اتجاهات العادات والقيم الاجتماعية.

وللوعي المأزوم والقاصر أو السلبي أيضاً، دور في عرقلة مسيرة حياة الفرد دون الانتظام في مراحل سير عملية التنشئة الاجتماعية، الأمر الذي يجعل وعي ذلك الفرد مكرَساً لمخالفة منظومة قيم واتجاهات المجتمع الذي يعيش فيه.

ومروراً على ذلك تعدُّ التنشئة الاجتماعية الوحدة الأساسية لنشوء وعي الفرد عبر قنواتها ومؤثراتها المختلفة، وما قد يساهم به الفرد بوعيه في رفع شأن حياته وحياة الآخرين أو طمس معالم ذاته ومجتمعه.

ولعل من ابرز قنوات التنشئة الاجتماعية التي يمكن المرور بها لمعرفة مدى مساهمتها في بناء كيان الفرد ومن ضمنه وعيه ما يأتي: