eKtab
EN ع
مذاهب الفكر الأساسية في العلوم الإنسانية
Read free sample

مذاهب الفكر الأساسية في العلوم الإنسانية

by بوبكر بوخريسة

Page 1

استهلال

على امتداد عدة سنوات، قمنا بجرد مستفيض للوثائق المتوفرة، كما المصادر الأولية والتحليلات التي عالجت موضوع “مذاهب الفكر الأساسية في العلوم الإنسانية”، حيث تم التعرف على مسائل، تساؤلات وقضايا البحث التي تسمح لنا بتكوين، تطوير وترقية معارفنا حول هذه الإشكاليات. ولذلك، فقد اقترحنا مداخل جديدة، تسمح لنا بمعالجة هذه التساؤلات، بكيفية لائقة. كما قمنا بتنقية وتوضيح تلك القضايا وعزل المتغيرات التي تشكل محل ريبة في تفسيرنا. وأخيرا، فقد استخلصنا أبعاد ومؤشرات تلك المسائل، لكي نتمكن من رسم خطة مؤقتة، تسمح لنا بالانطلاق في تجميع مختلف أنواع المعلومة. وكما يلاحظ القارئ الكريم، فإن الباحث مدعو إلى القيام بعدد من الاختيارات الذاتية، تؤول به في المحصلة إلى تفضيل هذا المذهب [النظرية] أو خلافه، هذا التفسير أو غيره. وتعتبر مثل هذه الاختيارات، أمورا عادية ومألوفة في ميدان الفكر والعلم. لكن من المفيد، أن يعي الباحث ضرورة أن يتحمل مسؤولية اختياراته. في حقول العلوم الإنسانية، حتى وإن كان من الجائز إجراء البحث، دون الاستناد إلى تيار فكري معروف، فإن غالبية الباحثين يمكنهم أن يرتكزوا على تيار بعينه. إن هذه التيارات الفكرية المختلفة، لها قاسم مشترك وهي أنها توفر وجهة نظر قابلة للتحليل، بشأن أي موضوع في العلوم الإنسانية. على سبيل المثال، يمكننا أن نستذكر النظرية الماركسية أو التحليل النفسي من أجل تحليل الظواهر الاجتماعية، مثل: الانحراف، الوضعية النسائية كما مشكلات السياسة الدولية. لكن عند الانطلاق، من المفيد أن نتعرف جيدا على تلك المذاهب الكبرى التي يمكن للكاتب أن يوظفها. وبعدها، فهو يستخدمها عند الاقتضاء، من أجل أن يموقع بحوثه، في واحد أو أكثر من بينها. وسنتفحص الأطر الأولى أو المقاربات التي تم توظيفها، سواء في حقول العلوم الاجتماعية كما في العلوم الإنسانية. وسنحاول، عن طريق تقديم تلك المقاربات، أن نحترم ما أمكن ترتيبها الزمني من حيث ظهورها...

الأستاذ بوبكر بوخريسة

Page 2

الأخلاق بين عالم المثل والواقع

= التفسير بواسطة الأخلاق

= بروز الأخلاق وتعلم المعايير الأخلاقية

= الأخلاق البانية الجديدة والنهضة

= نحو مدنية طوباوية...

= قائمة بيبليوجرافية

تعني لفظة “الأخلاق” (mores) في اللاتينية: 1- مجموعة قواعد السلوك والقيم التي تعمل كمعيار في مجتمع معين. 2- نظرية الغاية المرجوة من أفعال الإنسان. 3- مبدأ وخلاصة الممارسة التي تستنتج من التاريخ. ولذلك، يمكننا أن نعرف الأخلاق بأنها: “علم الخير والشر أو مبادئ السلوك القويم”. وهي نظرية السلوك الإنساني الذي يخضع للواجب ويهدف إلى تحقيق الخير... وترتبط الأخلاق على العموم بتقليد مثالي (نمط كانطي) يميز بين ما هو موجود وما يجب أن يكون. في حين أن عبارة (éthique) التي تشتق من اللاتينية (ethicus) فهي تفيد «نمطا ماديا (من نوع سبينوزي) يبحث فقط عن تحسين الواقع، بواسطة اتجاه عقلاني يستهدف تحقيق السعادة للجميع». وبهذا المعني، تشكل فلسفة الأخلاق: 1- مذهب سعادة للبشر ووسائل التوصل إلى تلك الغاية. 2- مجموعة خاصة من قواعد السلوك. 3- وجزءا نظريا من علم الأخلاق (morale).

Page 3

تم تناول المسألة الأخلاقية، من قبل الفيلسوف الفرنسي ر. ديكارت (R. Descartes 1596-1650) في كتابه «مبادئ الفلسفة»، كما لو أنها كانت تنحدر من تصوره للميتافيزيقا، حيث يقول عنها: «هكذا، فإن كل الفلسفة هي كشجرة، جذورها هي الميتافيزيقا، جذعها هو الفيزياء وتمثل الفروع الأخرى [التي تتفرع من هذا الجذع] كافة العلوم الأخرى التي يمكن أن تختزل في ثلاثة علوم أساسية، وهي: الطب، الميكانيكا العامة والأخلاق (morale). ويضيف إلى ما تقدم: «وأقصد بها الأخلاق العليا والكاملة التي تفترض معرفة كاملة بالعلوم الأخرى وتتطلب درجة قصوى من الحكمة (Descartes, 1644). و»بما أننا لا نقطف لا الجذور ولا الجذع، بل نقطف الثمار - لكن فقط من نهايات فروعها - فهكذا ترتبط الفائدة الأساسية من الفلسفة، بفائدة فروعها التي لا يمكننا أن نعرفها سوى في الأخير». هكذا، يؤسس ديكارت علم الأخلاق على «معرفة العلوم الأخرى»، في كتابه «خطاب في المنهج» (Discours de la méthode). وفي سياق انشغاله بـ«أخلاق المؤسسة» (Ethique d entreprise) [للحيلولة دون استخدامها بشكل غير مطابق لعبارة (morale)] فقد ميّز الفيلسوف أ. كونت - سبونفيل (André Comte-Sponville) في كتابه «هل الرأسمالية أخلاقية؟» (Le Capitalisme est-il moral?) بين أربعة استعمالات لمصطلح الأخلاق، من بينها فكرة النظام الأخلاقي. ولتدقيق هذا التمييز بين العبارتين (l’ordre moral et l’ordre éthique) فهو يرجع إلى سبينوزا وكانط، ويعني بعبارة (morale) كل ما نقوم به وجوبا (devoir) وهو من قبيل سلطان الإرادة، ويعني بكلمة (éthique) كل ما نقوم به بمحبة (amour) وهو من قبيل الشعور.

في الغالب، تبدو الأخلاق (أو الآداب) كما لو أنها خاصية الإنسان. وهو ما يجعل منها موضوعا مفضلا في العلوم الإنسانية. لكن الأخلاق هي أيضا وبشكل جوهري مسألة معيارية، سواء كان ذلك بمعنى الالتزام اللائق (Déontique) بما يجب فعله أو بالامتناع عن فعله. وإما بالمعنى الخلاقي (Axiologique) بشأن ما هو أفضل من الناحية الافتراضية. لكن، قد يبدو من الصعب علينا أن نؤسس علما للمعياري، دون أن ننصاع لنوع من التعسف الأخلاقي أو الخضوع إلى نزعة اختزالية وظيفية، تفرغه من معناه الأخلاقي المفترض. لقد أزاحت هذه الصعوبة، بشكل نهائي أحيانا من حقل الأخلاق بعض فروع العلوم الاجتماعية دون الحيلولة، من أن يخصص العديد من المنظرين مكانة جوهرية للأخلاق، انطلاقا من بعض الاعتبارات الفلسفية والإمبيريقية. وفيما سيأتي سنميز [بكيفية عرضية بالنسبة لمختلف العلوم] بين أربعة أساليب أو دروس لا حصرية تموقع الأخلاق في نظرية العلوم الإنسانية: بوصفها وسيلة تفسيرية وموضوعا للتفسير وباعتبارها اتجاها بارزا أو إكراها عقلانيا.

إن المكانة المميزة التي تحظى بها الأخلاق في العلوم الإنسانية، لا يمكن أن تفهم بغض النظر عن المصير الذي خصصته لها، فلسفتان أساسيتان، هم: 1) فلسفة د. هيوم (D. Hume 1711-1776) التي تستبعد الأخلاق من ميدان الوقائع التي يمكن معرفتها بواسطة العقل. وذلك لأن الأخلاق هي أكثر من ذلك: إنها “إحساس أكثر منها حكما”. وسيكون من الخطأ منطقيا أن نستخرج مما هو موجود، نتائج في صيغة عبارات “واجب - وجود”. 2) وفلسفة إ. كانط (E. Kant 1724-1804) التي تأخذ بعين الاعتبار المحرّم أو الامتناع الهيومي، حيث تميز فلسفة كانط بين نظامين اثنين للعقل، عندما تقوم تلك الفلسفة بالتنظير في ميدان الحسي والسببية الطبيعية أو بالعكس، عندما تقود وتوجه الفعل من وجهة نظر الإرادة الخيرة الوحيدة والقانون الأخلاقي فحسب.

Page 4

وفي هذا المستوى يتموقع أحد الإسهامات الكبيرة التي قدمها م. فيبر (Max Weber 1864-1920) الذي يتمثل في إعطاء محتوى سوسيولوجي للسببية الأخلاقية التي تؤثر في الوقائع الاجتماعية، خاصة من خلال أطروحته عن دور الأخلاق البروتستانتية في تطور نظام الرأسمالية، رغم أنه لا يمكننا تقرير ذلك إلى أقصى حد. في الحقيقة، من وجهة نظر أمبيريقية، لا يبدو الأمر صعبا جدا لكي نكشف عن بعض التصورات الأخلاقية التي تصاحب السلوكيات الإنسانية. وهذا هو تحديدا ما قام به فيبر، عندما اضطلع بتحليل “العلاقة بواسطة القيم” والمذاهب الأخلاقية التي تغذي رواد ودعاة الرأسمالية: التقشف والزهد الدنيوي، الاستعمال العقلاني للثروات وتثمين الجهد... لكن عندما يتعلق بالقيمة الأخلاقية النهائية لهذا الميل، يصبح حظ الباحث السوسيولوجي ضعيفا في تأكيد ذلك الميل. لأن أولئك الأشخاص المعنيين بالأمر يعترفون بدورهم، أنهم يجهلون ما هو مصير ومآل تلك القرارات الربانية. لكن هذه المقاربة تعكس على الأقل، وجود إمكانية لكي نلاحظ الأخلاق في تعبيرها المذهبي وانعكاساتها الملموسة، دون أن يتناقض ذلك، لا مع قانون د. هيوم [لأننا لا نستخلص من تلك الملاحظات أية نتيجة في شكل عبارات “واجب - وجود”] ولا مع مكانة العقل العملي، لأننا لا ندعي مطلقا أننا نتوصل إلى معرفة أمبيريقية تتعلق بالإرادة الطيبة.

في النهاية، إذا كان فيبر في الوقت نفسه ينظر للفعل المسمى “عقلانيا” الذي تمثلت شكلانتيه في تطابق الوسائل مع الغايات المفيدة جدا [من خلال تطور “نظرية الاختيار العقلاني” (Théorie du choix rationnel)] فقد حجب مساهمته الأساسية حول وجود عقلانية أخلاقية، تؤثر في سريان الفعل ونتائجه. لكن في نهاية القرن العشرين، استعادت فكرة العقلانية الأخلاقية حيويتها تحت تأثير كتاب آخرين عديدين ومختلفين في علم الاجتماع، من أمثال ج. هابرماس (Jürgen Habermas) ور. بودون (Raymond Boudon) أو في علم الاقتصاد عند كتاب أمثال أ. هيرشمان أو أمرتييا ك. سن (A. Hirschman ou Amartya K. Sen) والذين يشككون في مدى تفوق النموذج النفعي والأدواتي للعقلانية التطبيقية. لكن، بالنسبة للغالبية العظمى من هؤلاء المؤلفين الذين يهتمون ويحرصون على إعادة إدخال الأخلاق في تحليل الظواهر الاجتماعية، فإن “الحرية” الفيبرية اتجاه القيم، صارت أقل فأقل تقبلا. وذلك لأن غايتهم الأساسية تتمثل في معرفة، كيف يمكن لذلك الاتجاه الذي يعتبرونه أخلاقيا، أن يؤثر على المجرى الفعلي أو المأمول للأشياء والذي يأخذ أسبقية على الحوافز أو الأفكار التي ليس لها طابعا أخلاقيا.

ليس من السهل إذن، أن نقيم تمييزا واضحا بين الأفكار التي تعود إلى ميدان الأخلاق والأفكار التي لا تعود إليها، مثلما تشهد على ذلك الإشكالية التي كانت في صلب عمل إ. دوركايم (E. Durkheim 1858-1917) تحت مسمى “حتمية الظاهرة الأخلاقية”. لقد انشغل دوركايم في الواقع، بالتمييز بين القواعد الأخلاقية الخالصة والقواعد الاجتماعية التي ليس لها سوى طابعا تقنيا. ولهذا الغرض، فقد اقترح نوعا من الاختبار أو “الكاشف” الذي يتمثل ببساطة في ملاحظة الطابع “التركيبي” (وليس الطابع التحليلي) للرابطة التي يقيمها الجزاء الاجتماعي بين الفعل ونتائجه في صورة توبيخ، استنكار أو عقوبة. هكذا، كان دوركايم يعتقد أنه عثر [“بواسطة تحليل أمبيريقي صارم”] على المفاهيم الكانطية عن الواجب والالتزام التي تشتق سلطاتها من المجتمع، بدلا من النظام الميتافيزيقي المبهم. لكن مع الأسف، فإن المقياس الدوركايمي لا يسمح لنا بأن نميز بين الظاهرة الأخلاقية والوقائع البسيطة للهيمنة والشرف. وذلك لأن التوبيخ والعقوبة، يمكنهما بصورة عامة - حسب المجتمعات والظروف - أن يعودا إلى القواعد والحوافز التي ليست مسائل أخلاقية بالضرورة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، مثلما يعتقد ذلك دوركايم نفسه، تفترض الأخلاق أيضا نوعا من المرغوبية في عمل الخير الذي لا يمكن أن نشتقه مباشرة من الواجب.

Page 5

رغم هذه الصعوبات، يبدو لنا أنه من اللازم أن نبحث عن تفسير للظاهرة الأخلاقية داخل العالم الذي يخضع بالكامل إلى أسباب طبيعية. ولمحاولة تقديم هذا النوع من التفسير، فقد اقترح دوركايم في مؤلفه “الأشكال البدائية للحياة الدينية” (Durkheim, 1912) نشأة اجتماعية (Sociogenèse) للمقولات المعرفية ومنها الأفكار الدينية والأخلاقية. وهو يعتقد أن هذه الأخيرة تنحدر أو تشتق من شعور أولي بالمقدس الناشئ من نوع من تفكير المجتمع حول ذاته، يفرض على الأفراد احترام سلطة الجماعة. واستناد إلى هذا الأصل الجنيالوجي الاجتماعي، ندرك بسهولة أن محتوى الأخلاق الدوركايمية ينبني على مقاييس ومعايير اجتماعية، من مثل: الضبط والتضامن، النزاهة والإخلاص للمصالح الجماعية. وزيادة على ذلك، يسمح لنا مثل هذا الموقف بأن نتملص - بمعنى من المعاني - من النزعة النسبية الأخلاقية. وإذا كان “كل شعب له أخلاقه”، فإن طابع الإخلاص الأخلاقي للمصالح الجماعية، يبدو أنه طابع إنساني عام. وهكذا، يتناقض العلم الأخلاقي عند دوركايم مع مذهبيات علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، من أمثال ت. بارسونز أو ك. جيرتز (T. Parsons 1902-1977 ou C. Geertz 1926-2006) اللذان [رغم أنهما يفسران الأخلاق بواسطة الحياة الاجتماعية] لا يتوانيان عن المناداة والمطالبة بالنزعة الأخلاقية أو الثقافية النسبية.

يمكننا مع ذلك، أن نعترض على هذا التفسير السوسيولوجي للأخلاق ومحتواها الاجتماعي تحديدا. وفيما يخص النقطة الأولى، تمكّننا الحياة الاجتماعية بكل تأكيد من أن نكشف بعض المواقف الأخلاقية في صورة العناية التي نوليها للغير أو لمصالح الجماعة، على سبيل المثال. لكنه من غير المؤكد، أن هذه الأشكال من الإخلاص ليست سوى نتيجة إكراه اجتماعي يمارس على الأفراد. لأنه لو كان الحال كذلك، فسيكون التمييز الذي نقيمه بين الموقف الأخلاقي والوظيفة الاجتماعية على الأرجح مشوشا. أما بشأن النقطة الثانية، فمن غير المؤكد أن ينحصر تعريف الأخلاق في الاعتبارات الاجتماعية، رغم الأفضلية الاستثنائية التي منحت لها من قبل تيارات النزعة النفعية أو الثقافوية. وفي الواقع، فإن كافة القيم والفضائل ليست اجتماعية بالتأكيد، وإن كانت غالبيتها كذلك. ولكن يبدو جليا أن بعضا منها، مثل: الكرامة، الحرية، الاعتدال، الحزم، الحشمة، التواضع أو التضحية، تعبر عن واجبات نحو الذات الإنسانية التي يتم تحقيقها في الغالب بما يتنافى مع قواعد الحياة الاجتماعية. وفي بعض الظروف، يمكن لكل مخلوق طبيعي أو فوق طبيعي أن يستوجب موقفا أخلاقيا تتخذه الذوات الإنسانية الأخرى.

Page 6

بروز الأخلاق وتعلم المعايير الأخلاقية

في الحقيقة، يتموقع التفسير السوسيولوجي للأخلاق عند دوركايم ضمن مجموعة أكبر من المحاولات النظرية التي تبحث عن توضيح أصل وطبيعة الأخلاق، بإعادة بناء تكوينها وجينيالوجيتها على المستوى الفردي، على مستوى النوع أو على مستوى جهازها المفهمي. هكذا، حاول علماء النفس النمو، مثل ج. بياحيه أو إ. كوهلبيرج (J. Piaget 1896-1980 ou L. Kohlberg 1927-1987) أن يكشفوا عن النمو الأخلاقي للفرد، على أساس تراتبية هرمية من المراكز أو الوضعيات الممكنة التي تسبق فيها مرحلة الخضوع للسلطة، مرحلة استقلالية التبادل والتعاون أو وفق نظرة كوهلبيرج المرحلة “ما بعد - الاتفاقية” التي تعقب مرحلتي الـ“قبل” و”الاتفاقي”. وهنا يشكل تعاقب هذه المراحل في الحقيقة، مبررا إمبيريقيا للتراتبية الهرمية المقترحة، بما أن الحالة اللاحقة يفترض أن تكون أكثر اكتمالا من المرحلة السابقة. وبالنسبة لبياجيه على وجه التحديد، فإن التاريخ الأخلاقي للذات السيكولوجية هو نوع مختصر من التاريخ الأخلاقي للإنسانية الذي تكون فيه أخلاق الاحترام الأحادي الجانب والخضوع للسلطة، قد استبدلت بشكل تدريجي بواسطة أخلاق الاحترام المتبادل والتعاون.

وسيكون من الصعب تكذيب بياجيه، عندما جعل من استقلالية الاختيارات خاصية مميزة للأخلاق، مقارنة بالتعديل البراجماتي البسيط للسلوكيات، اتجاه إكراه خارجي يمكن الحصول عليه [بالنسبة لكثير من المخلوقات الحيوانية] دون أن نكون في حاجة للاستنجاد بتفكيرها الأخلاقي. لكن مع ذلك، تثير هذه التراتبية الهرمية للوضعيات، مسألة التحفيز الأخلاقي التي صاغها بشكل جيد س. فرويد (S. Freud 1856-1939) عندما تساءل عن الدافع الذي يجعل الأخلاق إجبارية، ليس وحسب في حضور السلطة [التي تعاقب على مختلف التجاوزات] لكن في ظل غيابها أيضا. وهنا، فإننا لسنا ملزمين بتأكيد وثوقنا في هذه القصة الفرويدية التي يمكن القول بأنها غريبة جدا عن دور غريزة الموت في تشكيل الأنا العليا والانضباط - الذاتي الأخلاقي عند الإنسان. لكن تبقى مسألة الحافز الأخلاقي مفتوحة ولا يمكن تجنب البحث عن أجوبة لها، كما هو البحث عن “الحياة السعيدة” أو بشكل أدق عن السعادة الأخلاقية، في صيغة احترام الذات الذي هو حافز كافي للاستقلالية الأخلاقية، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، لا بد أن نتساءل إذا كانت التربية الأخلاقية من النوع البياجيوي [تشجيع الحكم الحر للذات] قادرة أكثر من النوع الدوركايمي [إنجاز الواجب أمر مرغوبا فيه] على أن تضمن أخلاقية الاختيارات في غياب نظرية أساسية، إن لم نقل “حساسية” أكثر، تتعلق بالواجبات أو المنافع. فإذا أخذنا في الحسبان، المجموعة الممتدة من المحتويات الملموسة للأخلاق، يمكننا بسهولة أن نفهم الانتقادات التي وجهتها الحركة النسوية لفكرة عالمية الحقوق والعدالة المجردة التي يعتقد السيكولوجي كوهلبيرج أنها تمثل المرحلة الأخلاقية العليا. وبالفعل، مثلما أشارت إلى ذلك ك. جيليغان (Carol Gilligan) يبدو أن المسؤولية، العزلة والحساسية اتجاه حاجات الآخرين [أو ما يطلق عليه “أخلاق الرعاية” (“l’éthique du care”)] التي تتطلب الاعتراف بها، تتمتع ببعض الحجج للتعريف بحالة النضج والنمو الأخلاقي عند الفرد (سواء كان أنثى أم ذكرا (Gilligan, 2002).

يثير هذا النقاش، بشأن المعايير الأخلاقية للنمو الأخلاقي الفردي، نقاشا آخر أكثر اتساعا حول الاعتبارات الأخلاقية للنمو الأخلاقي عند الجنس البشري. إن ما يتبقى هنا، هو النقطة التي تقدم البحوث التطبيعية المعاصرة بشأنها، منظورات أكثر ثراء انطلاقا من العلوم المعرفية والنماذج الداروينية الجديدة. ومع ذلك، لا يشكل التفسير التطوري (Evolutionnaire) للأخلاق مشروعا جديدا، لأننا نعثر على قواعده عند كل من هـ. سبنسر أو ش. داروين (H. Spencer 1820-1903 ou Ch. Darwin 1809-1882). لكن النزعة الداروينية الجديدة، العلوم العصبية وعلم الأخلاق تعمل كلها على تجديد ذلك، إما لأنها تجعل المعايير الأخلاقية أو النزعة الغيرية تتمتع بأسبقية تكيف الجماعة، عبر روابط القرابة أو الخاصية التبادلية [ما يطلق عليه الصحة المتضمنة (Inclusive fitness)] وإما عبر دراسة القواعد العصبية - الكيميائية للتعلق أو التودد والأشكال البدائية لـ“لمعنى الأخلاقي” التي نعثر عليها عند كافة الأنواع الحيوانية. وهو ما يعني كيفية استئناف العلاقة مع الفلسفة الاسكتلندية للقرن 18م. وبشكل أكثر دقة، يطبق بعض المنظرين الأخلاق على تصور مقياسي للمعرفة المستوحاة من الأثر الشومسكي (نسبة إلى عالم الألسنية ن. شومسكي (N. Chomsky) الذي يعتقد أن التطور الطبيعي بإمكانه أن يحفز النظم المتخصصة في معالجة العلاقات مع الغير.

Page 7

عندما تتم مقارنة بعض تلك الأعمال بأعمال سيكولوجيا النمو، يمكننا أن نكوّن انطباعا متناقضا [بشكل ملفت للانتباه] بين حرصها على المضامين الـ“ملموسة”، مثل: التودد، الشفقة، الغيرية، الوفاء والعلاقة الاجتماعية، الخ أو بالعكس حرصها على التراتبية الشكلية والفكرية في الأعمال السابقة. لكن يمكننا في الوقت ذاته، أن نتساءل إلى أي حد يمكن للطيبة البسيطة بمفردها أن تكون كافية، لكي تصنع الأخلاق في غياب تفكير مستقل عن الذات. إن الخبر الجديد [إذا تم تأكيده] الذي يفيد بأن التطور الطبيعي عند الآدميين [كما عند بعض الأنواع الحيوانية الأخرى] يمكنه أن يحفز بعض الاستعدادات الطيبة قبل - الأخلاقية، لا يكفي بالطبع لكي يجعل من التطور الطبيعي ضمانة للتقدم الأخلاقي. وللأسف، فإن هذا التطور الطبيعي يفسر الاستعدادات الرديئة والمواقف الحاسمة والحتمية بالنسبة للإنسان الأضعف. وبعد كل ذلك، فإن النزوع الطبيعي أو الأفضلية التكيفية بالنسبة لخاصية معينة، لن تكون كافية على الإطلاق لتنشئ الأخلاق، بغض النظر عن الحكم الانعكاسي الذي قد نصدره بشأنها.

وبهدف توضيح الأصل الانعكاسي الذي يخص بعض القيم، فقد استعاد الفيلسوف ب. ويليامز (Bernard Williams 1929-2003) منهجا نشوئيا أخلاقيا، كان ف. نيتشه (F. Nietzsche 1844-1900) هو رائده. لقد بين ويليامز هكذا، أنه ليس بإمكان أي مجتمع أن يستغني عن قيمة الحقيقة. لكن مع ذلك كما يعتقد، فإن هذه القيمة لا تنحدر فقط من تاريخ وظيفي للحياة البشرية ولم تتمكن من فرض نفسها وتستقر، إلاّ لأننا اعترفنا بقيمتها الانعكاسية الملازمة، مقارنة بالحاجات والغايات الإنسانية القاعدية. وإذا كان ويليامز على حق فهناك إذن، وسيط انعكاسي بين الاستعدادات الطبيعية، سواء كانت طيبة أو سيئة وممارسة الأخلاق.

إن العبرة التي يمكن استخلاصها من معالجة مبحث الأخلاق، من طرف العلوم الإنسانية المعاصرة هي أن المعرفة ذاتها ترتبط بنوع من علم اليقين (Critériologie) الأخلاقي الذي لا يبحث عن تحديد الطيب أو العادل في عموميتهما الكبيرة جدا. لكنه يهتم رغم كل ذلك، بتحديد الشروط التي تتمتع بحظوظ أوفر للكشف عنهما أو بالعكس عن حلّهما. إن أفضل توضيح لهذا الاتجاه هو دون ريب، العبرة التي تنشأ من التجربة الشهيرة التي أجراها س. ملغرام (Stanley Milgram 1933-1984) التي يمكن أن نعثر من خلالها على أشخاص عاديين، يكلفون بتسليط صدمات كهربائية أكثر فأكثر شدة على مرضى [كان هؤلاء المرضى في الحقيقة، أشخاصا متواطئين مع صاحب التجربة] باسم تجربة سيكولوجية مزيفة حول الذاكرة الألسنية المباشرة. لقد رأى كثير من المؤلفين في هذه التجربة دليلا حيا، على ما تعلمناه من التاريخ الحقيقي؛ أي القدرة الخارقة التي تتميز بها العادة عند البشر على الخضوع إلى قوانين قاسية ومذلة. فقد تم الحديث هنا عن الشروط التي تدفع بالإنسان إلى الانصياع إلى سلطة سيئة، مثل: غياب أو حضور التفاعلات التدريجية في القوانين، الخ. لكن هناك درس أقل وضوحا، يتمثل في أن هذه التجربة [كما هو شأن غالبية التجارب من النوع ذاته] تفترض بالضرورة تصورا معينا عن ما هو شر [ويجب إذن، عدم تقبله من طرف الإنسان العادي]. وهنا إذن، تثير المعرفة المسبقة عن الشر التساؤل والبحث عما هو قابل للممارسة، عادي أو مثلما تقول هـ. آرندت (Hannah Arendt 1906-1975) ما هو “مألوف” أو موضوع تحريم أخلاقي. لقد بينت عدد من الأعمال في السيكولوجيا التجريبية، مدى وتعددية الاستراتيجيات التي يمكن أن نوظفها لتقليص الخطر الذي تمثله بعض المآسي والمظالم، بشأن ما اصطلح على تسميته “الاعتقاد بوجود عالم عادل”.

عندما نبحث عن تفسير الأخلاق [ليس وحسب عن آثارها] أسبابها أو أصل نشأتها وكذلك، عن افتراضاتها، فنحن مجبرين على التفكير في الأجهزة والمحرمات الأخلاقية القاعدية التي تسمح لنا مثلا، بـ“التعرف على الغشاشين” أو تطبيق المعايير القانونية التي باستطاعتها أن تتقاطع بين مجتمع وآخر. يبدو إذن، أنه لا يمكننا أن ننكر كيف أن معظم الثقافات الإنسانية رغم تباينها، تتفق على الأقل في المواقف العادية لمنع أفعال: القتل، الاغتصاب، السرقة، الشتم أو تجاوز قواعد الوفاق الاجتماعي... ومن جهة أخرى، فإن إمكانية الوفاق الأخلاقي هذه، تخلق الالتزام الأخلاقي للباحث في العلوم الإنسانية من أجل أن يشخص بشكل انعكاسي ممارساته في البحث أو التجريب ويبحث عن مناهج كشف الخلافات العمومية.

Page 8

لقد تم توضيح هذه الفكرة بشكل كبير، من طرف محاولات أمثال ج. راولس وي. هابرماس (J. Rawls 1921-2002 et J. Habermas) بهدف تقدير الشروط التي يمكن في ظلها تحقيق وفاق اجتماعي. وهي تتمثل بالنسبة للأول، في تحقيق مبادئ العدالة السياسية التي تضمن الحريات القاعدية وتقلص الفوارق الاجتماعية التي يجب أن يلتزم بها كل فاعل عقلاني، عندما يكون في مركز يجهل فيه موقفه الاجتماعي الخاص. وتتمثل بالنسبة للثاني إذن، في أخلاق النقاش والحوار التي تكون جزءا عموميا للبحث عن المعايير التي تتحلى بها كل ذات عقلانية وكل نية طبية. إن النقاش أو مثلما يقول هابرماس “الخصومة العائلية” [التي نشبت بين هاتين المقاربتين] قد كشفت عن محدوديتهما. وبالفعل يفترض راولس أن الحريات القاعدية التي تسمح لكل واحد منا بالاحتفاظ وبممارسة تصوره الخاص عن الخير، لا يمكن المساس بها بواسطة إجراءات المنفعة العمومية. بينما يعتقد هابرماس بالمقابل، أن القوة العقلانية في أخلاق النقاش تمنحها بعدا محدودا.

يؤكد هذا الجدل، بعض الحدود النظرية والعملية بشأن اختبارات العقلانية التي تتاح للاتفاق على مدى ومناهج أخلاق اجتماعية أو سياسية. يبدو في الواقع، أنه لا المبدأ الكانطي للتعميم ولا إحدى صيغه المعاصرة: المجتمع المثالي الذي يتكون من المتحاورين العقلانيين، التوازن الحكيم، التبرير وفقا لقواعد لا يمكن دحضها عقلانيا...، لا يمكنها أن تكون كافية لبناء منهجية عامة من أجل حل النزاعات الأخلاقية. مع ذلك، فإن هذه المعاينة، لا تفند البحث الاستقرائي والأساسي عن الآثار المكرهة التي تنتج عن اختبارات العقلانية - أو غيرها - حول الخلافات الملموسة التي تثار اليوم بفعل تطور الأخلاق، التقنيات البيو - طبية أو عولمة التبادلات الاقتصادية.

عندما نتابع النقاشات الأخلاقية الكبيرة المعاصرة، نلاحظ في الحقيقة كيف أنها تقحم محتويات معيارية متعددة، تكشف رغم كل شي عن مجموعة من المكتسبات الأخلاقية التي يبدو جانبها الملزم مقبولا من قبل الجميع، على الأقل في الدائرة العمومية. هذه المجموعة حاضرة في تصريحات الحقوق أو الخلافات الدينية والأخلاقية، لكنها موجودة أيضا في السيمانطيقا المستعملة في التبادلات والنزاعات المدنية والسياسية المعاصرة التي تدمج دروس المذهبيات الأخلاقية الكبيرة في صيغة عبارات: فضائل المدنية، احترام الحقوق، كرامة الأشخاص والحرص على سلامتهم. وهي ترتب محتويات، من مثل: رفض الألم غير المستحق [الذي يمكن تلافيه] أو غير العادل، ونأخذ في الحسبان أثناء النزاع: عدالة الغير، أي المعيار المشترك الذي يقترحه علينا خصم متحرر من مخاوفه أو كراهياته. وبشكل أوسع، فإن العبارات المتعددة عن الفضائل أو القيم التي يمكن تطبيقها دون تناقض، زيف أو خطأ على “حالات صعبة”، هي مجموعة من الإكراهات التي تخص الأخلاق، مثلما نتلقاها اليوم في مرحلة معينة من تطور الحضارات الإنسانية. لا تمنح هذه الإكراهات أية منهجية لحل النزاعات، لكنها تضغط رغم كل ذلك على تدخلات ومذهبيات كل من يدعي الدفاع عن وجهة نظره ويعمل باسم الأخلاق في الوقت ذاته. إنها تمكن العلوم الإنسانية من أن تساهم في تطوير الحوار الأخلاقي، عن طريق تذليل الخلافات ووضع محل تساؤل الأسباب التي تحكم بالطيبة أو بالسوء [عادلة كانت أم غير عادلة] على أية ممارسة من الممارسات الطبية، الجنسية، المدنية، الاقتصادية أو السياسية.

Page 9

الأخلاق البانية الجديدة والنهضة

في البداية، نحاول هنا أن نحدد خصائص الأخلاق البانية الجديدة، بإتباع الأبعاد الثلاثة للزمن. تبدو الأخلاق البانية الجديدة بمثابة أخلاق للمسؤولية [الموجهة نحو الماضي] وأخلاق المصالحة [المتجهة نحو المستقبل] في بعدها الراهن، كأخلاق اعتراف بالآخر بوصفه كائنا إنسانيا يتأثر ويتفاعل. في الحقيقة، لا يكفي هذا النوع من التحديد، لكي نفهم الفعل الأساسي للأخلاق البانية الجديدة من الداخل، مثلما تتم معايشة ذلك. ولهذا الغرض، يجب علينا أن نلجأ إلى تجربتنا وتجربة الآخرين ونحاول توظيف قدرتنا على التخيل. يجب علينا أيضا أن نأخذ في الحسبان سلبية العلاقات السابقة، الديون المتراكمة جراء التحرشات، أشكال التعنيف، الإهانات والمظالم التي تثقل العلاقات الراهنة والمستقبلية: العلاقات بين الأشخاص بالمعنى الواسع، الأشخاص الفيزيقيين والأشخاص الاعتباريين؛ أي الأمم والحضارات بطبيعة الحال. تستدعي حالات وحجم الآلام الأخلاقية التي عاشتها الأمم المتناحرة، إصلاحات وإعادة اعتبار من الناحية الرمزية. بطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر بالتعويضات المادية التي تبحث عنها المطالبات الأخلاقية. عندما نثير الحديث عن حاجتنا إلى الإصلاح الرمزي، فإننا سنسمي فعل الكلام ذاك: كلام اعتراف، توبة، عفو، مؤانسة، مودة وإقرار. وفي كافة الأحوال يدور التوقع الأخلاقي حول الحركة المفهومة والمتلقية نتيجة تأثر الغير.

لكن لماذا نتحدث عن أخلاق بانية جديدة، بدلا من التحدث عن أخلاق الرعاية على سبيل المثال؟ وماذا تعني الأخلاق البانية الجديدة؟ هل هي إعادة بناء: ماذا وكيف يكون ذلك؟ فهل يتعلق الأمر بإعادة بناء علاقة؟ في الحقيقة، ليس الهدف الداخلي من البناء الجديد للأخلاق هو إعادة علاقة إلى حالة جيدة. فليس بالإمكان استرجاع الماضي سوى على نمط الذاكرة. من العبث إذن أن نتصور أن بدء العلاقة من جديد، يعني الانطلاق بها من الصفر. ولذلك، فليست غائية الخاصة الأساسية للمقاربة البانية الجديدة هي العودة إلى الوضعية التي سبقت حالة النزاع، لكنها قبل كل شيء توضح وتعمل على الاعتراف بالعلاقة [من طرف إلى آخر] وبالحياة المعاشة لكل واحد؛ أي أن يعي ويعيش كل واحد الكيفية التي عايش بها الآخر حالة النزاع الذي عايشه هو نفسه. هذا الأمر يشبه نظرة ثانية، في اتصال انعكاسي مع الحياة. ويبدو التاريخ، في حالتي الحرب أو الطلاق واحدا: من زاوية خارجية، فهو حالة امتنان شخصين يعيشان النزاع ذاته؛ إذ يتعلق الأمر بنزاعهما. لكن ذلك هو بمثابة مظهر خادع، فإذا طلب من صاحبي القضية أن يتحدثا عن ما حدث بينهما، فسنحصل في الغالب على قصتين مختلفتين جدا. ويقدم هذا الاختلاف، عندما يظل على حاله قياس “اللااتصال” (incommunication) الذي لا يزال يفصل بين الطرفين المتنازعين.

إذا لم تكن المقاربة البانية الجديدة محفزة، لكي تستهدف إعادة الموقف إلى حالته التي سبقت تلك الأزمة، فإننا نبحث أين يكمن النقص الأخلاقي الذي سيشكل النبضة الأولى (Primium movens). لكن الأمر يتعلق بنقص روحي عميق جدا: ذلك الذي نبديه أثناء الشعور [ليس فقط أننا استطعنا أن نفهم] إذا لم نتمكن من الاعتراف عند الآخر بشيء ما ولم نرغب في سماعه. وفي ما وراء الحنين إزاء حياة تالفة، يوجد دافع قوي يحملنا على تقاسم تجربة العلاقة المخربة مع الآخر؛ أي التواصل مع الغير.

Page 10

يجب ألاّ نعتقد بأن هذا النقص [أو الحاجة الأخلاقية] لا يتعلق سوى بعلاقات بين أصدقاء حميمين أو أزواج. بل يصدق الأمر أيضا على العلاقات العمومية، خاصة العلاقات السياسية بين الشعوب كما هي بين الأمة الألمانية والأمة الفرنسية، على سبيل المثال. نلاحظ منذ سنوات، وجود رغبة في تحقيق وحدة مكبوتة منذ زمن طويل (Reynié, 2004, p. 95) وثقة متبادلة تتجلى الآن بين الفرنسيين والألمان. رغم أنهما شعبان منفصلان [من الناحية اللغوية، منذ 15 قرن وسياسيا منذ 11 قرنا]، فإن الشحنة العاطفية المتولدة والمكبوتة عند كل منهما، تمزج بين المشاعر المتناقضة: الإعجاب، الكراهية، الرهبة، العدائية، العداوة، الانجذاب، الغيظ والاحترام الذي يحمله الواحد نحو الآخر في الوقت ذاته. لكن في الواقع، فقد حررت المقاربة البانية الجديدة، التي اعتمدت منذ أربعين سنة، الانطلاقة نحو الوحدة السياسية المتجذرة.

إذن، تم “تحرير” الثقة بين الفرنسيين والألمان. لكن كيف حدث ذلك؟ تحقق ذلك، بفضل اتصالات متكررة، انفتاح متبادل واعتراف بالأخطاء السابقة (من جانب ألمانيا تحديدا). وقد توصل الفرنسيون والألمان معا إلى الاحتفال بيوم 8 ماي 1945، ليس كيوم انتصار للحلفاء على الألمان، لكن كيوم تحرير للفرنسيين والألمان - وأوروبا عامة - اتجاه مرض القومية - الاشتراكية. ويصح الشيء ذاته، بشأن الاحتفال المشترك بعمليات الإنزال العسكري الأمريكي في شواطئ نورمندي بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني جيرارد شرودر (J. Chirac et G. Schröder).

في الحقيقة، تحققت الكثير من المزايا السياسية والاقتصادية من سيرورة إعادة العلاقات بين ألمانيا وفرنسا. لكن أيضا تحققت سعادة أخلاقية، لا يمكن أن تختزل: تطبع هذه السعادة الأخلاقية التي تشبه سعادة الصداقة، كثافة تاريخ مليء ومفعم بسوء الفهم. بعد النزاع الكبير الأخير (الحرب العالمية الثانية) وبعد إعادة العلاقات الرسمية التي انطلقت بين الجنرال شارل ديغول والرئيس الألماني كونراد أدناور (Charles de Gaulle 1890-1970 et Konrad Adenauer 1876-1967) فقد ظل المجتمعان المدنيان ينتظران مطولا، في الوقت الذي كان فيه المفكرون من الجانبين يتناقشون حول إشكالية “سوء التفاهم الألماني - الفرنسي”. يجب إذن، وضعنة كافة مظاهر سوء التفاهم والعودة إلى حالة الطلاق الفلسفي والفكري التي برزت، منذ أكثر من قرنين من الزمن بين الرومانسية العاصفة والمنطلقة (Sturm und Drang) والنزعة الفكرية في عصر الأنوار. وهو الطلاق الموسوم من الجانب الفرنسي، بالتهجم ضد كل ما لم يكن مطابقا „للذوق“ الكلاسيكي. بينما يرفض الجانب الألماني، „الحضارة“ باسم الثقافة. إذ تجذر التعارض بينهما في نهاية القرن 19م، وبرزت انعكاسات طائفية وهوياتية، ثم قومية، عدائية وعدوانية بينهما، بينما تحول اللاتفاهم المتبادل إلى كراهية عرقية.

لقد تمت وضعنة مظاهر سوء الفهم بشكل ارتكاسي وبكل هدوء، وتم قياس المبالغة المؤثرة التي لم يتم توضيحها في السابق. وقد توصل الأمر حد الحديث عن حب بغيظ! ومهما يكن الأمر، فإن السعادة الأخلاقية ليست فقط هي سعادة الالتقاء والوفاق الذي أستعيد مجددا: إنها سعادة التوضيح والتفاهم المتبادل الذي انتصر، بفعل التعاون لفائدة كل واحد. لكن بعيدا عن الوضعية السياسية الراهنة، يمكننا أن نتساءل عن الخطة المرجعية للأخلاق البانية الجديدة في فكر ف. هيجل (F. Hegel 1770-1831) الشاب. تتناول هذه المسألة موضوعات مركزية، بشأن قضايا: المصير، الصراع من أجل الاعتراف والحب والعفو بشأن الإهانات والمآسي.

ونشاهد الآن نجاح عملية إعادة بناء العلاقة الجديدة: تلك العلاقة التي كانت قبل ذلك مبتورة ومكسرة. وسواء تعلق الأمر بعلاقات خاصة، اجتماعية أو دولية، فإن المقاربة البانية الجديدة تأخذ في الاعتبار المصير والقدرية التي تطبع العلاقات المتأثرة والمصابة عن طريق العنف، الإذلال، الإهانات أو المظالم السابقة. نستعمل هنا كلمة “مصير” لأن الأخلاق التي تعيد عملية البناء تضطلع بمهمة ما يسميه هيجل سببية المصير (causalité du destin). إنه مفهوم قابل للتطبيق، خاصة على المأساة. هكذا تجعل الأساطير العظيمة في مقدمة المسرح مصير الأفراد (أوديب). وينطبق هذا الأمر على التراجيديات الكلاسيكية (Antigone, Phèdre). تبدأ أسطورة فيدر زوجة ملك أثينا التي سقطت في عشق ابن زوجها، عند الكاتب راسين (Phèdre de Racine 1639-1699)1 عن طريق مونولوج يؤديه رئيس جوقة موسيقية في التراجيديات الإغريقية القديمة: يتضمن إعلان المصير منذ القدم شخصية البطل، قبل ولادته: الملكة فيدر، تعرف جيدا أن المتعة (الذنب) المحطمة التي تسكنها هي قضية قدرية وكائنة مع شخصها.

يتموضع المصير في المأساة الكلاسيكية في بناءات شخصية البطل. يرتبط مفهوم المصير بمفهوم الأزمة: البطل يعيش فناءه بكل وجدانه، فهو يسير إلى حتفه وعيناه مفتوحتان إلى أقصاهما. في حين أن ما تم وضعه على الركح من قبل الشاعر المأساوي إشيل وسوفوكل (Eschyle et Sophocle) في التراجيديا العتيقة، ثم في الأدب الكلاسيكي الكبير في العصر الباروكي، قد تم تفكيره فلسفيا، بعد ذلك مع هيجل والمفكرين الرومانسيين، أمثال ف. هولدرن (F. Holdern 1770-1843) بوصفه يصيب ليس فقط بناءات شخصية الأبطال العظام المأساويين، بل كذلك بنية العلاقات التي تلعب فيها أدوار النهضة.