Page 1
كلمة شـكـر
الصديق الدكتور محمد حفيظ الذهب·· حرضني على طباعة هذا البوح، وحمل على كاهله متابعة نشره، وأسعدني بكتابة شهادة رسمت على وجهي، وهو يقرأها، ابتسامة لم تفارقني طوال ذلك اليوم· الكلمة لا تفيك حقك يا أبا يعرب·
الأستاذ أحمد الفلاحي·· قراءته للنص أضافت مذاقا خاصا·
الأستاذ ناصر صالح الغيلاني·· عرفت منه كيف أنسى معاناة الكتابة لحظة ولادة الكلمة·
الدكتور ضياء خضير·· في ضوء نصحه أعدت الاشتغال على الجزء الأول من مذاق الصبر لغة ومضمونا، بهدف تقديمه في طبعة ثانية منقحة ومزيدة·
الدكتور محسن الكندي·· قال عن النص محملاً بإبداع أدبي حقيقي كتبته بروح الفنان الخلاق·· شهادة دفعتني إلى إعادة قراءة النص بحثاً عن بعض مني كنت أجهل وجوده!
وشـكر خـاص لـ:
وزارة التربية والتعليم على اختيار بعض من كتاب مذاق الصبر كنص تطبيقي لأدب السيرة في منهاج اللغة العربية للصف الثاني عشر من التعليم العام·
أفراد أسرتي وأصدقائي·· وجودهم حولي ورفقتهم الطيبة وتفاعلهم الشخصي يمدني بالقوة لمواجهة تحديات الإعاقة·
زملائي في العمل·· أتاحوا لي الفرصة لإثبات ذاتي وممارسة إنسانيتي·
إليهم جميعا والآخرين غيرهم جزيل شكري وعظيم امتناني·
تقديمبقلـم : الدكتور ضياء خضير
حــين تصـير الكــتابـــة
مـعـادلا للجسـد المشلول
Page 2
مقدمة:
هذا كتاب فريد في بابه، يحتل، أو ينبغي أن يحتل، مكانة متميزة بين الأعمال الأدبية الخليجية والعربية المشابهة· وإذا كنا غير قادرين على تحديد نوع الكتاب وإدراج الكتابة في خانة إبداعية معينة، فلأنه أي الكتاب ينأى بطبيعته عن التصنيف الذي اعتدنا أن نقرأ النصوص والأعمال الأدبية المختلفة في ضوئه· وإذ يكتفي المؤلف بتقديم مادة خام، ولا يُعنى بالشكل وطريقة الكتابة على الأسس النوعية الشائعة، فليس لأنه يجهل أو يتجاهل مثل هذه الأسس والقواعد، وإنما لأن الرغبة الضاغطة في الكتابة عن التجربة ومحاولة الكشف عن ملابساتها ضمن الوضع البشري الاستثنائي الذي عاشه صاحبها، هي التي تسبق ما عداها، وتجعل من الممكن أن يحرز النص هذا القدر الطيب من النجاح والتأثير، ويحقّق جماليته الخاصة بصرف النظر عن شكل الكتابة والنوع الذي تنتمي إليه·ومعروف لنا أن تصنيف النصوص الأدبية إلى أنواع أو أجناس مرتبط بواقع أن وجود النوع أو الجنس الأدبي يقلِّص من دور المصادفة ويمنع الفوضى في الكتابة، لأنه يوفر قواعد محدّدة لإنتاج النصوص وسبل تلقيها في الوقت نفسه· غير أن الأمر هنا يتعلق، قبل كل شيء، بتلك الحقيقة الجوهرية المتصلة ببساطة الكتابة التي تجعلها روحا قبل أن تكون مظهراً، وفكرةً قبل أن تكون حادثة· وهو ما يُثبت، مرة أخرى، أن موضوع الكتابة ومضمونها يمكن أن يصنعا شكلها المناسب ويجعلا النص مقروءاً، بصرف النظر عن طبيعة الجنس الأدبي الذي يوضع فيه، إذا ما توفر لصاحبه قدر مناسب من الإرادة والوعي بضرورات الكتابة·
وإذا كان كتاب محمد عيد العريمي مذاق الصبر أقرب بطبيعته إلى السيرة الذاتية فإنه يتضمَّن، إضافة لذلك، تعبيراً عن رؤية تتعدى وصف الواقعة أو الوقائـع الشخصية لتشكِّل، في الوقت نفسه، واقعةً أو وقائع اجتماعية وثقافية محدّدة؛ أي وجهة نظر ملتحمة ومتداخلة مع مجموع الوقائع الخاصة بإنسان ما، ووضع بشري ما، ومجتمع ما، أيضا·
وهو أمرٌ لا يصادر، بطبيعة الحال، خصوصية التجربة التي عاشها الكاتب بعد تعرضه لحادث سير أفقده القدرة على الحركة وأصابه بشلل رباعي، وإنما هو يضيف إليها بُعْداً خاصا يتألف من الصدق الذي يترقرق تحت إهاب العبارة، ويكشف عن الأبعاد الثرية للموقف الإنساني من تجربة المرض والإصابة· وهو ما يجبر الكاتب على إعادة النظر في وجوده، بل وجود الآخرين من حوله وطريقة تعامله معهم، وتعاملهم معه، والوقوف المتأمِّل على ذلك الحد الفاصل بين الحياة والموت بعـد أن زُعزعت الذات وأُصيبت في الصميم· وقرار القناعة والاكتفاء بنوع من الحياة الناقصة وقبول الاستمرار في العيش في ذلك الوقت الضائع المهدد بالتلاشي والصمت، يحتاج إلى قدر من الشجاعة والثقة بالنفس لا يعرفهما أولئك البعيدون عن التجربة وغير المكتوين بنارها المحرقة· ولذلك فإن نمط الكتابة وأسلوبها يفرضان الابتعاد عن الثرثرة أو الانشغال بالبحث عن جماليات مزيّفة وبلاغات ميّتة وزخارف زائدة· إنها الكتابة الحقيقيّة البسيطة التي تهدف إلى التعبير عن وجود مصادَر ومحاصَر في اعزِّ ما يملك وهو حرّيتُه· ولذلك فليس غريباً أن تصبح الكتابة معادلاً حياً لجسد مشلول ومصاب في الصميم، وبحثاً عن طاقة روحية إضافية، وتحريراً لإرادة من شأن امتلاكها أن يقلب الصورة، ويضفي معنىً جديداً على الأشياء والكائنات، ويجعل الاستمرار في الحياة، أو ما تبقّى منها، ممكنا، بل مرغوباً فيه أيضا· نعم إن الجسد، بوصفه بيتَ الروح وحاضنة الوعي الإنساني، يكتسب في حالات من هذا النوع معرفةً أوسع عن طريق الألم· وهو إذ يَمْثُلُ أمامنا جالساً على كرسيه الاضطراري في زاويته تلك قلقاً، مفجوعاً، معذباً، متسائلاً عن المصير، يبقى عظيماً في بحثه عن المعنى وعن التمُّيز والتفرُّد داخل وسط اجتماعي يضغط بصمته وبخزين قيمه التقليدية على روح المعوَّق وقلبه· علماً بأن قطرات قليلة من المطر تسقط على جبين هذا المعوَّق وهو يحضر مهرجاناً شعرياً أقيم في الهواء الطلق تكفي لجعله يشعر مثل طفل صغير بفرح غامر، وتنسيه ولو للحظات همومه ومتاعبه الجَّمة·
صحيح أن الكتاب يكتفي بوصف التجربة وطريقة تأهيل المعوّق من الناحيتين العضوية والنفسية، ولا يناقش قضايا وجودية وفلسفية عميقة وإن لم يخلُ منها، ولكننا نشعر أن وعي الكاتب بهذه الحقائق، وموضوعيته، وعقلانيتَه، وتبصّره بالإمكانات المتاحة أمامه، وحرصه على استغلال ما يتوفر لديه منها إلى أقصى حد ممكن، هو الذي يُضفي على الكتاب حيويته·
وربما كان التناقض بين هذه الروح الموضوعية والوعي العقلاني من ناحية، والرغبة المحلّقة في الجسد المشلول من ناحية أخرى، هو الذي يؤلف البطانة الداخلية المتفجرة لقوة التعبير في الكتاب· وهو ما يجعله درساً منهجيا بليغا لكل أولئك الذين كُتب عليهم أن يمّروا بتجربة قاسية من هذا النوع؛ بل إن في هذا الدرس من عناصر النضج والأصالة ما يمكن أن ينتفع به كل أولئك المعوّقين من الداخل على الرغم من أنهم أصحاء معافون ولا يعانون من عوق خارجي ظاهر· ومحمد العريمي يكرر أمامنا بأنه ليس بطلا ولا يطلب بطولة؛ وهو يقول ذلك بإرادة قاطعة لا تنقصها القناعة ولا تفرضها الظروف الخاصة أو الإحساس بمركّب النقص·
Page 3
فـبالانسجام مع الذات والثقة بالنفس والاعتزاز بها، يستطيع المرء تجاوز تحديات الإعاقة من خلال معالجتها بعقلانية بعيدًا عن أية ردود انفعالية وفهم ردود الأفعال السلبيّة على أساس خلفيتها الاجتماعية، ومن ثم استيعابها خاصة إذا صدرت عن شخص لم يحظَ بمستوى من الوعي والثقافة
وعلى الرغم من أن الكاتب قد أضاف إلى هذه الطبعة الثانية من الكتاب أشياء جديدة وأدمج فيها مقاطع شيّقة تتصل بحياته في الصحراء والمدينة ودراسته بعد ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن المتن الرئيس في هذه السيرة الذاتية يظل هو الجزء المتعلق بـ مذاق الصبر وما يتصل به من صور لم تبرح الذاكرة وقوانين الإعاقة والرغبة في الحياة والتداعيات الصحّية للإصابة، مع إحساسنا بأن هذه الأشياء المضافة تبقى جزءًا مكملاً وخلفية ضرورية توجه منها الأضواء إلى الماضي البعيد والقريب للشخصية، وتجعلها أكثر قربا من القارئ·
وعلى الرغم من الحس الحكائي الغالب على الكتاب، فإنه ليس رواية ولا قصة تقليدية· وربما كان من السهل على الكاتب أن يصنع شيئا من هذا القبيل، ولكنه فضّل، كما نرى، أن يُبقي الكتاب في تلك المنطقة الوسطى الواقعة بين السيرة الذاتية والرواية والمقالة، وكأنه يقدم مادة خاماً جاهزة للاستخدام، من دون أن يفشل في خلق شخصية مركزية نامية، وشخصيات أخرى عديدة تؤلف ملامحها المختلفة وحركتها وعلاقتها بالبطل فضاءً روائياً وأرضية حكائية بالغة الغنى والحيوية· ولذلك يمكن القول إنه إذا لم يكتب محمد عيد العريمي في هذا الكتاب رواية بالمعنى الدقيق للكلمة، فإنه نجح في أن يقدم شكلاً سردياً قريبا من الشكل الروائي، كما ذكرنا·
وهو شكل لا يخلو من جماليات خاصة به دون غيره· ففضلا عن هذه العناصر الحكائية والسردية الواضحة، تلعب ميزات الضبط والتوازن والوضوح الفكري وتحديد الأهداف والواقعية والبساطة دوراً في تأشير العناصر الأسلوبية والبنيوية السائدة في هذا النوع من الكتابة·
إنه قصة اكتشاف الصبي محمد العريمي لنفسه والعالم من حوله، وقصة تطور وعيه بالمكان وهو يتردد بين الصحراء والماء، فيبدو مندهشاً مشتت الانتماء بين فضاءين وعالمين مختلفين· صبيان وادي المر الذي ولد فيه وسط الصحراء غير بعيد عن الربع الخالي كانوا يلقبونه بـراعي بحر ومع أنه لم ير البحر حتى ذلك الوقت من حياته، بينما ظل صبيان المدينة البحرية التي انتقل إليها مع عائلته بعد ذلك يلقبونه بـالبدوي مع أنه أصبح ابن مدينة، ولم تعد له كثير علاقة ببدو الصحراء!
ولئن كانت الكتابة تفتقد في هذا الجانب، أحياناً، الخيال الخلاق الذي يحتاجه الروائي، فإنها لا تعدم وجود عناصر أخرى فاعلة مثل هذه تتكفل بعض الأحداث والتاريخ الشخصي ووقائع الماضي نفسه بتزويد الكاتب بها· وهي التي نجحت بمجموعها في أن تُبقي الكتاب في تلك المنطقة الوسطى التي يرتفع فيها النص عن أن يكون مجرد سيرة ذاتية عابرة لشخص ما، ليكون نوعاً من الجدل الحي بين ذات وموضوع، واقع وخيال، لا تفصله غير خطوة واحدة للدخول في العالم الرحيب للرواية· وهو ما نعتقد أن المؤلف مؤهل لأن يفعله في أعمال قادمة وقد فعله حقاً في روايته الجديدة حز القيد التي صدرت هذا العام عن إحدى دور النشر اللبنانية خصوصاً إذا عرفنا أن المؤلف تجاوز في كتابه هذا كثيراً من الحقائق المتصلة بحياته وحياة بعض من يحيطون به، فهو يركَّز على الواقعة الرئيسة، واقعة الإصابة والشلل الناتج عنها، ويكتفي فيما عدا ذلك بالقليل الدال اعتماداً على شيء يشبه ما كان يقوله كولردج من أن أية حياة مهما كانت تافهة ستكون ممتعة إذا رويت بصدق؛ ولعلّ لشعوره بذاته ويقظته النفسية، التي أعقبت الحادث ووضعت الكاتب على تلك الحافة الخطرة من زوال الإلفة والإحساس بالتغيّر العميق في شكل العلاقة العاطفية ووظائف الجسد، دخلاًً في ذلك· فضلا عن تلك الحقيقة العامة التي تكتسبُ فيها كل كتابة لها طابع السيرة الذاتية أهمية خاصة في واقع أدبي غفل يشكو من الإهمال على صعيد الوقائع التاريخية العامة والذاتية الخاصة·
وإذا كان هذا شيئاً خاصاً بنا نحن القرََََّء فإن المؤلف نفسه يضطرنا أيضاَ إلى طرحه، ويشاركنا التفكير فيه حينما يتساءل في أولى صفحات كتابه عما هو الأدب، وما وظيفته، والسيرة الذاتية وكيفية استحضارها للماضي ومعايشته للحاضر من جديد· أن تكتب سيرتك الذاتية يعني أن تكون مستعداً لتعرية نفسك صادقاً معها لكي يصدقك الآخرون
وهي تساؤلات وإجابات لا تنطلق عند الكاتب من محاجَّة نظرية مجرَّدة، بل من ضروريات عملية محّددة·· من حاجة إلى الفهم والتفهيم، للبيان والتبيين، وليس من تأملات وتهويمات· ولذلك فإن المزج بين جدّية الإدراك الحسي، وضرورات الإحساس الفني والجمالي يبدو طبيعّياًً حتى إذا بدا صوت الفن خافتاً وغير واع بنفسه على نحو كاف، أحياناً·
Page 4
غير أن الأمر لا يقف عند هذا الحد· إذا إن العلم والاعتراف بالحدود المفروضة على الذات في حالات من هذا النوع من شأنهما أن يخدشا الحياء·· حياء أولئك الذين يشعرون أن نظرات الكاتب تتغلغل تحت ثيابهم وتتعدى الحدود المطلوبة، وتجردهم من قوى خارقة يتوهمون أنهم يمتلكونها· علماً بأن الرجل لم يفعل شيئاً سوى القول بأنه، وهو يقف على حدود الخراب في حياته الجديدة، إنه انتصر على الآلام·· آلام الروح والجسد وإنه يريد أن يواصل المقاومة حتى اللحظة الأخيرة· وحين نحترم تجربة المؤلف ونجلُّها فربما لأننا نحترم ونجلّ شيئا ما في أنفسنا لم تتح لنا الفرصة لتجربته· على الرغم مما يرافق ذلك من لحظات ارتياب وخوف مبعثهما صعوبة التسليم بسلطات الإرادة·· إرادة التغلب على ضعف الجسد وهشاشة الذات، ومعايشة الألم، ومحاولة ردم الهوّة والمسافة المتسعة التي تفصل المعوّق عن الآخرين والحياة بهم ومن خلالهم بصورة طبيعيّة· ولئن كان اجتياز هذه المسافة الفاصلة هي مهمة هؤلاء الآخرين الذين يمتلكون أيدياً وأرجلاً سليمة تمكنهم من السير بل الركض السريع في كل الاتجاهات، فإن الذي نراه على أرض الواقع هو أن الجهد الأساسي المبذول في ذلك يقع على عاتق المعوّق نفسه، مع أنه لا يمتلك كما نعلم لا يدين ولا رجلين سليمتين مثل أيدي الآخرين وأرجلهم·· وذلك لا يعني نفي الحالات الخاصة و المواقف الإنسانية العديدة التي وقف فيها الكثيرون إلى جانب المؤلف في محنته ومكّنوه من مواصلة الإحساس بذاته وكرامته· والكتاب يورد أمثلةً كثيرة منها على نحو نرى فيه جانبي المتعة والفائدة مندمجين في الكتاب بشكل غريب؛ مع علمنا أن الكاتب غير معني بأن يقدم شكلاً صافياً محمولاً على زخرف عربي لا شأن له بالانفعالات البشرية والتفاصيل اليومية المختلفة، أو أن يستبدل الخبرة المباشرة ببدائل وهمية عن الحياة وطريقة الكتابة عنها· وهو يقول لنا في كل لحظة، إن الإنسان يربح حينما يقبل بالخسارة· ويعلمنا، كذلك، أن خسارات المعوّق وأرباحه هي خساراتنا وأرباحنا جميعاً· وذلك لا يحدث لأننا نعاني مثله من محنة الوجود، ومن هشاشة الذات البشرية، وخفة الكائن الإنساني، وإنما لأننا معرضون مثله للخسارة، بل لما هو أسوأ منها، وهو الموت في الحياة؛ أعني بذلك فقدان الإحساس بجدة الأشياء، وعدم الشعور بمعاناة الآخرين وما ينتظرهم من مصير·
وهو أمر يتساوى، إن لم يتفوق في تأثيره، على ما أحسه محمد عيد العريمي يوما ما في محاولته الحياة في الموت، أو ما بدا للكثيرين أنه الموت· فهو لا يعاني فقط من هذا الداء الوبيل الذي حل على جسده ضيفاً ثقيلا، وإنما من نظرات الآخرين الذين رثوا لحاله وتأثروا له، ولكنهم كانوا حريصين، مع ذلك، على أن ينتهوا منه ويفرغوا من أمره كما يفعلون مع الموتى الأعزاء· فهو، بكل بساطة، معوّق، والحياة للقوي· وإذا أصر على أن يكون موجوداً وقوياً، فلا بد من أن يتقبل حقيقة أن يكون موضوعاً؛ نعم موضوعاً لا ذاتاً فاعلة ومشاركة· أي مجرد محل لاهتمام الآخرين وعطفهم ولفتاتهم الإنسانية الرحيمة· وحكاية تلك الممرضة التي كانت تتكلم عن شأن من الشئون الخاصة بالمؤلف مع مرافق له بإنكليزية لا يُحسنها هذا المرافق، مثال على ذلك· فهذه الممرضة التي فوجئت بـالمعوق يفتح فمه ويكلِّمها بإنكليزية سليمة لا أثر فيها للعوق، كانت مدفوعة في موقفها ذاك بإحساس داخلي غير مصرّح به، وهو أن الإنسان إما أن يكون سليماً في كل شيء، أو لا يكون سليماً في شيء· وهي غير مستعدة لتقبُّل هذا الوضع الغريب الذي يكون فيه الإنسان قادراً بعقله ولسانه، ولا يكون قادراً بيده ورجله! وهو أمرٌ إذا لم يكن سارّاً تماماً، فهو يبعث على الدهشة·
وهو يعيد إلى مخيلتها تلك الحكاية الطريفة عن ذلك الأعمى الذي يُظن بأنه لا يسمع، وحكاية الأصم الذي يُظن بأنه لا يرى·
وتلك هي الحال التي وجد محمد عيد العريمي نفسه فيها، يناضل من أجل وعي ضروراتها الاجتماعية والنفسية، وتبديد الأوهام التي نشأت عند كثيرين من حولها· وهي حال من الصعب تلخيصُها بضرورة مساعدة المعوّّق أو ذي الاحتياجات الخاصة والتعاطف معه، وإنما الاعتراف به وعدم تغيير النظرة إليه، واحترام حقّه في الوجود الطبيعي، وعدم المسّ بكبريائه بوصفه إنساناً قادراً على الوجود والفعل، على الرغم مما فرض عليه من إصابة في هذا الجزء أو ذاك من جسده· هو أمرٌ لا نملُّ من تكرار القول بأن الإفادة منه لا تقتصر على أمثال محمد العريمي من ذوي الاحتياجات الخاصة، وإنما يشمل أيضاً كل أولئك الذين يحتاجون إلى عيون جديدة يعيدون النظر بها إلى حياتهم وحياة الآخرين من حولهم، بعد أن يتعلّموا كيفية كسر حاجز الإلفة ويحققوا شيئا مما يمكن أن نسميه خرق العادة التي تبدو معها الأشياء والكائنات أو كثيرٌ منها مهيأةً لأن تتخذ أشكالاً ومسارات جديدة تتخفف فيها من بعض أغطيتها الثقيلة، والعادات الراسخة بكل ما فيها من قهر للذات وكبت للمشاعر وبعد عن الأوهام·
وتلك هي، فيما أظن، الحكمة والرسالة الأساسية التي يحملها لنا هذا الكتاب بين دفتيه· وربما كان رائداً فيها؛ إذ فيها على بساطتها من عناصر البيان والبلاغة ما نستطيع معه أن نطمئن المؤلف بأنها قد وصلت، وأن كثيراً من الناس سيكونون مستعدين للاستماع إليها والتأمّل في تفاصيلها·
وعند ذاك، يمكننا الزعم بأن المذاق المرّ للتجربة يمكن أن يتغير، ويتحول إلى شيء يشبه العسل والسكر، طالما كان الصبر جميلاً، والأمل في توسيع الممكنات الإنسانية كبيراً·
Page 5
توطئة
بعد عشرين عاما من الصراع المتواصل مع الإعاقة وتداعياتها الصحية على الجسد والنفس، قررت أن الوقت حان للبوح، وإطلاع الآخرين على ماذا يعني أن يجد الإنسان نفسه فجأة وقد فقد الإحساس في معظم أعضاء جسده، ولم يعد يقوى حتى على حك أنفه!
وقد يُعزى تأخري في الكتابة عن تجربتي هذه إلى الخوف من استعادة تفاصيل أيام كانت هي الأسوأ في حياتي·· لاسيما تلك المرتبطة بمعاناة السنوات الأولى·· الأكثر ألما·· الأكثر ترسخا في ذاكرتي، إلا أن تواضع قدرتي على صياغة هذه التَجربَة وبلورة عناصرها المختلفة في قالب أدبي يتيح لي التعبير عن مختلف مكامنها·· المظلمة منها والمشرقة، دون الوقوع تحت تأثير وجع المعاناة الشخصية ومن ثَمَّ الانحراف عن مصداقية البوح، كان وراء ترددي في خوض تجربة كنت أظن أني لست مؤهلا لها!
فالسيرة الذاتية، كما هو معلوم، استحضار للماضي ومعايشة جديدة له في الحاضر· ورغم أن صورة هذا الماضي - في تجربتي - مؤلمة ومضنية، إلا أنه كان يطغى عليّ كلما توغلت أكثر داخل النفس لاستحضار تفاصيل بعض جوانب حياتي، لاسيما تلك التي تعود إلى السنوات الأولى - رغم وجع الكتابة - شعور مريح أقرب إلى التطُّهر والإزاحة
أن تكتب سيرتك الذاتية يعني أن تكون مستعدا لتعرية نفسك·· صادقا معها لكي يصدقك الآخرون، وأن تعرض تفاصيل من حياتك ليطلع عليها الآخر أيا كان نوعه: بينهم المتعاطف الباحث عن الحقيقة، والشغوف بمعرفة خصوصيات الآخرين، وبينهم أقرب الناس إليك، ولعلهم الأقدر على تأكيد صدق شهادتك!
وإذ ذاك توقفت أثناء كتابة هذا النص كثيرا أمام جوانب شديدة الحساسية من حياتي·· البوح بها لا يعنيني أنا وحسب وإنما يمس حياة آخرين غيري·· بعضهم مازال يعيش بيننا - أطال الله في أعمارهم - وآخرين غيبهم الموت - رحمهم الله وغفر لهم·
وكان عليّ المفاضلة بين خيارات صعبة لأسلوب تناولها: بين التخفي وراء صور بلاغية لا تؤكد الشيء ولا تنفيه، أو انتقاء مشاهد بذاتها ولو كان ذلك على حساب مصداقية السرد، أو قول الصدق حتى وإن كان جارحا أو محرجا·
وبعد طول تفكير، قررت أن أمارس الصدق مادام هذا الصدق لا يعني أحدا سواي، ولا يحرج أو يجرح غيري من الناس·· الأمر الذي حجب جوانب من حياتي لم يكن من حقي الحديث عنها، وهذا ما عاتبني عليه بعض أصدقائي!
Page 6
ويجدر التنويه هنا بأني لست بصدد كتابة سيرة حياة كاملة، وإنما سيرة تجربة في حياة، والغاية من إطلاع الآخر عليها ليس الحديث عن استثنائية صاحب التجربة أو الإعلان عن بطولة، وإنما رصد تجربة عادية يعيشها آلاف الأشخاص وإن تفاوتت شدتها من شخص لآخر ومن إعاقة إلى أخرى·
مـذاق الصـبر ليس سوى رَغبة لاقتناص المعنى من تجربة ما حدث·· محاولة أردت من خلالها كشف تجربتي مع الإعاقة، والأبعاد المختلفة لتجربة المرض والإصابة، وإعادة النظـر في طبيعة وضعي الصحي الجديد، ووجـود الآخرين من حولي، والتوضيح أن التصالح مع الإعاقة لا يعني قبول تبعـاتها والرضوخ لشروطها، وإنما يعني توظيف تلك التبعات لتعزيز مقومات شخصية تصـر على حقها الكامل وغير المنقوص في الحياة·
إنها محاولة لإزالة طنين الأسئلة·· تلك التي تدور في رؤوس ناس كثر·· سواء المقربين الذين يجدون في السؤال المباشر تجرعا للألم، أم لدى الغرباء الذين تملأ عيونهم الدهشة والرثاء تجاه الشخص المعاق، والافتراض أنه لا يحتمل السؤال وليس لديه الرغبة ولا الاستعداد للإجابة عن ما يدور في أذهانهم من تساؤلات يترددون في طَرحِها تفاديا للإحراج·
بيد أن الكتابة عن الإصابة وما تسفر عنه من تداعيات على حياة الإنسان في سائر جوانبها، وما يتعرض له المعاق من تمييز يحول دونه والاستفادة من الحقوق التي يتمتع بها أفراد المجتمع الآخرون·· ليست إشارة أستجدي بها شفقة الآخرين تجاه المعاقين، وإنما هي رسالة لإثارة الانتباه، ودعوة بعضهم إلى أن تتجاوز نظراتهم للمعاق الأجهزة التعويضية التي يستعين بها للتغلب على قصور وظيفي في عضو من جسده، وأن عليهم إعادة صياغة علاقتهم بالمعاقين وفق منظور حضاري لا تقوم فيها المفاضلة بين الناس على الجنس أو لون الجلد أو الإعاقة، وإتاحة الفرصة لهم لممارسة حياتهم وتحسين مستوياتهم المعيشية ومشاركتهم في الحياة العامة بكل أبعادها على قدم المساواة مع الآخرين·
ورغم أن بعض من قرأ الكتاب أو نقده يُعزي كتابته إلى الحاجة التي أفرزتها المعاناة الدائمة مع الإعاقة، إلا أن كتابة مذاق الصبر وما قبلها وبعدها من محاولات متواضعة للكتابة لم تكن - بالنسبة لي - تعويضا عن قصور أصاب جسدي، فأنا لا أشعر بأي نقص ولست مسكونا بهاجس إثبات الذات للآخرين، وبالتالي البحث عن بدائل تعوض ما أفتقره·
أستميح القارىء العذر عن ما اعترى هذا النص من قصور· فلم أكن معنيا كثيرا بشكل الكتابة قدر عنايتي بمضمونها، ولعلي لست على اطلاع واسع بهذا النوع من مستويات الكتابة· وغايتي كانت تقديم تجربتي كما عشتها بتجلياتها المختلفة·· بما فيها من لحظات ألم وأمل، ترح وفرح، ضعف وقوة، بغض النظر عن شكل اللغة ومستواها·
المؤلف
Page 7
فجأة فقدت الإحساس في جسدي كله عدا ما فوق الكتفين، واقتصرت قدرتي في الحركة على عيني وفمي وحسب، ولم تكن لي قوة - حتى - على حك أنفي!كان دعاء أمي رقيقا ينضح منه دفء الحميمية التي تجسد الأمومة بكل أبعادها ومعانيها وقدسيتها، وكان وداع زوجتي رقراقاً حملته ابتسامة هدهدت دواخلي وشدت روحي للبقاء· وركبت سيارتي في عتمة ليلة لم يظهر فيها ضوء القمر متوجها إلى مطار السيب للإقلاع على متن طائرة شركة تنمية نفط عمان، المتوجهة إلى حقول النفط في مرمول بالصحراء العمانية·وكان ذلك هو الأسبوع الأخير لي في ذلك المكان النائي بالصحراء العمانية قبل إجازتي السنوية، والسفر لقضاء شهر عسل طال انتظار زوجتي له·· لأعود للعمل في مقر الشركة الرئيس بمسقط بعد أن أمضيت في الصحراء نحو عشرة أشهر من التدريب على رأس العمل·
وكنت قد عُدت قبل سنة ونيف من الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أمضيت هناك نحو خمس سنوات نلت بعدها شهادة بكالوريوس علوم في الهندسة الصناعية·
وفي الطريق الممتد بين مدينة صور ومسقط، وفي وقت مبكر من الصباح، حين تبدأ خيوط النور بالانتشار رويدا إيذانا بانبلاج فجر يوم جديد، اتخذت حياتي منعطفا آخر، عندما اعترض جملان طريقي على بعد 02 مترا تقريبا من السيارة· وبسرعة لم تتجاوز مائة كيلومتر بالساعة، وفي جزء من الثانية ليس أكثر، كان عليّ اتخاذ القرار المناسب لتلافي الكارثة: إما تجاوزهما من ناحية اليمين والتعرض للتدهور خارج الشارع الذي كان يرتفع بنحو مترين عن بطن الوادي، أو تجاوزهما من ناحية اليسار والاصطدام بسيارة قادمة من الجهة المعاكسة كان ضوء مصابيحها يحول دوني وتحديد مكانها على الطريق، أو كبح الفرامل والتضرع لله (سبحانه وتعالى) أن تبطئ السيارة سرعتها وتتوقف قبل الاصطدام بكتلتي اللحم الوجلتين وسط الطريق·
واخترت الثالث منها، لكن السيارة، وعلى غير ما تمنيت، واصلت الانزلاق نحو الجملين وصدمت أحدهما بقوة رفعته عاليا ليرتطم بسقفها ويهوي بثقله على رأسي·
عندما أفقت من تأثير الصدمة واستعدت بعضا من وعيي، خلت رأسي منفصلا عن جسدي· وإذ حاولت فك حزام الأمان خانتني يداي· وقال لي أحد الرجلين اللذين كانا في السيارة القادمة من الجهة المعاكسة وهو يفك حزام الأمان اطمئن ستكون بخير، سنأخذك إلى مستشفى إبرا القريب من هنا
في ساحة المستشفى، سارع الممرضون والممرضات إلى إسعافي وتجمع المرضى والمراجعون، وجاء المتطفلون وخيم عليّ ظل حائط مستدير قبته مفتوحة نحو السماء· كانت الوجوه والأشكال والأصوات تتداخل: افتح عينيّ فأرى الناس أمامي كخيالات الظل تتحرك بشكل هستيري في اتجاهات وأبعاد لا وجود لها، وتصدر أصواتا كخوار الثيران لا أفهم معاني كلماتها!
وكنت حينئذ أتخبط في حالة بين الوعي واللاوعي، وبدأت أفقد القدرة على التركيز والرؤية، وأشعر بخدر في جسمي كله وكأني مهيأ لعملية جراحية· وفي وقت ما، ولا أدري كم طال وأنا على ذلك الحال، أتذكر أني تمكنت من التركيز، أو بالكاد، على شخص كان يسأل بإلحاح عن رقم هاتف منزلنا في صور· حاولت التحدث إليه، لكن لساني لم يطاوعني·
قال لي أحد الممرضين، بعد أن سألني إن كنت أشعر بضغط يده على قدمي وأجبت نافيا، إنهم لا يستطيعون تحريكي من هنا حتى يأتي الطبيب الذي هرعوا لاستدعائه·
وصل الطبيب المناوب، وأخذ يفحص جسمي ثم طلب جبيرة بلاستيكية لتثبيت العنق، وقال لي، بقدر ما أسعفته لغته العربية وبما معناه: لا تخف، ستكون على ما يرام· أنت بحاجة إلى علاج تخصصي وسننقلك إلى مستشفى خولة بمسقط حيث تتوفر تسهيلات أفضل للعناية بك ثم طلب من أحد الأشخاص بجانبه استدعاء سائق سيارة الإسعاف فوراً·
Page 8
لن أزعم، وأنا أسرد ما حدث لي صباح ذلك اليوم الشؤم، أن حديثي الآن وهنا يطابق تماما ما دار آنذاك، لكن وبشيء من المقاربات يمكن القول إن ما وقع لي خلال ساعاته لا يختلف كثيرا عن ما ذكرت وما سآتي على ذكره في الصفحات التالية·
لا أتذكر كثيرا كيف مضى الوقت، وأنا مُسجى على ظهري على نقالة مرضى - بعد أن حُزم جسدي بأربطة تفاديا لما قد يفاقم الضرر الذي أصابني - داخل سيارة الإسعاف وهي تشق طريقا جبليا افعوانيا شديد التعرجات يخترق سلسلة جبال الحجر الشرقي - بين إبرا ومسقط·
بيد أن ذلك الطريق، الذي قطعته ذهابا وإيابا مرات كثيرة خلال الأشهر القليلة الأخيرة أثناء عملي بحقول النفط في الصحراء العمانية، ما زال بعد مرور أكثر من عشرين عاما من ذلك التاريخ يتراءى لي في منامي·· أرى سيارة إسعاف تسير في طريق متعرج بين جبال شاهقة شديدة السواد تشبه إلى حد ما طريق وادي العق الذي سلكته سيارة الإسعاف في ذلك اليوم!
وعندما استعدت كامل وعيي في مستشفى خولة، أدركت مدى خطورة إصابتي حين وجدت الجزء العلوي من جسدي داخل شرنقة جبس امتدت ما بين أسفل البطن إلى أعلى العنق، والأنابيب تدخل وتخرج من الجزء السفلي·
ما كاد النهار ينتصف حتى غص الجناح الذي وُضعت فيه والردهات المجاورة بالأصدقاء والمعارف·· بعضهم جاء لتقديم المساعدة كالتبرع بالدم أو كل ما بوسعهم تقديمه، وآخرون للاطمئنان عليّ· ورغم أني لم أفقد الوعي بعد ذلك، حيث كنت أستجيب لتحيات الزائرين وتهنئاتهم لي بالسلامة من أهل وأصدقاء ومعارف، إلا أن من الصعوبة بمكان تذكر كل الأسماء والأوجه· فلقد كانت الصور ضبابية ومشوشة، ولا قدرة لي الآن على استحضارها من شتات ذاكرة كانت تئن تحت وطأة الصدمة!
أما في صور، فقد تردد الخبر - ولا أدري من كان وراء ذلك - أن إصابتي طفيفة، ومن المنتظر عودتي إلى المنزل في تلك الليلة، لذلك انشغلت زوجتي، كما ذكرت لي لاحقاً، بإعداد البيت وفرشه استعدادا لعودتي واستقبال المهنئين بسلامة النجاة·
وفي المستشفى، استشعر أحد أقاربي خطورة الإصابة إذ لاحظ أني لا أقوى على تحريك يديّ وقدميّ رغم خلوهما من جروح أو كسور· وإذ استفسر عن تفاصيل الإصابة ونتائجها المترتبة على صحتي، عرف من الأطباء أن من السابق لأوانه تحديد مدى الضرر الذي لحق بي وشدته قبل انقضاء ثلاثة أيام· ففي مثل هذه الحالات قد لا تكون النتائج سيئة كما تبدو، ولعل الأمر ليس سوى صدمة في الأعصاب سببت عطلاً مؤقتا في بعض وظائف الجسم الحيوية·· لاسيما وأن إصابتي تبدو - ظاهريا - طفيفة، فلا دماء ولا جروح وليس هناك ما يستدعي تدخل جراحي عاجل!
على ذلك النحو أفل اليوم الأول من تاريخ الحادثة·· يوم انتهى فيه فصلٌ من حياتي كان على قصره زاخرا بسائر أبعاده·
جاء اليوم التالي·· جاء بدموعه وأحزانه ومخاوفه، فقد فتحت عينيَّ على أمي وزوجتي بجانب السرير: اكتسى الحزن والأسى وجه والدتي وهي تذرف الدموع بلا انقطاع، في حين وقفت فاطمة تنظر إليّ بابتسامة أخفت وراءها اضطرابا بالغاً وخوفا عظيما وهي تشاهد نصف جسدي داخل قالب من الجبس، وأنابيب السوائل تدخل وتخرج من النصف الآخر·· ابتسامة لا تشبه في عذوبتها تلك الابتسامة الصافية التي ودعتني بها فجر اليوم الذي سبقه!
حاولت، بقدر ما أتاحت لي نفسي الضعيفة، أن أبدو قويا·· متماسكا، وأن احتفظ برباطة جأشي، لكن نظرتها الحائرة·· المضطربة قهرت محاولتي، أضعفت قوتي، ومزقت تماسكي، فسالت دمعتي·· دمعتها، وبدا لي أن خيطاً رفيعاً امتد بين دمعتينا·· معبراً لهواجس الخوف والقلق!
وكان جل ما تمنيت في تلك اللحظة، على تعاستها وازدرائي لها، أن أغمض عينيي وأنعتق معها بعيداً عن ذلك الواقع الأليم إلى عالمنا الخاص: عالم آخر يزخر بالبهجة وتطغى عليه الفرحة والسعادة·· لاسيما أنه لم يمضِ على زواجنا عام واحد!
لم يختلف اليوم الثاني للحادثة عن الذي سبقه، ولم يكن أفضل حالا من ما تلاه من أيام، ومن الناحية الصحية لم يطرأ على وضعي جديد: ففجأة وجدت نفسي وقد فقدت الإحساس في جسدي كله عدا ما فوق الكتفين· واقتصرت قدرتي على الحركة في عيني وفمي وحسب، ولم تكن لي قوة - حتى - على حك أنفي!
Page 9
في يوم السبت، علم زملائي والمسئولون في الشركة بخبر الحادثة، وكان أول من جاء منهم لزيارتي الدكتور هارفي، مدير الدائرة الطبية بالشركة، الذي سعى لنقلي إلى غرفة خاصة·
قبل المضي في سرد المزيد من هذه اليوميات، أود تسجيل إشادة مستحقة لهذا الطبيب الإنسان وهذه المؤسسة العملاقة الملتزمة برعاية موظفيها· فلولا جهوده النبيلة وخصاله الإنسانية الحميدة واستجابة الشركة العالية لإعانتي خلال فترات العلاج وما بعدها، لما قدر لي تجاوز تداعيات الإصابة وقطع هذا الشوط الطويل في مقاومة الشلل وتبعاته·
فلقد وقف الدكتور هارفي إلى جانبي طوال أشهر علاجي في المستشفى، وعمل على تهيئة جل السبل لتوفير الراحة والعناية الطبية اللازمتين خلال وجودي هناك، ثم عمل على نقلي إلى بريطانيا على نفقة الشركة لاستكمال العلاج والتأهيل· ولعب فيما بعد دورا عظيما في توفير الفرصة لمواصلة مستقبلي المهني أيضا!
تردد عليّ الأطباء خلال الأيام التالية، وأُخضعت مرات عدة لفحوصات مختلفة، بيد أنهم لم ينوهوا بإمكانية تحسن حالتي، ولا ذكروا كم سـيطول انتظاري لإعطائي رأيا نهائيا وقاطعا حول وضعي الصحي· ولعل الوقت مازال مبكراً، كما قال بعضهم، لتحديد النتائج النهائية التي تترتب على هذا النوع من الإصابات·
ورغم أن بعضهم أشار إلى أن الإصابة ربما تكون قد ألحقت ضرراً دائما بالجهاز العصبي، وأثرت بالتالي على قدرتي على الحركة الذاتية والإحساس، بدءاً من الصدر ونزولاً إلى أصابع اليدين والقدمين، فضلاً عن اختلال معظم وظائف أعضاء الجسم الحيوية أسفل منطقة الإصابة، إلا أن شدة تأثيرها عليّ واحتمالات الشفاء ونسبته كانتا مرهونتين بمستوى الإحساس الذي سيعود إلى الأجزاء، الذي فقدته خلال الأسابيع القليلة القادمة، كما أنهم تحدثوا عن احتمال إجراء عملية جراحية خلال ذلك الأسبوع·
دخل غرفتي في صباح اليوم المفترض لإجراء العملية ثلاثة شباب من مدينة صور لا أعرف غير واحد منهم معرفة سطحية· تحدثوا معي بعض الوقت، وانفردوا بوالدي في حديث خاص أثار شكوكي، ثم غادروا الغرفة! سألت والدي عن موضوع حديثهم معه، فعرفت أنهم سمعوا بالعملية وجاءوا للتبرع بالدم، وأخبروه أنهم سينتظرون في غرفة الاستراحة المجاورة حتى يأتي الطبيب لتقديم عرضهم عند الحاجة·
قد لا يبدو هذا الموقف غريباً إذا بدر من أشخاص تربطني بهم علاقة قرب أو صداقة، غير أن يقتحم غرفتي أناس لا أعرفهم ويضعون أنفسهم تحت تصرف الطبيب لتقديم الدم اللازم الذي قد تطرأ عليه الحاجة أثناء إجراء العملية لهي بالفعل مبادرة إنسانية استثنائية، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى!
كما أظهر لي كثير من الناس - بعضهم لا تربطني بهم علاقة معرفة حتى - من المحبة والعطف ما يفوق الوصف، فلقد غمروني وأسرتي بالرعاية والحب، وساعدوا على تخفيف وقع الحادثة على أهلي بتوفير سائر سبل الراحة لإقامتهم في مسقط·
يبدو أن الأطباء توصلوا في اليوم نفسه المقرر لإجراء العملية إلى أن إصابتي لا تستدعي تدخلا جراحيا، واستبدلوها بعملية شد العمود الفقري التي استدعت تثبيت مشبك معدني في جانبي الجمجمة، وربطه بخيط يمر على بكرة ثُبتت هي الأخرى في طرف السرير، ويتدلى من طرفه الآخر ثقل يزن عدة كيلوجرامات· الهدف من هذا الإجراء الطبي إعادة الفقرة المكسورة في الرقبة إلى وضعها السابق، لكن لا أحد ذكر لي النتائج التي ستسفر عن هذا الإجراء، ومدى تأثيره على إمكانية عودة الإحساس إلى جسدي!
وتشبثت بأمل·· زائف ربما، غير أن لا خيار للغريق سوى التشبث بكل ما تستطيع يداه الوصول إليه حتى ولو كان قشة· وتشبثت بأمل أن يعود الأطباء غدا أو بعده، أو ربما بعد أسبوع ليزفوا لي نبأ أن إصابتي ليست سيئة كما تبدو، وأني سأكون في طريقي إلى الشفاء خلال الأيام القليلة القادمة!
مرت أيام عدة، ولم يأتِ الخبر الذي كنت أنتظره، ولعله الوهم الذي كنت أتمناه، وإنما تدافعت عليّ الكوارث والأحزان، وتلاها حشد من التساؤلات·· بعضها تجاوز حدود المعقول· فقد أظهر التشخيص الطبي النهائي للإصابة تهتك الحبل الشوكي في العمود الفقري بسبب تهشم الفقرة السادسة في الجزء السفلي من العنق: أي بمعنى آخر أصبت بكسر في الرقبة وقطع في الحبل الشوكي داخل تلك الفقرة· وأكد الأطباء أن فرص الشفاء في مثل هذه الحالة ضئيلة إن لم تكن معدومة·
لم ينقل الخبر إليّ على ذلك نحو - فالأطباء لديهم أساليبهم لإبلاغ المريض وأهله بخطورة مرضه أو شدة إصابته - وإنما جاء أحد الأطباء مثقلاً بمهمة إبلاغي أنهم لا يرون أية فرصة للشفاء أو حتى تحسنا أيا كان نوعه قد يطرأ على صحتي، وأن عليّ قبول ما آلت إليه إصابتي لكي يتسنى للتأهيل فرصة للنجاح·· سواء هنا أو في الخارج·
Page 10
بيد أن الطبيب مهد لمهمته الشاقة تلك ببعض الأسئلة الشخصية عن مكان عملي وطبيعته، فلما عرف أنني مهندس أعمل في شركة للنفط وأجيد اللغة الإنجليزية بدا على ملامحه بعض الارتياح! لعله اعتقد أن ذلك سيسهل عليه المهمة المكلف بها·· لغويا وعلميا على الأقل·
وكنت خلال الأيام التي تلت تثبيت رأسي بالمشبك المعدني، وشد رقبتي بثقل طوال ساعات النهار والليل، وحزم جسدي بسيور كل ثلاث ساعات ليتسنى قلبي أنا والسرير ظهرا على بطن، وذلك لتخفيف الضغط على الظهر تفاديا لحدوث قروح سريريه·· وما لكل لذلك من دلالة على فرص الشفاء، تيقنت، قبل أن ينقل لي الطبيب ذلك الخبر، أن لا أمل باستعادة عافيتي، وإن وجد، فهو ضئيل جدا إن لم يكن مستحيلا·
شرح الطبيب أولا طبيعة إصابتي من منظور طبي، فبين أن الإصابة في النخاع الشوكي أخلت بعمل الجهاز العصبي وأصبحت معظم أجزاء جسمي معزولة عن مركز النشاط العقلي في الرأس، وبالتالي لا تستجيب لإرادة الدماغ·
وأطنب في شرحه·· فشبه عمل النخاع الشوكي بسلك جهاز التلغراف، فهو وسيلة الاتصال بين الدماغ وأجزاء الجسم الأخرى، عدا الوجه الذي يتصل مباشرة بالدماغ· وإذا أصيب النخاع بتلف سواء كان كاملا أم جزئيا، فإن ذلك يخل بوظائف بعض أجزاء الجسم أسفل مستوى الإصابة في الظهر، وتصبح أعصاب النخاع غير قادرة على نقل الرسائل من المخ إلى العضلات والخلايا الحسية وبالعكس· ويفقد المصاب القدرة على الإحساس أو الحركة في الأعضاء التي تقع أسفل موضع الإصابة من الظهر· ثم أكد - حتى لا يدع في كلامه مجالا لسوء الفهم - أن هذه الأجزاء ستظل غير قادرة على استعادة أنشطتها!
ولما بدأ يتحدث بمواربة عن الشلل متردداً في استخدام الكلمة، وفرت عليه مشقة الحديث وحرج الموقف، وقلت له أو بما معناه: لا داعي للإزعاج، فأنا لدي صورة واضحة تقريبا عن حالتي ومستقبلي الصحي، ولكن لدي بعض الاستفسارات التي أريد إيضاحا لها إن أمكن؟
ورغم انفراج أساريره، وقد كان ذلك واضحا على وجهه، إلا أنه ظن أنى لم أفهم كل ما قاله· وحين كان على وشك الاستطراد في الحديث، قاطعته موضحا أنى فهمت ما قاله، وبينت له أني أدرك جيدا ما سيترتب على إصابتي· وبدا غير متأكد مما قلت، فقد استوضح الموقف أكثر بقوله ماذا تقصد؟ فأجبته أنني مدرك لأبعاد إصابتي ونتائجها على مستقبلي·
لعل البعض سيعتبر رد فعلي عندما سمعت الخبر وتأكدت حقيقة إصابتي: شلل شبه كامل، وما سوف يصير إليه حالي في المستقبل، وما سيترتب عليه من معاناة دائمة لن يقتصر تأثيرها عليّ وحسب وإنما سيطال زوجتي وأهلي·· لعل البعض سيعتبر ذلك نوعا من المبالغة المفتعلة واستعراضاً لشجاعة أنا في غنى عنها!
أن يجد الإنسان نفسه فجأة في حالة من الذهول تتحول إلى حيرة مثخنة بالألم والقسوة، ويرى جسده قد تهالك وتبعثر إلى أشلاء لا حياة فيها، وأحلامه قد تهشمت وما بناه قد تهدم·· أن يشهد موته بنفسه·· أن يكون هو الميت وهو المعزَّى في آن، فمن الطبيعي أن يتناسب رد فعله تجاه هذه الفاجعة بحجم الفاجعة نفسها·
كان المفترض أن أصرخ·· أرفض وأصاب بالهستيريا غير مصدق لما سمعت ومكذبا الأطباء! نعم·· لم أتصرف على ذلك النحو الذي يعبر عن جسامة مصيبتي، لكن كنت أعرف جل المعرفة مدى النكبة التي حلت بي، وكنت أدرك أن الألم والحزن سيلازمانني لفترة طويلة قادمة، وربما طوال حياتي·