مدخل عام
يُعَرّف التراث المادي بمفهومه البسيط، على أنه مجمل الموروثات المادية ذات الجذور القديمة التي تنتقل من جيل إلى آخر، جامعة في تفاصيلها إبداعات فنون كثيرة متنوعة وواسعة النطاق، من أبرزها الصناعات التقليدية، والحِرَف اليدوية الشعبية بمختلف أشكالها ومظاهرها الفنية وخاماتها النحاسية والحديدية والخشبية والجلدية والخزفية والزجاجية والنسيجية والتطريزية، التي ترتبط بشكل عام باحتياجات الحياة العامة، وبالعادات والتقاليد والممارسات اليومية، وتحكُمها من حيث الشكل والمضمون محددات الظروف البيئية والاقتصادية والاجتماعية والجغرافية لبلد ما، وتًعبر بشكل ملموس عن مكونات الثقافة المادية وخصائصها لشعب من الشعوب، كما تساهم، بما تختزنه من التاريخ، في الكشف عن الصورة الحقيقية لهوية الشعب الوطنية والقومية.
كذلك تعكس المقتنيات التراثية المادية القديمة بتنوعها الخصب، صوراً مهمة وجذابة ضمن تشكيلات منسجمة تعطي فكرة جلية عن الماضي بأحقابه المتتالية، وتُوثق لمعلومات واقعية وكثيفة عن أحداثه على مدار الأيام المتعاقبة، وتبيّن أوجه الحياة القديمة بكل تفاصيلها.. إنها تضيء الذاكرة الجمعية بصور متراكبة ومتتابعة ومفعمة بدلالات ومضامين تطال الزمان والمكان، نحن أحوج ما نكون لها، لاكتشاف الذات، ومدّ خط من التواصل مع الأمس البعيد مهما تباعدت الأيام وتوالت الحقب.
ومن حسن حظي أنني احتفظ بمقتنيات مادية تراثية قديمة لوالدي، تنوعت بين أغراض شخصية وأواني وأدوات منزلية متصلة بما يتعلق بحياة أسرتي في حيفا، وهي تُجسّد لي لوحة لا حدود لها ترسم ملامح تلك الأيام، أحتفظ بها بذاكرة متوهجة ونابضة بالحياة عن حيفا الأمس، وعن تفتح طفولتي فيها.. تتكون هذه المقتنيات من أوراق وصحف ومجلات وطوابع بريدية وعملات معدنية وورقية، وأواني منزلية، ومفاتيح ومصابيح ومقتنيات شخصية قديمة، تُلامس مشاعري وأعيد بها رسم صور كثيرة مختلطة ومتشابكة ومتتابعة عن أيامي الماضية، وأرجع بها في غمرة عاطفة لا حدود لها إلى مسقط رأسي، مستحضراً تفاصيل حياة أسرية هانئة لا يمكن أن تطويها يد النسيان.
حُفِظَت تلك المقتنيات في بيت أسرتي في حيفا لسنوات طويلة، تعودتُ على رؤيتها عندما كنت طفلاً، وكان نقلها والدي إلى بيت الأسرة في قرية بُرقة قبل ستة شهور من سقوط حيفا، حين حَدَسَ أن الحرب ستمتد في المدينة لفترة طويلة من الوقت، وأراد أن يحفظ مقتنياته بعيداً عن ساحة القتال، وبَقيت بعد حدوث زلزال النكبة في بُرقة، وأوصاني والدي بالحفاظ عليها، وبعد رحيله نقلتها إلى عمّان بصعوبة وبكميات قليلة وعلى امتداد سنوات عدّة، وهي معي الآن في عمّان مثقلة بحكايا ملحمية توازي أضخم الروايات والملاحم، عن مرارة المنافي والشتات والإقتلاع من الأرض والحرمان من الوطن.
بفضل هذه المقتنيات القديمة، ورثتُ عن والدي حُبَّ تجميع المقتنيات التراثية، ومع مرور الأيام تمكنت من الحصول على عدد غير قليل من المقتنيات المرتبطة بالتراث، ولديّ الآن مجموعة كبيرة منها مختلفة الأشكال والأنواع والأحجام، وما يجمعها أنها تكوينات متجانسة، في مجال السجاد والفضيات والنحاسيات والزجاجيات والفخاريات والأثاث القديم، كما ورثت عنه اهتمامه الخاص بتجميع المسكوكات القديمة، حيث تواصل اهتمامي بها طيلة سني عمري، وأحفظُ مجموعة كبيرة من النقود المعدنية الرومانية والبيزنطية والساسانية (الكسروية) على شكل دنانير ودراهم كانت متداولة في الدول العربية في مجال معاملات البيع والشراء، وكذلك النقود المعدنية الأموية والعباسية والفاطمية والعثمانية والسلجوقية التي سُكت من النحاس والبرونز والفضة والذهب الخفيف، ضُربت بمأثورات وإشارات ونقوش زخرفية وتواريخ خاصة بها في مدن عديدة، منها: دمشق، وواسط، والبصرة، والكوفة، والسلام، والهاشمية، واسطنبول.
بدأ اهتمامي بتجميع المسكوكات واقتنائها منذ طفولتي، عندما كنت أحفر مع أصدقائي عن المطمور منها في أراضي قرية سبسطية الأثرية الواقعة على مقربة من قريتي، وقد أفادتني تلك المسكوكات في دراسة علم الاقتصاد الذي تخصصتُ به، وفي التعرف على التاريخ الاقتصادي العربي بشكل عام، و في معرفة سير الحكام الذين ضربوها في الأزمنة الماضية، كذلك أفادتني كثيراً في إضافة مصطلحات تعريفية للنقود العربية والأجنبية إلى الموسوعة الاقتصادية التي عملتُ على تأليفها على مدار أربعة عقود، وأصدرتها في عام 2008، وهي الأولى من نوعها باللغة العربية اتساعاً وعمقاً، تُعَرّف، بمنهجية علمية، وعبر مجلدين تتجاوز صفحاتهما الألف صفحة؛ بمجموعة كبيرة من المصطلحات الاقتصادية العلمية بما فيها مصطلحات كثيرة عن المسكوكات النقدية القديمة.
كما إنني تمكنت، بفضل تلك المقتنيات التي ورثتها عن والدي، أن أكتب كتابي الموسوم: "بُرقة حيفا.. البحث عن الجذور". إذ إنها جسدت لي ذاكرة في تكوينات مُحكمة لا حدود لها عن أيام طفولتي الباكرة في مسقط رأسي في حيفا وعن قريتي بُرقة، وساعدتني على تلمس مخزون خصب عن جذور أهلي وأجدادي وبعض الحوادث الكثيرة التي عاشتها أسرتي في زمن مضى.
تمكنت بها التمتع بذاكرة مرئية تُغرقني دوماً في بحر من التأملات بمحركات نفسية مؤثرة، أسترجع فيها صوراً كثيرة مختلطة ومتشابكة لفلسطين كلها تمتد في فضاءات رحبة متشعبة، تنطق بحبي وهيامي بها، استحضر مكنوناتها ببؤر لاقطة تعكسُ لي شظايا أجزاء من أرض بلدي وسمائها وبحرها وترابها ووجوه أهلها وكل ماكان فيها، أتلمس فيها تفاصيل مضت رغم تباعد الزمان والمكان. إنها توقظ في داخلي شهوة الحياة رغم مرارة المنافي والشتات.
مكاحل
أواني نحاسية قليلها من الفضة العادية، مزينة بأغطية مشغولة بزخارف على صورة أوراق أو أزهار، تعد من أدوات تجميل المرأة، حيث يوضع الكحل الأسود فيها، ولها مِرْوَد لطلاء العين به، كزينة تزيد من حسن المرأة وجمالها.
يُنْتَج الكحل من حجارة طبيعية تكونت عبر آلاف السنين، وتُستخرج من باطن الأرض. من أجود أنواعه: حجر "الأثمد" الذي يُصْحَن عادة بعد معالجته بالهاون حتى يتحول إلى مسحوق نقي، ثم يُنَخّل في قماش ناعم، وبعد ذلك يُعبأ في المكاحل ويكون جاهزاً للاستخدام.
للكحل فوائد جمالية وعلاجية، حيث يستخدم لتقوية الرموش وزيادة طولها وسماكتها، ولتخفيف احتقان العين والتهاباتها عند إصابتها بعدوى جرثومية، وتشير المصادر إلى أن كليوبترا هي أول أمرأة استخدمت الكحل الأسود للزينة والتجميل.
مقتنيات شخصية 1
في مقدمتها مخطوطة قرآن قديمة مكتوبة بخط اليد بمقياس كبير ولمسة خاصة يُقدر عمرها بنحو ثلاثمائة عام، محفوظة داخل مغلف من جلد الغزال مزين بشكل صغير مضغوط غير واضح الملامح.
ومنها أدوات مختلفة استخدمها والدي في مجالات الحياة اليومية، وتضم: حقيبة حديدية صغيرة لحفظ أوراقه الهامة، كاميرا فوتوغرافية قديمة، صورة فوتوغرافية شخصية بإطار خشبي، ولاعة فضية، ساعة جيب فضية وأخرى عادية، موس حلاقة، متر خشبي للقياس، علاقة مفاتيح، علبة نظارات، فرشاة حلاقة، علبة دخان 555"" مربعة الشكل من المعدن الخفيف، وعلبة دخان " كرافن A" مستديرة الشكل من المعدن الخفيف، وطربوش أحمر من بقايا العهد العثماني درج الناس على اعتماره، حتى بعد انتهاء الحقبة العثمانية.
وبالنظر إلى الزمن المتغلغل بعمق في هذه المقتنيات، يُلاحَظ من السجلات المحفوظة لدي في الوقت الحالي بخط والدي، أن الحقيبة الحديدية اشتراها من طبرية عام 1923، وصورته الفوتوغرافية الشخصية التقطت في طبرية بتاريخ 15/6/1934، وأن الطربوش الظاهر في الصورة قد تم شراؤه من طبرية في العام نفسه، وأنه تم شراء الكاميرا الفوتوغرافية من حيفا عام 1935، وساعة الجيب الفضية عام 1931، وفرشاة الحلاقة الصغيرة عام 1925، وعلب الدخان الثلاثة من أيام الحرب العالمية الثانية، ومع أن والدي لم يمارس عادة التدخين طيلة حياته، إلا أنه مراعاة لأساليب الضيافة التي اتبعت وقتذاك في فلسطين، كان لا بد من تقديم الدخان بأنواعه المختلفة للضيوف، ومن أهم أنواع الدخان التي كانت تقدم في هذه المناسبات "البليرز وكرافن ِ Aو555" الأجنبية، وسجائر أوتومان المحلية من إنتاج شركة قرمان ديك وسلطي ومركزها شارع الناصرة في حيفا.
ويبين والدي في أوراقه أنه اشترى ساعة الجيب الفضية بأربع جنيهات فلسطينية من دكان "إذاعة حيفا" في شارع أمية، لصاحبه عبد الفتاح أبو زيد بتاريخ 7-10-1937، أي قبل ولادتي بنحو عام، وأنه اشترى نظارة شمسية بجنيه فلسطيني من دكان "ا. مدريني" في عمارة الكرمليت، وقد فُقدت وبقيت علبتها الظاهرة بين الصور.
ورغم طابع القِدَم الذي يميّز هذه المقتنيات، إلا أنّها عادية ومألوفة، لا تنطوي على آثار هامة ومزايا فنية، وتنبع قيمتها فقط من كونها تنتمي إلى عائلة حافظت عليها رغم ظروف الشتات والمنافي الصعبة، ودوامة الترحال المتواصل على مدى عقود طويلة.
إنها موروث غني بعمق التاريخ، وهو ما يجعلها تتكامل ببعديها؛ الروحاني، والمادي، ودلالتيها العامة التي تمتد في أعماق الحياة الفلسطينية، وتبين ما كانت عليه بعض المقتنيات الشخصية فيما مضى، والثانية خاصة تعبر عن شغف صاحب المقتنيات بالحفاظ على أغراضه وأدواته، بإصرار ووعي أنها ستسعف من يأتي بعده من الأبناء والأحفاد على تذكر ماضي أيامه وأحواله، ومشاركتهم له مكنونات مقتنياته الشخصية.
إنها أصدق من أنباء تاريخ مزيف، لأنها تجسد بعفوية مساحات رحبة من فضاءات الوطن، تعج بومضات جلية من حيفا، تنداح أمام أعيننا على صفحات هذا الكتاب، وتعيدنا إلى أيام لنا تأبى النسيان.
مقتنيات شخصية 2
تتألف من آلة خياطة يدوية قديمة تم شراؤها عام 1935 للاستخدامات الذاتية المنزلية، كانت في الزمن الماضي من مقتنيات البيوت الأساسية، تعمل يدوياً بوضع القدم الضاغطة على قاعدة مثبتة عليها في أسفلها، وتوجيه عجلة علوية مثبتة عليها باليد لتمرير الإبرة فوق الملابس والأقمشة، وقد أوشكت في الوقت الحاضر على الانقراض، إذ أخذ يحل محلها آلات الخياطة الكهربائية.
ومن ضمن المقتنيات: مقص معدني يستخدم مع آلة الخياطة، وكيس لحفظ الكتب طرزته أمي في أيام صباها، منشه (هواية) يدوية مصنوعة من قش القمح، شال من قماش الحرير الأبيض، مزين بقطع فضية رقيقة ممزوجة بزخرفة جميلة تجعل منه شالاً للمناسبات، تنساب أطرافه بجمال وأناقة على العنق والكتفين، استخدمته أمي لأول مرة يوم عرسها عام 1918، وحزام من الحرير المقلم بألوان متعددة يغلب عليها الأحمر تظهر كأنها موتيفات متداخلة، تلبسه النساء في منطقة بُرقة على الخصر فوق الأثواب العادية المشغولة من قماش سادة (بلون واحد).
ويوجد ضمن هذه المجموعة من المقتنيات، ثوب تقليدي لأمي مُقلم فضفاض يقرب عمره من مئة عام، مفتوح من الأمام مما يجعل منه ثوباً واسعاً، قماشه من الحرير الممزوج بخيوط قصب مذهبة، مزين بألوان مختلفة من تدرجات الأحمر والأصفر والأخضر التي تعطيه بريقاً ولمعاناً خاصاً، وتتكر في نسيجه دائرة زخرفية بانتظام على شكل نقاط كبيرة باللون الأبيض، ويستعمل هذا الثوب كرداء خارجي فوق الملابس العادية في مناسبات الأفراح، ويُسمى بالقفطان أو العباءة.
وتجدر الإشارة إلى أن بلدة بُرقة التي تنحدر منها عائلتَي أبي وأمي، لا تستخدم في أزيائها الملابس الفلسطينية التقليدية المزينة بالتطريز الشعبي المعروف، ورسوماته المعروفة بخيوط متعددة الألوان يغلب عليها الأحمر والأسود والأبيض، كما هو الحال في قرى ومدن وسط وجنوب فلسطين، ولهذا لا تتوفر في مقتنيات أسرتي مثل هذه الأزياء.
مقتنيات عامة
إنها ذاكرة غنية بقطع قديمة متنوعة مختلفة الأشكال والاستخدام، تعكس صوراً مركبة مرئية بنكهة خاصة تساعد على اكتشاف الماضي من جديد، يظهر في قطع منها زخرفة سطحية متداخلة، يمكن تلمسها في الأشغال الخزفية على الصحون، والمزهرية ذات العنق الطويل المزينة بزخرفة فوق طلاء شفاف مائل إلى اللون الزهري، وعلى الخناجر المغربية واليمنية، ويمكن الإحساس بالجمال التقليدي في الأشغال الفضية على كوب أصفهاني بمقبض نصف دائري، وفي نقوش زخرفة منحوتة على مجسَّمَي البطتين.
وفي هذه المجموعة جو عابق بتاريخ حيفا ما قبل النكبة، يتجسد في هاتف أسود قديم كان منتشراً في بداية ثلاثينيات القرن الماضي، وكان والدي يستخدمه في أداء عمله في القسم الفني في إدارة البريد والبرق والتلفون (البوسطة)، وقد تم صنع هذا النوع من الهواتف في عام 1927.
ومن أبرز ما في هذه المجموعة من مقتنيات؛ جهاز فونوغراف صوت سيده "حاكي أسطوانات" شاهد على الزمن، تم شراؤه من محل بوتاجي الشهير في حيفا خلال صيف عام 1946، مع عدة أسطوانات، منها أسطوانة أغنية "على بلد المحبوب وديني"، يتركز عمله في إعادة تشغيل الأصوات المسجلة بواسطة إبرة تدور على الأسطوانات ومكبرات صوت نحاسية (بوق)، ورغم حلول التسجيل الرقمي مكانه إلا أنه لا يزال يستخدم حتى الآن.
وقد حصل والدي عند شرائه الفونوغراف على هدية من محل بوتاجي عبارة عن كتالوج أسطوانات لأم كلثوم، فيه نصوص أغنياتها، ومنولوجات كثيرة، منها: "أيقظت فيّ عواطفي"، "إن كنت أسامح"، "يا روحي بلا كتر آسية"، "وحقك أنت المنى والطلب"، "أفديه إن حفظ الهوى".
ومن مقتنيات هذه المجموعة صحن من الخزف المزجج له خلفية بيضاء وغطاء شفاف، عليه صورة السلطان العثماني عبد العزيز خان (1861- 1876) وتحتها اسمه بالأحرف العربية، ويزيد من بهاء الصورة زخرفة أنضولية كثيفة ملونة، ونقوش بارزة مرسومة بتناغم حولها تنساب متتابعة بشكل دائري على اتساع الصحن.
وثمة بساط تقليدي في هذه المجموعة منسوج من الصوف الملون بألوان طبيعية فاتحة تتماوج بزخرفة خطوط دقيقة، يدخل فيها بشكل واضح اللون الأحمر الخمري، ينسب في صنعه إلى أحد مشاغل غزة، وقد تلقته أمي هدية من أخيها عند اقترانها بأبي في عام 1918، ويستخدم البساط عادة لتغطية أرضية الغرف في البيوت، كما يستخدم كوسيلة من وسائل الزينة بتعليقه على الجدران، وصناعة البسط من الحرف التقليدية العريقة في فلسطين، عُرفت قبل النكبة بإنتاج بسط بأحجام وألوان وتصاميم مختلفة بالغة الدقة والجمال.
ومن المقتنيات طبق قش تقليدي بشكل مستدير مصنوع من قش القمح الملون بألوان طبيعية متناغمة، وقُبعَة مصنوعة من نفس القش.
وضمن المقتنيات يوجد أيضاً جرتين قديمتين من الفخار بمقبضين على الجانبين، وإبريق قديم من النحاس عبارة عن بدن أجاصي الشكل ينتهي برقبة طويلة تخرج منه، وإبريق آخرمن النحاس بقاعدة عريضة ومقبض نصف دائري وأنبوب طويل، كما يوجد إبريق صفوي * بأنبوب طويل، ظهر عليه منذ سنوات تشققات واضحة في قاعدته، حاول معالجتها الخبير المجري د.جيزه فيهيرفاري عندما كان يعمل في التسعينيات مديراً لمتحف طارق رجب بالكويت، وقد قَدّر عمر الإبريق وقتذاك بما يقرب من أبعمائة سنة.
*
ظهرت مثل هذه الأباريق في الدول العربية في الفترة التي كانت فيها بغداد بيد الصفويين خلال الفترة 1508-1534.
مجلات قديمة : تميزت حيفا بنهضة إعلامية مبكرة مع بداية القرن الماضي، كانت تصدر فيها مجلات وجرائد بلغ عددها منذ عام 1908 وحتى النكبة 31 مجلة وجريدة، ظهرت منها في أواخر العهد العثماني مجلة "النفائس العصرية"، وهي مجلة ثقافية لخليل بيدس (1908)، وجريدة "الكرمل" لنجيب نصار الملقب بشيخ الصحفيين الفلسطينيين (1907) وجريدة "النفير" لإيليا زكا (1924)، ومجلة "الزهرة" لجميل البحيري (1922 ) وجريدة "الزهور" لجميل البحيري (1927)، وجريدة "الإتحاد" التي أصدرها أميل توما وأميل حبيبي وتوفيق طوبي كجريدة أسبوعية عام 1944، عن "اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب"، وكان إميل توما أول رئيس تحرير لها، وما زالت تصدر حتى الآن كجريدة يومية للجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة.
احتفظ والدي بنسخ كثيرة من هذه المجلات والجرائد طيلة سنوات حياته، لكنه للأسف أتلفَ الكثير منها مع الزمن، ولم يبقَ من مجموعته سوى القليل من الجرائد والمجلات الفلسطينية والعربية.
تشتمل المجلات الفلسطينية المتبقية على عددين صدرا في عام 1940 لمجلة "هنا القدس"، مجلة القسم العربي في الإذاعة الفلسطينية التي كانت متخصصة بشؤون الإذاعة وبرامجها، وثمن النسخة منها أربعة ملاليم، كما تشتمل على ثلاثة أعداد صدرت في الأعوام 1945، 1944 و1946 لمجلة "المنتدى" التي أُسست في عام 1936 وكانت تصدر عن مكتب المطبوعات في القدس مع دار الإذاعة الفلسطينية، ورأس تحريرها عبد الرحمن بشناق، وثمن النسخة منها 20 مليماً.
وتشتمل المجلات والجرائد العربية، على أول ثلاثة أعداد لمجلة "الروائع" العراقية (1938)، وأول عدد لـ"الوقائع العراقية" الجريدة الرسمية (1922)، وأعداد من مجلة "الجامعة" الأمريكية (1908)، ومجلة "المجلة" العراقية (1941)، ومجلة "الاعتدال" العراقية (1934)، وجريدة "العالم العربي" العراقية (1940)، ومجلة "المصور" المصرية (1942)، ومجلة "الينبوع" العراقية (1946)، ومجلة "الشرق الأدنى" المصرية (1928)، ومجلة "الرابطة العربية "المصرية (1941)، ومجلة "رسالة المحبة" القبطية المصرية (1942).
في طيات المجلات والجرائد الفلسطينية القديمة ما يستحق البحث والتنقيب، تفاصيل أحداث قديمة تتجاوز الحاضر، شديدة التعلق بالماضي من حيث الشكل والمضمون، تنساب في سطور متشعبة بدلالات عميقة زمانية ومكانية مرتبطة بفلسطين ما قبل النكبة، تشكل بمجملها شبكة أجزاء متكاملة لذاكرة جمعية خصبة عصية على النسيان.
خلال تصفحي تلك المجلات أثارني في عدد من مجلة "المنتدى" الصادر في 25 تشرين الثاني سنة 1944، أربع مقالات؛ مقالة ذات طابع فلسفي غير سياسية بقلم الأستاذ ميشيل عفلق بعنوان "أفكار في العزلة"، نشرها قبل تأسيس حزبه بثلاث سنوات، ومقالة للشاعر والصحفي اللبناني البير أديب صاحب مجلة "الأديب" البيروتية بعنوان "الذوق الفني"، ومقالة للرسام التشكيلي اللبناني مصطفى فروخ بعنوان "مستقبل الفن في الدول العربية"، ومقالة للكاتب الفلسطيني محمد عبد السلام البرغوثي استعرض فيها كتابين، أحدهما بعنوان: "دستور العرب القومي" لمؤلفه عبد الله العلايلي، وثانيهما كتاب بعنوان "آراء وأحاديث في الوطنية والقومية" لمؤلفه ساطع الحصري، كما يوجد في العدد نفسه قصيدة للشاعر العراقي الشهير أحمد الصافي النجفي، بعنوان "الله أكبر".
ولفت انتباهي في عدد من مجلة "المنتدى" صدر في الأول من آذار 1945، خمس مقالات، مقالة للأديب اللبناني فؤاد الشايب، وهو من أصحاب الريادة الأولى في الإبداع القصصي في الدول العربية، بعنوان "مسؤولية الدولة وحرية الأفراد"، ومقالة للكاتب المصري أمير بقطر، بعنوان "معركة التربية بين المحافظين والمجددين"، ومقالة للأديب اللبناني خليل هنداوي، بعنوان "الأدب الروائي"، ومقالة للفيلسوف المصري د.أحمد فؤاد الأهواني، بعنوان "عصر انتقال في الشرق"، ومقالة للفيلسوف المصري عثمان أمين، بعنوان "الفيلسوف ابن رشد"، كما يوجد في العدد نفسه قصيدة للشاعر الفلسطيني سعيد العيسى، بعنوان "على أطلال جرش"، وقصة قصيرة للأديب سهيل إدريس، بعنوان "الشيخ علوان" نشرها في مجلة "المنتدى" الفلسطينية قبل تأسيس مجلته الشهيرة "الآداب" بثمانية أعوام.
ومما استوقفني في الأعداد الثلاثة لمتوفرة لدي من مجلة "الروائع" العراقية، مقالتين لوالد الشاعرة العراقية نازك الملائكة، الشاعر صادق الملائكة، بعنوان "السلام والتحية"، وقصيدة لوالدتها سلمى عبد الرازق بعنوان "بنت الأعارب"، والمعروف أن الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة تنتمي لأسرة مثقفة، حيث كانت أمها تنشر الشعر في المجلات والصحف العراقية باسم أدبي هو "أم نزار الملائكة " ونشر أبوها الشعر وترك مؤلفات أدبية كثيرة، وقد اختار اسم نازك لابنته تيمناً بالثائرة السورية نازك العابد التي قادت الثوار ضد المحتل الفرنسي في الوقت الذي ولدت فيه الشاعرة في عام 1923.
ومن أبرز المجلات والصحف الأخرى المتوفرة لدي، العدد الأول من جريدة "الوقائع العراقية"، وهي جريدة حكومة العراق الرسمية، وصدر يوم 19 تشرين الثاني 1922، ويلاحظ من محتوياته أنه لا يتضمن البلاغات والقوانين الحكومية الصادرة عن ديوان مجلس الوزراء فقط، بل يشتمل أيضاً على خلاصة أخبار العالم ومعلومات عامة عن عناصر الأرض وأعمق مكان في البحر وغرائب المأكولات وأخبار العاصمة بغداد، بما في ذلك أخبار الموظفين والوفيات، وبعض الطرائف.
أواني منزلية
تتضمن مكونات مألوفة وعادية لأغراض الطهي والأكل والشرب ومختلف الاستخدامات المنزلية، دارت على بعضها عجلة الزمان طيلة فترة تزيد على المئة عام، مرت الحياة خلالها بموجات تبديل وتغيير مفصلية كثيرة، لكنها بقيت متوهجة تقاوم الزمن، وقادرة على الاستمرار والصمود، لتُعبر عن تشبث أصحابها بالأرض، وبذلك البيت الصغير على حافة شارع الناصرة في مدينة حيفا، تنسج تواصلاً حميماً بينه وبينهم، يؤجج حالة حياتية مليئة بمساحة واسعة من الأحلام رغم مرارة المنفى.
تنم هذه الأواني عن رؤية كاشفة لحياة أسرية وادعة، تُكثف ذكريات متشعبة بدلالات عميقة، تنقل الرائي من حاضر الشتات المعيش إلى مساحات تغمرها أحلام متدفقة، تُحيل البيتَ المفقود إلى بيت مرئي يزدحم بقطوف حياة مضت، كانت مزدانة بتفاصيل أسرية خاصة، وأخرى عامة، ومجريات أحداث متشابكة، تتشبث بمعاقل الذاكرة، وتسترجع بخيال جامح أحوال الناس في ذلك الزمن، وتستحضرهم بسماتهم وقسمات وجوههم وتكوينات بيئتهم وتفاصيل حياتهم.
تتسع هذه المقتنيات في تكوينات قطع متعددة، تشتمل على صحون وفناجين قهوة وأكواب من الزجاج والخزف والبورسلان مختلفة الأشكال والألوان، وملاعق وسكاكين، وطناجر، وصواني إحداها فضية من المغرب، وطاحونة قهوة يدوية لطحن القهوة، ودلال قهوة من النحاس، ومصحان (هاون) من النحاس مسجل عليه أن تاريخ صنعه يعود إلى عام 1825، يستخدم يدويا لطحن الحبوب والقهوة وحبة البركة ومختلف أنواع البهارات الأخرى، وغلاية قهوة نحاسية، وثلاثة بوابير (بريموسات) كاز للطهي وتسخين الماء، وأباريق مختلفة الأشكال والأحجام، منها إبريق شاي من المعدن، وإبريق ماء من الزجاج، وإبريق ماء من الفخار ملون ويستخدم لحفظ الماء وتبريده في فصل الصيف، له رقبة طويلة ومقبض نصف دائري وأنبوب بارز يتم شرب الماء من خلاله.
ومن هذه المقتنيات "سماور" روسي، عبارة عن إناء نحاسي أصفر، يستخدم لإعداد الشاي، يرجع في أصله إلى بلدة سماور الروسية، وهناك من يسميه "البخاري" نسبة إلى بخارى من مدن آسيا الوسطى، ويُعد الشاي به بالاعتماد على تكثيف البخار، حيث يوضع فيه الماء ليغلي باستخدام الفحم، ومن ثم يخرج منه البخار، ليتكثف داخل إبريق مثبت في أعلاه، يحوي على الشاي المختار وفيه يتقطر البخار في مرحلة لاحقة، ويتم طهي الشاي تدريجياً خلال فترة طويلة من الزمن.
وضمن هذه المقتنيات يوجد مهباش قديم يتكون من قاعدة مستديرة دقيقة الشكل مصنوعة من جذع شجر مجوف ويد مبرومة طويلة من نفس الجذع تستخدم لسحق حبوب القهوة المحمصة، ويكثر استخدام المهباش في البوادي العربية حتى الوقت الحالي كأداة تقليدية ترمز للكرم ووفرة الخير.
ويُبين والدي في أوراقه أنه اشترى طقم الشاي من بيسان بجنيه فلسطيني (100 قرش) بتاريخ 15-9-1941، واشترى بابور (بريموس) بجنيه من دكان "إذاعة حيفا" في شارع أمية لصاحبه صديقه عبد الفتاح أبو زيد بتاريخ 5-1-1938، أي بعد مولدي بخمسة أيام.
كما تُبين نفس الأوراق القديمة أن المهباش قد تلقاه جدي من أمي هدية من صديق له من عائلة الخطيب المعروفة في قرية كفرسوم الأردنية، عندما زاره جدي في عام 1936.