Page 1
الأدب الأنـــدلسي
الحياة السياسية والاجتماعية في الأندلس
الأندلس هو اسم أطلقه العرب الفاتحون على شبه الجزيرة التي تقع في الجنوب الغربي من القارة الأوروبية وتحد شمالاً بجبال البرانس والمحيط الاطلسي، وجنوباً بمضيق جبل طارق وتمر غرباً بالمحيط الاطلسي، وشرقاً بالبحر الأبيض المتوسط وهي تشمل الان دولتي إسبانيا والبرتغال.
وهب الله الأندلس طبيعة جميلة فتنت الأدباء والشعراء بما فيها من جبال مكللة بالثلوج وأرض خصبة ملتحقة بالشجر والزهر وانها متدفقة و وديان منبسطة ورياً خضراء وبساتين نضيرة وهواء معتدل وماء نمير وظل ظليل وطيور مترنمة صادحة.
وقد وصفها بن خفاجة بالأندلسي بقوله:
يا أهل أندلس لله دركم
ماء وظل وانهار وأشجار
ما جنة الخلد الا في دياركم
ولو تخيرت هذي كنت اختار
دخل الأندلس قبل دخول العرب اليها أمم كثيرة متعاقبة فقد دخلها في فجر التاريخ ساميون واريون ثم حكمها الإغريق واستولى عليها بعدهم الرومان ثم سيطر عليها القوط واخيراً دخلها العرب وتمازجت تلك الشعوب وتزاوجت فكان من آثار ذلك اللقاح وتلك الطبيعة الأندلسية نشوء جيل جديد فيه مزايا هذه الشعوب مجتمعة وأصبحت له مميزات خاصة في نتاجه العلمي والأدبي والفني.
كان القوط يحكمون تلك الجزيرة قبل دخول العرب اليها وقد وصلت الأندلس في عهد القوط إلى أسوا ما تصل اليه دولة من الانحطاط واضطهاد الشعب وإثقال كاهله بالضرائب الباهظة.
أغرى – ذلك – العرب الذين استولوا على شمال أفريقيا على غزوها فأرسل موسى بن نصير سنة 92هـ، مولاه طارق بن زياد إلى الأندلس، فدحر جيش لذريق وتغلغل في البلاد ثم الحق به موسى بن نصير واستمر الفتح العربي حتى جبال البرانس جنوبي فرنسا.
لما أستقر الأمر للمسلمين في الأندلس نزح اليها كثير من عرب وغيرهم واختلطوا بسكانها الأصليين، وتولى الحكم فيها ولادة يخضعون لدولة بني امية، ولما انقضت دولة بالمشرق نزح إلى الأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان الذي عرف بالداخل- لدخوله الأندلس سنة 138هـ، وتمكن من الاستيلاء على حكمها سنة 141هـ،وأسس دول بني أمية واتخذ مدينة قرطبة عاصمة لها.
ولما ضعفت دولة بني أمية بالأندلس تقسمت إلى دويلات استقل بحكمها امراء عرفوا بملوك الطوائف كابن عباد في أشبيلية وابن الأفطس في بطليموس وذي النون في طليطلة إلى غير ذلك.
ولما تقسمت تلك الدولة العظيمة في الأندلس طمع الأسبان في استرداد حكمهم فاخذوا يستولون عليها دولة اثر أخرى حتى سقطت دولة بني الأحمر في غرناطة أخر معقل للعرب في الأندلس سنة 987هـ.
وكان المجتمع الأندلسي قد تقسم إلى عناصر عديدة هي:
1. العرب الذين فتحوا البلاد وسادوا الديار رافعين راية الجهاد وكانوا يشعرون بانه افضل العناصر الموجودة وأعلى شاناً وارفع مكانة وأسمى منزلة لتغلبهم على الأسبان والبربر، وفضلهم على سائر اللغات مبني ومعنى ولانها لغة القران وأحاديث خير الأيام.
2. البربر وهم جماعة فضلت سكن الجبال على سكن المدن وهم يشبهون العرب في معظم الصفات من بداوة وشراسة وشجاعة وعصبية متصرفة.
3. الأسبان وهم مسيحيون يدينون بالمذهب الكاثوليكي متعصبون لدينهم اشد التعصب، لا يجدون فرصة تسنح لهم لإعلاء دينه الا اغتنموها، مع طمس كل ما يتصل بالدين الإسلامي من قريب أو بعيد.
4. الصقالبة وهم ينحدرون من اصل أجنبي اتوا البلاد من شواطئ البحر الأسود والمقاطعات الإسبانية الشمالية وكان أكثرهم أسرى حرب جلبهم رجال من القراصنة المغاربة أو الأندلسيين أثناء غاراتهم على الشواطئ الأوروبية للبحر الأبيض المتوسط، وبعد مجيئهم سرعان ما تعلموا اللغة العربية واعتنقوا الإسلام، وتحرر فريق منهم من العبودية واحتل مكاناً بارزاً في المجتمع.
5. المسلمون المولدون وهم من ولد نتيجة للتزاوج بين العرب والمسلمين من جهة والإسبانيات والصقلبيات من جهة اخرى، وقد نشا من هذا التزاوج جيل جديد من المولدين اكتسبوا بعض خصائص العروبة في ما وراء الشكل والطبع ومن هنا كان تراثهم الفكري تراثياً عربياً خالصاً اخذ مكانة بين التراث العربي على مر العصور.
Page 2
كما وجد إلى جنب هذه العناصر السابقة اليهود الذين كثر عددهم في عصر الدولة الأموية وكانوا قد ساعدوا العرب في حربهم مع الإسبان كذلك حظوا باحترام العرب.
وانضمت لهذه العناصر السابقة أيضاً مجموعة عناصر رومية وسودانية ومصرية وفارسية- غير ان الحضارة العربية صهرت الجميع واللسان العربي هيمن عليهم.
ولعل أهم الأسباب التي دفعتهم إلى جب اللغة العربية فوق انها لغة الدين الذي اعتنقوه انها لغة العلوم والمعارف التي افتقرت اليها لغات الأجناس الأخرى وفي وقت عم الجهل سائر أرجاء المعمورة وسيطر الفساد على جميع بقاعها، فجاءت تعاليم الإسلام ومعارفه لتحيل ظلام الجهل الحالك والضلال الشامل والظلم السائد إلى نور وإشراق وعدل وإنصاف.
أما المرأة فقد حظيت بقدر كبير من الحرية نتيجة لهذا الامتزاج الذي تم بين عناصر تكوين المجتمع الأندلسي، فقد كانت تشارك كبار رجال الدولة الرأي والمشورة من اخطر الأمور.
فالمرأة الأندلسية احتلت في مجتمعها المكانة المرموقة وصارت تتمتع بالحرية التي اكتسبها حتى صارت مثل أختها المشرقية ان لم تفقها بكل حقوقها.
واشتهر الأندلسيون بصفات اختصوا بها وتميزوا بها عن غيرهم من الأجناس، مثل النظافة في ملبسهم ومظهرهم أغنياء وفقراء وتعودهم على ترك رؤوسهم جميعاً عارية اما صفاتهم الخلقية، فقد حافظوا على الأصول الأخلاقية مع ميل إلى التحرر والانطلاق ونبذ التزمت.
ومن هنا كانوا محبين للشراب مقبلين عليه إقبالاً شديداً لوفرة الكروم في بلادهم.
واعجب الأندلسيون بلادهم فتعصبوا لها ويظهر ذلك جلياً في تراثهم وتراجم علمائهم، فهذا يلقب بالمالقي، وذاك باليكتس وثالث بالغرناطي، ولفتنتهم ببلادهم وإعجابهم بجمالها ورونقها وتغنوا بها في شعرهم.
أما الدين الإسلامي فقد أظلتهم تعاليمه العادلة ومبادئه السامية واصبحوا جميعاً سواسية لا فرق بين عربي وأعجمي ولا بين غني وفقير مما جذب اليه كثير من الأسبان.
وكان للفقهاء بالأندلس منزلة سامية فقد وقف الحكام في وصفهم بتأكيد آرائهم وأفكارهم حتى يكونوا لهم سنداً وعوناً على البقاء في السلطة، ولهذا حاب الحكام الفلسفة تقرباً اليهم وأصروا لا يصدرون حكماً أو قراراً في سلم أو حرب الا بمشورتهم، واعتمدوا عليهم في جمع المسلمين لمحاربة أعدائهم من الفرنجة، واصبح الفقهاء اعظم شاناً وأوفر حظاً في عهد الرابطين لان أمرائهم لم يكونوا يقطعون في امر أو يبيتون في صغير أو كبير من الأمور الا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغوا في أيامهم منزلة سامية لم يبلغوها في سائر العصور، فكثرت لذلك أموالهم واتسعت مكاسبهم واقبلوا على اقتناء الضياع وتكديس الأموال، وصاروا طبقة ممتازة ومتميزة في المجتمع الأندلسي مما دفع شاعراً كابن خفاجة ان يقول في نقدهم:
درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم
فيها صدور مراتب ومجالس
وتزهدوا حتى اصابوا فرصة
في اخذ مال مساجد وكنائس
Page 3
ملامح الثقافة الأندلسية
لما استقر المسلمون في الأندلس، وأمنوا على حياتهم ومصدر رزقهم بدأوا في الدراسة والبحث وقد عرف أهل الأندلس بالذكاء المتوقد والبديهة الحاضرة والرغبة في طلب المعلم والحرص على تحصيله فاتجهوا إلى المشرق ينهلون من معارفه ويأخذون عن العلماء علوم الدين واللغة والأدب ثم عادوا اليها ونشروا تلك المعارف حتى سيطرت الثقافة العربية على ما عداها في الأندلس وتسربت منها إلى أوروبا، فأنارت عقولهم وفتحت لهم الطريق إلى المدينة والحضارة، وأول شيء اعتمدوا عليه في بحثهم هو الكتاب والسنة، فكانت أفكارهم مستمدة من هذين المصدرين وكانت علوم الشريعة وعلوم اللغة وما يتصل بتقويم اللسان ونصاعة البياض كل زادهم من الثقافة.
ثم مست الحاجة إلى العلوم الاخرى، فبحثوا في الفلك والطب والرياضة والفلسفة وغيرها من العلوم.
وكان لطبيعة الأندلس الجميلة الأثر الملموس في صفاء نفوسهم وتوقد قريحتهم وخصوبة ذهنهم وسرعة بديهتهم فبرعوا نتيجة لذلك في علوم الدين واللغة والأدب، فكان الأندلس مكانة مرموقة في العلم والأدب.
لم تتخذ الثقافة في الأندلس طابعها المميز الا في فترة الإمارة بقرطبة اما في عصر الولاة فقط كان اعتماد الثقافة الأندلسي على الثقافة المشرقية كبير وأمداً لا ريب فيه لانشغالهم بالحروب المتواصلة والصراعات الطاحنة فلم يكن لديهم متسع من الوقت للبحث والدراسة.
ولما جاء عصر الإمارة شعر المسلمون بالاستقرار إلى حد ما ومست الحاجة إلى لثقافة المستقلة لتصبح لهم مكانة بارزة ينافسون بها إخوانهم المشارقة وهناك عدة عوامل ساعدت على ازدهار الثقافة وانتشارها في ظل إمارة الأمويين بالأندلس وهي:
* أولــها: وفود كثير من الأمويين الفارين من بطش العباسيين إلى الأندلس كما أتى من المشرق كثير ممن يرغبون في الإقامة بالإقليم الجديد، وكثيراً من الذين وفدوا على حظ من الثقافة والمعرفة.
* ثانيـــها: عودة البعثات التعليمية التي جد الأمراء في إرسالها للدراسة في المشرق العربي، فقد عاد رجالها وفي حصيتهم عدد وفير من العلوم والمعارف المشرقية فكانوا خير رسل لتنشر هذه الثقافة.
* وثالــث العوامل: انتشار مسجد قرطبة وغيره من المساجد التي أضحت بمثابة الجامعات في وقتنا الحاضر، ففيها يتلقى طلاب العلم علومهم في حلقات على ابرز علماء العصر.
وتعتبر هذه المساجد النواة الأولى للجامعات الأندلسية التي انتشرت في أرجاء الأندلس فيما بعد، وكانت الدراسة بها تدور حول العلوم الدينية من حفظ للقران وتفسيره والوقوف على قراءاته ودراسة السنة النبوية والشريعة ودراسة الفقه على مذهب الإمام مالك بدلاً من مذهب الاوزاعي.
أما الثقافة في عصر الخلافة فقد بات واضحاً للدارس انها شقت طريقها المستقل عن المشرق (إلى حد ما) وصارت لها شخصيتها المتميزة والذي ساعد في ازدهارها في هذا العصر هو ما نعمت به البلاد من توحد واستقلال وأمن ورخاء وهذه كلها أسباب من شانها ان تدفع بعجلة الثقافة والرقي والحضارة إلى الإمام، فنبغ علماء عديدون في اللغة والأدب والعلوم.
والثقافة في عصر الطوائف لها نظرة خاصة، فانه بالرغم مما ساد في هذا العصر من الفوضى والانحلال وكثرة الحروب والمنازعات فانه يعتبر عصر ازدهار للعلوم والفنون، وبالرغم من طغيانهم المطبق فقط طلوا حماة للعوم والآداب والفنون بل كان معظمهم من النابهين في الأدب والشعر والعلم وغدت قصورهم منتديات زاهرة ومجامع يجتمع فيها أساطين العلم والفن، وحظي هذا العصر بجمهرة وفيرة من العلماء وقادة الفكر وفي مقدمتهم الفيلسوف (ابو محمد علي بن حزم) وقد بسر علماء عصره في العلوم الدينية وأصول المذاهب والنحل وفي المنطق والفلسفة وفي اللغة والمعرفة بالسير والأخبار ومن مؤلفاته (طوق الحمامة) و(جمهرة انساب العرب) و(نفط العروس) وله كتاب (الفصل في الملك والأهواء والنحل).
ومن أعلام العصر (ابو الوليد الباجي) ومن كتاب الموسوعات ابو عبيد البكري وكان متبحراً في علوم اللغة.
ومن اشهر مؤرخي هذا العصر إلى جانب ابن حزم، المؤرخ الكبير (ابو مروان بن حيان) وله كتابان هما: "المتين والمقيس في أخبار أهل الأندلس"، ومن مؤرخي هذا العصر ابن بسام الشنتيري الذي يعد كتابه (الذخيرة) أهم كتاب يتحدث عن عصر الطوائف تاريخياً وأدبياً واجتماعياً.
أما الثقافة في دولة المرابطين فيجب ان نشير في هذا الموطن ان دولة المرابطين كانت دولة عسكرية بدوية المنشأ، خشنة الطباع لا تميل إلى أساليب التمدن الرفيعة، ولم تحظ بازدهار لافت للنظر، بل مطاردة أمراء المرابطين للبحوث الكلامية والآراء الفلسفية، كان له الأثر البالغ في صد الحركة الفكرية والحيلولة دون نموها وازدهارها. ولكن رغم ذلك كله فقد احتفظ هذا العهد بجمهرة كبيرة من رجال وأساطين المعرفة.
Page 4
أما الثقافة في عصر الموحدين، فقد كانت سياسة الدولة تقوم فيه على أساس إطلاق حرية البحث والفكر على عكس ما كان متبعاً في عصر ملوك الطوائف، وأقوى العوامل التي ساعدت على شموخ الحركة الفكرية، في هذا العصر هو ان امراءها كانوا علماء وأدباء فمؤسس دولتهم (المهدي بن تومرت) من أقطاب علماء عصره، ومن اكثر الأمراء تشجيعاً للناس على طلب العلم والمعرفة و(عبد المؤمن بن علي) كان من ابرز علماء عصره، وكان يجمع حوله العلماء والشعراء من شتى أرجاء العالم الإسلامي فشملهم برعايته وبسط عليهم جناحه ويصلهم بالأموال والهدايا تشجيعاً لهم على البحث والدراسة، وهكذا معظم الأمراء والخلفاء.
ومن ابرز علماء وأدباء هذا العصر إبراهيم بن الحاج احمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن خالد الأنصاري من أهل غرناطة وقد برع في الفقه والحديث والقراءات، ومنهم احمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة الخزرجي من أهل قرطبة، وكان محدثاً متمكناً من الرواية وله كتابان: احمدهما : أفاق الشموس وإملاق النفوس، والثاني: "مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان".
أما في اللغة والنحو فقد برع فيهما عدد كبير نذكر منهم (الحسن بن احمد بن الحصين بن عطاف العقيلي) من أهل جيان ومنهم موسى بن علي بن عامر بن أهل أشبيلية وله شرح لكتاب (لحن العامة) للزبيدي وشرح لكتاب (التبصرة) للصميدي وكتاب أخر اسمه (الاستيضاح في شرح الإيضاح).
ومن اشهر من برعوا في الطب والنبات: أبو جعفر احمد بن محمد الغافقي القرطبي وقد تجول في أنحاء الأندلس وأفريقيا وجمع أثناء تجواله أصنافاً عديدة من النباتات الطبية وقام بتصنيفها من الناحية العلمية وسجلها بأسمائها العربية واللاتينية والبربرية وله كتاب (الأدوية المفردة) الذي كان يعد من أهم المراجع الطبية في عصره، ومن اشهر الأطباء كذلك: أبو بكر محمد بن عبد الملك ابن زهر الأبادي وقد نبغ بالإضافة إلى الطب في الحديث والأدب واللغة.
وممن نبغوا في علم الرياضيات والفلك: عبد الله محمد بن سهل الضرير من أهل غرناطة وكان متعدد المواهب فقد برع في الأدب وعلوم العربية واخذ الرياضة من بعض أصحاب (أبي بكر بن الصائغ).
ومن علماء الزراعة (ابو زكريا يحي بن احمد بن العوام الاشبيلي) الذي عاش في أواخر القرن السادس الهجري واشتهر بكتابه الفلاحة.
وممن نبغوا في التاريخ والترجمة: ابن عبد الملك المراكشي المتوفى في أواخر القرن السابع الهجري وقد وضع معجمه الضخم وسماه (الذيل والتكملة) لكتابي (الموصول والصلة) ويعد هذا من انفس المراجع للدارسين في التاريخ والأدب.
أما الثقافة في دولة بني الأحمد، فانه بالرغم من ظروفها القاسية سياسياً واجتماعياً، والصراعات المدمرة التي سيطرت على سياستها فد كانت الثقافة زاهية حافلة باعلام الفن والمعرفة وظلت غرناطة منار إشعاع فكري وحضاري.
فمن ابرز علماء هذا العصر، أبو القاسم محمد بن احمد الشريف الحسين وهو من (سبتة) وله مؤلفات عدة منها: شرح على مصورة حازم القرطاجني سماه: رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة، وشرح على الخزرجية في العروض.
ومنهم أبو زيد عبد الرحمن المكودي، وكان إماماً في اللغة والنحو والعرض وله شرح على الألفية، وشرح على الاجرومية، وشرح على المقصور والممدود لابن مالك وغيرها.
ومن علماء الحديث في هذا العصر شهاب الدين ابو العباس احمد بن محمد بن فرج اللخمي الاشبيلي.
ومنهم: أبو المكارم بن أبي احمد بن سري الازردي الاندلسي، ومن علماء اللغة: أبو الحسين عبيد الله ابن احمد بن أبي الربيع الأموي القرشي، ومن كتبه (الملخص في النحو والقوانين النحوية) و(الإفصاح في شرح الإيضاح).
ومن الأدباء الشعراء: أبو الحسن علي بن محمد بن الحباب وهو كاتب وشاعر من اشهر كتاب الدولة النصري، وصار يترقى في المناصب حتى وصل إلى رئيس كتاب الحضرة، وكان رواية ومحققاً في كثير من العلوم والفنون، وكان قائماً على العربية إماماً في الفرائض والحساب، عارفاً بالقراءات، متبحراً في الأدب والتاريخ، ومشاركاً في التصوف، وهو أستاذ لسان الدين الخطيب، وله ديوان شعر مخطوط بدار الكتب.
ومنهم: ابو العباس احمد بن شعيب الجزناني، وقد برع في اللسان والأدب والعلوم العقلية والطب، وكان شاعراً متقدماً وناقداً بارعاً.
وهكذا فقد شهدت الحياة الثقافية في الأندلس نوعاً من الازدهار كيلة حكم العرب والمسلمين لها حيث أنتجت لنا تراثاً أدبياً وفنياً وعلمياً زاخراً بمفرداته المتعددة.
Page 5
مراحــل تطــور الشعر
1. كان الشعر الأندلسي عقب الفتح الإسلامي غير متميز الملامح مجهول الهوية لانصراف المسلمين إلى الحروب لتوطيد أركان الدولة الجديدة، لذا عاش الأندلسيون في الحقب الأولى عالة على شعر إخوانهم المشارقة، حتى من تصدى منهم لغرض الشعر وهم قلة، قلد إخوانه المشارقة في المضمون والشكل، ومن شعراء هذه الفترة (أبو الخطار حسام بن ضرار) وهو من قبيلة القحطانيين بالأندلسي وكان شاعراً فارساً ومن شعره:
فليت ابن جواس بخير انني
سعيت به سعى امري غير عاقل
قتلت بن تعسين تحسب انهم
جذوع نخيل صرعت في المسايل
ولو كانت الموتى تباع اشتريته
بكفر وما استثنيت منها اناملي
فهذا الشعر واضرابه يجري في صياغته على أسلوب تقاليد مدرسة المشرق المحافظة، اذ يعنى بجزالة اللفظ وفخامة العبارة وسطحية الفكرة وبداوة الصورة التي لم تتأثر بالحضارة الجديدة، ولم تصهرها رؤية الشاعر الأندلسية الساحرة وانفعاله بجمالها.
2. ويقفز (عبد الرحمن الداخل) إلى السلطة مؤسساً دولة أموية بالأندلس فتزدهر في عصره النهضة الفكرية وفي عصور من اتى عقبة من أبنائه وأحفاده (وخاصة الشعر) فقد بدأ في هذه العهد يتطور ويزدهر ويتخذ لنفسه طرائق جديدة حتى الأمراء أنفسهم كانوا شعراء (فلعبد الرحمن الداخل) شهر منه هذه الأبيات التي يحن فيها إلى موطن آبائه وأجداده بالمشرق:
أيها الراكب المتيم ارضي
اقر من بعض السلام لبعضي
ان جسمي كما تراه بأرض
وفؤادي وما يكنه بأرضي
قدر البين بيننا فافترقنا
وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بالبعاد علينا
فعسى باقترابنا سوف يقضى
ومن شعراء هذه الفترة (ابو المجنشي عاصم بن زيد العبادي) وهو من ألمع شعراء عصره ومن شعره الذي يصور فيه همومه واشجانه تصويراً دقيقاً:
وهم ضاقتي في جوف ليل
كلا موجبهما عندي كبير
فينا ولنا القلوب معلقات
وأجنحة الرياح بنا تطير
ومن شعراء هذا العصر (عباس بن ناصح) من أهل الجزيرة الخضراء وكان على حظ كبير من العلم باللغة والرواية والشعر، وغطت شهرته كشاعر على شهرته كعالم وحلف ديوان شعر كان موضع عناية الأندلسيين، ويدور شعره حول المدح والحماسة والفخر فمن شعره الحماس قوله:
تململت في وادي الحجارة مسهداً
أراعي نجوماً ما يردن تغيراً
إليك ابا العاصي نضبت مطيتي
تسير لهم سارياً ومهجراً
تدارك مساء العالمين بنصرة
فانك أهل النابغين تغيث وتنصرا
ومن شعراء هذه الفترة: بكر بن عيسى وأبو الحسين التميمي وغريب الطليطي وابن هبيرة.
غير أن شعر هذه الفترة لم يستقل استقلالاً تاماً عن شعر المشارقة ولم يتأثر بعد طبيعة الأندلس الفاتنة واذا كان له من فضل ففي تسجيل المعارك الحربية التي دارت رحاها بين المسلمين والأسبان في ألفاظ قوية وأساليب سهلة ومعان قريبة التناول.
Page 6
3. ثم انهارت الخلافة الأموية وسادت الفوضى أرجاء الأندلس وهو ما يسمى بعصر الفتنة، حتى جاء عصر الطوائف وبالرغم من النزاعات المستعرة والمتواصلة بين ملوك هذا العصر، فانه يعد عصراً ذهبياً للشعر والشعراء، فقد كان ملوك الطوائف يتنافسون فيما بينهم في جذب الشعراء إلى دولهم، واجتهد كل واحد منهم في ان يكون له اكثر من شاعر يتغنى بأمجاده ومفاخره، فكثر الشعراء وتكالب عليهم الأمراء، مما ادخل في نفوسهم التيه والعجب، وبجانب ذلك كان لكل أمير من أمراء الطوائف ميزة خاصة تؤهله لتذوق الشعر.
فامتاز (ابن ذي النون) صاحب طليطلة بالبذخ والإسراف وتذوق الشعر وفاق (ابن زين) صاحب السهل أقرانه في الموسيقى واختص (المقتدر) صاحب سرقسطة بالعلوم وبرز (أبن طاهر) صاحب مرسية أقرانه بالنثر الجميل المسجوع.
فالشعر أضحت له المنزلة العظيمة والمكانة المرموقة عند الجميع، يتسابقون اليه ويتبارون في جني ثماره واستنشاق رياحينه حتى بلغ من منزلة الشعر عندهم ان أبياتاً من الشعر كانت كفيلة بالتجاوز عن كل كذب ونيسان كل إساءة، حتى الحدود كانوا يغضون عنها إمام روعة الشعر وفتنته.
اما بنو عباد (أصحاب اشبيلية) فقد احتل الشعر في بلاطهم المكانة المرموقة، والمنزلة الرفعية، فبرزوا غيرهم وتربع الشعر على عرشهم واصبح الناس جميعاً في هذا العصر يتسابقون في فرض الشعر أو حفظه، فاحتل بهذا في نفوسهم مكاناً كبيراً، والى هذا يشير (ليفي بروفنسال) يقوله: "كان القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس الهجري) عصر ملوك الطوائف عهداً عرفت فيه إسبانيا اكثر إشراق شعري من غير شك".
واخذ الشعراء يجوبون الأندلس ولاً وعرضاً يقصدون بيوت الأمراء فينالون جزيل الصلات، وتفيض جيوبهم بالذهب والفضة، وتخلع عليهم اعظم الوظائف قدراً وأعلاها منزلة حتى ان الواحد منهم كان يصل إلى كرسي الوزارة بقصيدة شعر.
وتراسل كبار الأندلسيين الشعر كالمعتمد بن عباد وكانت بطاقاتهم تحمل عبارات العتاب والاعتزاز، إلى ان صارت حياتهم كلها شعراً، ينامون على نغماته، ويستيقظون على إنشاده، ويمثل لهذا الطور ابن زيدون وابن عمار والمعتمد بن عباد والأعمى التطيلي وأبو بكر بن القصيرة وغيرهم.
ومن ألمع هؤلاء الشراء: ابن زيدون (أحمد بن عبد الله بن احمد بن غالب بن زيدون المخزومي) الذي ينتهي نسبة إلى قريش، فهو عربي الأرومة ولد في أوائل سنة 344هـ، بالرصافة من ارض قرطبة، وتوفي سنة 463هـ، وتثقف ابن زيدون ثقافة عالية، اذ كان أبوه قاضياً في قرطبة غزير العلم والأدب إلى جانب جاهه وتراثه.
كان (ابن زيدون) منذ صباه كثير الميل إلى العلوم العربية وحفظ كثيراً من أشعار العرب ونثرهم، وعرف الكثير من أخبارهم وأمثالهم، وكانت له دراية بالفلسفة التي أفادته في رسالته الهزلية، ويذكر المؤرخون من أساتذته أستاذين هما:
أبو بكر بن مسلم بن احمد النحوي الأديب، والذي كان له باع طويل في علم العربية واللغة ورواية الشعر، اما أستاذه الأخر فهو، القاضي ابو بكر بن ذكوان الذي كان متعدد الثقافات، فثقافة ابن زيدون متعددة ومميزة، وقد ساعده على ذلك إضافة إلى ما قدم كثرة الكتب التي جلبت من المشرق، فاطلع عليها وافاد منها وله ديوان مطبوع.
وشغف (ابن زيدون) بولادة بنت المستكفي شغفاً ملك عليه زمام قلبه وصاغ فيها غزلاً يعد من درر اشعاره ومنه النونية الشهيرة التي يقول فيها متحسراً على ايام الوصال ويشكو ما يحسه من شوق ووجد:
اضحي الثنائي بديلاً عن تدانينا
وكان عن طيب لقيانا تجافينا
الا وقد حان صبح البين صبحنا
حين فقام بنا اللحن ناعينا
من مبلغ الملبسنا باشراحهم
حزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا
ان الزمان الذي ما زال يضحكنا
انساً بقربهم قد عاد يبكينا
وكان يقصد منتداها الأدبي الذي توطدت من خلاله صداقتهما التي تطورت إلى حب جاف، كما كانا يلتقيان في حدائق (قرطبة) وبساتينها أعلى ان هذا الحب لم يدم طويلاً، اذ حدثت بينهما جفوة شديدة، فتذيقه (ولادة) عذاب المهجر ولظى الحرمان، على حين يظل ابن زيدون الحبيب الوفي، فنبدي لها من التلطف والتقرب ما يتم عن شدة ووجدة، ويذهب المؤرخون كل مذهب في تقليل هذا الجفاء، فيرى بعضهم ان سبية جاريتها التي كان يغازلها في حضرتها حين تنشر أشعارهن فدبت الغيرة في قلبها كدبيب النار في الهشيم فأحرقتها بلهيبها فكان الجفاء، بينما يرى البعض الأخر ان سبب ذلك انضمامه لحركة الجمهوريين وذلك يتنافى مع معتقدها السياسي لانها ابنة الخليفة اموي، وكانت تتمنى لأهلها الوصول إلى السلطة ثانية، ففي انصرافه إلى الجمهوريين طعن لها، لذا فارقته.
Page 7
ومهما صح هذا الرأي أو ذاك فان القطيعة قد وقعت بينهما وكانت ولادة حتى التي بدأتها، بينما سمحت لعاشق جديد ان يلج قلبها، ويحتل مكاناً فيه وهو الوزير (أبو عامر بن عبدوس) الذي صادته بحبائلها وبادلته عشقاً بعشق وغرام بغرام، ويشتد الألم بابن زيدون فيكتب رسالته الهزلية متهكماً فيها بابن عبدوس الذي فضلته ولادة عليه، ويصب عليه جام غضبه وسياط ثورته وتشتد عداوة لابن زيدون، بينما يزداد كلفاً بها فيكتب من خلال عاطفته المتوقدة قصائد غزلية في توسل ورجاء وأمل ودعاء ولكن (ولادة) توصد دونه جميع الأبواب حيث لا رجاء في العودة أو اللقاء.
اتصل (ابن زيدون) بدولة الجمهوريين (بقرطبة) ووزر لهم ونال الحظوة لديهم ومدحهم بغرر شعره، غير أن الحزم بن جمهور تغير عليه نتيجة لوشاية (ابن عبدوس) فقد اخبره بأنه يحاول ان يكون له أمر (قرطبة) دونه فيقبض عليه ويسجنه ويقضي في السجن ما يزيد على الخمسمائة يوم، ويظل خلالها يستعطف ابن جمهور ليعفو عنه ومن سجنه أرسل إليه عدة قصائد منها:
من يسأل الناس عن حالي فشاهدها
محض العيان الذي يغنى عن الخبر
لم تطو برد شبابي كبره وارى
يرق المشيبا اعتلى به عارض الشعر
قبل الثلاثين اذ عهد الصبا كثب
وللشبية غصن غير مهشمر
ها انها لوعة في الصدر قادحة
نهار الاسى ومشيبتي طائر الشرر
وعندما ذهبت توسلاته أدراج الرياح قرر الهرب ففر من سجنه بمساعدة (الوليد بن حزم) صديقه وقصد (أشبيلية) حيث أدناه المعتضد من مجلسه، غير ان الحنين كان يشده إلى بلدة (قرطبة) فعاد إلى الزهراء ضاحية (قرطبة) مستخفياً وأرسل أصدقاءه خلال أقامته مستشفعاً الحزم، ولم يكتف بذلك، بل كان يراسل (الوليد) متوسلاً ليبذل مساعيه لدى الأب فيعفوا (الحزم) عن الشاعر بمساعدة ابنه الوليد، وتتوطد الصداقة بينه وبين الابن ثم يتوفى (الحزم) فيرثيه بقصيدة مفتعلة ويتقلد زمام الأمور (الوليد) فيقرب ابن زيدون إلى بلاطه ويوليه النظر عن أهل الذمة ويمد الوليد بعدة قصائد منها:
أجل ان ليلى حيث احياءها الازد
مهاة حمتها في مراتعها الاسد
ثم تتدفق شاعريته في مدح (ال جهود) ويعرض أثناء ذلك بمطلب لعله الوزارة حين يقول:
فديتك باني قائل فمعرض
بأوطار نفس منك لم تقصها بعد
متى كالشجا دون اللهاة تعرضت
فلم يك للمصدور من نفثها بد
امثلي عقل خامل الذكر ضائع
ضياع الحسام العصب اصداه الغمد
بدأت بنعمة عفته ان توالها
فحسن الالى في ان يواليها سرد
فيتولى الوزارة (الوليد) فيرسله إلى (مالقة) سفيراً فيطيل المقام هناك ويتوعده (الوليد) نتيجة إيغار صدره من الحاقدين عليه فيقرر (ابن زيدون) عدم العودة فينال من المظفر كل التبجيل والتكريم، مما جعله ينطق بأبيات بينات من الشعر في مدحه، ثم يقرر الرحيل إلى اشبيلية حيث دولة العباديين فيقلده (المعتضد) الوزارة فيمدحه بشعر رائق ويتوفى المعتضد ويتولى ابنه (المعتمد) الحكم فيتخذ من (ابن زيدون) صديقه الوفي وشاعره المفصل ثم يزين للمعتمد فتح (قرطبة) فينح في التأثير عليه، فيرسل جيشاً بقيادة ابنه فيستولي على قرطبة ويأتي المعتمد ومعه ابن زيدون إلى موطنه ثم يرسل (ابن زيدون) بعد ذلك في جيش إلى اشبيلية وساءت حالته الصحية هناك ومات في الخامس عشر من رجب سنة 463هـ، وصمت ذلك الصوت الذي تغنى بأروع شاعرية شاعر في الغزل.
فشعراء هذا العصر يعبرون عن حاضرهم، ويمثلون ببيئتهم ومظاهرها والنفس ومشاعرها، مع الأخذ بحظ من التقليد للشعر المشرقي.
Page 8
4. أما المرابطون الذين ردوا إلى الأندلس وجهها العربي ووحدتها الإسلامية وقوتها السياسية (484-524هـ) فانهم كانوا ميالين إلى التأدب بالأدب العربي شعره ونثره، لذا كانونا قبل عبورهم إلى الأندلس يجتذبون أهل الأدب والشعر من الأندلس إلى بلاطهم الناشئ في جنوب مراكش، فلما عبروا الأندلس وعاشوا فيها بذلوا العطايا للأدباء والشعراء ولم يستعملوا في دواوينهم الا الأدباء الأندلسيين.
وازدهر الشعر في عهدهم ازدهاراً كبيراً، وكان الشعر صورة صادقة للعصر، وقد حفل هذا العصر بشعراء كثيرين لهم صفحات مشرقة وسجلات ناصعة حافة بالحديث عن ألوان متنوعة من اللهو والمجون ووصف الخمر والتغزل والتغني بجمال الطبيعة الأندلسية التي سحرت ألبابهم واستولت على مشاعرهم فهم يصفون الدنيا وما بها من بهجة وسرور والطبيعة ومياهها من حيوية وطيور وجمال وسقور وخمر وعطور ومياه وقصور، وبساتين، وزهور من مقل قول ابن (قزمان):
وليلة طلقة قصتي
من موعد باللقاء دينا
بينا تجر الذيول فيها
والخمر تمشي بنا الهوينا
يدير أجفان مستميت
يوسع كل الانان حينا
كالسيف تلقى الفرار غصباً
يمضي وتلقى المجس لينا
أرسل في روض وجنتيه
لحين عين تفيض عينا
كأنما اللحظ كيمياء
تذهب من وجه لجينا
وما توهمت ان طرقاً
يقلب عين اللجين يمينا
5. أما الشعر في دولة الموحدين (524-635هـ) فكانت له المنزلة الرفيعة والمكانة المرموقة لدى الخلفاء لما في جبلتهم من ميل كبيرة إلى العلوم والأدب ولتشجيعهم الشعراء، بل الخلفاء أنفسهم كانوا يتقدون الشعر، بل ويقرضونه نذكر منهم عبد المؤمن ابن علي ويعقوب بن المنصور وموسى بن محمد بن سفيان بن عبد المؤمن.
ولم تبلغ الموشحات أوج كمالها الا في عصر الموحدين ومن المع وشاحي هذا العصر الوزير أبو بكر بن زهر، أما ابرز شعرائه فهم: محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز المعروف بالكندي وهو شاعر وأديب وكاتب ومن شعر:
يا سرحة الحمى يا مطول
شرح الذي بينا يطول
ماض من العيش كان فيه
ملبسنا ظلك الظليل
زال وماذا عليك ماذا
يا سرح لو لم يكن يزول
حيا عن المدنف المعنى
نيتك القطر والقبول.
Page 9
ومن أعظم شعراء هذا العصر شاناً (أبو عبد الله محمد بن غالب البلنس الرفاء) المعروف بالرصافي نسبة إلى رصافة بلنسية وكان جم التواضع لا يحب ان يشهر بشعره، عزيز النفس موفور الكرامة، ون شعره في وصف نهر (اشبيلية) قصيدته التي يقول فيها:
ومهدل الشطين تحسب انه
مسيل من درة لصفائه
فاءت عليه مع الهجيرة سرحة
صدئت لفئتيها صفحة مائة
فتراه ازرق في غلاله سمره
كالدارع استلقى يظل لوائه
ومن شعراء هذا العصر: (ابراهيم بن سهيل الاشبيلي) وغيره من الشعراء.
ومرد ازدهار الشعر في هذا العصر أولاً وأخيراً إلى تشجيع مسؤولية لرجال الأدب وتقريب الصلة من مجالسهم، بل ولوا بعضهم المناصب الرفيعة في الدولة (كابن زهر).
6. أما دولة بني الأحمر فقد أضعفتها الصراعات السياسية التي دارت رحاها بين أعضاء الأسرة الواحدة، وأهلكتها الحروب المستعرة دفاعاً عما بقي من ارض الأندلس ضد أطماع الأسبان في التوسع والاسترداد.
وكان تأثر الشعر بهذه الصراعات السياسية والحروب المتلاحقة، كبيراً، فغلب عليه طابع الاستغاثة واستنهاض همم الملوك في المغرب وتونس، لمساعدتهم في الدفاع عن الإسلام ومجده الذي انحسر نفوذه.
وقد نضج في هذا العصر من أخر من فنون القول في الأندلس وهو (الزجل) وحلف الجهر أسماء لامعة لشعراء هذا العصر منهم: (ابو زمرك) ومن موشحاته:
يا مطلع الأنوار
كم فيك من مراى جميل
ونزهة الأبصار
ماضي لو تشفى الغليل
يا روضة الأزهار
وعرفها يبرى العليل
قضيبك الفتان
يسقي بدمع همر
فلا تميح الأشجان
فيض الدموع يجري
فالشعر الأندلسي في جملته يمتاز على الشعر العربي عامة بما فيه من المعاني المبتكرة الجميلة التي كان يعالجها الشعراء، بين الوصف البديع والكلام الرشيق والذوق الفني والافتنان في أساليب الخيال، ولأنه يدل على الحياة الأندلسية ويرسم صورتين من أحوال العرب، بينما ترى الشاعر يحن إلى ذكر بلاده الأولى من حياته البدوية، يخدره يذكر الرياض والبساتين والأزهار والمياه الجارية، وظلال الاشجار، والنسيم العليل والآراء العامة والخاصة وأحوال الاجتماع والعادات.
Page 10
شعر الطبيعة فــي الأندلس
شعر الطبيعة في الأدب العربي لم يأت مصاحباً لفتح العرب للأندلس بل هو قديم قدم اللغة العربية، فكان الشاعر الجاهلي يصف هذه البيئة التي يحياها ويتصفح معالمها، ويتفاعل معها ثم استمر وصف الطبيعة في العصور التالية وخاصة العصر العباسي الذي تخصص فيه مجموعة من الشعر في وصف الطبيعة مثل ابن المعتز وغيرهم.
أما الشاعر الأندلسي فلم يترك معلماً أو مظهراً من مظاهر الطبيعة أحسه بحواسه وتفاعل معه بمشاعره الا وصفه فأبدع في وصفه وتصويره، فوصفوا الرياض بما فيها من اخضرار واصفرار واحمرار ووصفوا تغريد الطيور والماء الجارية الصافية.
وجل ما يعتمد عليه الشاعر الأندلسي في تكوينه وتنويعه لأبعاد لوحته الفنية التي يرسمها بالكلمات للطبيعة من ألوان البيان: التشبيه والاستعارة، مع شيء من الصنعة التي تأتي ملائمة طيعة احياناً، ومزدحمة عصية متكلفة أحياناً أخرى مع نغمات عذبة وموسيقى تناسب انسياب خرير المياه في لين ورقة.
فهذا (ابن خفاجة) وقد استولت على لبه الحدائق الفيح والمروج الخضراء حيث كان يمرح ويلهوا مع أصدقائه في جو بهيج فالأرض معشبة والسماء صافية والمياه جارية والطيور مغردة في يوم تزل فيه تحت سرحه غناء تداعيها ريح الشمال وتتمايل طرباً لشدو الحمام، يسبقها الغمام من فيض مائه، لقد رفع راية الشباب في هذا المكان ذي الجمال المشرق والروض المزهر والظل فرغ اسود والماء ثغر بادر والحمام يشدوا بألحانه وتطرب بغنائه، وشاركه الغصن هذا الإحساس والذي توج هذا الجمال ظهور الهلال بعد الغروب كأنه طوق من ذهب يزين برد الغمامة، حينذاك وصف هذه اللوحة يقول:
سقيا ليوم قد انجت بسرجه
ريا تلاعبها الرياح فتعلب.
سكري يغنيها الحمام فتنتشي
طرباً ويسقيها الغمام فتشرب
نلهو فترفع للشبيبة راية
فيه وتطلع للبهارة كوكب
والروض وجه ازهر والطل فر
ع اسود والماء ثغر اشنب
في حين أطربت الحمام عشية
فشدا يغنينا الحمام المطرب
واهتز عطف الغصن من طرياتنا
وافتر عن ثغر الهلال المغرب
فكانه والحسن مقترن به
طوق على برد القمامة مذهب
و(ابن الزقاق) يهتز طرباً للروابي المطلولة، وقد امتزج وصف الطبيعة بالحب لان روضته أوصت اليه بعبارات العشق وبتباريح الغرام فقال:
تأرج مطلول الرواي فزرتها
وامثال هاتيك الربى يقتضي الزورا
فاتحفني منها الربيع بوردة
عبيراً به الانفاس اذ فتق النورا
حكت نفحة ممن هويت وجنة
فانشقها طوراً والثمها طورا.