Page 1
ثـوب العرس الأول
رحل والدي عبد العزيز القصاب قبل أكثر من ثلاثين عاما، تاركا لي على مكتبه نسخة من ذكرياته التي طبعت عام 1962م، بعد أن أشبعها بخطه الجميل تقويما وتهذيبا، مضيفًا إليها فقرات وفصولاً في غاية الأهمية· وكانت هذه النسخة تتحداني لإعادة كتابتها في طبعة ثانية، فأمعنت في تحقيقها وتنسيقها وقرأت ما بين سطورها، وما إن أكملت واجبي حتى راودتني فكرة إضافة فصل عليها يعبر عن انطباعاتي عن شخصية والدي كما عرفتها عن كثب·
ورجعت أسبر غور طفولة ذاكرتي إلى سنين سبقت دخولي المدرسة· كنا نسكن في دار على ضفة دجلة لا تبعد عن الباب الشرقي إلا قليلا، ولا يفصلها عن حافة النهر إلاّ درب ضيق أصبح فيما بعد شارع المتعة والترف: (أبو نؤاس) كانت الدار محشورة في غابة كثيفة خضراء تخترقها سيقان النخيل الرشيقة· ولم يكن في جوارنا إلا دار أخرى هي دار عبد المحسن السعدون·
وفي هذه السنين الأُوَل لا تساعدني ذاكرتي الهشة إلاّ على استحضار يوم واحد غلب عليه الحزن والخوف ووالدي ينطلق مسرعا استجابة لاستغاثة زوجة السعدون، وانتحار رئيس الوزراء· وما إن رحل عبد المحسن حتى قرر والدي الرحيل إلى الضفة المقابلة من النهر· فشحننا مع متاعنا في (دوبة) كبيرة عبرت بنا الشط الى حيث استأجر دارا في كرادة مريم بيت بعمارة بغدادية رقيقة ذات شرفة طويلة، دهنت بلون شذري جميل· وكرادة مريم آنذاك لم تكن إلا غابات نخيل تتخللها بيوت متباعدة وآبار للسقي سميت بالكرود، وأصحابها سميوا بالكرادة··
وغلب على هذه الطبيعة الساحرة حركة صيادي السمك المستمرة، يبحرون بزوارقهم عند الفجر، تبعثر سكون الليل بإيقاعات صرير مجاديفها· ثم تنتشر الشباك عبر النهر، وترتجف الأسماك الفضية البراقة سجينة حبالها· ويرجع الصيادون عند المساء الى قريتهم الطينية قرب دارنا بزقاقها الضيق، الذي تنبعث منه رائحة السمك المقلي، وتغطيه شباك الصيد المعلقة من قمم النخيل لتجف قبل أن تستعمل مرة أخرى في فجر يوم جديد·
Page 2
كانت دجلة في تلك الأيام تعج بالحياة· مشاهد كثيرة علقت في ذهني، منها سباق للقفف بأعلامها البراقة نظمه نادي العلوية، وطائرات مائية تدور وترسو في النهر لتستقر أمام دار قائد القوة الجوية البريطانية على شاطئ (السنك)· ومشاهد احتفالية أخرى تبلغ أوجها أيام الجمعة والسبت والأحد، عشرات الزوارق المحملة بحطب الطرفة والسمك تنساب على سطح الماء الى الجزر والجراديغ(1)في جنوب المدينة على أنغام الكمنجات البغدادية المشبعة بإيقاعات (الدنابك) صور وكأنها لوحة الكرنفال في فينسيا للفنان (كاناليتو) واذكر أيضا مهرجانا نهريا للملاهي والمسارح في الجزر الرملية وسط النهر في سنة 1932 دام ثلاثة أيام·
وما إن يأتي المساء حتى يضاء عقد طويل من الأنوار المتلألئة في شارع أبي نؤاس نسمع من (مقاهيه) أنغام أم كلثوم ينقلها لنا النسيم قوية مرة وضعيفة أخرى على سطح المياه المرتجفة· وكانت هذه المغريات تجذبني للعبور الى الصوب الآخر؛ صوب الملاهي والمرح، لكن ذلك كان مرهونا بموافقة والدي، التي كان الحصول عليها أشق علّي من الحصول على تأشيرات السفر· ولم أحظ بهذه الحرية الاّ عند دخولي كلية الطب·
كانت لوالدي شخصية صارمة أملت على حياتنا العائلية الالتزام والانتظام، نجتمع سوية على المائدة، ولكل كرسيه الخاص، نتحادث معا بصوت هادئ، ونعوض عن الضحك بابتسامات مؤدبة، إلا أن صرامته لم تحجبنا عن حبه حبا عميقا، ربما كان ذلك راجعا الى الكثير من العلامات الصغيرة التي تفصح عن حبه لنا، فما كانت صرامته المخيفة إلاّ قشرة صلبة تحيط بنفس مرهفة مشبعة بالحب لكل من حوله·
وحكايات حبه لأبنائه ورعايته لهم كثيرة، أذكر منها قصة واحدة ذات دلالات عميقة:
كنت، وأنا طالب في الصف الخامس الابتدائي، منغمرًا في أولى هواياتي الكثيرة وهي جمع الطوابع البريدية· كنت مغرما بأشكال الطوابع وألوانها، المعبرة عن المواقع والأجناس البشرية المتعددة، وكنت أحلم في مجموعتي ليل نهار· وفي يوم مشؤوم من الأيام كلفني والدي بجلب وثائق مهمة محفوظة في غرفة شتوية في أعلى البيت· وما إن اطلعت على الطوابع الغالية وصور الملك فيصل وغازي عليها حتى انهارت عزيمتي، فانتزعتها جميعا من الوثائق عدا الوثيقة التي طلبها والدي· وفي وقت لاحق استدعاني أبي قائلا إن هناك من يشتري طوابع فما لديك منها؟، وعرضت عليه ما لديّ ببراءة الطفولة وطوابع فيصل وغازي بينها· واختفت الابتسامة من وجه والدي لتحل محلها علامات غضب شديد· وكنت وأنا أشاهده مزمجرا لا أشعر بالآمي، خائفا من أن أفقد والدي بنوبة قلبية· انتهت الزوبعة بصعود والدي الى الشرفة ليرمي بمجموعتي في قاع النهر لتقبر كما تستحق·
Page 3
ومرت السنون وإذا بأبي يستدعيني وأنا طالب في كلية الطب، قائلاً إنه سمع بهواية أولاد أخي بجمع الطوابع فما رأيك بإعطاء هذه المجموعة لهم؟· نظرت الى يده الممدودة نحوي ولم أصدق عيني، لقد احتفظ بمجموعة طوابعي وهو في قمة غضبه عليّ ولم يكن قد رماها الى قاع النهر· كان في ذلك لي قمة الحنان الأبوي·
وزاد في عجبي أيضا كيف تمكن أبي بثقافته العثمانية أن يؤمن بسنّة التطور ويجاري مسيرة أولاده في القرن العشرين· وهذه حكاية أخرى مع هوايتي الثانية: حبي للفنون التشكيلية· كان بيتنا بعيدا عن الفن، خاليا من أي ورقة أو علبة ألوان للرسم· وفي يوم من الأيام فتح أبي باب غرفتي بصورة مفاجئة، وكنت أحدق في تمثال صغير (لفينوس ميلو) لأرسمه· وبدت على وجهه علامات قلق وأغلق الباب بسرعة وكأنه قد فقد ابنه الى الأبد لعارية أغريقية·
وراقب والدي تطور هوايتي للفن واجتاز الهوة السحيقة التي كانت تقف بيننا، حتى وافق عام 1950 على طلبي لاستعمالي بيته الجديد على النهر، والذي بناه له، المهندس المعماري جعفرعلاوي، لافتتاح أول معرض لجماعة (الرواد) الذي دام لمدة ثلاثة أيام· معرض أصبح علامةً مهمةً ومنعطفا في تاريخ الفن العراقي الحديث·
وقف والدي بإعجاب بين لوحات فائق حسن وجواد سليم وأصدقائنا الآخرين، وبين المئات من الزائرين· والمعرض يعج برموز كثيرة لشباب أراد أن يغيّر كل شيء: أحذية تسلق جبال، فؤوس، أكواب معدنية موقعة معلقة فوق الموقد، ولوحات فنية تعلن عن ولادة حركة جديدة لرواد الطبيعة العراقية من الشمال الى الجنوب·
وفي هوايتي الأخرى، تذوق الموسيقى الكلاسيكية، وجدت نفسي هاربا منه، سجينا في غرفتي، أتصبب عرقا وأنا أتدرب على الكمان، غير متوقع أن يكتب لي والدي رسالة خاصة وأنا في لندن، كيف أنه اهتم بتنظيم مجموعة أسطواناتي بحنان ورفق·
راقبت أبي وأنا قابع في آخر مجلسه يوم الجمعة، فاغرًا فاهي، مستمعا الى ما يدور فيه من حوار· مجلس تغطيه العمائم الخضراء والبيضاء والسوداء، ورجال سياسة أفندية من مختلف المشارب والاتجاهات، شيوخ الجبال المتمنطقون بأحزمتهم العريضة، ورؤساء عشائر من رجالات ثورة العشرين، تجمعهم صداقات عميقة واحترام متبادل· صورتهم تدل على انعدام التعصب الطائفي والعرقي وتفصح عن التسامح والانفتاح وتقبل الرأي لآخر· كان من جملة الساسة الحاضرين دائما: حكمت سليمان، وعلي جودت الأيوبي، ورشيد عالي الكيلاني· سياسيون لم تجمعهم مع والدي أي وزارة أو حزب سياسي· وفي الأعياد كان المجلس يضم رجال الطوائف الدينية الأخرى، ممثلة بالبطارقة بألوان ألبستهم البراقة وحتى الحاخاميين اليهود·
Page 4
وفي رأيي أن والدي لم يكن سياسيا مغامرا طامعا بمواقع رئاسية· كنت أتذكر أياما متعددة ونحن نراقب تكليفه بمناصب وزارية أو رئاسية يقابلها بالرفض · وفي قناعتي أنه إداري بطبيعته··· نجح الى حد بعيد في تحقيق العدالة ومكافحة الفساد في النواحي النائية من البلاد، وكذلك كسب ثقة الناس واحترامهم لدوره في استفتاءات انضمام لواء الموصل الى العراق·
وكان في مسيرته عموما يرفض أساليب العنف ويعارض تدخل الجيش في السياسة· وفي يوم حزين اغرورقت عيونه بالدموع عندما شاهد، وهو في شرفة مجلس النواب، جموع الشباب تتساقط من الجسر تحت وابل رصاص الشرطة من المآذن على الصوبين، فاستقال من رئاسة المجلس مع النواب المعارضين لمعاهدة (بورتسموث) وأحرج الوزارة القائمة ·
وأعجبت كذلك بمواقف الجبهات المتصارعة في الحلبة السياسية، وكيف كان ممكنا أن يتحاور مع ياسين الهاشمي وهو البديل المنتظر لوزارة المدفعي عام 1935، والتي كان والدي وزيرا للداخلية فيها، حوار غايته التفاهم في سبيل مصلحة البلاد العليا· وكذلك كيف كانت تدار في البلاط الملكي الاجتماعات التي ضمت رجال الأحزاب المعارضين مع المسئولين في الدولة في الظروف الصعبة، وربما كان والدي عنصر موازنة مهما في هذه الاجتماعات·
ومن جملة ما وجهته لنفسي من الأسئلة كيف كان أبي ينظر الى المرأة وحياته ارتبطت بأربع زوجات بصورة متعاقبة؟ مشاهداتي الكثيرة أقنعتني بحبه وإخلاصه ووفائه لهن· ففي زاوية من دارنا في كرادة مريم قبعت عجوز عمياء مقعدة في فراشها· كانت هذه العمياء المقعدة هي كل ما بقي من (مريم خان) والدة زوجته الأولى نورية، التي كانت حبه الأول منذ أيام دراستة في اسطنبول، والتي شاء القدر أن تموت على كرسي مركب الأسنان في سامراء وهي حامل بطفلها الثاني، بعد أربعة سنوات فقط من زواجها· اعتنى والدي بـ(مريم خان) وفاء لزوجته حتى توفت بعد أربعين عامًا·
وتلاحقه المأساة الى زواجه الثاني ووفاة (صبيحة الجلبي) وطفليها في ظرف أسبوع فقط، ضحية لمرض الدفتريا الذي فتك في جموع المجاهدين في السماوة أثناء الحرب العالمية الأولى·
Page 5
وعشت أنا حياتي مع أختيّ وأخي نفتقر الى حنان الأم، فقد توفت والدتي(شريفة ثابت) ضحية اختلاطات ولادة أخي الصغير (سعدون) بعد زواج دام خمس سنوات· وخالي هو(نوري ثابت)، صاحب جريدة (حبزبوز)، أراد الانتحار برمي نفسه من الشرفة لفقدانه حبيبته الأخت الشابة· وعجب (عبد المحسن السعدون) وهو في موكب تشييع والدتي أن يرى عبد العزيز يبكي زوجته، قال لـ(علي محمود الشيخ علي) هل من الممكن أن يبكي رجل أمام الناس لفقدان زوجته؟
ولم تسلم من المآسي إلا زوجته الرابعة، (ماهية حويز) التي اعتنت بأبي في شيخوخته وتوفت بعده·
وفي صورة أخيرة رقد والدي على فراشه الأخير بعد أن أدركه تعب الحياة ومشاقها، وكنت مع إخوتي حوله وهو مربوط بشرايين الحياة الطبية من تغذية وقناني الأوكسجين· وأختاي جالستان على حافة سريره تقرآن له من سورة ياسين وهو يتلاشى في غيبوبة وهذيان، يصف لنا ما يتراءى له من صالة كبيرة في قصر منيف ينتظره، سقفها مرصع بزخارف جميلة· ثم يصحو قليلا ليوقف تنفسه المتسارع وليصلح لإخوتي تلفظهم لكلمات من القرآن أخطأوا فيها، ثم يلتفت الى أخي الكبير عبد المجيد طالبا شيئا احتفط به في غرفة نومه· وجلب أخي (صرة) ملفوفة فتحها أمامه· قال أبي : لا ليس هذا· فقد كان يبحث عن أوراق فيها وصيته بمنحة لجامعة بغداد·
ثم يتثاقل نفسه ويقف أخيرا، ومددت يدي لأجس نبضه بعد أن توقف· أجهشت بالبكاء قائلاً لنفسي: لا··· هذا ليس من الآلاف من مرضاي· لا··· هذا أبي وقد انتهى·
وقطعنا شرايين الحياة التي ربطته بالأجهزة المجاورة وودعناه إلى الأبد، والتفتنا إلى الصّرة المفتوحة على الأرض، وإذا بها ثوب عروسه الأولى الناصع البياض·· احتفظ به ستين عاما···
خالد القصَّاب
Page 6
عليه توكلت وبه أستعين
الحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ا>لطاهرين·
وبعد، فإني أنا الراجي رحمة ربه، عبد العزيز بن السيد محمد بن السيد عبد اللطيف بن السيد محمد بن السيد حسين بن السيد علي بن ناصر بن الشيخ درع الجشعمي، طالما فكرت بضرورة تسجيل ذكرياتي وما صادفته في حياتي، وكنت أؤجل ذلك لضيق المجال وكثرة الأشغال· وبإلحاح من أفراد أسرتي، أخرجت الفكرة إلى حيز التنفيذ، بعد أن أيقنت أن الدنيا دار فناء، لا يبقى منها إلا ذكر الإنسان وصالح الأعمال، يتداولها الأجيال والأحفاد·
وهاأنذا أبدأ متكلاً على الله جل جلاله، راجيًا ممن يقف على هفوة أو تقصير، إسدال ستار عفوه عليها·
ولله العصمة وحده(1)·
Page 7
السنوات الأُُوَل
ولدت في بغداد سنة 1305 للهجرة، الموافق 1882 ميلادية في بيت معروف بالتقوى والكرم والصلاح، سمي ببيت (آل القصاب)· وسبب هذه التسمية أن جدنا الشيخ درع الجشعمي(1) قد سمّي بذلك عندما أقام مآدب وحفلات لختان أولاده، فنحرت الكثير من الأغنام والإبل، ودعي لها أهل راوه، فأطلقوا عليه اسم (القصاب)· والشيخ درع هو أول من نزل قرية راوه في أعالي الفرات وتزوج امرأة من سادتها، وكان معاصرا للشيخ رجب الراوي الكبير رحمه الله حوالي سنة 1656 ميلادية·
وأول من نزح من العائلة إلى بغداد، حفيده الشيخ حسين، الذي نزل في محلة سوق حماده في جانب الكرخ، وأخذ يتاجر بالأقمشة والحبوب والخيول والأغنام، وكان له عملاء في توابع بغداد، لا تزال تربطنا مع أبنائهم صداقةٌ متينةٌ مستمرة حتى اليوم·
وأكبر إخوتي هو الحاج محمد رشيد، وكان إمامًا في جامع الشيخ صندل، وخطيبًا في جامع الشيخ معروف الكرخي، وهو من المتخصصين في علم الفقه، ومن المنتسبين إلى الطريقة النقشبندية· توفي رحمه الله سنة 1929، ولم يعقب·
والأخ الثاني هو عباس حلمي، من علماء بغداد المعروفين، كان يلقي الدروس العلمية في مسجد المدني قرب دارنا صباحًا، وفي دار الفتوى بجانب الرصافة (وكان أمينًا لها)، ويدرّس أيضًا في جامع الشيخ صندل بجانب الكرخ بعد الظهر، وكل ذلك حسبة لله تعالى· ثم عين مدرسًا في كلية سامراء العلمية سنة 1898، وبقي فيها حتى وفاته سنة 1917 · وكان الشيخ عباس ورعًا تقيًا كريمًا، قرأ عليه الكثيرون من علماء العراق، ومنهم: الشيخ قاسم القيسي، والشيخ إبراهيم الراوي، والشيخ أمجد الزهاوي، والشيخ نجم الدين الواعظ، وعبد الملك الشواف، ومحمد سعيد الحديثي، وشهاب الدين الهيتي، وطه السامرائي، وحسن تقي الدين الدوري، وقد عمل الكثير منهم في التدريس والقضاء والإفتاء وشغلوا أهم المناصب العلمية الكبيرة·
أعقب السيد عباس ولدًا واحدًا هو السيد عبد الله وأربع بنات· وقبل إعطاء هذه الذكريات للطبع (عام 1962) فوجئنا بفقدان ابن أخي عن عمر لم يتجاوز الستين عامًا· ومما زاد في ألمنا أنه لم يخلف سوى ولد واحد هو غازي·
Page 8
درس عبد الله عباس القصاب العلوم العربية في المدارس العلمية كما أراد والده· وبعد وفاة أبيه دخل كلية الحقوق وتخرج فيها سنة 1927، عين بعدها مديرًا لناحية الحيرة· ولنجاحه في إدارة هذه الناحية عين قائم مقام للسماوة، ثم مديرًا لقضايا العشائر في وزارة الداخلية، ثم متصرفًا للديوانية ومنها وزيرًا للداخلية، ثم متصرفًا للموصل، ثم أمينًا للعاصمة ، ثم مديرًا عامًا لجمعية التمور العراقية· وانتخب نائبًا عن المحمودية، وأخيرًا انتخب نائبًا لرئيس مجلس الاتحاد العربي(العراقي الأردني الهاشمي) سنة 1958· وكان في هذه الوظائف مثلاً حسنًا لحسن السمعة والاستقامة والإخلاص حتى وافاه الأجل يوم الخميس 18 كانون الثاني 1962، عليه رحمة الله·
والأخ الثالث هو السيد عبد الرحمن، وكان يشتغل في التجارة وأصبح عضوًا في مجلس بلدية الكرخ· وقد تولى إدارة بيتنا، مسترشدًا بأخيه الأكبر عباس· توفي سنة 1910 وأعقب ابنة واحدة·
والأخ الرابع هو السيد أمين، وكان يساعد أخاه عبد الرحمن بأعماله التجارية· انتخب عضوًا في مجلس أمانة العاصمة قبل أن يتوفى سنة 1934، وأعقب ولدين وثلاث بنات·
والأخ الخامس هو عبد الفتاح، وكان مديرًا للمدارس الرسمية في العهد العثماني، استقال من منصبه عند دخول الإنكليز بغداد وانصرف بعد ذلك إلى الزراعة والبيع والشراء· توفي سنة 1935 وأعقب ثمانية أولاد(2)·
الشيخ عباس وطلابه
ومما أتذكره عن حماسة طلاب الشيخ عباس للاستفادة من دروسه، حكاية عن الشيخ أمجد الزهاوي:
طرق باب بيتنا في ليلة شتاء باردة، والمطر ينهمر بغزارة وأزقة بغداد تغمرها المياه والأطيان، وهو ملتفٌ بعباءةٍ ولابس (جزمة) في قدمه· صرخ أخي في وجهه قائلاً: (ماذا جاء بك من (الحيدر خانة) إلى (سوق حماده)؟)، أجابه أمجد: (عندي إشكال في درسي، أرجو إيضاحه لي) قال له الشيخ عباس: (أخذت درسًا مني في جامع المدني صباحًا، ثم درسًا آخر في دار الفتوى في الرصافة بالقرب من دارك مساءً، أفلا يكفيك هذا؟) ثم أجلسه بجانبه يشرح له مشكلته قبل أن يدعه ينصرف في ظلام الليل البارد تحت زخات المطر·
Page 9
محـل إقـامتي
كنت وإخوتي المرحومون الخمسة نقيم في دار كبيرة من طابقين، شيدها والدنا في (سوق حماده)، وكان لكل منا غرفة أو غرفتان نقيم فيهما مع زوجاتنا وأطفالنا· كنا نتناول طعامنا معًا على سفرة (مائدة) واحدة· وفي الدار غرفة كبيرة لاستقبال زوارنا الكثيرين القادمين من كل حدب وصوب· وكان أخونا الأكبر محمد رشيد يشرف على نفقاتنا من مأكل ومشرب، وأخي عبد الرحمن يشرف على النفقات الأخرى·
واستمرت هذه الحالة إلى أن عيّنت قائم مقام لسامراء، وكان قد انتقل إليها قبلي أخي عباس للتدريس والإفتاء، لكننا لم نتوقف عن الاستمرار في اجتماعاتنا العائلية في هذه الدار كلما رجعنا إلى بغداد·
ولما أصبحت وزيرًا للداخلية للمرة الأولى سنة 1926، انتقلت إلى دار عمي السيد إبراهيم الملاصقة لدارنا والواقعة على شارع موسى الكاظم· مكثت في هذه الدار سنتينانتقلت بعدها إلى (البتاوين) في جانب الرصافة، إلى دار على النهر، في المنطقة التي اخترقها شارع أبي نواس في وقت لاحق(3)·
وفي سنة 1930 انتقلت إلى دار على الشاطئ الأيمن من دجلة، في منطقة (كرادة مريم)· بقيت في هذه الدار حتى توفقت إلى تشييد أول دار امتلكتها على أرض قريبة مناسنة 1938، وهي الدار التي أسكنها حاليًا(4)·
Page 10
كتّاب الملا الدولعي
عند بلوغي الخامسة من عمري، أدخلني والدي المرحوم في كتّاب الملا محمد أمين الدولعي لتعلم القراءة والكتابة· كان هناك في ذلك الوقت خمسة كتاتيب في جانب الكرخ، وعدد أكثر منها في جانب الرصافة، والكتّاب هذا هو أول مدرسة أنتمي إليها·
كان الدولعي إمامًا للمسجد المسمى باسمه، ويقع في (سوق حماده)· عاش هذا الرجل عمرًا طويلاً يقال إنه قارب مائةً وثلاثين عامًا· كان صالحًا، تقيًا، يصوم أيام السنة كلها ولا يفطر إلا في أيام الجمع والأعياد· كان قوي البنية وهو في عمر المائة· يدرس الطلاب عليه مبادئ القراءة، ويتعلمون الكتابة على صفائح (الَتَنَكْ) المعدنية الخفيفة، وإن أرادوا أن يمسحوا ما عليها، غسلوها بالماء أو لطعوها بألسنتهم ليتمكنوا من الكتابة عليها مرة أخرى·
كنت أذهب صباح كل يوم للكتّاب برفقة أخي عبد الفتاح· وفي أحد الأيام بينما كان الملا يقرئني الألف باء، أخطأت في قراءة الحروف، فقرص ظاهر يدي بإصبعيّ السبابة والوسطى، وشعرت بألمٍ شديدٍ وكأنها قرصة آلة حديدية، وأجهشت بالبكاء· أخذ الملا يلاطفني ويمسح رأسي، ولما عجز عن إسكاتي، أمر أخي عبد الفتاح أن يأخذني إلى البيت· رجعت إلى أبي شاكيًا باكيًا، وطلبت منه أن لا يرسلني إلى هذا الملا مرة أخرى·
نفذ والدي طلبي، ونقلني إلى كتّاب الملا عبد الله السويدي بعد أن مرَ على دراستي شهران فقط، مع العلم أن الدولعي كان قد علم والدي وأعمامي وإخوتي القراءة والكتابة من قبلي·
كتّاب الملا عبد الله السويدي
درّس هذا الملا في مسجده المشهور في محلة (جامع عطا)· وكان رحمه الله شديدًا صارمًا، لا يضاهيه في ذلك أحد· وطلابه لا يتجاوز عددهم الثمانين، يقبلهم من سن الخامسة أو السادسة وحتى الرابعة عشرة· وله نظام خاص ودوام يبدأ قبل طلوع الشمس وينتهي بعد صلاة العصر· كان يسقي تلاميذه، شتاءً وصيفًا، حليبًا أو شاي (دارسين)· ومن يتأخر عن الدوام يضربه على قدمه ثلاث مرات بالعصا، ولديه (صلاّبة)(5) يشد عليها الطلاب المخالفين لتعاليمه من أرجلهم· ومن جملة تعاليمه الغريبة، هو أن يعلن الطالب عن قدومه بوضع فمه في ثقب مفتاح الباب وينادي بصوت خافت مستمر طالبًا فتحه، ولا يسوغ له طرق الباب أبدًا، ومن يخالف ذلك يضرب· وكان يمنع الطلاب من البصاق على أرض المسجد، والمنع هذا يسري على المصلين جميعهم، شبابًا وشيبًا· ومن عاداته أيضًا أن لا يفتح أبواب المسجد للمصلين إلا بعد الأذان وفي وقت الصلاة فقط·