eKtab
EN ع
مذكرات الجرذان الغريقة
Read free sample

مذكرات الجرذان الغريقة

by وائل رداد

Page 1

الجزء الأول

الفصل الأول

في تلك الليلة جلست واجما أمام الورق الشاحب وعلى نور ضعيف لشمعة نصف ذائبة, الكهرباء مقطوعة كالعادة والمياه جافة في الصنابير, حمدا لله على ضيق اليد وكل حال ضائقة, ذلك ما ظللت أردده وأنا اشهد بأم عيني التقلبات التي حاقت بالأصدقاء القدامى, والعجائب التي أصابتهم كالطعنات النجلاء من كل ناحية بلا هوادة..
لقد صعقتني رؤية صديق قديم تجاهلني بشذر كالغريب, هذا محال.. كنا كأخوين وأكثر..
لكن لم ألومه بهذا الشكل؟.. لقد عانى الأمرين, المنغص والإسفين المدقوق المسمى ضياع, كأنه فرمان القدر الذي لا مفر منه, ويبدو أنه قدم إلى هذه البقعة لمزيد من المعاناة, لكن دون كلل.. إن (كهف) لا ييأس ولا يعرف مذاق اليأس البغيض, تماما كخربق وسوار..
كنا أربعة رفاق على غير وفاق, سواء في الأوضاع أو الطباع.. (سوار) ابن طبيب مختبر التحاليل الطبية, حيث يبصق ويتبول الناس في عينات محفوظة بعيادته طوال الوقت, وابن أخت خوري الكنيسة في جرش, فتى مليح حاد الذكاء, ولربما أكثرنا حماسة للتمرد على الإيقاع الرتيب ولكن بالحلول السلمية في بعض الأحيان.. لقد ادعى أمام خاله أننا على دين بولس فقط كي نأخذ حريتنا بالدخول والخروج كل يوم أحد في الكنيسة القائمة قبالة المسجد مباشرة, ليس للتهجد أمام الصليب طبعا, بل لرؤية فاتنات العوائل المسيحية اللواتي يتجمعن داخلها للترنُّم بعقائر شجية حقا, لا أزال أذكر صداها المتردد بين الجدران العتيقة المتسعة..
أما قاعة المحكمة في ساحة البلدية فلطالما كانت قرة أعيننا وتسليتنا المفضلة, كنا نزورها دائما للاستمتاع بمشاهدة وقائع محاكمة شخص متهم, ويزيد من متعتنا إدانته, الإدانة ممتعة ذات أسرار مبطنة بغموض لا يمكن إدراك سره, أهو بريء؟.. أهو مدان حقا؟.. وحده الله أعلم..
الكل يترقب دخول رئيس هيئة المحكمة, يراقبون عرشه الفارغ متوقعين كيف سيكون الحال بعد جلوس صاحبه عليه, يتهامسون فيما بينهم..
أصحاب القضية أصواتهم شبه مسموعة, ملأى بالتوتر الذي حاولوا تخفيفه بعبارات على غرار: «القاضي متسامح رؤوف».. , ولا يتوقف صخب الكلمات المتبادلة إلا لدى دخول رئيس هيئة المحكمة, فيشرع بلا مقدمات بالنظر إلى أول ملف, فتشرئب أعناقنا لرؤية المتهمين في المكان المخصص لهم, متجاهلين التفاصيل غير الضرورية من محاضر استماع من طرف عناصر الشرطة القضائية وما ذكر في محاضرهم, فلا ننتبه إلا لدى مناداة الشهود واحدا تلو الآخر.. كانت أجواء تلك الذكريات الفاتنة الأولية بين جدران المحكمة هي النواة الأولى في دفعي لأن أصير محاميا في مستقبلي الذي كنت اجهل مكنوناته..
متعتنا الأخرى كانت ذات نقاء صبياني خالص, تمثلت في رسم شوارب ونظارات على وجوه الملصقات المعلنة عن انتخابات البلدية المقبلة, كنا ننتظر العمال ريثما يفرغون من إلصاق صور المرشحين, ثم نخرج من مخابئنا لنعبث بوجوه أصحاب الصور من ذوي المناصب الهامة, أحيانا نضيف قرونا إلى صاحب صورة بعينه ممن اشتهروا بدماثة أخلاقهم لدى بدء الترشيحات, لكنه وقبل ذلك لم يكن ملاكا في تعامله مع خلق الله..
أحيانا نتسلل ـ (سوار) وأنا ـ وننضم لخربق وكهف خارج أسوار المدرسة الآيلة للسقوط, ونهرب إلى حيث مسارح جراسيا القديمة والأقواس الثلاثة للفرجة على بنات السياح اليهود الآسرات, نلوح بمودة للسياح الذين أتوا من شتى بقاع الأرض لرؤية آثار «بومباي الشرق», ونحن نشتمهم بسخرية مبطنة دون أن يفقهوا شيئا, ملوحين لنا بدورهم في مرح أبله!.. أو نتسابق في صعود درج الحجر الطويل الشبيه بهرم «الانكا» المدرج والمؤدي للمنازل القديمة فوق, أو نهبط لحيث المواصلات بالمجمع, نصعد متن حافلة عتيقة خط سير رحلتها إلى مدينة ملاهي الجبيهة, حيث نلتهم الفشار المملح وحلوى غزل البنات الوردي, ونركب قطار الموت السريع, وهو قطار موت حقيقي لأن مفاصله صدئة!.. حتى أننا كنا نتراهن دوما قبل الركوب ما إذا كان سيسقط بنا هذه المرة أم لا!..
وعندما يحل المساء, ونرجع مع يقين من أن ليلتنا لن تمر على خير لدى أهالينا, كنا نتسلل لذات البناية الغريبة عنا كي ننام على سطحها دون مسائلة من أحد, حيث نختلس النظر إلى نافذة البناية شبه الملتصقة ببنايتنا, فتشده أبصارنا كالمعتاد لمرأى المدرسات الشابات العازبات اللواتي يقطن شقة الطابق الثاني, يرحن ويجئن بقمصان النوم القصيرة ذات الأكتاف العارية!..

Page 2

أحيانا تخرج واحدة من الحمام بفوطة ملفوفة على شعرها وأخرى على قدها, فإن أسعفنا الحظ أزالتها بلطف عن جسمها, وعندئذ تتحول المخيلة المحمومة إلى صياح متحسر مكتوم!..
وعندما يحين ميعاد الرجوع أحاول التلكؤ قدر الإمكان, فوالدي كان من النوع الذي يناقش بحزامه أولا ومن ثم بلسانه المقذع!..
كنت أحيا حياة لا بأس بها, أقول لا بأس بها ما دامت شقة تلك التي تؤويني مع والديّ وشقيقي الأصغر, ولو كانت ضيقة لا تستقطب الهواء المنعش دائما..
أم (توفيق) جارة لنا, أرملة فقدت زوجها في جبل «الجوفة» إبان القصف الذي وقع بين مغاوير القوات الأردنية ومقاتلي «أيلول الأسود», لطالما زارتنا كي تسرد وقائع تلك الأيام الرهيبة التي وقعت في عمان..
كنت أصغي لها بانتباه كي أسمع تصاعد ضرب النار بصورة عاصفة, وأشاهد استيقاظ جميع من في الحي مبسملين مستعيذين بالله من الشيطان الرجيم..
أراهم يهرعون للاختباء في الملاجئ التي أعدوها في منازلهم قبل بدء القصف, وهي عبارة عن حجرات ضيقة هابطة للأسفل كالأقبية..
البعض الآخر كان بالفعل يختبئ في الأقبية الموجودة داخل منازلهم, وهنالك من خلت بيوتهم من حجرة تحت الأرض أو قبو, فكان هؤلاء يخرجون من منازلهم حفاة بملابس النوم, ويهرعون إلى جيرانهم حيث المأوى الآمن حاملين أطفالهم على أكتافهم وظهورهم..
صوت انفجار كاد أن يصم الآذان, وآخر هز جدران المنازل هزا..
ارتفعت عقيرة صوت بالصراخ:
ـ «علقت!.. علقت»!..
تصايح كل الذين كانوا يهرولون في الشارع لدى سماعهم أصوات الضرب المتلاحقة, فالطلقات كانت طائشة تختار أهدافها بعشوائية مروعة..
ـ «إلى الملاجئ!.. إلى الأقبية»!..
ـ «سترك يا رب»!..
وعلت أصوات بكاء الأطفال ونحيبهم, فكادت تطغى على أصوات الأعيرة النارية وتفجيرات القنابل..
وجارتنا ركضت مع الراكضين مجرجرة (توفيق) معها.. كانت خائفة كما يكون الخوف, خائفة على وحيدها وعلى نفسها وعلى شقيقتها التي تركض حافية حاملة بين ذراعيها الرضيع, وعلى زوجها الذي يقودهم صوب منزل جارهم الذي يملك قبوا يتسع لعشيرة..
وهنا سقط واحد مضرجا بدمائه..
ـ «سقط (أبوجابر)»!..
كذا صاحت ممثلة الواقعة بذراعيها, فأنشده وأمواج الخيال متلاطمة في عقلي بلا هوادة..
أصابته ثلاث طلقات دفعة واحدة, في وجهه وصدره ومعدته..
ارتفع صياح جماعي أنثوي عاصف, وتحولت الطوابير شبه المنظمة إلى سوق همجي يمكن للبالغ الضياع وسطه..
ثم تسرد لنا عن تلك الطفلة الباكية والواقفة في عرض الشارع الخطر, فأبصر ضبابا داكنا غريبا يحيط بها, بالصورة من منظوري بأسرها, ثم أسمع هزيم الرعد!..
تقول أم (توفيق) موجهة الحديث إليّ لأنها توسمت فيّ شغفا بالحكاية:
ـ كانت أياما كالجحيم, كنت أخرج لشراء البقالة أو الخبز فتعترضني أكوام من الجثث ملقاة في الشوارع.. لا يوجد ما هو أكثر جهنمية من أن يكون القاتل والمقتول من أبناء العرب والمسلمين!..
ـ معك حق, إن ذلك كالخنجر مغروز في النحر.. ماذا عن تلك الطفلة؟..
صمتت برهة وكأنها تستعيد الذكرى المؤلمة من جديد, ثم نطقت:
ـ كانت طفلة في وسط الشارع, طفلة رأيتها تلعب في الحي مرارا لعبة الحجلة..

Page 3

ـ قتلها الرصاص..
ـ قتلتها شظايا قذيفة رعناء.. صورتها محفورة في بالي بكل وضوح!..
ـ لكنكم حاولتم إنقاذها, أليس كذلك؟..
ـ صرخت بها كي تتحرك, لكنها ظلت واقفة كالبلهاء!.. كانت مرتعبة تنتظر منا نجدتها, فتحركت صوبها محاولةً إنقاذها, فنتج عن ذلك شظية أصابتني في ذراعي اليمنى مسببة لي ندبة أزلية.. ولما حاول زوجي نجدتي مزقته القذيفة..
ـ بذلت كل ما في وسعك لأجلها..
ـ ليتك شاهدت والدتها التي أذهب الحزن عقلها, زرتها محاولة التخفيف عنها, وأخبرتها بأني قد حاولت مساعدة ابنتها ولم أفلح.. أتدري بما ردت؟..
ـ تمنت هلاكك بدلا من ابنتها؟..
ـ بالضبط!.. يا شيطان!.. هذا ما قالته لي بالضبط وهي ترمقني بتلك النظرة الرهيبة التي لن أنساها ما حييت..
ـ وتمنيت لو أنك هلكت منذ ذلك اليوم تماما كما يحدث في الأفلام, أليس كذلك؟..
ـ هل تسخر مني؟..
ـ المرأة نجحت في تحميلك الذنب كاملا, أنت التي سخرت من نفسك..
فتضحك أم (توفيق) متلفظة ببعض العبارات عن ظرفي, ثم تسترسل:
ـ لو أنك فقط تشاهد الكوابيس المروعة, أعوذ بالله..
ـ للعقل أسراره ودهاليزه, لكننا وحدنا الذين نقرر ما إذا أردنا معرفة الطريق الصحيح داخله أو الضياع..
ـ وأنا ضائعة, تائهة!..
ـ لا أظن ذلك..
ـ ولم؟..
ـ لأننا نسمي هؤلاء مجانين, فهل أنت مجنونة؟..
ـ وجودي في هذا المكان وهذه العيشة معك سيجعلني كذلك!..
لنا جارة أخرى مطلقة تعيش مع ابنتها القبيحة ذات البثور والشعر المجعد والدماغ الخفيفة.. لربما كانت الفتاة الوحيدة التي أحبتني بصفاء ودونما رياء, تماما كما يحب الكلب صاحبه, كانت مخبولة تجيد اقتفاء أثري عندما أدخل وأخرج, وكنت أشعر بالشفقة عليها وهي تستقبلني بنظرات الفرح الطفولية, تناديني بـ «يا حلو»!.. فأبتسم لها بحزن وأسف..
أما عائلة (إيمان) فقد سكنت شقة في الطابق الذي يعلونا, مستوى معيشتهم كحالنا, فدخل والدها مدرس الرياضيات بالكاد يكفي متطلباتهم, إلا أن جمال (إيمان) وقدومها بعد عدد من الأشقاء أكسبها معزة خاصة في نفس والديها, وقد شعرت بالإعجاب الذي حام من حولها, مم انعكس إيجابا على ثقتها بذاتها..
ولم تكن علاقتنا معهم طيبة لحادثة قديمة وقعت لما كنت ألهو مع ابنتهم في الصغر..
كنا ـ أنا و(إيمان) ـ نتسلل للسطح دائما لاختلاس نظرات فضولية ذات نهم لا يمكن إشباعه, حيث يصعد شقيقها الأكبر مع خطيبته ابنة مدرس اللغة الانجليزية الذي يقطن الشقة المقابلة لشقتهم.. نراقبهما بمكر طفولي أريب وهما يتهامسان, حتى تحين اللحظة التي ننتظرها بشغف, حين يمسك شقيقها ذقن خطيبته كي يوقع قبلة طويلة على شفتيها الخاضعتين, وعندئذ نحاول بشتى السبل كتم ضحكاتنا كي لا ينفضح أمرنا.. حتى مقدم يوم لم نتمكن فيه من الكتمان أكثر, فانطلقنا معا في قهقهة مجلجلة جعلتهما يجفلان, ولوّح الشاب بقبضته في الهواء لما وقع بصره على شقيقته الصغرى صائحا بغضب أثار هلعنا بشدة:
ـ يا شقية سأريك!..

Page 4

وانطلق في أعقابنا, فهبطنا الدرجات الحجرية بسرعة وخوف, وصوته الغاضب يطاردنا بإصرار:
ـ «سأريكما أنت والجربوع الذي معك»!..
ركضنا أسرع, عندما زلت قدم (إيمان) وسقطت على وجهها فوق الدرج, فرسمت لطخة مخيفة من الدم!..
أخذت تبكي كالمجنونة, وهرع شقيقها وحملها بين ذراعيه وهو يغتالني بنظرات لو أنها تقتل حقيقة لأحالتني ركاما..
أخذوها للمستشفى, وعندما عادوا ظفرنا بزيارة من والدها الغاضب وشقيقها الأكثر غضبا, حيث زعما أن (إيمان) أخبرتهما بأنني دفعتها على الدرج أثناء هربنا من السطح!..
زلزلني الرعب حتى النخاع, وضاع صوتي وسط أمواج الاعتذارات التي انهالت من شفتي والدي, فلم يحاول سماع قصتي, لقد أدانني على الفور.. وعقب رحيلهما بعد توعدهما والدي بالويل إذا ما جرى لإيمان شيء, عاقبني عقابا لم أشهد له مثيلا من قبل ومن بعد..
رجعت (إيمان) بضمادة فوق عينها اليسرى, لم تفقأ لحسن الحظ, لكن الأسوأ لم يأت بعد..
كبرنا مع مرور الأيام, وكبرت (إيمان) فازدادت حسنا ورقة, كانت هشة العود ذات شعر فاحم لطالما أحببت تضاريسه المموجة.. بالطبع كفت عن لقائي منذ وقوع الحادث, ولم يحدث أن اختليت بها كي اسألها عن سبب تلك الكذبة التي كذبتها بشأني..
لاحظت أنها تغطي جانبا من وجهها بخصلة من شعرها الجميل, حيث العين اليسرى تحديدا, بادئ ذي بدء لم أشك بشيء, إلى أن أتى يوم رجعت فيه والدتي من عرس, وسردت بعصبية على والدي كيف أنها التقت بإيمان ووالدتها التي كشفت أخيرا عن سر تغطية ابنتها لعينها اليسرى طيلة الوقت.. إن عين (إيمان) مصابة بماء زرقاء, ووالدتها تزعم أن الحادث القديم سبب تلك الفاجعة التي حاقت بابنتها!..
والدتي قالت ساخرة يومئذ:
ـ المرأة أخبرتني أن البنت صارت منبوذة من العرسان والحق على ابني!.. إنها تحاول الظفر به عريسا لابنتها العوراء!..
ووالدي ردّ بجفائه المنفر:
ـ عندهم حكيم العيون, بإمكانه وبسهولة تكذيب مزاعمهم الحمقاء, ما علاقة الحادثة القديمة بالماء الزرقاء؟.. يا لهم من جهلة معاتيه!..
لم أطق البقاء في ساحة الوغى المستمرة بين والدي الفظ ووالدتي الملسنة, شقيقي لم يكن نبتا طريا ينشج كلما ارتفع الصراخ بينهما, كان يراقبهما مستمتعا ويخبرني بكل التفاصيل المتعلقة بشجارهما عندما أعود مناشدا هدوء الجو العاصف ولو قليلا, أدخل ليتحول شجارهما نحوي, عن التأخير ورفقة النحس التي أنشدها مع كلاب لعينة مثل رفاقي, عن فحوى رائحة النارجيلة المنبعثة كأنفاس الشيطان من تلابيب ثيابي..
لست وغدا لو شئتم الصدق, لكن التهمة التصقت بي كالصمغ ما دمت اخترت رفقة أولئك الفتية الثلاثة, كنت أعتبرهم إخوتي الكبار, ولم يكونوا بمقصرين معي, لطالما ساندوني وحموني من اعتداءات الطلبة ورجال الجماعات الإجرامية, كانوا سندا لن أنساه ما حييت..
أتى (كهف) من المخيمات, عايشها لما كانت خياما وصارت فيما بعد مبنية من لبنات وأسقف «زنكو»..
كان قويا ذا أوتار متيبسة رغم نحوله, حقا إن قوة الشكيمة غير متعلقة بعضلات خلقتها إبر الهرمونات الزائفة, ولم يتغلب عليه بالقوة سوى (خربق) الذي كان بحق صلبا منيعا كجدار خرساني حصين..

Page 5

الفصل الثاني

لازلت أذكر يوم الشؤم وكأنه وقع البارحة..
كنت أقضي حاجتي في إحدى دورات المياه العمومية, الوقت ظهرا ولا أحد سواي بالداخل, روائح الإفراغات العضوية دفعتني إلى كتم أنفاسي كي لا أتقيأ, لا أحد يعنى بنظافة تلك المرافق, عمال البلدية يأنفون دخولها, فيتجاهلونها بثقة من أن أحدا لن يرفع عريضة شكوى ضدهم..
فرغت وخرجت لغسل يديّ من الصنبور, لم ألق سوى بنظرة عادية على الفتية الثلاثة الذين ولجوا, حتى إن أحدهم تظاهر بالود عندما أومأ برأسه كأنه يعرفني, أرجحت رأسي أنا الآخر وعدت للمياه المتدفقة من فتحة الصنبور..
ثم شعرت بجذبة هائلة وبالصنبور يبتعد عن متناول يدي, حشرت حشرا في غرفة قضاء الحاجة الضيقة وأنا أصرخ ذاهلا, الفتى الأكبر والأقوى بين الثلاثة دفع بنفسه معي, أما الاثنين معه فراقبا الطريق خارجا كي يمنعا أحدا من الدنو أو الولوج!..
قاومت بوحشية حيوان ضار, بكل ما أوتيت من قوة, ولم أصرخ كالنساء, لكن السافل كان قويا لحد أذهلني, حظيت بضرب هائج حتى استسلمت تماما..
خرج لاحقا برفيقيه بعدما فرغ من سلبي تاركا إياي جثة حية, أتذوق الدم وأبصقه, وأنتحب كفتاة هتكوا عرضها بلا هوادة, ثوبي السفلي ممزق وكرامتي تلاشت للأبد..
خرجت ذاهلا مبعثرا بعد غسل آثار الفضيحة عن وجهي, رأيت في المرآة كدمة كحلية قبيحة ظلت عالقة في بالي وجفني الأيسر مدة لا بأس بها, ذلك اليوم غادرت عائدا للدار, ورقدت نائما متجاهلا طعام الغداء, نمت حتى العشاء..
أمي تدلف وهي تصيح بخشونة ألا أنام أكثر, تضيء النور فتلمح الكدمة, لا أزال أذكر الجزع الإنساني الذي ارتسم على ملامحها القاسية كأنما استحالت أنثى ذات أمومة أخيرا, تسلحت بالأمومة المحببة وهي تسألني عما أصابني.. كذبت, بالطبع كذبت, قلت أنه حادث.. لا أذكر التفاصيل, لكني أذكر اكتفائها بالكلمة وذهابها للمطبخ كي تغلي لي بعض البابونج أو الميرامية..
عندما غادرت أجهشت ببكاء مرير, بكيت كما لم أبك من قبل, شعرت بذعر انتصب له شعر رأسي, كيف حدث ما حدث؟.. أي كارثة هذه؟!.. كيف أصابتني هذه البلوة بحق إبليس الرجيم؟!..
نمت مرة أخرى, كالحجر, وفي الصباح رفضت الذهاب للمدرسة متعللا بالمرض, كانت المرة الأولى في حياتي, لم أغب عن الدراسة يوما واحدا, كنت على عكس الأغلبية أدرك حلمي وأسعى ببطء واستبسال لتحقيقه, واليوم نجحت بمسعاي, فصرت محاميا ذا سمعة طيبة..
لم يعلم بالحادثة المنكرة سوى أصدقائي الثلاثة, ففي ذلك اليوم الذي فضلت فيه البقاء بين جدران غرفتي معتزلا الدنيا, قاموا هم بكسر حاجز القواعد الخرساني وزيارتي!..
استقبلتهم والدتي ببرودة وجفاء, أما عني فرحبت بهم بحرارة.. جلسنا معا في الغرفة وأبصارهم تتفحصني بحنكة, أدركوا بأن ثمة خطب ما..
ضغطوا عليّ حتى تأثرت, شعرت بعبراتي الساخنة تنزف من جديد, حقا كانوا إخوة لي, لقد اربدت وجوههم غضبا مشتعلا لما سمعوا بما حدث, حتى (خربق)!.. لا زلت أذكر كيف انبعثت نيران حقد أسود من مقلتيه الضائقتين!..
ـ «من كانوا يا (أمين)؟!.. من كانوا»؟!..
ـ «لا أعلم يقينا, أحسبني رأيتهم يتسكعون مع أبي (طبر).. ضمن جماعته»..
كلمات موجزة يجب قولها عن أبي (طبر) هذا.. لقد كان وحشا آدميا يجلب المتاعب لنفسه ولمن معه, وليس من المستحب إثارة غضبه, كان همجيا يحب الإيفاء بالوعد, ووعوده متعلقة دائما بوعيد القتل!..
ترأس جماعة هدفها السلب والقتل, وشاعت جرائمه حتى انقلب أسطورة يهابها الكل, وفي جرش كانوا يستعيذون بالله من الشيطان الرجيم ومن أبي طبر!..
قلت ما قلته لأن مجرد ذكر اسمه أكثر من كاف بالنسبة لصعاليك في المرحلة الإعدادية, لن أكذب إذا ما قلت بأنني كنت شبه متيقن من أن رفاقي سيتناسون الموضوع, لكني فوجئت وبعمق لما لوّح (كهف) بقبضته قائلا بغضب أذهلني:
ـ لا بأس, سندبر الحقراء!..

Page 6

وبحنو ساحر مسح (سوار) جبيني هامسا بترفق:
ـ لا تقلق, سنأخذ بثأرك..
حسبتها كلمات, مجرد كلمات.. لقد تأثرت وأخذت بها, لكني حسبتها مجرد كلمات..
في الأيام التي تلت ذلك اليوم تحول هدف الرفاق الأوحد إلى بحث محموم عن الفتية الثلاثة, كنا ندرك الأماكن التي يتسكعون بها, زرناها معا رغم اعتراضاتي, ألبسوني قبعة حارس مرمى ونظارات سميكة غيّرت من شكلي بعض الشيء, وكم من مرة همس فيها (كهف) في أذني قائلا بحزم لا يعرف المزاح:
ـ اسمع, لا تخشى أحدا ما دمت معنا, إياك والإعراض إذا ما لمحت واحدا منهم, عليك بالإشارة نحوه فحسب, ودع لنا الباقي.. فهمت؟..
هززت رأسي بالإيجاب رغم معارضتي الداخلية, كنت.. لكن مهلا.. رأيت السافل!.. لمحته واقفا مع خمسة من رفاقه!.. هل كان رفيقاه من بينهم؟.. لا أعلم يقينا, كل ما أذكره أنني أشرت نحوه بسبابة مرتعدة مغمغما كالمستيقظ من كابوس جاثم على الضلوع:
ـ هذا هو!..
فقط قلت ذلك, والسبابة الضعيفة تكفلت بالباقي.. وفي الثانية التالية تحول الرفاق إلى وحوش بالمعنى الحرفي للكلمة, كان الفتية الستة يكبروننا سنا, لكنها لم تكن مشكلة تعترض سبيل رفاقي الأشداء..
هجموا كالضواري الهمجية عليهم, نالوا منهم جيدا, شهدت بأم عيني أولئك الفتية يقاومون باستماتة, شهدت وجوههم المتحولة ببطء من الشراسة إلى التضرع وطلب الرحمة, ارتفعت عقائرهم بالتوسلات قبل أن تسد تماما بلترات من الدم وكومة من الأسنان المحطمة والضلوع المهشمة..
وعقب انتهاء المجزرة, رأيت ـ كالحالم ـ مهاجمي يساق إليّ كشاة عيد الأضحى, تحول وجهه إلى كتلة مبهمة, أتراهم فقئوا له عينه؟.. لم أشاهد سوى مقلة تتحرك في محجرها بسرعة جنونية هنا وهناك باحثة عن منفذ للخروج, وباستهانة أفزعتني بأكثر مما أرضتني سمعت (كهف) يقول لي بقساوة:
ـ أهذه هي الغانية؟..
هززت رأسي بعنف أن نعم, فتفل (سوار) على الوجه المبعثر قائلا بازدراء:
ـ أتحبين الفتية؟.. ردّي يا عاهرة؟..
نهنه الفتى كطفل ضلّ طريقه لمنزله, لكنهم لم يرحموه, رشقوا عليه بصقات وسخروا منه ومن عرضه, نعتوه بأشنع الألقاب حتى بكى بطريقة تمزق لها فؤادي رغم ما صنعه بي, كنت أحسب الانتقام باردا منعشا للقلب..
غمغمت بنبرة ضائقة ووجهي مطرق لأسفل:
ـ يكفي يا رفاق فقد نال جزائه وأكثر..
ـ أنت تمزح حتما!.. نحن لم نبدأ معه حتى!..
ـ بل انتهينا منه, دعوه أرجوكم..
ـ أكاد لا أصدق أننا سندع ابن الزانية هذا يفلت بجرمه!..
ثم فوجئت وفوجئا بخربق يخرج من جعبته سيخ كباب مبري الطرف, وبسرعة وقبل أن يستوعب أحدنا ما حدث أولج الطرف المدبب كيفما اتفق في مواضع الفتى الحساسة, فانبثقت نافورة دم لطمت وجهه!..
أطلق الفتى أنينا مكتوما وقد انتفخت عيناه معا في حول زائغ!.. وبان الإنكار في وجهيهما والرعب في وجهي, وأحسب (سوار) هو الذي صاح مبهوتا:
ـ ماذا صنعت يا مخبول؟!..
لم يرد (خربق), بدت ردود أفعاله عجيبة ومروعة, فقد زينت وجهه بسمة قاسية شامتة متشفية رامقا ثياب الفتى الملوثة بالدم, بسمة أضاءت وجهه بلذة لا حدود لها, وهو ينصت لأنين الفتى المعذب الذي لا يمكن تخيل ما اضطر لتحمله.. كانت لذلك المخلوق المروع عينان بالغتا الضخامة حمراوان بلون الدم, كانتا تسلبان الانتباه تماما وتغطيان معظم معالمه وتحدقان في ضحيتها بشكل جمد الدم بعروقي, وكان يصدر صوتا غريبا ومخيفا يشابه الضحك المكتوم!..
كان سعيدا, وكانت تلك المرة الأولى تقريبا التي أراه فيها بتلك السعادة اللامتناهية!..

Page 7

الفصل الثالث

كما أخبرتكم سابقا وأنا أحاول انتقاء أكبر قدر من الذكريات الغزيرة والمشبعة بالحقائق, كانت الجرائم التي تحدث ذات أهمية وخطورة لم يسمح الإعلام بتضخيمها.. ظللنا نشهد النشيد الوطني, والبرامج الوثائقية عن طين البحر الميت السحري معالج الأمراض المستعصية, والسياحة في البتراء وأم قيس, ووقائع مهرجان جرش للأزل..
كانت سير الجماعات الإجرامية تتناقلها الألسن فحسب, كالحكايات الخرافية.. سير «أبو طبر» و«العقاقيف» و«أبو شاكوشة» القاتل..
كانت العقاقيف عصابة مقزمة تقوم بسرقة ما خفّ حمله بغض النظر عن ثمنه, عن طريق إيلاج عقافة عبر النوافذ التي أهمل أصحابها إقفالها بإحكام, فيتناولون بأطرافها ما تيسر لهم سرقته, الأمر الذي كان يتم ببراعة وصبر, لم يكونوا من النوع الذي يستعجل رزقه, ويقبلون المكسب الضئيل دائما, الأمر الذي بدا أقرب للطرافة..
أما أبو شاكوشة فلربما سمعتم عنه, كان أسطورة دموية, الرجل الذي حمل شاكوشة أو مطرقة طيلة الوقت, وكان يختار بعشوائية ضحاياه ممن يود إراحتهم من الدنيا, وقد قبض عليه أخيرا وأعدم شنقا..
أما عن أبي (طبر) فقد استمر إجرامه العنيف أمدا طويلا, كان رجلا مخيفا أشبه بعراب مافيا عربي, بدأ صعلوكا وانتهى رجلا يحسب له ألف حساب, لدرجة أنه أحاط نفسه بالرجال من ذوي القدرة والكفاءة الإجرامية العاتية.. كانت بداياته في محل حلويات شرقية, وفي يوم تمت مضايقته من قبل ابن صاحب المحل الأصغر, فاشتعل غضبه وتوعد الصبي بالقتل, فطرد صاحب المحل الرجل.. وهكذا تحول الصبي إلى مطارد من أبي طبر وجماعته, فصار خروجه نادرا, وإذا تم فبحراسة أبناء عمومته وأخواله..
ليس التحرش بأبي طبر فكرة حسنة على كل حال..
وفي يوم الجمعة عقب انتهاء الصلاة, ولدى مغادرة المصلين المسجد, كنا نلمح (القبرصي) آتيا كالطاووس المتبختر كعادته, لسان حاله يقول: تركت لكم دينكم واعتنقت ديانة أخرى تبيح ما أصنعه!..
كان قوادا غير معلن, يتاجر بأجساد زوجه وابنته وحتى والدته!.. وحين يخرج إلى السوق لا يرتدي سوى شورت رياضي وقبعة من قش, ليس القبرصي باسمه, نحن ناديناه بالاسم لكثرة أسفاره إلى قبرص, حيث الشواطئ الرملية الأنظف من شواطئنا نحن العرب ـ حسب قوله ـ بألف مرة, والقاصرات المثيرات بأزياء البحر الفاضحة..
أذكر ذات مرة أنه دعانا ـ نحن الأربعة ـ إلى وجبة جنسية دسمة على حسابه, فسخر (سوار) منه قائلا:
ـ لكننا أربعة يا قبرصي فما العمل؟..
ضحك الرجل المكتنز صاحب البشرة البرونزية المقززة قائلا:
ـ بسيطة!.. الحرمة لواحد, والبنت لواحد, والنواحة ـ أمه ـ لواحد.. وأنا لواحد!..
ضحكنا معه ولعناه في سرائرنا كألعن شيطان..
الباعة يفترشون الأرصفة لبيع الخضار والفاكهة.. أما الصغار الذين لا يجدون موردا فيلجئون إلى ابتكار أرزاقهم الخاصة, واحد يعد الشاي بالميرامية ويبيعه على سبيل المقهى المصغر, آخر يحمل ميزانا محاولا إغراء البدينات بتفقد أوزانهن.. أشفق أكثر من أي وقت مضى على أولئك المساكين الواهمين أنهم يحملون قدراً من الأهمية بالنسبة للآخرين, وهم ليسوا سوى أصفار على الشمال, الحالمين الصغار بالحياة السعيدة, وأن في ذلك حقيقة لابد وأن تتحقق يوما..
عملنا أربعتنا في أحد دكاكين الحلو مدة قصيرة, صاحبه رجل طيب ميسور الحال لدرجة امتلاك ثلاثة أفرع من دكانه في جرش وعجلون والمفرق.. لا أعلم يقينا سر امتلاء دكاكين الحلو بالزبائن كأنها مقاه أو مطاعم, الكل يريد كنافة كالصغار, الكل يلتهم الكنافة كالمحرومين, اليوم تجد الشاب وقد أصيب بسكري مبكر من فرط التهام الكنافة الناعمة أو الخشنة الممزوجة بلتر من القطر..
أحيانا كان (سوار) يستغل غياب صاحب المحل كي يستعين ببعض التعساء الذين فقدوا بعض حواسهم باكرا في أوقات الشدة الضروس, شبان لم يعد لهم سمع أو لسان أو حتى عقل يفكرون به, يعانون الإعاقة الأزلية المريرة.. كان (سوار) يستعين بهم لتنظيف المحل بمباركة أكثرية الشغيلة, واعدا إياهم ببعض قطع الهريسة إن أتموا العمل بسرعة, فكانوا يتكاثرون على المماسح ودلاء الماء, يدلقونه على ثيابهم بأكثر مما يدلقونه على الأرضية..
أحيانا يغضب (جبريل) ويبادر بطردهم.. (جبريل) كان رجلا عظيم البنية, غير غافل عن آخرته رغم هيئته التي لا تفضح إيمانه المتشدد, كان رجولي الوسامة مهذب الشعر مشذب اللحية, من يراه يحسبه من مرتادي المهرجان بانتظام, ينصت للأغاني ويدندن عليها, كما أنه حفر اسمه بسكين على كتفه الأيسر راسما ندبة دائمة كديدن الشغيلة, وعندما يحين وقت الصلاة يسارع بإطفاء المسجلة, والاستئذان من صاحب المحل في الذهاب للمسجد القريب..
كنا ذات مرة نعمل على تنظيف الموائد عندما دخلتا المحل, بنتان من بنات حواء الملاح أوقفتا الزمن بدخولهما المتبختر وضحكاتهما الماكرة, كان بإمكاني سماع الأنفاس المترددة بين الضلوع بيسر!.. ولما صعدتا جناح العوائل همس (سوار) في أذني بتخابث:
ـ هاتان صنعتا جوا للمحل!.. ما رأيك؟..

Page 8

كنت حقا مأخوذا بجمال الفتاتين, لكن شغيلة المحل بدوا كالآتين من دنيا أخرى غير دنيانا, استحالوا ذئابا متضرعة, الكل يرغب بالصعود وأخذ طلباتهما..
لكن لسوار فكر آخر ماكر كدأبه, اجتمع بالشغيلة وطرح عليهم فكرته, استحسنوها بالإجماع, وهكذا نادى (جبريل), وقال له بنبرة اعتيادية:
ـ اصعد لسيكشن العوائل, وانظر ما يريدونه من طلبات..
غاب (جبريل) فوق, المسكين حسبها عائلة كريمة ذات رب أسرة موقر, أتت لالتهام الكنافة وابتياع بعض قطع «الجاتوه» أو «الآيس كريم» للصغار.. سمعنا على الفور صراخا غاضبا واتهامات قذف مشينة, ثم سمعنا صوت ركض على الدرج وضحكات أنثوية جريئة, ظهرت الفتاتان وقد التصقتا ببعضهما, فسألهما (سوار) باسماً:
ـ خيراً؟..
هتفت الأقصر قامة والأثرى أنوثة:
ـ صاحبكم حمار!..
ـ لماذا؟.. ماذا حدث؟..
ضحكتا معا بمرح, ونزل (جبريل) ليجدهما واقفتين معنا, فصاح وقد اربد وجهه:
ـ برّة!.. هذا مكان أكل عيش وليس ماخور مومسات!..
هرعتا خارجا وهما لا تكفان عن الضحك, فتساءل (سوار) ببراءة عما حدث..
ـ «تسأل يا ماكر؟.. بغايا والعياذ بالله!.. تحسبني لا أعلم بما يدور بينكم؟.. هذه من بنات أفكارك الشيطانية حتما»!..
ضجّ المكان بضحك صاخب, وحسبنا الموضوع سيمر مرور الكرام, لكننا صنعنا من (جبريل) داعية لا همّ له سوى إصلاحنا وتقويمنا, فصار يلح علينا كي نذهب معه للمسجد وسماع خطب الشيخ (عبد القادر)..
ـ «خطبة واحدة منه كفيلة بإدخالك الإسلام يا (سوار)»!..
والعجيب أن (سوار) وافق على الاستماع لتلك الخطبة المبهرة, لم يكن (كهف) متحمسا للذهاب, أما عني فلم تكن تلك بمشكلة..
ـ «و(خربق)»؟..
ـ «دعك منه, لو أن الملائكة أدخلته بالقوة إلى النعيم لفرّ هاربا كي يلوذ بالجحيم»!..
وهكذا ذهبنا نحن الثلاثة برفقة (جبريل) إلى مسجد صغير غير بعيد عن المحل, حيث يصلي فيه الشيخ (عبد القادر) إماما على المصلين..
وعقب الصلاة وقف الرجل حامدا الله على نعمه ومثنيا عليه.. كان رجلا طويل القامة كث اللحية, يرتدي جلبابا قصيرا على طريقة أهل السنة, وحطة بيضاء لفّ طرفها حول عنقه, كانت يده اليمنى مبتورة, أخبرنا (جبريل) أنه فقدها إثر انفجار عبوة ناسفة أيام الاشتباكات ما بين قوات الجيش الأردني وأفراد أيلول الأسود في الجوفة, أصابته شظية تطلبت بتر يده خوفا من انتشار الغرغرينا..
وجدت خطبة الرجل ممتازة, لكن حديثه عن العذاب المنتظر ظلّ عالقا ببالي, ولا زلت أذكر إلى يومنا هذا ما قاله, لا بتهديد وإنما بمرارة وأسى:
ـ «أما الرجال فباللحى، وأما النساء فبالذوائب والنواصي.. فكم من ذي شيبةٍ من أمتي يُقبَضُ على لحيته وهو ينادي: واشَيْبتاه واضعفاه، وكم من شاب قد قُبض على لحيته، يُساق إلى النار وهو ينادي: واشباباه واحُسن صورتاه، و كم من امرأة من أمتي قد قُبض على ناصيتها تُقاد إلى النار وهي تنادي: وافضيحتاه واهتك ستراه، حتى يُنتهى بهم إلى مالك، فإذا نظر إليهم مالك قال للملائكة: من هؤلاء؟.. فما ورد عليّ من الأشقياء أعجب شأناً من هؤلاء، لم تَسْوَدّ وجوههم ولم تَزرقّ أعينهم ولم يُختَم على أفواههم ولم يُقرّنوا مع الشياطين ولم توضع السلاسل و الأغلال في أعناقهم!.. فيقول الملائكة: هكذا أُمِرنا أن نأتيك بهم على هذه الحالة»..

Page 9

وفي ختام خطبته رفع بكلتي يديه, السليمة والمبتورة معا, وبتهدج وضراعة وأجفان مطبقة دمدم ونحن نردد «آمين» وراءه:
ـ «اللهم نجنا من العذاب الأليم, وأجرنا واحفظنا من النار ياأرحم الراحمين»..
ويختم الدعاء بقوله مذكراً:
ـ اعلموا إنكم ميتون, وإلى ربكم لمبعوثون, وعلى أعمالكم محاسبون..
عقب انتهاء الرجل قمنا لتحيته, لا مصافحات لأن الرجل مبتور اليد طبعا, لكن (سوار) ورغم علمه بالأمر مدّ يده متظاهرا بالتواضع, وبتخابث أريب قال:
ـ جزاك الله خيرا يا شيخ!..
مدّ الرجل الطيب يده المبتورة وسط النظرات الحرجة من المصلين والغاضبة من (جبريل), فقبض عليها (سوار) مصافحا!..
وفي الخارج انفجر (جبريل):
ـ ألم تلمح يد الرجل؟!..
ـ كنت يقظا للخطبة.. سامحني!..
هدأت ثائرته, ولاح اهتمام على وجهه متسائلا:
ـ أحقا اندمجت بالخطبة؟.. ما رأيك؟.. شيخ وعلامة لا مثيل له..
ـ كلامه كالشهد!.. تأثرت به كثيرا!..
ـ الله يهديك إن شاء الله, وأنت يا (كهف)؟..
كنت قد لمحت (كهف) وهو غاف كأهل الكهف, لكنه دمدم بضجر:
ـ لا بأس..
ـ إذن نزوره مرة أخرى إن شاء الله..
غمغم (سوار) متصنعا التواضع:
ـ إن شاء الله!..
افترقنا عن (جبريل) أخيرا, فسألت (سوار) بعتاب:
ـ لم صنعت ذلك مع الرجل؟..
ـ أردت مصافحة يد مبتورة كي أجرب ذلك الشعور!..

Page 10

الفصل الرابع

فرع دكان الحلو في عجلون, حيث نسافر أحيانا إلى هناك للمساهمة في تحريك أحواله..
الفرع في جرش مكتظ كسوق عكاظ, لا يهدأ ولا يكن, لكن الأحوال أهدأ وأمتع في عجلون, حيث نلاقي (علي) معلم الكنافة المكتنز طيبة وبدنا, فيتحول العمل إلى غناء وصخب وسجائر ووجبات لا تنتهي من «قلاية البندورة» التي يجيد طهوها..
كان شابا طموحا, حلمه دكان جزارة بأحدث المعدات, لدرجة أنه اشترى منشار لحم أوتوماتيكي وضعه في مستودع صناديق الحلو ريثما يجد دكانا إيجاره مناسب..
لطالما أحببت (علي) وطيبته الساذجة قليلا, لكن حادثة طريفة وقعت لي وكان هو من شخوصها جعلتني أحبه أكثر وأشعر بأنني مدين له بحياتي!..
يقع سكن شغيلة الفرع وراء الدكان مباشرة على تل قصير, وعلى نفس الجانب لنا جارة لم أتشرف بمعرفتها إلا عن طريق (علي) وبأرعب حكاية ممكنة!.. إذ كنت يومها أتمشى على طول الرصيف أمام الدكان كي أفرغ من سيجارتي, عندما أبصرته يهرع نحوي والهلع يملأ وجهه المكتظ, توقفت مندهشا, ثم بوغت به يشدني من ذراعي حتى وارتنا جدران المحل..
لهث قبل قوله بوجه محمر:
ـ هل جننت؟.. لا تتمشى على طول الرصيف مرة أخرى!..
ـ لماذا؟..
ـ أيها التعس المحظوظ!.. كادت «أم اللوزي» تنال منك!.. ماهذه الرعونة؟..
ـ أم (اللوزي)؟.. هل هي كودية زار؟..
ـ آه لو سمعتك!.. آه!..
كانت كنية المرأة أسطورية, مثل «أم الدويس» في الإمارات, إذن لابد وأنه يتحدث عن غول شعبي في الأردن!..
لكن أم (اللوزي) شخصية حقيقية من شحم ولحم!.. إذ أشار (علي) إلى حيث يقبع باب دارها المعدني الصدئ, وهو يسرد عليّ حكايتها التي جعلت العرق يتفصد من جبيني شيئا فشيئا..
يزعم (علي) أن المرأة عاشت حياة عسكرية منذ أيام الشباب كمجندة في الكوماندوز الأردني, حيث نالت أرفع الأوسمة التي قلدها إياها الملك حسين شخصيا على خدماتها للمملكة!..
ثم كبرت على حياة الجيش فتقاعدت, وعادت إلى عجلون حيث اعتكفت في هذه الدار معتزلة الناس, بدا وكأن المجتمع قد نبذها تماما, حتى مقدم يوم ذكرته فيه بوجودها ضمنه بطريقة لم ولن تمحى عن الأذهان..
استدعت المرأة ثلاثة شبان لإعادة دهان الدار, فقاموا بالمهمة على أكمل وجه..
ولما حان ميعاد الدفع طلبت منهم المرأة التمهل ريثما تذهب إلى حجرة نومها لإحضار النقود, وعندما عادت بوغتوا بها حاملة سلاح «كلاشينكوف»!..
في تلك الليلة سمع الجيران ومن ضمنهم (علي) والشغيلة أصوات رشقات الأعيرة النارية, الشهود أكدوا أنها انبعثت من دار أم (اللوزي), وحضرت الشرطة لمحاصرة دارها, لكنها ولحسن حظهم استسلمت دون مقاومة..
اقتادوها مكبلة بالأغلال كحيوان ضار, في حين أخرج الإسعاف جثث الشبان على محفات وقد غطت بملاءات ملوثة بدمائهم!..
صحت مذعورا وأنا منصت بشغف لتلك الحكاية المرعبة:
ـ وكيف لم يعدموها؟..