eKtab
EN ع
مذكرات حاوية مخلفات
Read free sample

مذكرات حاوية مخلفات

by د. عبدالله المدني

Page 1
توطئة
 
دعوني بداية أقدم لكم نفسي·
 
أنا حاوية مخلفات (أجلكم الله) بأسماء متعددة· البعض يطلق عليّ حاوية قمامة· البعض الآخر يفضل اسم حاوية الفضلات· هناك من اختار لي اسم .برميل الزبالة. تعددت الأسماء والوظيفة واحدة· 
 
من صفاتي أني مصنوعة من الفولاذ الصلب، وأمتلك عجلات تمكنني من التحرك إلى الأمام أو الخلف أو اليمين أو اليسار، أو الاستدارة حول نفسي 180 درجة - طبعا بدفعة من أيادي البشر·
 
ما يميـّزني عن غيري من حاويات المخلفات التقليدية، هو أني أستشعر ما يدور حولي، ولدي أعين أرصدر بها ما يجري في نطاقي، ولدي آذان تصغي لما يـُقال عني وعن غيري، وأملك قلبا يحب ويكره، وجسدا يتألم ويفرح· وفوق هذا كله، فأنا مثقفة ومطلعة على التاريخ، وأستطيع أن أفهم بعض اللغات الأجنبية، وأن أقرأ وأستنتج وأحلل، وأتبين الصح من الخطأ، وأميز ما بين الصالح والطالح، والجيد والرديء، والخبيث والحميد· مشكلتي الوحيدة تكمن في أني لا أملك لسانا أدافع به عن نفسي في مواجهة من يتقصدون إيذائي واحتقاري·
 
رمتني الأقدار في البحرين لأخدم مواطنيها ومن يقيم على أرضها من مختلف الجنسيات، في احتضان مخلفاتهم اليومية· والحقيقة أني أعتبر وجودي في البحرين مكسبا لي لأنها بلد، بكل تأكيد، أفضل آلاف المرات من شقيقاتها العربيات الأخريات لجهة تسامح شعبها، وانفتاحهم الأزلي على مختلف الثقافات، وبعدهم عن التهور والتعصب الأعمى المفضي إلى العنف والاحتراب· وهي أفضل ملايين المرات، بطبيعة الحال، من بلاد كئيبة تسودها الحروب كالصومال وأفغانستان، أو تعاني من المجاعة ككوريا الشمالية أو من مظاهر التخلف والفقر كباكستان وبنغلاديش، أو صور الفلتان الأمني كالعراق· إلى ما سبق، فإن البحرين بالمقارنة بشقيقاتها الخليجيات، بلاد ذات موارد محدودة· وهذا أمر مهم لمن كان في مثل حالي ووظيفتي، لأن حجم الفضلات والمخلفات التي عليّ أن أحتضنها ستكون حتما أقل حجما وأخف وزنا، وبالتالي لن تـُثـْقل كاهلي ولن تكتم أنفاسي·
 
البحرين كما قرأتُ عنها أرخبيل من الجزر التي تبحر في مياه الخليج العربي، وتغتسل بمياهه الصافية، كما لو كانت عرائس تستعد لليلة زفافها· وهي بسبب موقها المتميز كانت على الدوام مرافىء للعشق، تلتقي وتتمازج فيها الحضارات والثقافات، الأمر الذي حولها إلى بستان للفرح والنجاح والتميز والإبداع، وإلى أفق من آفاق الحضارة الإنسانية·
 
لكن رغم كل هذه الميزات التي تتمتع بها البحرين، معطوفة على ما عرف عن أهلها من كرم وتهذيب وطيبة وكياسة، تمنيت - حالي كحال البشر الذين يتطلعون دوما إلى الأفضل - لو أن الأقدار رمتني في دولة متقدمة، من تلك التي يحرص شعبها على حاويات المخلفات، ويرأفون بحالها، ويلتزمون بما يفرضه القانون حيالها، فلا يرمون كل مخلفاتهم فيها دفعة واحدة، ولايقذفون في جوفها خليطا غير متجانس من الفضلات·
Page 2
بعبارة أدق تمنيت لو أني في اليابان، حيث لكل حاوية لون معين، وكل لون مخصص لمخلفات معينة، أو لو كنت في البلاد الاسكندنافية، حيث لا يرمي الناس فضلاتهم في حاويات المخلفات إلا في ساعات محددة، منعا من إزعاجها وإيقاظها من سباتها أو قيلولتها، وحيث درجات الحرارة متدنية فلا يتعفن ما بداخلها، أو لو كنت في سنغافورة، حيث تعاقب القوانين الصارمة كل من يسيء استخدام حاويات المخلفات في غير أغراضها المعروفة، وكل من يبصق في وجهها أو يركلها أو يصطدم بها بمركبته·
 
كان وصولي إلى البحرين في منتصف التسعينات من القرن العشرين، حينما قررت الحكومة وضع حاويات صلبة جديدة في أماكن التجمعات السكنية المتفرقة، وتعاقدت لهذا الغرض مع شركة أجنبية متخصصة، كان من مهامها أيضا إفراغ الحاويات يوميا مما يتراكم فيها، ونقلها إلى ورشة خاصة أسبوعيا أو شهريا أو سنويا - بحسب الحاجة - من أجل تنظفيها وتعقيمها بسوائل عالية الكفاءة، أو من أجل إصلاح ما قد يكون لحق بها من عطب أو ضرر·
 
كانت عملية نقلي إلى الورشة تبعث في نفسي سعادة غامرة لأسباب ثلاثة: الأول هو التخلص مما تراكم على جسدي من قاذورات وجراثيم مسببة للهرش، والثاني هو ملاقاة الحاويات الأخرى القادمات من مدن البحرين وقراها المختلفة، وتبادل الهموم والأفكار والأخبار معها عما حدث لنا، وعما ينتظرنا في القادم من الأيام، والثالث هو احتمال نقلي، بعد إتمام عملية التنظيف والتعقيم والتصليح، إلى مكان جديد قد يكون أفضل من مكاني السابق، من ناحية الشكل، ودرجة الضوضاء والازدحام، وأوزان المخلفات ونوعيتها، وطبيعة الناس المتعاملين معي·
 
فصول هذه الرواية، لئن كانت مجرد سرد لمذكرات شخصية دونتها عن رحلة الألم والمعاناة، والفرح والحبور، والسعادة والعذاب في البحرين، على مدى نحو عقدين من الزمن، فإنها في الوقت نفسه صفحات تحكي تاريخ أماكن وأزمنة وأناس وأحداث في هذا البلد، الذي قفز قفزات مشهودة سياسيا واقتصاديا وتنمويا وثقافيا، خلال السنوات التي تشرفت بالخدمة في ربوعه·
Page 3
المحطة الأولى
 
خلف شارع المعارض
 
وضعوني بادىء ذي بدء، في شارع خلفي مواز لشارع المعارض التجاري في قلب العاصمة (المنامة)، أمام عمارة سكنية صغيرة مكونة من دور واحد يضم شقتين فقط·
 
حمدتُ الله على هذه النعمة، تعويلا على أن ما سيستقبله جوفي يوميا هو كم متواضع من المخلفات، طالما أنّ في المبنى أسرتين فقط·· هذا قبل أن أكتشف سريعا أني مخصص لمخلفات كل الأبنية والمنازل المجاورة·
 
من بين المنازل المجاورة، كان هناك منزل تقطنه أسرة بحرينية هادئة من الطبقة الوسطى· مشكلة هذه الأسرة معي لم تكمن في ما ترميها في جوفي يوميا من فضلات طبخاتها البحرينية الشهية، وإنما في تربيتها للدجاج والديوك· ديوكها كانت تستيقظ مبكرا جدا لتطلق صياحا عاليا غريبا يتردد صداه في زوايا الحي كلها· مع تلك الأصوات كنت أفقد متعة النوم والاسترخاء· لم يكن باستطاعتي الشكوى لدى السلطات البلدية، والاحتجاج لديها بأن تربية الدواجن مكانها الأرياف والقرى، وليس أحياء العاصمة التجارية أو ضواحيها السكنية الفاخرة·
 
كان سكان العمارة السكنية الصغيرة، التي وضعوني أمامها مباشرة، غاية في الرقة والكرم معي· مخلفاتهم انحصرت في القليل من بقايا الأطعمة المحفوظة، لكن الكثير من علب وزجاجات المشروبات الروحية الفارغة· توقعتُ أن سكان إحدى الشقتين هم من العزاب المحبين للهو، وإقامة السهرات الليلية الصاخبة مع أصدقائهم وصديقاتهم· تيقنت من ذلك لاحقا، حينما كانت مجاميع الشباب والشابات تكرر الدخول والخروج من المبنى طوال ساعات الليل، للمشاركة في سهرات تمتد إلى ساعات الفجر الأولى، بمصاحبة الموسيقى الراقصة العربية والأجنبية·
 
رغم تذمري من تلك الموسيقى وحركة الدخول والخروج المتواصلة، فإني تعودت عليها مع مرور الأيام، وصارت لا تشكل لي صداعا، لا سـيما وأن صاحب الشقة المعنية .يوسف.، الموظف الكبير في أحد بنوك .الأوف شور.، بحسب ما سمعتْ، كان غاية في الأدب والكياسة· كان حريصا على أن يركن سيارته بجواري برفق وانتباه· كان يفعل المستحيل كي يتحاشى الاصطدام بي· وهو ما لم يكن حريصا عليه بعض أصدقائه وزواره الخليجيين ممن قاسيت منهم الأمرين في أوقات قدومهم ومغادرتهم· كان هؤلاء يزاحمونني على مكاني ركلا بالأرجل أو دفعا بالقبضات· كان بعضهم يبصق على وجهي دون سبب· الأسوأ من ذلك أن قلة منهم كانت تخرج من شقة .يوسف. بعد ملء جوفها بالخمور والأطعمة الشهية، فتفرغ ما في داخلها على صدري المكشوف·
 
كان ليوسف خليلة أجنبية حسناء تدعى .پاميلا. هكذا سمعتُ أحدهم يناديها· كانت تأتي يوميا لملاقاته، وتقضي معه ساعات طويلة· أحيانا كانت لا تغادر إلا في صبيحة اليوم التالي· لكنها كانت في أحايين أخرى تغيب لفترات تمتد ما بين 5 إلى 10 أيام، كنت فيها أفتقد طلتها البهية، ووجهها الصبوح، وقوامها الممشوق، وعطرها الباريسي النفـّاذ، رغم أن العطور كانت تصيبني بالدوار لعدم انسجامها مع رائحتي العفنة· الأهم من كل هذا هو أني كنت أفتقد أنينها الناجم عن ممارسة الجنس مع .يوسف. في ساعات الصباح الأولى، وتأوهاتها لحظة بلوغها ذروة النشوة الجنسية· عرفتُ أن الكثيرين من أبناء الجيران المراهقين يتلذذون مثلي بتلك التأوهات، ويحرصون على سماعها وسط هدأة الليل، ويطربون لها، وربما مارسوا .العادة السرية. على وقعها·
 
اكتشفتُ بعد مدة من الزمن أن سبب غياب .پاميلا. هو عملها كمضيفة طيران في شركة .طيران الخليج.، وبالتالي اضطرارها إلى السفر المتكرر من بلد إلى بلد ضمن طواقم الخدمة الجوية· اكتشفتُ أيضا أن .يوسف. غير مبالٍ بتكرر سفر خليلته، بل يتمنى لو يطول غيابها كي يقوم بمغامرات عاطفية مع فتيات أجنبيات أخريات· كان لا يعود إلى شقته مساء إلا ومعه في كل مرة فتاة جديدة· كانت كل واحدة أجمل من التي سبقتها· لم أتمكن من الاطلاع على الأسلوب الذي كان يستخدمه في الإيقاع بهن· كنت أتساءل بيني وبين نفسي: أهو المال أم الوسامة أم الثقافة الواسعة أم .خفة الدم. أم كل هذه الأشياء مجتمعة؟ 
Page 4
كنت أشفق كثيرا على .پاميلا. التي لم تكن تعلم بما يجري من وراء ظهرها· كانت مخدوعة بحبيبها، أو ربما كانت تدري بخيانته، ولكن لا تملك الجرأة الكافية لمواجهته، بفعل العشق الذي قيل إنه يحول الإنسان إلى كائن ذليل ومـُستـَعـْبـَد، كما كان حال قيس بن الملوح مع ليلى العامرية·
 
ذات مرة كنتُ شاهدة على واقعة كادت أن تقلع قصة حبهما من جذورها· عاد .يوسف. إلى شقته في الساعة السابعة إلا خمس دقائق مساء، وبمعيته فتاة غربية صغيرة الحجم، قصيرة القامة، ذهبية الشعر، زرقاء العينين، تبدو للناظر كصبية لم تبلغ سن الرشد بعد· دلفا بسرعة إلى العمارة، وانطلقا يجريان نحو الشقة وأيديهما متشابكة· رحتُ أتخيل ما سيفعله .يوسف. بهذه الصغيرة، التي يمكن حملها و.شقلبتها. وممارسة الجنس معها بمختلف الأوضاع· بعد وصولهما بخمس دقائق فقط وصلتْ .پاميلا. من المطار رأسا، بملابس عملها المميزة، وهي في شوق للارتماء في أحضان خليلها· هكذا بدتْ لي من إاتسامتها المشرقة، ولمعان عينيها، وسرعة خطواتها، واندفاعها نحو شقة .يوسف.
 
لكن المسكينة عادت أدراجها بعد عشر دقائق من الانتظار أمام الباب وقرع جرسه··· عادت ودموعها تنساب ساخنة على خدها الوردي، والشعاع المنكسر على أحجار عقدها تحاول أن تتوارى حزنا لحزنها، وتضامنا مع عذابها· كم هو صعب أن تختنق الفرحة في داخل المرء فجأة!
 
توقعتُ أنّ .يوسف. تحاشى فتح الباب لـ .پاميلا. كيلا ينفضح أمره، مؤجلا الالتقاء بها إلى حين اختلاق كذبة تخرجه من ورطته، خصوصا وأن .پاميلا. تأكدتْ من وجوده داخل الشقة، مستدلة بسيارته .الپورش. الحمراء الواقفة أمام المبنى·
 
وهذا ما كان؛ إذْ لم تمض عشر دقائق على انصراف .پاميلا.، إلا و.يوسف. يخرج من جحره متلفتا يمنة ويسرة، خوفا من أن تكون حبيبته مختبئة في مكان ما لاصطياده بالجرم المشهود· حينما تأكد من أن الطريق إلى الخارج سالك وآمن، أشار إلى فتاته قائلا: .أليه·· بوجيه فيت·· إيل نياپا كون بيرسون. (هيا·· تحركي بسرعة·· لا يوجد أحد)· علمتُ حينها أن فتاته الجديدة فرنسية، وأنه يستعجلها لتلحق به إلى سيارته كي يرميها بعيدا·
 
في هذه الأثناء كانت عبقريته قد تفتقتْ عن كذبة ذكية يعيد بها الصفاء إلى علاقته مع .پاميلا.، التي بدتْ لي متساهلة كثيرا معه، أو مستضعفة إلى الحد الذي يمكن معه أن تقبل بأي تبرير لأي خطأ من حبيبها·
 
من الذكريات التي لن أنساها، خلال فترة خدمتي في هذا الحي، تربص أحد رجال الدين المتزمتين بصديقي .يوسف. كان هذا المتزمت يدير مركزا دعويا ملاصقا لمكان إقامة الأخير، بل ويقيم بداخله مع جماعة من رفاقه الملتحين، من ذوي .الدشاديش. القصيرة والوجوه المكفهـّرة· بدا لي أنه مستاء جدا مما يقيمه .يوسف. من حفلات مختلطة حتى ساعات الفجر الأولى، فقرر أن يؤذيه، دون رادع أو خوف أو اعتراف بمبدأ أن .الناس أحرار في ما يختارونه لأنفسهم طالما أنهم لا يتعدون على حريات الآخرين وخياراتهم. ذات يوم سـبق الرجل شمس الصباح في الاستيقاظ·· رأيته يتسلل في جنح الظلام نحو مكان وقوف سيارة .يوسف. وضع بإحكام تحت عجلاتها الأربع مسامير حادة· بعده دلف إلى داخل مركزه· خرج بعد لحيظات وقطرات الماء تسقط من وجهه ولحيته الكثة· توجه صوب المسجد القريب لأداء صلاة الفجر جماعة، وكأنه لم يرتكب جرما بحق جاره· شعرتُ بغيظ شديد يأسر جوانحي من هذا المتهور، الذي يرتدي ملابس الإنسان التقي الورع، ويدّعي الالتزام بالدين، فيما هو يخالف أبسط مفاهيم الدين وهو .كف الأذى عن الجار. وددتُ حينها لو كان لي لسان ينطق لأخبر .يوسف. عمن حاول إتلاف إطارات سيارته· وددتُ لو كان باستطاعتي الذهاب إلى مركز شرطة .الحورة. القريب لتسجيل إفادتي عن الحادثة· وددتُ لو كان لي لسان لأصيح في وجه رجل الدين المتهور بالقول المأثور لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب .ليس حق الجوار كف الأذى·· بل وأيضا الصبر على الأذى.، إنْ كان هناك أذى·
Page 5
من المشاهد التي كنتُ أصبحُ عليها كل يوم، منظر شاب مراهق لم يتجاوز العشرين من عمره· اعتاد هذا أن يأتي من الشمال متجها نحو الجنوب في خط مستقيم لا ميلان أو انحراف فيه· كان يمر بجواري في التاسعة تماما وهو يحمل فوق كتفه حمامة· لم أتمكن من معرفة سره، أو الوجهة التي يقصدها في كل صباح، أو سر تباهيه بطائره الذي لم يكن متميزا أو من أصناف الحمام النادر· قلت لنفسي بعد أن أعيتني الحيلة: .طالما أنه يسير في طريقه دون أن يزعج أحدا أو يتسبب في مشكلة ما، فما شأنكِ به، ولم تقحمي نفسكِ بأمره.!
 
يقول المصريون في أمثالهم الشعبية .ياما تحت السواهي دواهي. هذا المثل انطبق على صاحبنا الشاب! فحمامته لم تكن عادية، وإنْ بدتْ كذلك، وإنما كانت من النوع الزاجل· كان الغرض من مجيئه إلى الحي يوميا هو من أجل إرسال رسائل الحب والشوق والهيام إلى ابنة الأسرة البحرينية، التي كثيرا ما أزعجتني أصوات دجاجها وديوكها في الفجر· بدا أن الشاب متيم بالفتاة، وأن الأخيرة متيمة به أيضا، لكنهما عاجزان عن التواصل مع بعضهما البعض بالطرق العادية، بسبب النزعة المحافظة لأسرة الفتاة· علمتُ ذلك من تبادل الطرفين لإشارات صامتة بعضهما بين بيعض، ذات يوم· من تلك الإشارات علمتُ أيضا أن منزل الأسرة يخلو من هاتف أرضي، دعك من الهواتف النقالة التي اقتصرت وقتذاك على نوع ثقيل يشبه الطوب، وكان اقتناؤه مصدر تفاخر وترف·
 
أثناء متابعتي للشاب المراهق المتيم بالفتاة البحرينية وقعتْ عيناي على مشهد آخر مثير· في أرض فضاء غير بعيدة عني، كانت هناك دكان تتوسطها، دون أن تكون فوقها أو بجوارها أية أبنية أخرى وكأنها أقيمت لغرض ما قبل صرف النظر عنه· كانت الدكان تعلوها يافطة كُتب فوقها بخط رديء ( محل الدوبي بابو. (الدوبي مفردة هندية تستخدم في البحرينية الدارجة للإشارة إلى كل من يمتهن غسل الملابس وكيـّها)· كان .بابو. هذا هنديا أسمر البشرة في الثلاثينات من عمره· كان يصحو مبكرا ويعمل بجد وكد منذ ساعات الصباح الأولى حتى ساعات متأخرة من الليل، في غسل الملابس وكيـّها وطيـّها وتغليفها بأغلفة بلاستيكية شفافة، قبل تعليقها بانتظار قدوم أصحابها· خصّص .بابو. لنفسه داخل دكانه مساحة صغيرة للإقامة والطهي، مطبقا بذلك ما يفعله كل أقرانه من الوافدين الهنود، الذين يقتصدون في نفقاتهم إلى أقصى حد، كي يوفروا أكبر قدر من الأموال لإرسالها إلى ذويهم في الوطن البعيد·
 
فجأة ظهرت في حياة .بابو. امرأة عشرينية جميلة من جنسيته! دونما تفكير قلت لنفسي: يبدو أن .بابو. هذا ليس سهلا، وأنه يمتلك مواهب خارقة في اصطياد النساء وإغوائهن وإيقاعهن في شباكه· لكن توقعي لم يكن في مكانه· فالمرأة ظلت على مدى أيام وأشهر تقيم في الدكان ولا تبارحه، بل صارت تشارك .بابو. العمل وتطبخ له طعامه الهندي التقليدي· تبين لي مع مرور الأيام أني ظلمت الرجل وتسرعتُ في الحكم عليه! فالمرأة التي حسبتها صيدا ثمينا لم تكن سوى زوجته التي أتى بها من وطنه بموجب تأشيرة زيارة قانونية· ولأن تأشيرات الزيارة عادة ما تكون قصيرة ومحدودة بأشهر معدودة، فإن صاحبنا لم يكن يترك أدنى فرصة إلا ويختلي بها ويفترسها جنسيا· كنت أصغي لتأوهاتهما وهما في مخدعهما الكئيب محدود المساحة، فأطلق العيان لمخيلتي كي تتصور ما يفعلانه· كان إغلاق .بابو. لباب دكانه فجأة إشارة لبدء العملية الجنسية· وكان خروجها وجلوسها تحت أشعة الشمس، فوق كرسي خشبي أمام الدكان لتجفيف شعرها الأسود الفاحم، وتمشيطه وتزييته بالزيوت الهندية التقليدية الفواحة، إشارة إلى إتمام العملية الجنسية بنجاح، وقيامها بالاستحمام· عملية تجفيف الشعر وتمشيطه وتزييته كانت تأخذ وقتا طويلا، كان المارة أثناءها يحدقون في زوجة .بابو. ويتساءلون عن هويتها، وأسباب وجودها أمام دكان رجل عرفوه على الدوام عازبا يعيش بمفرده، ويتجنب المشاكل والقيل والقال·
 
فجأة اختفت المرأة من المشهد، فتيقنتُ أن مدة زيارتها لزوجها قد انتهت، وأنها اضطرت أنْ تفارقه وهي لا تعلم متى ستلقاه مجددا·· عاماً··عامين··أو أكثر· بعد رحيلها بفترة قصيرة غاب .بابو. أيضا عن المشهد· لقد قرر صاحب الأرض الفضاء أن يبني فوقها مجمعا سكنيا ضخما، فلم يكن أمام .بابو. المسكين سوى الرضوخ والإذعان لأمر الإجلاء الإجباري وتوديع دكانه، بل الحي كله· 
Page 6
المحطة الثانية
 
شارع الزبارة
 
بعد عامين قضيتهما في محطتي الأولى تمّ سحبي فجأة إلى ورشة الشركة المالكة، من أجل إخضاعي لعملية الاستحمام والتعقيم الدورية· هناك التقيتُ بالعديد من حاويات القمامة من مختلف مدن البلاد وقراها· كان بعضها يشتكي من تعسف سكان مناطقه في التعامل معه· البعض الآخر كان سعيدا كونه يخدم في مناطق راقية ذات سكان متمدنين، وعلى قدر كبير من الثقافة·
 
بعد أنْ غسلوا بدني بالصابون والمطهرات والمياه الساخنة، وأزالوا عنه كما كبيرا من الجراثيم والميكروبات والأوساخ الجافة الملتصقة، نقلوني مع حاويات قمامة أخرى في شاحنة كبيرة لإعادة توزيعنا في مناطق البلاد المختلفة·
 
حينما وصلتْ الشاحنة إلى منطقة شارع المعارض، لاحظتُ أنها انحرفتْ بعيدا عن مكاني السابق· هنا بدأ قلبي في الخفقان السريع· أصابني الهلع والاضطراب· خفتُ أن يـُلقى بي في موقع كئيب أو مزعج· قلت لنفسي لمَ العجلة؟ انتظري بضع دقائق وسيتبين لكِ الأمر·
 
لم يمض وقت طويل إلا وأنا مُلقى في وسط شارع الزبارة، في موقع غير بعيد عن موقعي السابق، لكن هيهات أن تقع أنظاري على .يوسف. المهذب أو .پاميلا. الرقيقة بعد اليوم، فهما، كما توقعت، يسلكان دوما في تنقلاتهما طريقا لا يمر بشارع الزبارة·
 
شارع الزبارة يـُعتبر الحد الفاصل ما بين منطقتي .القضيبية. و.الحورة. في المنامة· هو شارع طويل نسبيا يبدأ من منتصف شارع المعارض شرقا، وصولا إلى تقاطعه مع شارع القصر (نسبة إلى قصر الشيخ حمد المخصص لاستضافة كبار زوار البلاد من القادة والزعماء الأجانب) غربا، قبل أن يواصل سيره في اتجاه الغرب، إلى منطقة تتلاصق فيها مقابر الطائفة الجعفرية ومقابر اليهود والنصارى، مجسدة بذلك مدى تمتع البحرينيين بروح التسامح الديني وتجاوز الاختلافات الثقافية منذ الأزل، ثم وصولا إلى حيث يقع .فندق الشرق الأوسط.، أحد اوائل فنادق البحرين الفخمة (بمعايير الستينات)، والذي كان مكانا لإقامة الطواقم الجوية التابعة لشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية (MEA)· تلك الشركة التي كانت هي و.شركة الخطوط الجوية البريطانية لما وراء البحار (BOAC) من أوائل الشركات الأجنبية التي دشنت خطوطا جوية تربط البحرين بالعالم الخارجي·
 
أما .الحورة. لمن لا يعرفها فهي منطقة كانت يوما ما مهد الحركة اليسارية والنقابية البحرينية، مثلما كانت إمتداداتها الشمالية والشمالية الشـرقية مهد الحركات القومية، زمن الوجود البريطاني في البحرين، والذي انتهى رسميا باستقلال البلاد عام 1791· ومن هنا فإن أبرز مثقفي البحرين وأدبائها ورموزها النقابية ونشطائها السياسيين هم من أبناء هذه المنطقة أو امتداداتها في فرجان (أحياء) .الفاضل. و.العوضية. و.رأس رمان. و.بن سـوار.، و.الـذواودة.، و.الدوخي.، ومن خريجي مدارسها السياسية والثقافية، التي لئن كانت مؤدلجة وقتذاك بفعل ظروف المد القومي والحرب الباردة، فإنها لم تكن منقسمة طائفيا كما حدث لاحقا بسبب ما سُـمي بـ .الصحوة الإسلامية. من جهة، وتصدير أفكار الثورة الإسلامية المذهبية في إيران من جهة أخرى·
Page 7
المبدأ القائل .إن دوام الحال من المحال. ينطبق على .الحورة. فمع تطور الأحوال الاقتصادية في السبعينات، هجرها معظم سكانها الأصليين إلى مناطق جديدة أكثر رحابة وفسحة، تاركين بيوت .الحورة. القديمة وأكواخها المتواضعة وأزقتها التقليدية الضيقة؛ لتكون سكنا للعمالة الآسيوية من هنود وباكستانيين وفلبينيين وتايلانديين وبنغاليين· في فترة لاحقة، حينما تسارعت وتيرة العمران والحركة التجارية، تحولت .الحورة. وضواحيها، من منطقة ذات بساتين تداعب أمواج البحر، إلى منطقة تجارية تصطف على جانبي شوارعها المسفلتة مئات المحال التجارية من تلك التي تبيع كل شيء، ابتداء من الخضار والفواكه والمواد الغذائية والأسماك واللحوم والحلويات وخبز التنور الساخن، وانتهاء ببيع مواد البناء والصيانة والأجهزة الكهربائية والهواتف النقالة والكماليات الرخيصة، من عطور وملابس وساعات ونظارات وحقائب وغيرها· بل انتشرت على جانبي الشارعين، أيضا، محال متخصصة في تقديم مختلف الخدمات، مثل خياطة الثياب العربية وبيع مكملاتها، وتنظيف الملابس بالبخار، وتصليح الأحذية، وتدليك الأبدان وفق الطريقة التايلاندية، وقص الشعر، وحجز الرحلات الجوية، وتأجير السيارات، وشحن الأمتعة إلى الخارج، وإصلاح المركبات، والتقاط الصور وتحميضها، ناهيك عن خدمة تخليص المعاملات الحكومية، وترتيب الصفقات العقارية من تأجير وبيع وتسجيل·
 
استشعرتُ مبكرا، والحالة هذه، أن تكون وطأة العمل عليّ ثقيلة· استشعرتُ أن ما سوف يـُقذف في جوفي سيكون حتما خليطا غريبا من بقايا أطعمة الهنود والباكستانيين اللاذعة، أو من فضلات أطعمة الفلبينيين ذات الرائحة المنفرة· توقعتُ أن تلك الأطعمة لا بد وأن تجذبْ القطط والفئران والحشرات فتتسلق على جسدي أو تحوم حول رأسي، مسببة لي الخدوش والجروح· توقعتُ أيضا أن وجودي قريبا من المحال التجارية سوف يحملني أوزانا مضاعفة من .الكراتـين. الورقية، وأغلفة البضائع، والعلب الفارغة، وبما سيكتم أنفاسي ويمنع حصولي على القدر اللازم من الأوكسجين للتنفس، خصوصا في فصل الصيف الملتهب· توقعتُ أن تكثر حالات اصطدام المركبات بي من الخلف أو الأمام، طالما أن الشارع مزدحم على مدار الساعة، وذو مساحات محدودة لإيقاف السيارات·
 
كل ما توقعته واستشعرتُ به مبكرا حدث، بل حدث ما هو أسوأ وأمرّ، وهو ما جعلني أتحسر وأبكي على أيامي الجميلة أمام شقة .يوسف. كنتُ في شوق غريب لمعرفة ما آلت إليه علاقته مع الجميلة .پاميلا.، وعما إذا كانا سيقترنان ويكّونان أسرة سعيدة· همستُ لنفسي قائلة: انتظري! فقد يحتاجان ذات يوم لخدمة من الخدمات التي تقدمها محلات شارع الزبارة، فيمران بمحاذاتكِ، وتمتعين أنظاركِ برؤيتهما· هذا ما حدث بالفعل بعد مرور نحو عام من وجودي في .الحورة. رأيتُ .يوسف. بعد عصر يوم شتوي بارد يركن سيارته الألمانية الحمراء أمام متجر لبيع قفازات اليد الصوفية، خرجتْ منها .پاميلا. حاملة فوق ذراعها طفلة جميلة· هنا أدركتُ أنهما تزوجا وأنجبا· أدركتُ أن .يوسف. قد وضع حدا لحياة اللهو والمجون السابقة· وددتُ ساعتئذ أن أفرد ذراعيّ لهما لاحتضانهما وتقبيل طفلتهما· غير أني تراجعتُ لما أدركت استحالة قبولهما - أو قبول أي إنسان - بالارتماء في أحضان حاوية مخلفات تعلوها القذارة، وتنبعث منها الروائح الكريهة·
 
كان موقعي في شارع الزبارة أمام محل متخصص في أعمال السباكة، لكن صاحبه .عبدالرحيم. كان إنسانا كسولا· من علامات كسله أنه كان لا يفتح دكانه في مواعيد محددة، وإنما وفقا لمزاجه· فإذا ما فتحه لا يزاول أي عمل، ويكتفي بالجلوس ومراقبة المارة، مع احتساء مشروب غازي بارد· الأسوأ من ذلك أنه لم يكن يتجاوب مع من يأتيه طلبا لخدمة من خدماته، بل يرشده إلى أناس آخرين يعملون في المجال نفسه· حاولتُ أن أجد تفسيرا لممارسات .عبدالرحيم. الغريبة هذه، فلم أهتد إلى شيء سوى أنه استأجر دكانه فقط من أجل أن يبدو كرجال الأعمال أمام الآخرين، وينفي عن نفسه وصمة البطالة·
Page 8
ما صبـّرني على حالتي البائسة، وخفف عليّ متاعبي في شارع الزبارة أمران كانا بمثابة تسليتي اليومية!
 
الأول هو أني كنت أستمتع بـرؤية المارة من الجنس الناعم، اللواتي كن لا يتوقفن طيلة النهار عن المرور بمحاذاتي، ولا سيما الفلبينيات والتايلانديات منهن، بأجسامهن الصغيرة، وبشراتهن الملساء، وشعورهن الناعمة الطويلة، وقسماتهن المتشابهة· من هؤلاء، كانت الوحيدة التي سلبتْ عقلي وزلزلتْ كياني صبية كانت تعمل في محل للتصوير بجانب موقعي· هذه الفلبينية العشرينية لم تكن على قدر كبير من جمال الوجه، غير أن قوامها الممشوق، وخلفيتها المستديرة البارزة المشدودة داخل بنطال .الجينز. الأزرق، وطريقة سيرها المشابهة لمشية أنثى الحمام، كانت تسلب الألباب، وخصوصا حينما كانت تتعجل الخطى، فيهتز نهداها الصغيران يمنة ويسرة أو علوا وانخفاضا·
 
أما الأمر الثاني فقد تمثل في مزاولتي لهواية .البحلقة. اليومية في المتسوقات الهنديات والباكستانيات، اللواتي كن يجذبن أنظاري ويحركن غرائزي بسراويلهن البنجابية الملونة، أو بالساري التقليدي الكاشف عن خصورهن، أو بأريج الياسمين المنبعث من أجسادهن البرونزية، أو بروائح زيت النخيل المنبعثة من شعورهن السوداء الفاحمة·
 
المارة الإناث من الجنسيات الإفريقية كالأثيوبية والأريترية لم أكن ألقي لهن بالا، ليس لأسباب عنصرية، وإنما لأسباب تتعلق بذوقي الشخصي في النساء· لكنهن كن مصدر اهتمام وتركيز، بل ومطاردة أيضا، من قبل بعض مرتادي الشارع ممن كانت تستهويهم البشرة الداكنة، والأرداف الضخمة المسجونة داخل ملابس ضيقة تبرز أدق تفاصيل الجسد· غير أن تلك الملابس الضيقة اللافتة للنظر والمستجدية للبحلقة، كانت تتوارى لصالح ملابس بيضاء فضفاضة في أيام الآحاد، حينما كن صاحباتها يخرجن في جماعات للصلاة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية·
 
لا أتذكر أني لمحتُ في شارع الزبارة متسوقات من البحرين أو الدول الخليجية المجاورة إلا في ما ندر، هؤلاء لم تكن بضائع هذا الشارع تغريهن، لذا كانت وجهتهن المفضلة هي المجمعات التجارية الفاخرة في ضاحية .السيف. الحديثة·
 
تسليتي الأخرى تمثلت في مراقبة ما يجري في مقهى شعبي مواجه لدكان .عبدالرحيم. في التنصت على ما يتفوه به رواده من آراء وقفشات وأخبار وسفسطة سياسية· كان المقهى، الذي اختار له صاحبه اسم .مقهى أيام الغوص.، فبدا اسماً على غير مسمى يقدم الشيشة والقهوة والشاي والعصائر· كان يتيح أيضا لزبائنه الإستمتاع بلعبتي الطاولة والدومينو، ومشاهدة برامج القنوات الفضائية الأجنبية؛ لذا كان المكان يزدحم طوال اليوم بالرواد من مختلف الشرائح المذهبية والطبقات الاجتماعية والمدارس السياسية، وإن كانت الغلبة لفئة المتقاعدين والعاطلين والمتسربين من دوامهم الحكومي، والمتعاملين في بيع العقارات·
 
من خلال هذا المقهى تعرفت على نماذج بشرية متنوعة، فاطلعتُ من خلالها على معلومات جديدة عن البحرين وما كان يجري فيها من تطورات·
 
تعرفتُ أولا على .بوجعفر. السبعيني، الذي كان يأتي مبكرا في صبيحة كل يوم، بجسم نحيل ووجه شاحب وخطى متثاقلة، بسبب تقدمه في العمر، وإصابته بقائمة من أمراض العصر المنتشرة· لم يكن تبكيره في المجيء إلا بداعي احتلال طاولة مركزية داخل المقهى، ليمارس من فوقها هواية تحدي الآخرين في لعبة الدومينو السخيفة·· اللعبة التي لا تجلب أحجارها سوى الصداع والأصوات المزعجة، خصوصا عندما تستبد بلاعبيها الحماسة والنشوة· لاحقا تبين لي أن .بوجعفر. هذا هو من البقايا المهمشة في الحركة اليسارية البحرينية، ممن لم يتوقفوا عن الجدال حول .الأممية الماركسية. و.قيادة الفلح والعمال لحركة التغيير في المجتمعات. حتى بعد أن تفتت الاتحاد السوفيتي وانهارت الأنظمة الدائرة في فلكه· فوق ذلك، اكتشفتُ أن .بوجعفر. هذا إنسان متعصب لطائفته المذهبية· فعلى حين أن ماركسيته المزعومة كان من المفترض أن تقتل في داخله النفس الطائفي أو تحجمها، فإن ما حدث هو العكس؛ إذ تفوق النفس المذهبي على الوطني والأممي معا· كان دائم التأفف من سياسات الدولة· إعتاد أن يشكك في كل ما تقوم به الحكومة ويصفه بأنه تمييز ضد طائفته· اعتاد أيضا أن يرسل إشارات مبطنة توحي بسخريته من قراء صحيفة يومية معينة، متهما إياهم بموالاة النظام، وإشارات أخرى توحي بسروره من كل من كان يقرأ الصحيفة اليومية الناطقة باسم المعارضة الطائفية·
 
ثم تعرفتُ على .بوأحمد. الذي كان هو الآخر يبكر في المجيء، لكن من أجل غرض آخر هو الحصول على مقعد منزو في مكان هادئ على ناصية الشارع· كان .بوأحمد. على خلاف الآخرين، يرتدي ملابس إفرنجية ثمينة، وتفوح منه روائح عطور باريسية شهيرة، ويقود سيارة فاخرة، الأمر الذي استنتجتُ معه أنه كان ذات يوم يحتل منصبا كبيرا في جهاز من أجهزة الدولة أو القطاع الخاص، وما تردده على هذا المقهى الشعبي المتواضع إلا من باب التخلص من الملل والضجر المصاحبين للتقاعد المبكر· بدا لي أيضا أن الرجل من ذوي الثقافة العالية والحرص على الاستزادة من المعارف· كان ينكب بمجرد وصوله إلى المقهى على قراءة مجموعة منتقاة من الصحف المحلية والعربية والأجنبية، فإذا ما فرغ منها استل من جيبه قلما وورقة ليكتب ويعدل وينسخ حتى حلول ساعة الظهيرة، وكأنه بصدد إعداد بحث أكاديمي أو كتابة مقال صحفي أو تأليف رواية مثلا·
Page 9
أقرب رواد المقهى شبها في تصرفاته بـ .بوأحمد. كان شاب ثلاثيني يُدعى .بوطلال.، لكن هذا كان يُفضل الجلوس داخل المقهى وسط الأدخنة الكثيفة، وينكب على قراءة الصحف والكتب من خلال جهاز .اللاب توب. الخاص به، أو يستمع إلى أغانيه المفضلة المُخزنة داخل جهازه، أو يدون ملاحظاته وخواطره مباشرة بالضغط على .الكي بورد. سألت نفسي .ما الذي يا ترى يمنع بو أحمد من التشبه بـ.بوطلال. لجهة وسيلتي القراءة والكتابة، فيوفر على نفسه الجهد والوقت الضائع في إفراد الصحف وتقليب صفحاتها وإعادة ترتيبها، أو في الكتابة اليدوية والتصحيح وإعادة النسخ· لكني سرعان ما تداركت تساؤلي الغبي لأقول: .إنه الفرق ما بين جيلين، عاشا في حقبتين مختلفتين من الزمن، فتطبع كل منهما بملامح حقبته، وتعوّد على الدارج والشائع فيهما.
 
من رواد المقهى الآخرين، كان هناك شخص ذو نظارات سميكة، وخطى بطيئة، وشوارب كثة، وأسنان اصطناعية تتوسطها واحدة ذهبية· هذا الذي كان يـُكنـّى بـ .بو غسان.، وتجاوز الخامسة والسبعين من عمره، اعتاد أن يتخذ من المقهى مكتبا مجانيا لإدارة أعماله والالتقاء بعملائه في مجال بيع العقارات وشرائها· كان يغيظني ببخله الشديد، فهو لم يكن يشترى من المقهى سوى كوب واحد من الشاي· أما صحف الصباح فلم يكن يدفع فيها فلسا واحدا ؛لأنه كان يستعيرها من .بوأحمد. ليعيدها بعد دقائق عدة من دون ترتيب، قائلا عبارته المكررة .ما فيها شيء يطيـّب الخاطر.، وذلك في إشارة مبطنة إلى عدم وجود أخبار مفرحة حول زيادة رواتب المتقاعدين أو توزيع الحكومة لمكرمات أو إعانات على المواطنين·
 
ومن بخلاء المقهى الآخرين، لكن من أكثر رواده ظرفا وتقبلا للمزاح، تعرفت على .بوفهد. الذي كان يمتهن وظيفة الوسيط العقاري، من بعد سنوات طويلة قضاها كموظف في شركة نفط البحرين (بابكو)، التي لم يستفد منها سوى إجادة اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة· كان .بوفهد. لا ينفق في المقهى سوى 300 فلس يوميا (أقل من دولار أمريكي) كثمن لكوبين من الشاي أحدهما بالحليب، حتى قيل أنه يوفر المال صباحا كي يصرفه مساء في احتساء الخمور داخل إحدى الحانات الواقعة في المنطقة· فالرجل، رغم تقدمه في السن، إلا أنه كان من الجيل القديم المحب للحياة واللهو والمتعة، والذي عُرف أفراده في البحرين والخليج بـاسم .الإزْكرتية. اتفاقا مع هذه الصفة كان .بوفهد. يحرص على الجلوس خارج المقهى من أجل .البحلقة. في النساء الهنديات· فما إن تمر إحداهن أمامه حتى تنفرج أساريره، ويطلق زفرة حائرة مصحوبة بعبارة .آيابااااااا.، التي تستعمل في البحرين والخليج للتعبير عن الإعجاب المقترن برغبة الاستحواذ·
 
كان .بوفهد. لا يكتفي بذلك، بل يستخدمه كمدخل لسرد حكاياته الشخصية ومغامراته الجنسية مع حسناوات الهند وعاهراتها في أحياء .كولابا. و.فارس رود. و.بندره. في مدينة بومباي، التي يسميها الخليجيون .بـَمـْبـَي.، وذلك عندما كان شابا يعمل على ظهر المراكب الشراعية التقليدية في رحلات الغوص وصيد اللؤلؤ وتسويقه، في سوق اللؤلؤ الكبيرة في بومباي، المعروفة باسم .موتي بازار.، قبل أن تبور تجارة اللؤلؤ الطبيعي في ثلاثينات القرن العشرين كنتيجة لظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني وانتشاره، ويصبح هذا النشاط ورجالاته شيئا من التاريخ المنسي·
 
هكذا أصبح جميع مرتادي المقهى على علم بصولات .بوفهد. وجولاته في بلاد الهند والسند، فصاروا يتعمدون مشاغبته ونكشه من خاصرته، بمجرد مرور امرأة هندية أو باكستانية أو بنغالية، سواء أكانت جميلة أو قبيحة، ليستدرجوه نحو الإفصاح عن المزيد مما تختزنه ذاكرته من حكايات وقصص عن زمنه الجميل في بومباي·
Page 10
أحد أكثر من كان يتعمد مشاغبة .بوفهد. ويناديه باسم .الزجّوبي.(بضم الزاء وتشديد الجيم، مع نطقها بالطريقة المصرية)، وهي كلمة تطلق على الشخص .النسونجي. أو الباحث باستمرار، وبأي طريقة عن المتعة الجنسية، هو صاحب المقهى، .بوبراهيم. الغريب أن .بـوبراهيم. - بحسب ما التقطته أذناي - كان هو نفسه صاحب صولات وجولات ومغامرات نسائية مماثلة، لكن ليس في .فارس رود. الهندية وشبيهاتها، وإنما في منطقة .مابيني. الفلبينية، وفي منطقة .پادپونغ. التايلاندية؛ لذا كان الجميع ينتظرون ردود أفعاله حينما تمر فتاة فلبينية أو تايلاندية صغيرة من أمام المقهى· كان هو بدوره لا يخذلهم؛ فيسمعهم الآهات والزفرات، بل ويمضي واصفاً شيئا من ميزاتهن في الفراش· هنا كان يأتي دور .بوفهد. ليرد له الصاع صاعين، فيقف صائحا: .إشهدوا يا ناس! منهو الزجـّوبي ألـْحين؟ أنا وإلا هذا التـِفـْلنـْزي (متحلل من القيم أو عديم الحياء)؟.
 
الشخص الآخر المشاغب لـ.بوفهد. كان يـُدعى .بومحمد.، وكان سبيعنيا وقورا، يتحاشى الحديث والمجادلة فـي الشأن السياسي، لصالح الشأن الرياضي، بل ويوصي الآخرين بقراءة الملاحق الرياضية للصحف اليومية، ومتابعة أخبار كرة القدم العالمية، عوضا عن الأخبار السياسية الجالبة للصداع وارتفاع ضغط الدم· كان .بومحمد. ينتشي فرحا إذا ما حقق فريقه الأجنبي المفضل (فريق برشلونة الإسباني) انتصارا على الفرق الأخرى في الدوري الأسباني أو دوري كأس أوروبا للأندية·
 
قريبا من أفكار الأخير، كان هناك .محمود. الشاب الثلاثيني، الذي كان يحضر مبكرا ويغادر مبكرا أيضا دون استخدام سيارة، وهو ما جعلني أجزم بأنه من سكان .الحورة. الأصليين، الذين تمسكوا بالإقامة في حيهم العتيق، ورفضوا كل مغريات النزوح منه إلى مناطق أخرى· اعتاد .محمود. أن يجلس بمفرده، وأن يكتفي بالحديث عن الأندية الرياضية المحلية، مع من يتصادف وجوده في المقهى من شباب في سنه·
 
كان المقهى يحتضن أيضا أفرادا من الجالية المصرية المقيمة في البحرين، ممن لم يكن أحد يعرف وظائفهم أو المهن التي يزاولونها، أو عما إذا كانوا يعملون أو لا يعملون، بسبب جلوسهم الطويل والمتكرر في المقهى· كان هؤلاء يمتازون بعدم الاختلاط مع رواد المقهى من البحرينيين إلا نادرا، فضلا عن انكبابهم الشديد على لعبة الطاولة (النرد)، وحماستهم المبالغ في قرقعة أحجارها بطريقة مثيرة للأعصاب، وكأنهم يجتازون مسابقة عالمية في اللعبة· ما بين هذا وذاك كانت ترتفع أصواتهم صراخا، إما بسبب خطأ ارتكبه لاعب ما، أو بسبب رأي سياسي مستهجن أفصح به أحدهم، أو بسبب تمسك واحد منهم بصواب أسلوبه في المبارزة· لكنهم، كعادة كل المصريين كانوا أصحاب نكتة، بل كانوا ينكتون باستمرار على مواطنيهم الصعايدة· سمعتُ ذات مرة أحدهم يصرخ قائلا: .الصعايدة لسه محتارين·· تعرفوا في إيه؟. فلما احتار زملاؤه في الإجابة، رد عليهم قائلا: .محتارين، هل تقويم الأسنان هجري أو ميلادي؟. لم يكد هذا ينتهي من نكتته، حتى بادره زميل له بنكتة أخرى قائلا: سمعتوا نكتة الأسانسير؟ فأجابوه بالنفي، فرد عليهم .يبقى أكيد كنتوا طالعين على السلم.، وفي مناسبات أخرى سمعتُ منهم نكتا وطرائف أضحكتني حتى دمعت عيناي!
 
الزوج لزوجته: بتعرفي إن الملح بيغار عليكِ يا حياتي؟