Page 1
-1-
مولدي ونسبي
اسمي سليمان توفيق وقد ولدت في بغداد سنة 9 0 3 1 هجرية الموافقة لسنة 2 9 8 1 ميلادية في آذار في محلة خضر إلياس بجانب الكرخ، وقد نشأت في جو يحوطه شعور التدين والعلم لأنني أنتسب إلى عائلة عباسية شهيرة في بغداد تعرف بآل السويدي· فوالدي يوسف بن نعمان بن محمد سعيد بن أحمد بن عبدالله بن أبي المحامد بن محمد المدلل بن عبداللّه أبو الفتوح بن الحسين بن علي بن عبداللّه بن الحسين بن علي بن أبي بكر بن الفضل بن أبي العباس أحمد بن المقتدى عبداللّه بن محمد بن عبدالله القائم بأمر اللّه بن أحمد القادر باللّه بن، اسحق بن جعفر المقتدر بن أحمد المعتضد بن الموفق طلحة بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن أبي جعفر عبداللّه المنصور بن محمد بن علي بن عبداللّه بن العباس بن عبدالمطلب القرشي·
في المدرسة
أدخلت في المدرسة الإبتدائية وعمري ست سنوات وأكملت التحصيل فيها في سنتين مع أن سنواتها ثلاث، والظاهر أنني أبرزت لياقة ممتازة جعلتني أجتاز صفين في سنة واحدة· ثم دخلت المدرسة الإعدادية الملكية في بغداد وتخرجت فيها سنة 8 0 9 1 وأنا في السادسة عشرة من عمري، وفي السنة نفسها دخلت مدرسة الحقوق الجديدة التي تأسست في بغداد وأكملت فيها سنة واحدة، وفي أيلول سنة 9 0 9 1 سافرت إلى إستانبول لإكمال التحصيل هناك، ودخلت كلية الحقوق العثمانية حيث أكملت التحصيل في سنة 2 1 9 1، وسافرت تواً إلى باريس فقضيت فيها ثلاث سنوات درست خلالها الحقوق الغربية في كلية الحقوق من جامعة باريس، ثم رجعت إلى استانبول وتوظفت في وزارة المعارف كسكرتير للجنة تصحيح القاموس الفرنسي التركي لشمس الدين سامي بغية إدخال إضافات مهمة عليه· ولم أبق في هذه الوظيفة إلا عدة شهور حيث طلبت للخدمة العسكرية أثناء الحرب العالمية الأولى (4 1 9 1-8 1 9 1) وأصبحت ضابط احتياط· وفي الوقت عينه دخلت المدرسة المالية العالية ودرست فيها سنتين ثم عيّنت قاضياً في محكمة بداية دير الزور ولم ألتحق بوظيفتي فيها لذهابي إلى باريس·
في العسكرية والقضاء
Page 2
وقد قضيت فترة من الحرب وأنا ضابط احتياط في الجيش التركي، فخدمت في مختلف النشاطات العسكرية من مشاة، و(قنبرجي) في المدفعية، إلى قاذفات اللهيب، ثم صرت ضابط تلغراف، فمشاوراً عدلياً· وفي سنة 8 1 9 1 عيّنت قاضياً لرياسة محكمة بداءة الشام، ثم استقلت وزاولت المحاماة فيها ودرّست كأستاذ حقوق الرومان وحقوق الدول في كلية الحقوق حتى سنة 1 2 9 1· وعندما رجعت إلى العراق في تشرين الثاني في السنة عينها، عيّنت عميداً لكلية الحقوق في بغداد، ومعاوناً لمستشار الحكومة العراقية· وبقيت في هذا العمل حتى سنة 6 2 9 1 فعيّنت مديراً عاماً للعدلية، وفي سنة 7 2 9 1 - 8 2 9 1 دخلت ميدان السياسة وعيّنت وزيراً للمعارف· وفي أيار 9 2 9 1 ألّفت الوزارة وتوليت وزارة الخارجية مع الرياسة· وفي السنة عينها، وبعد الاستقالة من الوزارة انتُخبت رئيساً لمجلس النواب· ولما حُلّ المجلس لإجراء الانتخابات الجديدة عيّنت في سنة 1 3 9 1 وزيراً مفوضاً للعراق في طهران· وفي سنة 3 3 9 1 نُقلت ممثلاً دائماً في عصبة الأمم في جنيف· وفي حزيران سنة 4 3 9 1 عيّنت وزيراً للخارجية للمرة الثانية، وفي السنة نفسها عيّنت وزيراً للعدلية· وفي سنة 5 3 9 1 عيّنت مراقباً عاماً لحسابات الدولة بدرجة وزير، وفي آب 7 3 9 1 عيّنت وزيراً للخارجية، وفي سنة 9 3 9 1 انتُدبت لرئاسة وفد العراق في مؤتمر لندن (لقضية فلسطين)· وفي شباط 1 4 9 1 عيّنت وزيراً للخارجية، وفي 52 كانون الأول 3 4 9 1 عيّنت نائباً لرئيس الوزراء، وفي 32 شباط 6 4 9 1 ألفت الوزارة ثانية وتوليت وزارة الخارجية مع الرئاسة· وفي 5/2/0 5 9 1 عدت فتوليت رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية· وفي 5/2/1 5 9 1 توليت منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية· وفي 92/1/3 5 9 1 توليت وزارة الخارجية في وزارة جميل المدفعي الائتلافية التي مهّدت لتتويج الملك فيصل الثاني· وفي 7/5/3 5 9 1 عدت فتوليت وزارة الخارجية في وزارة المدفعي التي شكلت بعد التتويج· وفي 3/3/8 5 9 1 توليت منصب نائب رئيس الوزراء (في وزارة نوري السعيد)· وفي 91/5/8 5 9 1 عندما تشكلت حكومة الاتحاد العربي على إثر اتحاد العراق والأردن توليت فيها منصب وزير الخارجية إلى أن كان الانقلاب في 41 تموز 8 5 9 1· وعدا هذه المناصب الرسمية الحكومية فقد توليت منصب العضوية في هيئة النيابة على العرش التي كانت تقوم بمهام الملك أثناء غياب الملك أو الوصي عن البلاد، كما توليت عضوية ورئاسة مجلس النواب، ومجلس الأعيان، ورئاسة بعض اللجان البرلمانية، ورافقت الملك والوصي في بعض الرحلات الرسمية إلى بعض الدول العربية والأجنبية، وتوليت رئاسة الوفود العراقية إلى عصبة الأمم، وهيئة الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية التي كنت من مؤسسيها، وشغلت فيها منصب الأمين العام المساعد، ورئيس اللجنة الاقتصادية الدائمة، كما توليت رئاسة مجلس الجامعة العربية في بعض دورات انعقاده· هذا وكثيراً ما كلفت بمهام رسمية أو خاصة، لتقريب وجهات النظر بين بعض العواصم العربية، وإطفاء بعض الأزمات العابرة، كما كلفت كذلك ببعض المهام الفقهية والقانونية والدستورية، وشاركت كرئيس أو عضو أو مستشار لبعض الوفود العراقية، في عقد بعض المعاهدات السياسية والاقتصادية· وقد أسست وترأست حزب الأحرار، الذي كان من أقوى الأحزاب السياسية التي عرفها العراق في تاريخه· وتوليت بصفتي الخاصة بعض المراكز العضوية، أو الاستشارية، أو الرئاسية في مجالس إدارات بعض الشركات والبنوك العراقية والعربية وغيرها، وقد قمت بتأسيس وتنظيم المصرف العراقي المركزي وتوليت فيه منصب الحاكم العام متطوعاً وبدون مقابل فترة من الزمن ريثما انتظمت أموره·
Page 3
كلية الحقوق
كنت أستاذاً في كلية الحقوق بدمشق بين سنتي 8 1 9 1 و1 2 9 1 ودرّست الحقوق الدولية العالمية وحقوق الرومان، كما درّست في كلية الحقوق العراقية حقوق الرومان أيضاً والاقتصاد السياسي مدة تسع سنوات، تمكنت خلالها من القيام بالتدريس ووضع مؤلف في حقوق الرومان بالعربية لأول مرة· وقد عرّبت كتاباً ضخماً في الاقتصاد لشارل جيد· وطُبع في سنة 4 2 9 1 المجلد الأول، وفي 9 4 9 1 المجلد الثاني ويحتوي المجلدان على ألف ومئة صفحة·
نظرتي إلى الحياة
منذ حداثة سني أخذت أشعر بتفكير أعلى من تفكير أندادي، وكنت أمتاز على أقراني بتمردي على الكثير من التقاليد وبانتقادي للجمود الذي كان مستولياً على الشرق العربي· وكنت أتورط من حين إلى آخر في مناقشات عسيرة مع أندادي وأصدقائي كان أكثرها ينتهي بشحناء ولكن آرائي لم تتغير، بل تقدمت في مضمار التمحيص والوصول إلى حقيقة غير مألوفة في مجتمعي·
لقد كنت أفكر في أن العلم الصحيح لا يمكن الوصول إليه إلا بالاستقراء الصحيح·
والاستقراء الصحيح لا يتوفر إلا بالتفكير الحرّ الذي لا يحده قيد ولا يمنعه مانع، فكنت لا أعتمد كثيراً على التاريخ، ولا على التقاليد، بل كنت أتخذ لنفسي طريقة علمية حرة للوصول إلى ما أبتغيه من حقائق فكرية إذا لم أقل (علمية) بمعنى الكلمة! إلا أنني كنت حدثاً لم يتوصل بعد إلى تلك الحقائق العلمية، وقد أفادني هذا التفكير الحر في حياتي إذ جعلني لا أتأثر بكثير من الأفكار القديمة ولا بالآراء المعاصرة المستندة إلى تلك الأفكار· وكنت ذات يوم أتحدث مع الكاتب التركي المشهور سليمان نظيف بك، الذي كان في وقت ما والياً على بغداد، وهو يعتبر من مثقفي الأتراك وعلمائهم· وبعد الحديث الطويل معه كان يقول (إنه صادف في العراق وفي غيره شباناً كثيرين قد يكونون أعلى كعباً وأوسع علماً مني، ولكنهم كانوا مكبّلين بنوع من القيود تضيع عليهم الكثير من نتائج مداركم وتفكيرهم··! إلا أنني أجد فيك هذه المزية البارزة، وإن كانت مداركك واسعة واطلاعك أوسع، فإنك قد فصمت هذه القيود وكسرتها فأصبحت مفكراً حراً تتوخى الحقيقة العلمية كما يتوخاها أي عالم أوروبي يبذل الجهد في مضمار التفكير الحر)· وقد ساعدتني هذه النزعة في حياتي واستقصاءاتي وجعلتني دائماً أبدي رأياً أكثر نضجاً من قابلية سني في المواضيع التي تعرض عليّ·
Page 4
مبادىء عامة
كانت تشغل أفكاري وأنا حدث السن ثلاثة مبادىء عامة:
1- العروبة·
2- التقدم الاجتماعي في الشرق عامة، وفي البلاد العربية خاصة·
3- التحرر الفكري من القيود والتقاليد الموروثة·
1- وقد يكون حرصي على العروبة أكثر من غيرها لأني أنتمي إلى أسرة عربية أصيلة، وكنت أرى أن للعروبة رسالة يجب أن تقوم بها في الشرق الأوسط خاصة وفي الحضارة العالمية بوجه عام؛ لأن للعروبة لغة دقيقة سامية تصلح لأن تعبّر عن الرأي البشري بجميع أشكاله وتطوراته، فيجب أن تساير في تقدمها اللغات العالمية في المستحدثات والحاجات الجديدة· وشدة شغفي بالعروبة جعلتني أشتغل بالسياسة وعمري لم يتجاوز السادسة عشرة؛ لأني كنت أعتقد أن شعباً كانت له تلك الحضارة الزاهية، التي جعلته في مصاف الشعوب الممتازة في البشرية، حرام عليه أن تنطفىء شعلة نيرانه، الوهاجة فيما مضى، أو يصيبه الوهن في نشاطاته· فبوسعي، على ما أعتقد، أن أدفع دولاب تلك الحضارة فأجعلها صالحة لتأمين الحاجات البشرية الجديدة بما يحفزني إلى العمل بجد وإخلاص، لأتمكن من إسداء خدمة طفيفة تضاف إلى الجهود الجبارة التي قام بها السلف في سبيل إعلاء شأنها· فحضوري المؤتمر العربي الأول المنعقد في باريس سنة 3 1 9 1، وتعرّضي لملاحقة الطغيان التركي بقصد محاكمتي والحكم عليّ بالإعدام، ثم اشتراكي بجمعيات عربية سرية كجمعية الفتاة والعهد العربي· كل هذا كان بدافع كنت أعتقد بضرورته، وأنا لم أكمل بعد تحصيلي العالي ولم أتجاوز العشرين سنة من عمري·
2- أما اعتقادي بضرورة التقدم الاجتماعي في الشرق وفي البلاد العربية بصورة خاصة، فكان اعتقاداً ناشئاً عما كنت أشاهده من خمول عام وجهل متفشٍّ وتعصب ذميم، كان كالسيل يجرف أمامه ما بقي من ذلك التراث العربي الحي؛ إذ كنت أخشى ألا تمضي مدة على استحكام ذلك التقهقر بذلك المجتمع، حتى تستسلم البلاد للجمود والموت ثم تتعرض للاستسلام للأصلح والأقوى في الحياة وهو العنصر الأجنبي؛ فيدخلها حظيرة التجدد ويحرمها مزاياها الخاصة· لذلك كنت أشفق من انهيارها كحضارة عربية وأسعى إلى مكافحة هذا المصير المحتوم الذي كانت تتقدم نحوه· وكنت أرى أن هذه المكافحة لا تكون ناجحة إلا بالإصلاح الاجتماعي والتجدد في الحياة العربية، بحيث تكون منسجمة مع الذهنية الأوروبية المعاصرة فتسايرها وتواكبها حتى تصل معها إلى الهدف الأسمى وهو رفاه المجتمع الإنساني وخدمة البشرية على النطاق العربي·
كنت لا أميل إلى ملاحظة الماضي إلا بقدر ما أستخرج منه من عبر وعظات تمهد لي الطريق في السير إلى الأمام والتقدم في مضمار الحياة الجديدة·
3- أما التحرر الفكري من القيود الموروثة والتقاليد، فكنت أراه ضرورياً للمجتمع العربي؛ لأن هذا التحرر بمثابة دواء ناجع يستعمله المريض ليقضي به على ما يفتك به من جراثيم وينتابه من أمراض في جسمه· وبدون هذا التحرر لا يمكن للفكر العربي أن يتقدم علمياً واجتماعياً ليصل إلى مبتغاه·
هذه المبادىء الثلاثة التي كنت أتوق إلى تحقيقها، كانت تأخذ عليّ في كل وقت تفكيري وانتباهي فكنت أقول في نفسي:
إذا أتيح لمصطفى كمال أن يحقق إصلاحاً جذرياً في تركيا عندما سنحت له الفرص فاستغلها وحقق من ورائها نفعاً جليلاً لبلاده وللشرق، فإنني كنت قبل قيامه بهذا الإصلاح باثنتي عشرة سنة قد نشرت مقالاً في (المجموعة الإسلامية) التي كانت تصدر في استانبول سنة 2 1 9 1م، بيّنت فيه ضرورة القيام بالإصلاح الاجتماعي كما قام به مصطفى كمال، ولكن القول بالإصلاح لا يكفي إذا لم تدعمه القوة· وقد توفرت هذه القوة لمصطفى كمال ولم تتوفر لي حينذاك· فبقيت أمني النفس بالآمال وأعللها بالأقوال المزوقة بدون جدوى·
Page 5
-2-
البيئة والمحيط
كان ولعي بالسياسة عظيماً منذ أن بدأت أفهم الأمور المحيطة بي وأنا في الرابعة عشرة من عمري، وكنت أجالس والدي كثيراً وأسمع ما يجري في مجلسه من أحاديث منوعة عن حالة الزرع والري والعشائر والإصلاح الاجتماعي والسياسي، وكانت كلها تنمّ عن قنوط ويأس من حصول أي إصلاح في عهد الدولة العثمانية وبغداد في ضمنها· وعندما أعلن الدستور العثماني في تموز 8 0 9 1 لم يفهم أحد معنى الدستور ولا معنى الانقلاب الذي حصل، والمفهوم الذي لم يناقشه أحد - كان اعتقاد الناس بانتهاء دور الظلم والانحطاط بأوسع معانيه· وقد كان الرأي سائداً بأن إصلاح الإمبراطورية العثمانية ليس بالأمر السهل لفقدان الوسائط المحققة لذلك، ولبقاء الجهل والتعصب والروح العشائرية متفشية في أنحاء البلاد، ولعدم وجود استعداد طبيعي لتلقيّ الروح الجديدة التي سعى الدستور لإدخالها في المجتمع·
فإذا قيل (مساواة) و(أخوّة) قيل وكيف يكون ذلك ممكناً والمساواة والأخوة لا يمكن تأسيسهما بين مسلم وغير مسلم؟
وإذا قيل (حرية) و(عدل) قيل هذا شيء غريب لأن ما يعمله السلطان هو العدل· أما الحرية فهي خدينة للفوضى لا نحتاجها· وقد صحت التكهنات التي ظهرت حين حدوث الانقلاب· وظهرت علائم الانحطاط أكثر من ذي قبل في الإمبراطورية العثمانية والعراق جزء منها· وقد عجلت بهذا الانحطاط الحروب المتوالية التي وقعت بين تركيا والبلقان والطليان·
كان العراق جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وهو يتألف من ثلاث ولايات: بغداد والموصل والبصرة· وكانت الولاية تحتوي على عدة ألوية (أو سناجق ومفردها سنجق) والأولوية على أقضية، والأقضية على نواحٍ، حسب الحاجة·
وكانت ولاية بغداد مركز السيطرة الإدارية والسيطرة السياسية في بعض الأحيان· وأثر هذه السيطرة كان ناشئاً عن ارتباط البصرة والموصل ببغداد كلواءين تابعين لها منذ عهد مدحت باشا· وقد كانت لبغداد ميزة أخرى هي كونها مركز الجيش السادس المسيطر عسكرياً على جميع الأنحاء العراقية، مما أمّن لها تفوقاً لا تجاريها فيه أية ولاية من تينك الولايتين· وكان خضوع البصرة لسيطرة بغداد أكثر من خضوع الموصل لها وذلك لأسباب كثيرة·
Page 6
الخطة العراقية
إن ما نطلق عليه اسم (العراق) اليوم كان معروفاً في لغة السياسة العثمانية بـ(الخطة العراقية)؛ وقد كانت مهجورة بعيدة عن كل عمران، وكانت الوسيلة الوحيدة لاتصالها بالعالم هي العاصمة (استانبول)
واستانبول في نظر العراق ليست العاصمة فحسب، بل إنها كانت القدوة والباب الذي كانت تلج منه مدنية أوروبا إلى الشرق، وإن كانت الهند وسيلة ثانية لاتصالها بالعالم الخارجي، لكنها كانت على كل حال ثانوية· وكان البريد ينقل من العراق إلى الخارج بثلاث طرق:
البحر، والصحراء بواسطة الهجين وكانوا يسمونه طريق الساعي، والتتر بواسطة الخيل بطريق الأناضول، وكان أقصر طريق للوصول من العراق إلى البحر الأبيض المتوسط طريق الساعي، الذي يسلك من بغداد إلى دمشق فبيروت - وإن اعتبرت هذه الطريق غير مأمونة ولا يطرقها إلا المستعجل المضطر· وكم من الناس من ضلّ طريقه فيها وهلك عطشاً وجوعاً· ومهما كانت الطرق الأخرى مأمونة العواقب فإن الوصول من العراق إلى البلاد العثمانية كافة، كان يتطلب قضاء ثلاثين يوماً على الأقل· ومع أن التركي العثماني يعتقد بعظمة بغداد وحسنها وخصب تربها ويعتبرها مباركة؛ إذ يقول المثل التركي السائد: (لا صديق أحسن من العرب، ولا ديار أحسن من بغداد) مع ذلك فإنه يعتقد بأنها كانت منفى لرجال الدولة المغضوب عليهم من السلطان، ولم يكن للولاة المستغلين الذين حكموا بغداد منذ مئات السنين إلا ارتباط بسيط باستانبول، حتى إنهم كانوا بحكم الواقع غير خاضعين لها· وقد بدأت بغداد تظهر كمنفى لرجال السياسة العثمانية منذ عهد مدحت باشا حتى سنة 8 0 9 1، حيث وجد فيها المشير نصرت باشا، والمشير رجب باشا، والفريق كاظم باشا، واللواء صبري باشا، والفريق موسى كاظم باشا، واللواء نجيب باشا، والفريق محمد باشا الداغستاني، وكثير من الباشوات الآخرين، من عسكريين وغير عسكريين·
وكانت الحالة السياسية في هذه (الخطة) المنكودة على أسوأ ما تكون من التذبذب والانهيار· فالباشوات المنفيون يغتصبون أموال الناس وأملاكهم بالقوة، ويأخذون الأرض ويتملكونها من أصحابها بدون ثمن، والموظفون الآخرون يتفرجون على ما يجري حولهم من مآسٍ في البلاد ومن رشوات وفساد في كل محل· والرواتب الشهرية كانت لا تدفع إلا مرة أو مرتين في السنة، وما يتبقى للموظفين في ذمة الدولة لا يمكن تحصيله منها إلا بأنواع المداورات والتزلفات· أما حالة الجيش فأسوأ من الكل· فلا كساء ولا غذاء ولا راتب ولا انضباط ولا سلاح ولا تجهيز· وكان الجندي الخفر الذي يقف بباب الثكنة العسكرية أو في محل عسكري آخر يرتدي شفاً أو (بطانية) من الصوف يتغطى به في الليل عندما ينام، ويضعه على كتفه عندما يقف في الحراسة الرسمية لأنه لا يملك بذلة يرتديها أو معطفاً يدفىء جسمه به في الشتاء القارس·
Page 7
هكذا كانت الحالة السياسية والاجتماعية في بغداد، أو بالأحرى في العراق كله·
أما الحالة الاقتصادية والمعاشية فكانت أردأ من الحالات الأخرى· ويكفيك أن تفهم هذه الحالة جيداً من هذا البيت الذي قاله الرصافي في هجو بغداد:
أيا سائلاً عنا ببغداد إننا
بهائهم في بيداء أعوزها النبت
فالعراقيون في تلك الحقبة من الزمن كانوا ينقسمون إلى أربعة أقسام رئيسية هي:
1- عرب البادية أو العرب الفلاحون في الأرض الأميرية·
2- عرب المدن الذين يتعاطون التجارة البسيطة وخدمات الحكومة الضئيلة·
3- الأكراد والأتراك القاطنون في الشمال·
4- أشتات من هؤلاء وأولئك مجتمعون في صعيد واحد لغرض تأمين معيشتهم بطريق الخدمة والمصانعة للأتراك والحكام وذوي النفوذ·
فالعرب منصرفون للاحتفاط بتقاليدهم وعيشهم الابتدائي، والآخرون منصرفون إلى ما يحقق لهم سبل العيش بأية وسيلة ممكنة، وليس لدى الأهلين ما يجعلهم متحسسين نحو الحكومة العثمانية بحس سوى الشعور بإسلاميتهم وعثمانيتهم، وبكونهم مدينين للدولة العثمانية بالمنة والحمد والشكر لمحافظتها عليهم من القوم الكافرين؟·
أما قيادة الرأي العام في البلاد فقد كانت محصورة برجال الدين وأرباب الرجعية والتقهقر في العمل والفكر· وكان من بين هؤلاء أناس ليسوا من بين رجال الدين ولا من العلماء، ولكنهم اندسوا بين هؤلاء واستثمروا قوة الدين لتحقيق زعامات وثروات واسعة فأصبحوا من الأشراف والوجهاء· ولم يكن في إمكان أحد أن يعرف بالضبط أهداف تلك الجماعة المتزعمة وصبغتها، فهي كانت تارة مسلمة عثمانية وطوراً عربية بالاسم، وأحياناً تحاول أن تتصل بسلالات هندية أو إيرانية أو تركية عندما يكون ذلك مطلوباً· وعندما وقعت الحرب ما بين اليابان والروس سنة 5 0 9 1 لم يعرف أهل العراق من هم هؤلاء اليابانيون وأين تكون بلادهم سوى عدد ضيئل جداً؛ لأن الاتصال كان معدوماً مع الخارج·
Page 8
الدستور العثماني
في صيف سنة 8 0 9 1 وردت أخبار من استانبول لم يفهم مغزاها إلا أفراد قلائل، وهي أن السلطان قد أصدر أمره بإعادة دستور سنة 3 3 2 1 رومية· فاعتبر هذا الوقت دوراً جديداً قد بدأ في حياة الدولة العثمانية سموه (دور المشروطية) أو (الانقلاب العثماني) أو دور الحرية، وكل هذه الأسماء لا يعرف أهل العراق شيئاً عنها ولا يحيطون حتى بقسم من مغازيها· والمفهوم الوحيد الذي كان ظاهراً لدى الجمهور هو أن هذا الدور الجديد سيجعل المسلم وغير المسلم إخواناً في الوطن، وأنه سيحدّ من سلطة السلطان (الخليفة) وهذا ما لا يرضاه أحد منهم، حتى إن أكثر المصلين في المساجد عندما ورد في خطبة الجمعة لأول مرة اسم السلطان محمد الخامس، بعد أن خلع السلطان عبدالحميد الثاني، بكوا على سلطانهم القديم· غير أن العنصر التركي في العراق كان أكثر فهماً لهذه الأمور من العنصر العربي؛ لأن ما كتب في تمجيد الحرية والتغني بمحاسن التجدد والدستور كان على يد الكتاب الأتراك كنامق كمال، وعلي سعاوي، وغيرهما مما لم يتسنّ اطلاع أبناء العرب عليه إلا نادراً·
بين فكرتين
وفي الواقع لقد بدأ جدال عنيف في العراق ما بين الفكرة القديمة والفكرة الجديدة، مما أدى إلى اعتبار النزعة الجديدة تركية والقديمة عربية بدون مبرر· فشاهدنا أبناء البلاد يشاحنون الاتحاديين باعتبارهم يحملون لواء التجدد أولاً ثم يثيرون الشعور بالقومية التركية ثانياً، مع أن الحقيقة في بادىء الأمر لم تكن كذلك لأن مفهوم (العثمانية) في ابتداء الدور الدستوري كان سائداً في الأفكار أكثر من أي مفهوم آخر· ولم تظهر القومية التركية بصورة بارزة إلا في سنة 9 0 9 1 وما بعدها·
الوعي العربي
حلت سنة 9 0 9 1، وحلت فيها جميع الضغائن بين الترك والعرب· فانتقل قسم من هذا الشعور إلى العراق بطبيعة الحال، وظهر ذلك على يد أفراد من أصحاب النفوذ والجاه لخدمة أغراضهم، ولفيفٌ من الشبيبة العربية المخلصة· وعلى توالي الأيام زاد النفور ما بين العنصرين ولكن ضمن دائرة محدودة جداً لضآلة الشعور القومي العربي المنظم في العراق؛ لأن الحالة في العراق كانت في الحقبة التي بدأت في تموز 8 0 9 1 حتى تموز 4 1 9 1 مضطربة الشعور غير واضحة الأهداف· وكنت أحد أبناء بغداد الذين لا يعرفون شيئاً عما ينتظرهم من أمور جسيمة تتعلق بمقدرات أوطانهم وقوميتهم· وكل ما كنت أعرفه هو أنني كنت مسلماً عثمانياً عربياً لا أملك من العروبة إلا شعوراً وهمياً· وإذا كنت أنا في هذا الموقف مع كوني أنتسب إلى عائلة عربية عريقة فكيف كان الأمر مع الآخرين!؟
إنني أتذكر جيداً عندما كان أحد إخوتي يتأهب للسفر إلى استانبول - كان والدي يطلب منه أن يكاتبه بالعربية لأن المكاتبة في ذلك الوقت كانت على الغالب باللغة التركية· وكان كل منا ينفذ رغبة والدي في مراسلته بالعربية مما أبقى فينا السليقة العربية حية لا يشوبها نفوذ التركية·
استانبول
ومن الغريب أن تكون استانبول في نظرنا مهد النهضة العربية لما فيها من اتصال وثيق بين شباب العرب وكهولهم، سواء أكانوا في المنتدى الأدبي أم في غيره من الأمكنة العديدة·
المؤتمر العربي
وقد كان لهذا الاتصال فوائد جمة ظهرت آثارها في المؤتمر العربي الأول المنعقد في باريس سنة 3 1 9 1، حيث برز صوت العرب مدوّياً ومطالباً بحقوقهم، ومعلناً اتفاق أبناء الضاد على ما يخدم قوميتهم· ولم تكن آمال العرب في تلك الفترة متجهة نحو الاستقلال المطلق بل كانت ترمي إلى إنهاض القومية العربية، وتركيز كيانها على أسس حديثة تمكنها من إفهام الترك بأن في الإمبراطورية العثمانية عنصراً يجب احترام رغائبه وتمكينه من التمتع بحقوقه المشروعة كعثماني·
Page 9
-3-
في المنتدى الأدبي
إن أول عمل بارز في حياتي القومية كان دخولي كعضو في المنتدى الأدبي المؤسس في استانبول سنة 8 0 9 1، واتصالي بواسطة هذا النادي بشباب العرب السوريين الذين كانوا كثيرين جداً بالنسبة لأبناء العرب الآخرين، وقد كانت الصعوبة في التفاهم مع هؤلاء أثناء الحديث واضحة جداً؛ لأن اللهجة العراقية الدارجة التي كنا نتكلم بها لم تكن قريبة من العربية الفصحى؛ بل كانت خليطاً من كلممات تركية وفارسية أو تعابير محلية لا تمت بصلة إلى العربية أو بدوية لا تدخل في الكتب والقواميس·
وكانت حالتنا نحن العراقيين مع السوريين عند مخالطتنا إياهم أشبه بابن السودان عندما يجتمع بمصري· فثقافة السوري العامة كانت تبرز للعيان فتستولي على لب العراقي وتجعله في وضع أخفض، خصوصاً فيما يتعلق بالتاريخ العربي والأدب العربي والشعر والأمثال والتصوير الفكري والأهداف العربية· فكان السوري بارعاً فيها متفوقاً على العراقي الذي كان في بدء تكوين أفكاره القومية المشوشة، وفي مستهل شعوره بالوعي القومي·
لا أنكر أنني كنت في أول اتصالي بتوفيق البساط وفائز الشهابي، وسعيد حيدر، وعبدالكريم قاسم الخليل، وتوفيق الناطور، ورياض الصلح، وعارف الخطيب وغيرهم من طلاب المدارس العالية كتلميذ دخل مدرسة أعلى من مستواه فضاع في لجج علمها ولا يعرف كيف يعمل ليلحق برفقائه· وأول شيء جلب انتباهي تهامس الشبان العرب بكلمة الاستقلال···
الاستقلال
وإطلاع بعضهم بعضاً على شكل العَلَم العربي الذي كان يتألف من أربعة ألوان مستطيلة، الأبيض فوق ثم الأسود ثم الأخضر ثم الأحمر· وكانوا جميعهم يتغنون ببيت شعر قاله الرصافي في حفلة أقيمت له في المنتدى الأدبي سنة 9 0 9 1 حين قال:
إن الحقيقة قالت لي وقد صدقت
لا ينفع العِلم إلا فوقه عَلَم
وكان هؤلاء الشبان يجاهرون بكرههم للطورانية على الدوام، وبتخوفهم من سياسة التتريك التي كانت يقوم بها الاتحاديون·
Page 10
-4-
في باريس
كنت طالباً في مدرسة الحقوق وأكملت تحصيلي في سنة 2 1 9 1 وسافرت تواً إلى باريس لدراسة الحقوق الغربية، وكنت متأثراً جداً بالثقافة الجديدة التي أدخلها عليّ شبان المنتدى الأدبي والأصدقاء الذين كانوا يسكنون معي في بيت واحد في استانبول؛ كفائز الشهابي وتوفيق البساط، وشعوري بالثقافة العربية التي كنت بعيداً عنها وأنا في العراق، مما زاد اتصالي في باريس بشباب أعلى ثقافة وتفكيراً ممن رأيتهم في استانبول من العرب، وكان في مقدمتهم محمد المحمصاني وجميل مردم وعوني عبدالهادي وعبدالغني العريسي وتوفيق فايد وغيرهم ممن لا تحضرني أسماؤهم بالضبط لتقادم العهد الطويل على اتصالي بهم· وكان لهؤلاء الشبان مكان يجتمعون فيه في مفترق شارعي سان جرمين وسان ميتشيل، يسمى (كافة سوفلو)· كنت أحضر فيه في غالب الأوقات· وعندما اختمرت فكرة دعوة مؤتمر باريس للنظر في شؤون العرب القاطنين في الإمبراطورية العثمانية، كانت الأذهان منصرفة لتسميته بالمؤتمر السوري، نظراً إلى أن السوريين فقط هم القائمون بالفكرة القومية ولم يتقدم لمساعدتهم في ذلك أحد من العرب· وقد كان انصراف الشباب السوري إلى ضرورة اعتبار المؤتمر سورياً أمراً له كل المبررات؛ لأن موقف العراق والحجاز واليمن من القضية العربية عدا كونه غير مفيد لها فإنه كان في بعض الأحيان مضراً ومناهضاً لها كثيراً· فالحجازيون كان القسم الأكبر منهم، خصوصاً من أهل المدن، يدّعي بأنه لا يمت إلى العروبة بأية صلة، وإن تكلم بلغتها وتثقف بثقافتها؛ لأنه يدّعي بأنه أتى من بلاد غير عربية فسكن الحجاز للارتزاق أو المجاورة·
الحجاز والوعي القومي
أما البدو في الحجاز فلم يشعروا قط بما نسميه شعوراً قومياً، وكذلك العناصر الحاكمة في الحجاز من أتراك موظفين رسميين أو عرب في مراكز رفيعة؛ فإنهم كانوا بعيدين عن أي عمل قومي· وإن أنسَ لا أنسَ احتجاج الشريف حسين أمير مكة حينئذ على ما قام به المؤتمر العربي الأول من أعمال اعتبرها خدمة أجنبية وخيانة للوطن العثماني، وكنت أحتفظ بنسخة من جريدة (اقدام) التركية التي نشرت فيها برقية الشريف، وهي موجهة إلى الصدر الأعظم وتتضمن هذا الاحتجاج· وما يقال عن الحجاز يرد بتمامه عن اليمن· أما في العراق فقد كان التبلبل في الآراء والتشوش في الأهداف كبيرين إلى درجة أدت بالمجلس النيابي العثماني سنة 1 1 9 1 إلى المناقشة؛ إذ ظهر خلالها أن قسماً من نواب بغداد كان يقول بأن العراق غير عربي بما فيه بغداد· وقد كان موقف المرحوم جميل صدقي الزهاوي في تلك المناقشة جديراً بالتقدير؛ إذ دافع بكل حماسة عن عروبة العراق وبغداد على الأخص·