eKtab
EN ع
مطر الله
Read free sample

مطر الله

by هدية حسين

Page 1
مطر الله
 
وسوف يقرأ الناس في أرجاء الدنيا مدوّنات تقول: إن (بحر السّواد) الممتد من جنوب تركيا حتى حدود الكويت الشمالية، ومن إيران شرقاً حتى الأردن غرباً، كان قبل مئات السنين أرضاً خصبة يجري فيها نهران عظيمان، وقامت عليها أربع حضارات عظيمة بفضل أقوامها متعدّدي الثقافات والأعراق الذين اخترعوا الكتابة، وسنّوا أول قانون على الأرض عام 1800 ق·م
 
من المؤكد أن أكون في حلم، إذ ليس ثمة ما يثبت عكس ذلك، فهذه البيوت والأزقة كانت قد اندثرت منذ زمن بعيد، وانتقل أهلها إلى مكان آخر، حتى أنني أتذكّر اللوريات والعربانات التي أصطفّت على السدّة وهي تمضي بالناس وأغراضهم إلى المساكن الجديدة، وصادف أن مررت بالمنطقة مرات ومرات بعد ذلك الرحيل الجماعي، ولم يحدث أن قامت من غيابها الأبدي·· لست محموماً ولم تأخذ الشيخوخة مني الكثير لتختلط عليّ الأمور على هذا النحو، أنا الآن في كامل قواي العقلية ولا أشك بواقعية ما أرى، لكن ما أراه يخالف منطق الزمن، لذلك أحيله إلى الأحلام، فبعضها يتفوق على الواقع في وضوحه·· فيا أرض أصدقيني، كيف يمكن أن يعود الزمن إلى الوراء، هو الذي ما توقف يوماً في مكان؟
 
أحسّ بأن صوته يتدحرج كما الحجارة التي تسقط من علو شاهق، ورأى نفسه يهرع وينزل السلالم الحجرية التي تفضي إلى النهر، والهواء المنعش يحرك دشداشته فيبتهج، ويلمح أخاه صابر على الجرف فينادي عليه بغضب:
 
- تعال أيها البغل·
 
وإذ لم يجبه، بل ويختفي ظل أخيه، وتختفي البيوت والناس، وتعود الأرض اليباب، يكوّر قبضته اليمنى، ويضرب جبهته مكرراً: لا بد أن أكون في لجّة حلم طويل يتلاعب بي فأهذي مثل محموم·
 
لكن صوتاً غريباً، هادئاً، وقوراً، لا يدري من أين جاء وطرق أذنيه:
 
- لقد تجاوزت أعتاب الشيخوخة يا سيد مهران، وركلتك الأيام بعيداً، لم يعد قلبك المجبول من صخر الصوان غير عضلة تالفة، وجسدك المفتول سوى كومة قش، وقد يكون ما تراه شيئاً من هلوسات بصرية·· دعني أفسر الأمرعلى النحو التالي: إذا كان الحلم الذي تدّعيه قد أعاد البيوت الملبوخة بالطين، والأكواخ المسقوفة بجذوع النخيل والبواري، والأزقة الترابية المتعرجة، إلى سابق عهدها، أما كان من الأجدر أن يعيد إليك شبابك؟ لقد كنت في ذلك الوقت شاباً متوهجاً ومفعماً بالحياة، إذا كان ثمة التباس دعني أوضح الأمر على نحو آخر، إن ذاكرتك قبل سنوات أفرغت محتوياتها فانزلقت منك الذكريات واختبأت، ولم يبق فيها سوى جذاذات باهتة لا تعرف من أين جاءت، ولماذا هي ملتصقة برأسك دون أن تفصح عن نفسها، إنها مجرد نقاط معتمة من زمن مضى، أما بقية المساحات فهي صفحات بيض كيوم ولدتك أمك، امّحى الكثير مما كنت تعرفه، وهي وإن عادت بقليل من الرؤى فقد عادت منقوصة، وها أنا جئت لأردّ بضاعتك إليك قبل أن تضيع في لجة النسيان، سأحكي لك ما حدث كما حدث، لعلك في واحدة من الحكايات تستعيد ما ضاع منك وتدرك حجم خطاياك·
 
ما تراه الآن يا سيد مهران ليس أكثر من صدى لذكرياتك التي فقدتها منذ زمن بعيد، وها أنت تستعيد بعض تفاصيلها التي كانت غاطسة في قحف جمجمتك، لكنك بحاجة إلى من يزيل الغشاوة التي تغلّف قلبك وعقلك، وهذا ليس بالأمر الهيّن، ولكن حذار من الذاكرة فإنها مراوغة، تحجب ما تحجب، وتدفع إلى الواجهة ما يناسب مزاجها، ومزاجها اليوم مضطرب، لأنها تقوم من رقاد ثقيل، ولكنني سأساعدك، دعني أرتب ما جرى كما هو مدوّن لدي، سنضطر للعودة إلى الوراء برغم أنني لا أحبذ ذلك، لا خيار لك سوى الاستماع إليّ دون مقاطعة، فلطالما سمعتك وما كنتُ بمختار، أحتاج منك إلى قليل من الصبر وأنا أعبر مثلك أكداس السنين رجوعاً إلى ذلك الزمن الذي ما نزال نحن الاثنين نتشبّث به، بيننا الآن وبينه مسافة شاسعة، تراكمت الأيام على الأيام، استطالت فصارت أعواماً، تمطت الأعوام فصار العمر رماداً إذ انطفأت تحته جمرات الصبا والصبابة·
Page 2
كنتُ دائماً لصق قلبك الذي قدّ من جلمود، ولصق صدرك وأذنيك وعينيك، أهتف بك قف أيها العبد لغرائزك، إياك من رغباتك التي ليس لها حدود، ومن شبقك الموصول الممدود، إلاّ أنك تمضي كأنك لا تسمع، ولم يكن باستطاعتي ردعك ولا صدّك عمّا أنت فاعل، فامتلأ دفتري بخطاياك، وها أنا أفرده أمامك في الوقت الذي تنسل الحكايات تباعاً، منه ومن رأسك المعطوب·
 
سأمسك بالخيط من البداية، وهي بالتأكيد لا ترضيك·· لا تقطّب جبينك ولا تغضب مني إذا قلت لك بأنك كنت فظاً وأنانياً وغير أمين على أهلك وجيرانك·· رغبتك في إزعاج الناس فاقت كل تصور، لذلك لم تجد لك نصيراً يقف اليوم بجانب عجزك وشيخوختك إلاّي، ما الذي يتذكره الآخرون منك؟ لقد كنت تغش في الميزان، إذ تلصق بإحدى كفتيه من الأسفل قطعة مغناطيس، وتزيد خمسة أو عشرة فلوس على كل حاجة تبيعها، ويزداد السعر إذا كان البيع على أجل متأخر، وأشياء أخرى سأذكّرك بها أثناء هذه الفترة المحصورة بين أواخر أيامك وبداية الخوف من رحلة أبدية مجهولة، قد تكون أبواب الجحيم فيها بانتظارك·· خذ مثلاً، معاملتك المهينة لأخيك الذي حوّلته إلى بغل، ومغامراتك النسائية التي لا ترى فيها حدوداً بين الحلال والحرام، وتفاصيل كثيرة سقطت من تقويم ذاكرتك، أو جهدت لتخفيها في الدهاليز المظلمة من روحك، سأريك - ما دمت ترى الأشياء على هذا النحو - عالمك الحقيقي الذي كنت عليه، وأكشف أعماقك السرية التي لا يعرفها أحد، أعماق البشر يا سيد مهران لا بد من إضاءتها من حين لآخر لكي لا تصدأ ولا تزداد عتمة بمرور الوقت·
 
سأكون أكثر جرأة منك وأذكرك بالرجل الغريب الذي دخل بيتك، ونام على فراشك، كاد الخبر ينتشر كالنار في الهشيم، فاتفقت معه على أن يتظاهر بالجنون مقابل أن لا تسلمه للشرطة، وحين فعل ذلك تخلصاً من السجن والعار، اقتيد إلى مستشفى الأمراض العقلية، ولم يخرج إلاّ بعد سنوات محطماً ومخرّب الذاكرة، لقد جن فعلاً بمعاشرته المجانين وتلقي الصدمات الكهربائية، وكان أن ضاعت الحقيقة، وظلّت سمعة زوجتك مصانة أمام الجميع، لكن الجفوة بينكما في الفراش استمرت شهوراً طويلة جعلتها تذهب إلى الملالي والمشايخ لعلهم يفكّون العقدة التي تلبّستك بالامتناع عن معاشرتها·
 
وسنأتي على قصة الرجل الثاني الذي جن أيضاً بسببك، لكن المعادلة هذه المرة مقلوبة، فبعد أشهر قليلة على خيانة زوجتك، ولم تكن جروحك قد التأمت بعد، كنت أنت على فراشه، مع زوجته سعدية·· حين فوجىء بالمشهد سقط مغمياً عليه، وحينما صحا لم تصحُ ذاكرته، سنأخذ الحكايات على مهل، نستلها من مخابئها العميقة في ذاكرتك التي بدأت تفرز الصور·· طبعاً ما جئت لأهينك بالعودة إلى فتح الجراح التي بقيت مستعرة داخل روحك، لنكن منذ البدء على وفاق فيما يتعلق بندوب الأرواح وتقرّحاتها لكي نجتاز مراحل الحياة بأقل الخسارات، فأنت إن دفنت سرك في أعماقك، سيكون مثل قنبلة موقوتة ستنفجر يوماً ما وتدمّرك، بل يمكنني القول بأنك لن تشفى حتى وإن دخلت قبرك، ورميت خطاياك كلها إلى الدنيا·· ستقلقك عظامك، وتسقطك آلامك في هوّة سحيقة ليس لك فيها من شفيع·
 
كفاك يا سيد مهران فلقد كتمت الكثير من الأسرار، وكان بودّك أن تنساها لولا أنك آثرت الاحتفاظ بها وحدك·· ما بال وجهك ممتقعاً؟ هل يستحق المرور على ماضيك كل هذا الخوف؟ لماذا إذن جئت إلى المكان الذي امتلأ بذنوبك؟ لماذا لا تغادر تلك الحقبة التي أخذت طريقها إلى الزوال؟·· ما دمت قد جئت فلتكن الأمور مكشوفة·
 
مرة واحدة وأخيرة تجاوز خوفك وواجه ذاكرتك التي ثقلت وأثقلت عليك، لقد نامت أكثر مما يتحمله الصبر، وها هي الآن تخرج خزينها إلى العلن، ولا يمكنك أن تقف بوجه المد·· أدعوك إلى وليمة بوح دونما شك بواقعية ما ترى برغم عدم واقعيته، ودونما وهم بأن ما تراه مجرد حلم أو كابوس·· أطلب منك أن لا تتعمّد انتقاء ما تريد وإخفاء ما تظن أنه يسيء إلى ماضيك، في هذه الحالة لا تطاوعك الذاكرة ولا تراوغك، ولكن قبل ذلك لنتفق على تهشيم هذه الجدران الوهمية بيننا، لقد بقينا سنوات طوالاً نراوغ بعضنا بين طياتها، وعلى وجه الدقة أنت الذي أزحتني من الواجهة ورحت تتهرب مني لأكون بعيداً عن نواياك وأفعالك، كنتُ أنهرك بصوت مسموع فتتجاهلني، بل رحت تخنقني في زوايا روحك المظلمة، في محاولة منك لقتلي، إلاّ أنني لم أمت كما كنت تتصور، كنتُ أتنصت على كل حركة تبدر منك، وإلى كل خلجة من خلجاتك، لأسجل في دفتري الذي أراه ولا تراه، وأدون كذلك أحداث الحي، الصغيرة منها والكبيرة، برغم أنني غير معني بسواك، لكن، لكي أعطي الصورة التي كنت عليها لا بد من المرور بخلفيتها  وبالإطار الذي يحيط بها، وها أنا اليوم أواجهك، وأفرد أمامك أوراقي الممهورة بالحبر الداكن المشع، الذي لم يستطع الزمن النيل منه·· إذا شئت سمّها تصفية حسابات قديمة بينك وبين بائع لا ينسى ديونه أبدا·
Page 3
كان قد وقف بقامته المحنية وروحه المنخورة، مستنداً إلى جذع نخلة لم تعد تعطي رطباً جنياً كما في تلك السنوات الغابرات، يطيل النظر إليها ويلمس حراشفها بمودّة فائقة، كما لو أنه يرجوها أن تعيد إليه ما اختزنته من ذكريات شبابه وبنيته القوية وفحولته التي لم يبق منها شيء، يتوهم في الصمت صوتاً له وشوشات بين الريح وتحت جذور الأشجار وسريان الماء ووهج الشمس وفجوات الصخور وذرات الرمال واصطدام الأمواج على الجروف، وفي حالات التوق وحرقة الفقد، والأحزان التي هو عليها الآن·· يسمع كل تلك الأصوات، ويرى برغم غيوم عينيه أولئك الذين عرفهم بذات الأعمار التي كانوا عليها قبل سنوات طويلة، خرجت له ذكرياته من زوايا لا قبل له بها، وانبجست من قاع رأسه ومن بين يديه، ومن الأرض المنخفضة، وتراب السدّة، ومن الجروف حيث الطحالب تعرّش، ومن الثغور التي كانت تنسل منها العقارب والأفاعي، هطلت عليه مرة واحدة دون أن يدري أين كانت تختبىء وماذا كانت تفعل في غيابها حين احتجبت عنه وأسقطته في النسيان·
 
نظر إلى تلك الأرض بعينين كليلتين وجسم معطوب وقلب نهشه صدأ الأيام، لم يندهش وهو يرى الحجارة وبراز الكلاب وأكياس النفايات التي تعلّقت بالنباتات الشوكية، ولا خلو الشاطىء من ضجيجه وقواربه ونسائه، ما أدهشه حقاً أن هذه الأرض الصغيرة التي تنفرش الآن أمامه، كانت تضم مئات البيوت والأكواخ المتراصّة· رسم بمخيلته التعبانة كل (ثراء) الماضي، انتصبت البيوت الطينية الواطئة، وأكواخ الصفيح الحائلة، وتلك المسقفة بسعف النخيل المجرود والبواري·· استدرجته العتبات، وصدى الأصوات المنبعثة من زوايا المكان، ورأى الدرابين الترابية، الملتوية والمستقيمة، ذات المنافذ، وتلك التي لا منافذ لها، أو تلك التي تتناسل عن أزقة قصيرة، ثم خرج الرجال، تماماً مثلما كانوا، بثياب رثة أو ثياب نظيفة، وضج رأسه بأصوات الصبية وهم يمورون في تلك الدرابين، ويهرع الكثير منهم إلى شاطىء النهر، يغطسون في مائه الثري ليطفئوا حرارة أجسادهم الملتهبة في أيام القيظ·· رأى مشهد الأمواج وهي تتكسر على صخور الشاطىء، فتحدث وشيشاً يشبه موسيقى متناغمة، وفي أماكن أخرى تضمحل على الرمال وتعود خائبة إلى النهر، يبتلعها همسها الناعم، بينما النساء الشغوفات بالثرثرة يجلسن أمام طشوتهن يعملن أيديهن لدعك الثياب أو جلي الصحون بحبات الرمال أو فرك كعوب أقدامهن بحجارة ذات ملمس ناعم، وأخريات يحملن تنكات الماء إلى البيوت الخالية من الحنفيات، ويتناثر ماء النهر على الوجوه حين يخبط الأطفال سطحه اللامع، ويمر من وقت لآخر زورق بخاري فيتلاعب بأجسادهم الصغيرة، وتندفع الأمواج متتابعة لتضرب الشاطىء فتبتعد النسوة حتى يهدأ الموج·
 
نزّت عن روحه الملتاعة آهة طويلة، تبعتها آهات، ثم حشرجات وعبرات، كاد يختنق لولا أنني أوقفته، تلفّت حوله باحثاً عن مصدر الصوت، وحين لم يرني استسلم لصوتي:
 
- في ضبابية ما تراه يا سيد مهران، أو في سطوع الحضور أحياناً، ثمة زوايا غير مرئية بالنسبة لك، أو تحاول جاهداً أن لا ترى ما لا تريد رؤيته، لكنك اليوم ستخضع لمشرط المساءلة، ذاك الذي يضيء العتمة ويحز الرأس ويجلي المخبوء ويخرج ما دُفن وتعتّق، غير عابىء بوهن جسدك وألمك وإحباطاتك، لقد أدبرت أيامك، وها قد خرج الجميع كما لو أنهم نباتات برية انبثقت من باطن الأرض، ضجّوا بأصوات حادة راحت تطرق بقوة على أذنيك، تلك الأصوات برغم وضوحها ما هي إلاّ أصداء لما جرى في الماضي البعيد·· وثمة حشود من الوجوه تتقاطر وتفيض مثل سيل جارف·· خرجوا من أبواب مصنوعة من خيوط هلامية، روائحهم تنتشر في المكان، تختلط بتراب الدروب المتوهجة برغم غبارها، روائح من كل صنف ولون، رائحة تراب الأرض بعد رشها بالماء وقت العصاري الصيفية، رائحة خبز التنور إذ يخرج حاراً وطازجاً، رائحة بخور وحرمل لطرد الشرور وفك السحر عن العذراوات والعشاق، رائحة بطْنج مرشوش على طبق باقلاّء، رائحة سمك مشوي ممزوجة برطوبة الشط، رائحة طين حرّي أغرقته أمطار الشتاء أو عافه المد على الجروف فصارت زلقة، رائحة روث بقر وبعرور خرفان ما تزال تثغو في الجنبات، رائحة حيطان متآكلة، وهيل مطحون مع القهوة المرّة، روائح غسيل ملابس منشورة على حبال غليظة فوق سطوح مفتوحة على بعضها، روائح شهوات لصبيان وبنات ونساء هجرهن الأزواج، روائح حندقوق وسِعد وخبيّز مفروش على الضفاف الرجراجة، روائح دخان معتّق من أيام سجائر اللّف، روائح جدائل مخضبة بالحناء والمحلب، روائح لأطعمة ذات مذاقات مختلفة تتسلل من الروازين أو الأبواب·· روائح·· روائح·· روائح·
 
لماذا جئت يا سيد مهران إلى هذا المكان؟ لماذا تنبش ماضياً لا علاقة له بحاضرك؟ سأجيب نيابة عنك إن أعيتك الإجابة·· لأن حاضرك جدب وخال من أية بهجة، لأن كل شعرة في جسمك المهدود مشدودة بتلك الشهوات والروائح التي لم يبق منها سوى دمامل متيبّسة·· لست وحدك من تفعل ذلك، إن الذين يتوقون للماضي مثلك كثر، وهم مثلك تماماً مقطوعون عن لحظتهم الآنية، يحسون الخواء في كل شهقة أو زفرة، ويستشعرون الخوف من ثقل آثامهم، متوهمين أن إدمانهم على الذكريات سينقذهم من تلك الآثام إذا ما تبع استذكارها الكثير من الاستغفار والندم·
Page 4
الأصوات تحاصرك وعبثاً تحاول إسكاتها، أصوات عصافير الصباح حين يداهمها الضوء فتتململ وتضج بالزقزقة، أصوات فاختات نائحات وهديل حمام ونعيب غربان وصوت صرّار الليل إذ يعلن الحرب على السكون، أصوات باعة يجرّون عرباتهم الخشبية وينادون على بضاعتهم، آخرون يضعون البضاعة في سلال يحملونها فوق رؤوسهم، أو يبسطونها على الأرض، خس وبصل، حلبة وفجل، ملابس مستعملة، لكستك ودوندرمة، مكّاوية وشعر بنات وعسلية، دبس وراشي، رمّان ونومي حلو، أقمشة من كل صنف ولون، بازة، كتّان، موسلين، شيفون، بوبْلين، موهير، همايون، كودري، و·· طفي الضوه والحقني عباءات وجراغد حَبَر يأتي بها البائعون من مناطق أخرى، الكل يصيح، الأصوات تتوالى، صوت بائع الفرّارات ومصلّح الفرفوري، وحدّاد السكاكين، وبائعة القيمر والدهن الحُر، صوت كاشفي الطالع بقراءة الكف أو قراءة الملامح·· أصوات زاعقة وأخرى مثل هسيس تتدفق بلا هوادة وتسخر من أيام زهوك التي انفلتت من زمنها، أصوات تقول لك لقد مرّ الزمان بك مرور الشهب حين تسقط على أمكنة لا نعرفها·
 
ومع أن الزمن لا يمكن أن يعود إلى الوراء، وأن ما يمضي منه يشبه إلى حد بعيد ميتاً تنقضي مدة إقامته في الحياة، ولكن دعنا نتعامل مع الأمر كما لو أن الزمن يعود حقاً·
 
***
 
في ذلك الزمان الذي انقضى حاملاً أحزانه ومسراته، كان السيد مهران واحداً من (أعيان) الحي القريب من الجسر الحديدي من جهة الرصافة، هو لا يملك ما يملكه الأعيان عادة، لكن الجميع ينظر إليه كواحد من الأثرياء لمجرد أنه يملك أكثر مما يملكون، له بيت واسع يواجه نهر دجلة، وباحة الحوش من الآجر، يحتوي على خمس غرف، تشغل عائلته غرفتين، والثالثة صغيرة تجاور الدرج في نهاية البيت يشغلها صابر، الأخ غير الشقيق لمهران، أما الغرفتان الباقيتان فيؤجرهما لعوائل صغيرة العدد، الأولى تسكنها رازقية الحفافة، وهي أرملة خمسينية، داكنة البشرة، مترهلة الجسم، ذات وجه موشوم الحاجبين، مات زوجها بالسل دون أن تنجب منه، وهي متخصصة بتزيين النساء وتحضير العرائس ابتداءاً من خياطة البدلة والبرقع حتى تنظيف الجسم والوجه، عدّتها ديرم وسبداج قلاي وكحل مصنوع من شحم البقر المحروق ومطحون الحنطة، لكنها بعد سنوات عانت من كساد مهنتها، إذ انتشرت صالونات الحلاقة في بعض مناطق بغداد، في الأعظمية وحافظ القاضي والباب الشرقي، وصارت بدلات العرائس تُشترى أو تؤجّر مع أكاليل مصنوعة من قماش الأورغنزا والتول ومزينة بالخرز أو بالورود المطرزة بخيوط البريسم، وبعد أن توقف مورد رزقها عملت في بيع الملابس المستعملة، تشتريها من مرهون الذي يشتريها بدوره من تاجر بالات في سوق الهرج، تحمل صرّتها كل يوم وتدور على البيوت القريبة، أو تذهب لتصريف بضاعتها في العلوازية، وأحياناً تذهب إلى الحي الأكثر فقراً حيث يعيش الناس في ضنك مستديم، إلى الميزرة خلف السدّة القديمة التي يسكن معظم ناسها في أكواخ تنز عليهم أيام الشتاء الباردة·
 
أما الغرفة الثانية فيشغلها حامد الذي يشتغل في معمل للطابوق على أطراف بغداد، مع زوجته سعدية، الشابة الفاتنة، ذات البشرة البيضاء الشفافة·
 
واجهة البيت عريضة، يتقدمها من الجهة اليمنى دكان مليء بالبضاعة، رز وسكر وشاي ودهن وحمّص وعدس وفاصوليا يابسة، وعلى الرفوف الخشبية تصطف عُلب مساحيق الغسيل والصابون والكبريت، وسجائر غازي ولوكس، وشموع ولالات وفوانيس وأكياس حنّاء، وعلى الدكة الأمامية زجاجات شفافة تحتوي على الملبّس والعلكة والزبيب وحب البطيخ وجكليت التوفي والسمّاق وحبة الخضرة وأصابع السمسمية والشكرلمه، فيما تستقر في إحدى الزوايا صناديق المشروبات الغازية، بيبسي وكوكا وكوثر وسينالكو وسيفون، وبين رف ورف تلتصق قطعة كرتون مكتوب فيها بخط رديء آية من آيات القرآن·· (إنما نطعمكم لوجه اللّه لا نريد منكم جزاءاً ولا شكورا) وهو لم يطعم أحداً بالمجان، و(لئن شكرتم لأزيدنكم) ولم يسمعه أحد يقول كلمة شكر، لا للّه ولا للبشر، و(والعصر إن الإنسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فأية صالحات عملتها يا سيد مهران؟ وفي صدر الدكان ترتفع قطعتا كرتون بالمعوذتين، لأنك تخشى عيون الحسّاد وما يوسوس في الصدور من شرور يحملها أحدهم إليك·
 
وكانت للسيد مهران تجارة رائجة في موسم الشتاء، تزداد سعة كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، تلك هي تجارة البواري وقطع الخشب وحزم الغَرَب والزور·
 
هل تذكر يا سيد مهران ذلك الصباح المتوهّج بالضوء، حينما رست أول دوبة تحمل بضاعتك الجديدة؟ كادت أنفاسك تنقطع من شدّة الانفعال، صرخت بأعلى صوتك على أخيك صابر، ورفعت بوجهه يدك اليمنى المليئة بالخواتم الفضية:
 
- أيها البغل، ما بك واقف دون حراك؟
Page 5
ولأن صابر يؤمن بداخله أن البشر صنفان، سادة وعبيد، وهو دائماً في الخانة الثانية التي وجد نفسه عليها، فقد تحرّك دون إبطاء أو اعتراض على مناداتك له بالبغل، حتى أن البعض نسي اسمه وصار يناديه بهذه التسمية، وعلى العموم ليس ثمة فرق كبير بينه وبين البغل، فالاثنان يتحملان أكثر من طاقتهما دونما احتجاج، أو حتى شعور بالاستياء، إلاّ أن البغل يحرن أحياناً، ويرفس دلالة على الرفض، أما صابر فليس له إلاّ الطاعة والخضوع·· في غضون دقائق جمع لك عدداً من الأولاد، وعدهم كما أخبرته بأن يعطي كل واحد منهم عشرة فلوس بعد الانتهاء من العمل، هرعوا إلى الدوبة التي رست قرب الدرج الحجري الصاعد من الشاطىء إلى المسناية، وصعدوا إلى الدوسة التي مدّها أحد العمال بين سطح الدوبة وحاشية النهر، حملوا قطع الخشب ولفائف الحصران، أما البواري الثقيلة وحزم الغَرَب والزور فلها من يحملها، صابر وثلاثة رجال من عمال الدوبة، يطوون البارية الواحدة ويشدّونها من الوسط فتأخذ شكلاً اسطوانياً، ثم يحملونها على ظهورهم ويمضون بها إلى المكان المخصص بين المسناية ورصيف السدّة المقابل لدكانك، كان ذلك المكان ممهوراً بلعب الأولاد، كرة قدم ودعبل وشطيط، ولكنك صادرت المكان دون اعتراض من أحد·
 
كان الشتاء على الأبواب، وقت مناسب للبيع، تبيع حزمة الحطب بضعف ثمنها، والبارية بزيادة درهم، والناس تشتري بسبب حاجتها، برغم الفقر الذي هم عليه، أما الفقراء جداً من سكنة الأكواخ فيهرعون إلى البساتين المجاورة، يجمعون كرب النخيل والأغصان الجافة، يستخدمونها في الطبخ والتدفئة إذا تأخر موسم السيل·· وموسم السيل هذا يأتي بالخير الوفير للجميع، جذوع نخيل وصناديق خشبية وقصب سُكر وسعف وقطع أخشاب والكثير مما يجرفه منسوب المياه المرتفع من الغابات والبساتين البعيدة حين يفيض نهر دجلة، ويكون موسماً حافلاً، يجمعون مؤونتهم من هذه الخيرات وينشرونها على السطوح، أو أمام بيوتهم، حتى تجف ثم يستخدمونها حطباً في أيام الشتاء التي لا ترحم أجسادهم، عند ذاك تصاب تجارتك بالكساد·· وبرغم أنه لا يحق لك استغلال أرض الحكومة، إلاّ أن أحداً لم يعترض على المساحة الكبيرة التي اقتطعتها وصارت تسمى بساحة الحطب، والبعض يسميها سكلّة مهران·· أما في الصيف، فأخوك البغل يتكفل بإنزال بضاعة الدكان التي تأتي محملة في سيارة من نوع البيك آب، يفرزها ويصفها في المكان المخصص لها، قبل أن يمضي بعربانة اللكستك ويدور بها بين البيوت، أو يقف قرب الشاطىء حيث يتجمّع الأطفال للشراء، ولا يتوانى الكبار من تذوّق اللكستك، فالصيف حار ولا يطفىء الظمأ غير هذا الطعم الحلو البارد، ومن لم يجد النقود للشراء يهرب إلى النهر ويرمي إليه جسده الغارق بالعرق، ليخفف من وطأة الحرارة ولسع البعوض·
 
البيوت تكاد تختنق بهذا الكائن الهش الذي يهاجم الفقراء في الليل والنهار، وسيارة الصحة تتأخر كثيراً في رش المواد المعقمة، لذلك تراهم يشعلون المواقد لأطول فترة كي تنقذ أجسادهم من البعوض، فتمتلىء رئاتهم بالدخان، ويعانون ضيقاً في التنفس، لكن ذلك أرحم من لسعات البعوض·
 
***
 
أعرف أنك متعب يا سيد مهران، وأن الأيام خضخضتك، مثل راكب في عربة تمشي على أرصفة متعرّجة، وأدرك أنك مأزوم، فرجل مثلك في العقد السابع من العمر، منخور العظام والذاكرة، لا بد له أن يكون في الحال الذي هو عليه الآن·
 
هل تشاهد هذه الجموع التي نفضت رماد سنينها البائدات وزحفت إليك من خلال رأسك المزحوم بالصور؟ جلّهم الآن موتى، وسيموت عدد أكبر مما تراه في السنوات اللاحقات، بل سيأتي زمن لا يجد فيه الناس وقتاً لدفن موتاهم أو حتى لإيجاد قبر لهم، سيموتون شر ميتة لو أدركوها منذ زمن بعيد لوضعوا حداً لحياتهم بأيديهم، وسيكون عزرائيل قد تقاعد من هذه المهنة الشاقة إلى الأبد، وانزوى في مكان قصي وبكى بحرقة ومرارة على ما حلّ بالناس، سأحدثك عن هذا الزمن في وقت لاحق·· إنتبه إليّ حين أتحدّث إليك، هل تبحث عن شيء مفقود بين الأحجار؟ لن تجد، إنها فقط طوابير النمل التي تبحث عن مؤونتها، ما لك تتلفت كأن صوتي يأتيك من زوايا متفرقة؟ لا أحد يلاحقك اليوم غير ذنوبك، وأعرف أنك ما أتيت لهذا الاستذكار، بل لأشياء أخرى تقض مضجعك، ولكنني رغبت في المضي معك إلى أبعد من ذلك، فقط لأثبت لك بأنك في الصحو الكامل ولست في الحلم، وأننا معاً يمكن أن نزيح الغلالات الرمادية، ونكشف المطمور تحتها لنريح الأرواح مما أتعبها كل تلك السنين·· لا كابح اليوم على ما نعترف به، فالممنوعات ذهبت مع الذين ذهبوا بفعل انتهاء مدة إقامتهم في الحياة، مضوا إلى عالم مجهول، وأعمار أبنائهم الآن فاقت أعمارهم إبان كانوا في الحياة، ربما لو حدثت معجزة وعاد الأموات، لما عرفوا أبناءهم، ولساورهم الشك فيما يرون، وإذا ما تيقنوا سيدهشون، وسيسخرون، إذ كيف يصبح الأبناء أكبر من آبائهم؟
 
دعناــ الآن مـن هـذا وقـل لي، ماذا تريد من هذه النخلة الشائخة التي ما عادت تعطي رطباً جنياً ولا ينبت الطلع في قمتها؟ هل تبحث فيها عن ذكرى الرجل الذي ما شعرت يوماً بالود نحوه؟ رجل طويل القامة، نحيف، أسمر البشرة، لا يخلو من الوسامة، باسم الوجه برغم أنه يحمل اسم عباس، كان قد اقترب منك في أحد النهارات، بينما كنت تراقب وصول بضاعتك النهرية، وحتى وصولها كنت تستمتع برؤية النساء على الشط، لعل إحداهن سهت عن ثوبها فارتفع وكشف عن كنوزها، وكانت سعدية قد مرّت بك قبل قليل، حاملة طشت الغسيل، ونازلة إلى النهر، تمضغ العلكة وتتعمّد أن تخرج صوتاً من بين أسنانها، وما إن حاذتك حتى راحت تنفخ العلكة، ثم تفجّرها، ناظرة إليك وضاحكة، فتستفيق حواسّــك·
Page 6
بصوت خفيض ألقى عليك السلام، وسألك:
 
- أين يمكن أن أجد الحاج محسن؟
 
أجبته دون أن تتمعّن كثيراً في وجهه:
 
- أدخل تلك الدربونة، ثم خذ يمينك إلى دربونة أخرى طويلة ستوصلك إلى نهاية الحي، عندها ستواجه مزرعة واسعة، إسأل هناك، أي شخص سيدلك على قصره·
 
مضى الرجل إلى حيث أشرت له، ولو كنت قد عرفت ما جاء من أجله، لفبركت له أموراً تجعله يهرب قبل أن يفكر في استئجار الأرض الملاصقة لبيتك، والتي تخترقها ساقية، تأتي مياهها من النهر وتمر بعدة بيوت، ثم تمضي إلى مزارع الأغنياء في نهاية الحي·· هل تذكر؟ كنت قد فتحت باباً خلفياً، يطل على الساقية لتستخدمه عائلتك ومستأجرو غرف بيتك لأغراضهم اليومية، وكان الحاج محسن - مالك الأرض - في هذه الأثناء بصدد تحويل الساقية إلى اتجاه آخر، إذ أن المزارع اتسعت، وهي بحاجة إلى ساقية أطول وأعمق·
 
بعد أيام قليلة عاد الرجل الذي اسمه عباس، ومعه ثلاثة شبّان أقوياء، يحمل كل واحد منهم فأساً وكركاً، نزل الجميع من لوري محمّل بالتراب والأحجار، قطعوا ماء الساقية بوضع الأحجار على فمها، ثم دكوا الأرض وردموها بالتراب، ووضعوا في بعض الجهات علامات محدّدة، وعندما خرجت إليهم غاضباً قال لك عباس بصوته الخفيض الوقور: سنصبح جيراناً، لقد استأجرت الأرض من الحاج محسن·
 
لم تستطع فعل شيء، فأنت أيضاً لا تملك الأرض التي تقيم عليها·· وبعد يومين عاد الشبان ليشيّدوا دار عباس الذي ما حظي منك بود أبداً، فبقي جاراً غير مرحّب به، برغم محاولاته الاقتراب منك، ومما زاد من الجفوة بينكما أن اللّه أعطاه ولداً كثير المشاكل لا يشبه طبائع أبيه، كان اسمه مرتضى، وقد ناصب ابنك منصور العداء بسبب أن الأخير كان يسخر منه دونما سبب كلما رآه، وكان عباس كلما تشاجر ابنه مع ابنك يأتي ويعتذر منك عن ذنب لم يقترفه هو، ويعاقب مرتضى عقاباً متطرفاً، كأن يهدده بوضعه داخل گونية ورميه في النهر، أو بربط رجليه بسلسلة حديدية وشدّه إلى جذع النخلة طيلة ما بعد الظهيرة·· لكن هذا العقاب يزيد مرتضى شعوراً بالانتقام من منصور، وقام في إحدى الليالي بسرقة دراجته، تسلل من فتحة الدرج ونزل إلى بيتك ثم مشى إلى الزاوية التي يركن فيها ابنك دراجته، مشى دون هاجس خوف كأي لص محترف، أخذ الدراجة وغادر البيت من الباب الرئيسي وليس من فتحة الدرج، ثم مضى بها إلى الجسر الحديدي ورماها من هناك إلى النهر، وكان مصيره أن قضى شهراً في التوقيف لم يعترف بفعلته برغم التعذيب الذي تعرض له، ومشت الأيام والسنين على عكاز من قصب تصفر فيه الرياح، حتى استُدعي مرتضى للخدمة العسكرية في الوقت الذي كان فيه منصور يقدم أوراق البعثة إلى القاهرة، عمل مرتضى في ثكنة في الشمال، ويبدو أن الجيش قد غير الكثير من طباعه فأكمل الخدمة ثم تطوع وأصبح نائب ضابط، ودخل معارك عديدة خاضها الجيش هناك قبل أن تأخذه حرب الثمانينات إلى البصرة في أقصى جنوب البلاد، ويسقط أسيراً حينما تسقط مدينة الفاو، وعندما عاد من أقفاص الأسر بعد عشرين سنة لم يتعرّف عليه أحد أول الأمر، فقد عاد شيخاً طاعناً بالسن، تملأ وجهه التجاعيد وبلا أسنان حتى بدا كأنه والد أبيه، وكانت البلاد تستعد لعصر المفخخات·
 
***
 
ها أنت تراهم يتحركون، من أمامك ومن خلفك·· رجال شاحبو السحنات، نساء ضاجّات بالحركة، أطفال معفرة وجوههم بسوء التغذية وفقر الدم، وشابات رشيقات، وأخريات مكتنزات، يسفحن أحلامهن عسلاً وحسرة على الطريق·· تظن أنهم خرجوا من بيوتهم وأزقتهم، دون أن تدري بأنهم انسلوا من ثقوب ذاكرتك·· هل تراهم بوضوح أم أن عينيك الكامدتين تجعلهم يتخاطفون مثل ظلال في ليلة شتائية عاصفة؟ هل ترى تلك المرأة المفرطة في الغواية؟ المرأة التي تشم رائحة الرجال عن بعد، مثل كلبة سلوقية، وتعطي كل ذي نظرة حقها من الاهتمام أو من التجاهل·· إنها وردة، خرجت من بيتها، تمشي بدلال زائد عن الحد، وتلف عباءتها حول جسدها فتتواطأ الريح مع رغباتك المدفونة في قاع جسدك، تزيح ذيل العباءة فتبدو مفاتن جسدها من خلال ثوب القطيفة الأخضر الضيّق من جهة الخصر والصدر العامر الذي تلصف فوقه قلادة مجيدية الليرات··· وأراك في ذلك الزمان، وأسمعك·· أسمعك تماماً يا سيد مهران، وأسمع صوتها الناعم ذا الغنة المحببة، الذي يتموّج بالحروف فتضيع نهايات الكلام من فرط دلالها·· صوتها الذي يتسلل إلى ما تحت جلدك ويدغدغ فحولتك، تكاد تفترسها بعينيك الشرهتين، بينما كرة الشمس تختفي رويداً وراء صف النخيل تاركة في الفضاء لوناً أرجوانياً، قلت وأنت تستوقفها بابتسامة مخادعة:
 
- أهلاً بالقمر الذي يطل في وضح النهار ويمشي على الأرض·
Page 7
وبدلال فائض ردّت عليك:
 
- شلونك سيد مهران·
 
خرج صوتك ببلاهة·
 
- كلّش زين ما دام وردة يمّي·
 
تصنعت الزعل:
 
- عيب يا رجّال، أنت مثل أخويه·
 
رميت سؤالاً محتجّاً·
 
- وردة أنت ما عندك أخ، مو تمام؟
 
رق صوتها أكثر من ذي قبل:
 
- شكو بيها لو تصير أخويه؟
 
قلت بوقاحة، محاولاً جرّها إلى حبائلك:
 
- وليش ما أصير الحبيب؟ واللّه أصوغ على جسمك ذهب·
 
ضربت صدرها بباطن كفها:
 
- يا، ولك اسكت لتسمعك مرتك
 
أبديت عدم مبالاة بزوجتك·
 
- خليّها تسمع، شمسوّي؟ حرام اتمتع بهذا الجمال الرباني؟
 
تعلو ضحكتها الرنانة فيبين سن الذهب بين أسنانها المصفوفة كما اللؤلؤ، والمحاطة بشفاه مفروكة بالديرم، تمضي باتجاه النهر، تنادي على أختها عفيفة من أعلى المسناية، يتبعها مهران ببضع خطوات، لكنها تنحدر إلى الشط مسرعة، وتندس بين النساء، فيما يظل مهران يراقب حركاتها من فوق، ويتدحرج شبقه بين ساقيه، حالماً بامتلاكها·
 
أين أنت يا وردة الحلوة، وماذا حلّ بك بعد كل هذه السنين؟ وماذا عن عفيفة سليطة اللسان؟ أي سر جعلها تخفي سرها ولم تنطق باسم الرجل الذي فض بكارتها، برغم الفضيحة التي عمّت الحي كله؟ في صبيحة أحد الأيام توتر الجو بين الأختين:
 
- ليش عفيفة ليش؟ منو قشمرج؟ جاسم ابن فطومة لو صبيح ابن سليمة الخبازة؟
 
- لا هذا ولا ذاك، المهم هسّة شسوّي بهذا الحمل؟ إذا متلگيلي حل أنتحر·
 
- لو تنتحرين أحسن من هاي الفضيحة، على الأقل أرفع راسي بين الناس·
 
- شوفي وردة، لتصيرين شريفة براسي، إذا الناس متدري، آني وأنت ندري·
 
- آني أشتغل·
 
- ممرضة؟
 
- لتسخرين·· ما دام الناس تعرف آني ممرضة، ماكو أي شي يمس سمعتي·
Page 8
- بس أنت مو مموضة·
 
- راقصة·· گوليها وريحي نفسج·· آني راقصة، لكن شريفة، ولا واحد گدر يضحك عليّ، آني أضحك عليهم، همّه شمحصلين مني غير عصرة الإيد وغمزة العين؟
 
تجلجل ضحكة عفيفة في أرجاء البيت الذي كان مغلقاً على أسراره، والذي صار بين ليلة وضحاها حكاية الناس الأثيرة، حتى اجتمع عدد من رجال الحي ذات مساء، وراحوا يناقشون الأمر فيما بينهم، ويستجوبون عدداً من الشبان المشكوك بهم·
 
- هل فعلتها أنت يا جاسم؟
 
- لا واللّه·
 
- وأنت يا صبيح؟
 
- أقسم بروح أبي لم أدخل بيتها إلا لاستحصال الإيجار، لماذا لا تسألون ضياء؟
 
- ها، ماذا تقول يا ضياء؟
 
- أنا، يمكن أعشق ألف امرأة، لكنني لا أقرب الحرام·
 
- إذن أنت يا حسن·· رأيناك أكثر من مرة تدخل بيتها·
 
- وهل أنا الوحيد الذي يدخل بيتها؟
 
- ما الذي تفعله هناك؟
 
- أذهب لأتسلى·· بالكلام فقط·
 
- واللمس؟
 
- أعوذ باللّه·
 
- إذن كيف حبلت، من الهواء؟
 
- اسألوها·· ثم، أنني أحب وردة، وصارحتها برغبتي في الزواج منها·· وللأسف رفضت، اسألوها·
 
- هل تتزوج مطلقة وأنت لم يسبق لك الزواج؟
Page 9
- وماذا في ذلك؟ ثم أنها شابة جميلة، وليس لديها أولاد أو أقارب، يعني مقطوعة من شجرة·
 
- آه·· آه على شباب هذه الأيام، لا يسألون عن العائلة والعشيرة، لقد انقلبت الدنيا فعلاً·
 
- الأحوال تغيرت يا عم·· أنت تتحدّث عن أيام الملكية، ونحن الآن في العهد الجمهوري·· مفاهيمك بالية·
 
يتراجعون، تتراجع صورهم، تختفي في دهاليز الذاكرة المنخورة، يتكوّم السيد مهران قرب النخلة، هي ذاتها النخلة التي كانت منتصبة عند المدخل الخلفي لبيته، والتي صارت من حصة بيت جاره عباس، أحاط قاعدتها بسنادين ورد الجوري والقرنفل وحلق السبع·· إلا أنها اليوم عجفاء، رطبها صار حشفاً يابساً مثل امرأة عجوز بانتظار من يطرق على بابها ويؤنس وحدتها، لا ورد ولا سنادين·
 
يحاول الوقوف ثانية، يستند إلى الجذع المحرشف، حبات عرق تسيل من جبينه وتأخذ طريقها إلى صدغيه ثم تنحدر إلى رقبته المجعدة، وهو ما يزال يطارد أشباحه، ضائعاً بين الشك واليقين، يمسح بعينيه الأرض التي كانت تعج بالحياة وبالصخب فتعود الأشكال وتتحرك، يتحركون من أمامه ومن خلفه، تحيط به أصواتهم، يرى الجموع تهرع إلى النهر، حاملين جريد النخل والعصي، إنه موسم السيل، مدُّ الماء يعلو ويمضي سريعاً كأنه مطارد، ودون كلل يحمل عطاياه التي جاء بها من الغابات والأحراش النائية·· إنهم يتسابقون لجمع مؤونتهم·· يراهم بعينين مغتاظتين، يقف على المسناية، يلعنهم في داخله ويلعن المد، يرى الجثث الطافية التي لا يُعرف أهلها، يقذفها الموج قريباً من الشاطىء، جثة امرأة، جثة طفل، جثة رجل، أو جثث أخرى لحيوانات نفقت، ربما بسبب الفيضانات التي لم يتحسّب لها أحد في القرى القصية، أو بسبب انجراف التربة، تأتي مثلما تأتي الجذوع والأغصان والنفايات مع مجرى المياه العكرة·· يقطّب السيد مهران ويلتم غضبه بين عينيه، ليس بسبب تلك الميتات والملامح المنتفخة والمشوّهة لأصحابها، بل لكساد تجارته في مواسم السيل·
 
***
 
لا عليك أيها الرجل، ذاك زمان ولّى، وها أنت اليوم تقف على أنقاضه، كل ما عليك فعله هو أن تتخلّص من أسرارك التي أثقلت على روحك، إنها ديونك المؤجلة منذ زمن بعيد، وعليك أن تسدد فواتيرها الآن·· تجاهلتني طويلاً وآن لك أن تصغي إليّ، لا فائدة من استمرارك بالتغاضي ومحاولة دفن الحكايات، الاحتفاظ بالأسرار يا سيد مهران يشوّه الروح ويجعل قروحها منفتحة دائماً·· أعرف أنك صلب ومكابر، ومراوغ أيضاً، حتى وأنت تدرك قصر المسافة بينك وبين القبر، ولكن، لم يبق من العمر ما يكفي أو يستحق المراوغة، قلبك اليوم خامد، لا شيء فيه، إنه ليس أكثر من عضلة تسرّب الدم الفاسد، حتى أنك حين جئت ثانية من الغيبوبة، لم تتعرّف إلى الرجل الذي كنته ذات يوم، خالجك شعور الذي يعود من الحروب الخاسرة بقلب وعقل معطوبين، وينظر في المرآة فيدهشه ما يرى، دعنا الآن من هذا، وتعال نواصل التجوّال في هذا المكان المقفر إلا من صدى الحكايات، وأعدك بأنني سأجاري خيالاتك وأوهامك كما لو أنها حقائق·
 
أنظر إلى تلك الزاوية، هناك يقرفص صابر الذي تصر على تسميته بالبغل، منذ زمن أبعد من هذا بكثير، حين تركته أمك أمانة بين يديك، وهو ابن السادسة أو السابعة من العمر، وكنت وقتها ابن الثانية عشرة ولا تحمل لصابر أيّ ود، لماذا تجهمت؟ أنا لا أمعن في ايذائك إذ لا سلطة لي عليك سوى سلطة الكلام، وقد استغرق الأمر زمناً طويلاً كي أفهم نواياك، كنتُ حديث عهد بمناوراتك، تماماً مثل طفل يستكشف العالم بعد أن خرج من رحم أظلم وراح يستجمع من خلال عينيه وحواسه ما يحيط به، كي يشكل زاد معرفته، وها قد فاض ما امتلأ، وجئت لأذكرك، برغم أن الذكرى المتأخرة لا تنفع، وأحكي لك عن صابر ما تعرفه وما لا تعرف، وإذا شئت دعني أقترح عليك أن نصمت نحن الأثنين ونتسلل إلى غرفة صابر التي أخرجتها ذاكرتك رغماً عنك، لنتسقط الكلام، فهو كما تعلم في ذلك الزمان كان يكلم نفسه طيلة الوقت·
 
***
 
أتقلّب على الفراش بعظام مضعضعة، أنا الرجل المنكود، أنام على مخدة محشوّة بالخرق القديمة البالية، لا أدري لماذا لا يهمد جسمي برغم التعب المضني، ساعات العمل اليومي طويلة، وطويل كالعادة صبري، أصابعي تؤلمني، أطرافها خشنة، اللّيط جرّحها، ومهران لا تهمه جروحي، بل يعتبرها أمراً مفروغاً منه وغير ذي أهمية، فأنا البغل على كل حال، بل ربما أقل من ذلك بكثير، أنا دودة الأرض التي ان نجت من السحق تحت الأقدام ستمضي إلى الجحور·
 
ما هذا الذي ينهش جسمسي؟ أوه، إنها البراغيث، تسرح وتمرح وتمتص دمي لتعيش، تعيش على دم رجل مسكين، أظنها لا تفكر أبداً بدم مهران السمين ودم زوجته المتوردة، فراشهما نظيف، ناعم، وينامان على سرير من البرنج، تعلوه كلّة من قماش الململ الشفاف لتقيهما لسعات البعوض، وسرير ابنهما منصور من خشب الصاج، أرضية الغرف مفروشة بسجاد اشتراه مهران من الوافدين لزيارة العتبات المقدسة، مستغلاً حاجتهم للنقود·· أما أنا فقد عجزت عن طلب سرير من جريد النخل ينقذ جسمي من رطوبة الغرفة المفروشة بحصير عتيق·· أنت بغل يا صابر، والبغل لا ينام على الأسرّة، كما أنه ليس بحاجة إلى سجاد، وأنا أنكسر وأضعف كل يوم، وأكظم غيظي تحت هذا الجلد الذي صار مأوى للبراغيث، بينا مهران يسخر مني، ومن المرآة المكسورة التي ألصقتها على الحائط:
 
- مرآة يا بغل، ماذا ترى فيها، وجهك الأسود المصخم؟ أم تظن أن امرأة ستعجب بك يوماً·· ها ها ها·
Page 10
وتمضي ساخراً دون أن ينتفض عرق فيك·· تهشم في روحي بقايا أحلام صغيرة، وربما تافهة، فأهشم مرآتي··· آخ، إنها تلسعني، تلك البراغيث الملعونة التي لا تشبع أبداً·
 
هل سمعت يا سيد مهران؟ صحيح انه الصدى لذلك الذي لم تشبع البراغيث من جسمه، ولكنه صدى مؤلم، كتبه في أوراقه، وسنقرأ الكثير من تلك العذابات، صدى يجيؤك وأنت في أرذل العمر، تحاول عبثاً إسكاته وطمره بعيداً عن هذه الروح المفجوعة بتصدعاتها، دعنا نسمعه ثانية:
 
- ينهمر ضوء الصباح على النهر وأنا أجلس بين الصخور، بدشداشة كالحة ممزّعة، أوجار الفئران الكبيرة مفتوحة، ينط أبو عرس، أو تفوت سحلية قرب قدمي فأهب واقفاً وأغيّر المكان·· تنق ضفدعة وتقفز إلى الماء، فأقفز إلى صخرة أخرى·· أحياناً يطول الوقت حتى تلوح الدوبة، فأتشاغل بالنظر إلى الضفة الأخرى من النهر، حيث تصطف الجراديغ التي لا أعرف عنها أكثر من أنها استراحات صيفية للعسكر، أو لأصحاب الذوات، تنطلق منها عند المساء وحتى أوقات متأخرة من الليل أصوات نساء غجريات يغنين السويحلي والنايل والهجع، وتشتعل أمام الجراديغ كوانين السمك المسگوف·· يطول الوقت فأصعد إلى المسناية، عيناي تتابعان نقطة سوداء في أقصى امتداد النهر، تقترب رويداً، وما إن تأخذ شكل دوبة حتى أهرع وأصيح بأعلى صوتي على الأولاد المتجمهرين على حواشي الجروف، أو فوق السدة·· هيا يا أولاد، الدوبة قادمة، كل واحد منكم سيأخذ عشرة فلوس·· فيتسابقون إلى النهر، وحينما يزيد العدد يصرخ مهران: لا أريد أكثر من خمسة، انكم تكلفونني الكثير·· ينظرون إليه بتوسل، متابعين اشارة ابهامه التي ستختار الأقوى منهم، أما أنا فأقوم بأكثر مما يقوم به الأولاد الخمسة، وبلا مقابل: أنت تأكل وتشرب وتنام أيها البغل، ترسو الدوبة بحمولتها الكبيرة ويبدأ العمل، أطوي البارية وأحملها على ظهري، أصعد بها إلى المساحة المخصصة، بينما يحمل اثنان من الأولاد بارية واحدة، أشيل أربع حزم من الغرب والزور وأرصّها على بعضها، في حين يحمل كل واحد منهم حزمة أو حزمتين: اسرع يا بغل، نحن نقترب من صلاة الظهر·
 
من أين جاءتك غلظة القلب على أخيك؟ أليست البطن التي حملتك حملته؟
 
ذات هزيع هطل المطر عنيفاً متواصلاً، مصحوباً برياح شديدة هزت أغصان الشجر وسعف النخيل وعبثت بالأبواب، محدثة صريراً واندفاعات متتالية، اندفعت المياه من الكوى والثغرات، مهددة بيوت الصفيح والتنك، ثم لما اشتد المطر، انثلمت أجزاء من السدة، من الجهة التي تصطف عندها البيوت فزعت النفوس وفزّت الأجساد، بحثت في الليل الدامس عن أعواد الثقاب، وأشعلت اللالات والفوانيس واللوكسات، حملت الأطفال إلى أسرّة الآباء وراحت تدرأ سيلان الماء عن الغرف بوضع خرق وأحجار على العتبات، واستخدمت الطاسات والقدور في رمي الماء من الغرف إلى الحوش الذي غرق هو الآخر، وكم من كوخ سقط على رؤوس اصحابه حين فاجأهم المطر من ثقوب السقوف فاستنجدوا بجيرانهم، وهب هؤلاء لنجدتهم·
 
ولم ينجُ بيتك يا سيد مهران برغم متانة بنائه، فقد دخل الماء من السطح عبر الدرج، في حين كنت قد تحسبت لمدخل البيت بإقامة دكة تعلو السدة قليلاً، وتنحدر من نهايتها اليسرى إلى الدربونة، حيث يتسرب الماء إذا ما دار في خاطر النهر أن يثور، لكن الهيجان هذه المرة جاء من المطر الذي تواطأ مع الرعد بإخافة الأطفال، الذين ظنوا أن (عبد الشط) هو الذي ضرب بعصاه النهر ورفع مياهه إلى السماء، ثم أسقطها على الحي كلّه·
 
أيقظتك أصوات الرعد والرياح، قمت تتفقد البيت، فإذا بالماء قد وصل الباحة، رحت تستند إلى الحائط حتى وصلت غرفة صابر وصرخت: أيها البغل إنهض، أنت غارق في الماء·
 
ورحت تلكزه برأس عصاك كما لو أنه بهيمة، ثم تركله بقدمك الثقيلة على عجيزته، فيفز مرعوباً ويصرخ دون وعي: ها، ها، عفريت، عفريت·
 
يزداد غضبك وغلّك فتضربه بالعصا على وجهه: أنا عفريت يا ابن الكلب؟ قم وانزح المياه مثل البقية·
 
البقية هم، رازقية الحفافة، وحامد وزوجته سعدية، عدت إلى الحوش تسترق النظر إلى سعدية التي رفعت طرف ثوبها، وراحت تغرف الماء وهي تتلوى·
 
كم أسعدتك هذه السعدية، هل تذكر؟ فاجأتها يوماً، بعد أسبوع من استئجارها الغرفة، كانت في زاوية من الحوش، تدعك الثياب وتفتح ساقيها حول الطشت، ولم تكن قد وضعت الشيلة على رأسها، حين رفعت نظرها واكتشفت وجودك، وكنت تحدق بها بعينين محمرتين، لطمت صدرها المكشوف نصفه، وسحبت ساقيها، ثم ركضت إلى غرفتها وأغلقت الباب·· كم عذبتك في لياليك، وكم أعطتك وعداً وأخلفته في أحلامك·· تقول في سرّك إنها درة، ولكن للأسف تزوجت من لا يعرف قيمتها، ثم تقرر: سأنالها، إن لم يكن اليوم فغداً، لأنك شممت رائحة انثى توحي بعكس ما تتصرّف·