eKtab
EN ع
نعم تستطيع ! المسؤولية الاجتماعية والتغيير
Read free sample

نعم تستطيع ! المسؤولية الاجتماعية والتغيير

by د. أوسم وصفي

Page 1

الفصل الأوَّل
نعم تستطيع!
لا يمكنُني أن أنسى منظرَ الشباب والأطفال الذين طالَتْ بهم إجازةُ منتصف العام بعدَ ثَورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، فقد انتَشَروا في أرجاء البلدِ كلِّها من شمالها إلى جنوبها يُنظِّفون الشوارعَ ويَطلون الأرصفة. ذاتَ مرَّة، وبينما كنتُ مارًّا في أحد الشوارع، شعرتُ بتأثُّر بالِغٍ عندما رأيتُ طفلًا من هؤلاء يحملُ كيسًا يجمعُ فيه التبرُّعات من سائقي السيَّارات لِشِراء الطلاء وأدوات التنظيف. بلا شكّ، لا يعملُ هؤلاء الشباب في تنظيف الشوارع؛ فهم في الأصل طلبةُ مدارسَ وجامعات. وحالَما انتهتِ الإجازةُ وأعادَتْ تلك المؤسَّساتُ التعليميَّةُ فَتْحَ أبوابها، توقَّفوا عن ذلك وعادوا إلى دورسهم وممارسة حياتهم الطبيعيَّة. لكنْ بكلِّ تأكيدٍ حدثَ في حياتِهم أمرٌ جديد. فَقد تغيَّرتْ نظرتُهم إلى أنفسهم وإلى بلدهم وإلى المجتمع الذي يعيشون فيه أيضًا.
أكتُبُ هذا الكلام الآن وأنا جالسٌ إلى طاولة في مقهًى يقعُ في الشارع الذي أسكنُ فيه. وبينما أنا مستَغرِقٌ في الكتابة، تَناهى إلى سمعي هتافٌ لمجموعةٍ من الشَّباب. وعندما وَصَلوا إلى حيثُ كنتُ جالسًا، اكتشَفْتُ بأنَّهم شبابٌ لا تزيدُ أعمارهم عن عشرين سنة يرفعون الأعلام وينادون: ‘‘خبز، حرِّيَّة، وحدة وطنيَّة’’، ‘‘مسلم مسيحي، يد واحدة’’. لقد استَشعَرَ هؤلاء الشباب أنَّ ثورَتَهم تتعرَّضُ للخَطَر بِفِعْل أحداث التوتُّر الطائفيِّ التي تلت ثورة الخامس والعشرين من يناير. لذا فقد خَرَجوا ليلًا بعد عَودتِهم من المدارس والجامعاتِ ليَتَظاهَروا ويُلهِبوا مشاعرَ الوطنيَّة لدى أبناء حَيِّهم ضدَّ آفةِ الطائفيَّة. أعترفُ بأنِّي الآن أغالِبُ دموعَ التأثُّر لأتمكَّنَ من مواصَلة الكتابة.
 

Page 2


الامتلاك
الحقيقةُ التي ينبغي أن تؤمن بها أنت هي أنَّك تستطيع، بل تحتاجُ لأن تُغَيِّر ما حولَك ليكتملَ شعورُك بالهُوِيَّة الإنسانيَّة.
ما الذي حدث؟ ما الذي حوَّل هؤلاء الشباب إلى أشخاصٍ مُهتمِّين بنَظافة شوارعهم بعدَ أنْ كانوا يفعَلون عكسَ ذلك؟ ما الذي فعلَتْه هذه الثَّورة الشعبيَّة بهم؟ لقد شعرَ المصريُّون والتونُسيُّون شعورًا عميقًا غيرَ مسبوقٍ بالامتلاك لبلادهم؛ لأنَّهم استَطاعوا تغييرها. إنَّ ما تستطيعُ تَغييره تشعرُ بامتلاكه. والعلامةُ الأساسيَّةُ لامتلاكِكَ أيَّ شيء هو أن تشعُرَ بالحرِّيَّة، أو تكونَ قادرًا على إجراء التَّغييرات التي تريدُها في ذلك الشيء. إذا أهداكَ شخصٌ ما هديَّةً بِشَرط ألَّا تُجرِي فيها أيَّ تغيير، فأنتَ لا تشعُرُ بامتلاكها. إنَّ من أكثر الأمور التي تجعلُنا غير مُقبِلين على الانخراط في مجتمعاتنا وتغييرها هو أنَّنا لا نشعرُ بامتلاكها. ونحن لا نشعُرُ بامتِلاكها لأنَّنا غيرُ قادرين على تغييرها، وهكذا تَنشَأ دائرةٌ مُفرَغةٌ من السلبيَّة واللَّامُبالاة في المجتمع. وثورة الشباب هي ما كسر هذه الدائرةَ المفرَغةَ، ولم تكسرْها فقط، بل عكستها أيضًا صانعةً دائرةً جديدةً من الامتلاك والرغبة في التغيير.
يبدأُ الإصلاح (ولا أعني الإصلاح السياسيَّ فقط، بل الإصلاحُ الفكريُّ أيضًا) عندما نصدِّقُ أنَّ الشعورَ بِعَدم القدرة على التغيير هو شعورٌ كاذِبٌ يَفرِضُه الآخرون علينا عندما يقمَعوننا ويسيطرون علينا، كما نفرِضُه نحن على أنفسنا عندما نركنُ إلى السلبيَّة والسكون. إنَّ الإنسانَ بطبيعته كائنٌ مخلوقٌ ليَسودَ ويتسلَّطَ على بيئته ويُغيِّرَها. وإذا لم يفعَلْ ذلك فهو عندئذٍ يعيشُ على مستوًى أقلَّ من طبيعته وفطرته، وأقلَّ ممَّا أراده الله له.
إنَّ عهدَ الخليقة (Creation Covenant) الذي قَطَعَه الله مع الإنسان عندَما خلقَه هو أن يُخضِعَ الأرضَ ويتسلَّط عليها (تكوين 1: 28).
وعدم قُدرتِنا على التغيير هو وَهْمٌ كبيرٌ صنعَه الكسلُ والخوف واحتقار البدايات البسيطة. فنِقاطُ المطر الصغيرةُ تكوِّنُ أنهارًا قادرةً على شقِّ بُطون الجبال، كما تُساهم في نشوء الحضارات على ضِفافِها. ولعلَّ أروعَ ما اكتشفَه الشعبان المصريُّ والتونسيُّ في ربيع العرب (2011م) هو أنَّ الفردَ الواحدَ الذي يَظنُّ أنَّه قَطرةٌ في محيط، هو قادرٌ أن يشكِّلَ مع الآخرين طوفانًا يقف ضدَّ الظلم والاستبداد ويهزمه، وذلك عندما يُغامِرُ ويهزمُ كسلَه وخوفَه ويُقرِّرُ أن يخرج. الحقيقةُ التي ينبغي أن تؤمن بها أنت هي أنَّك تستطيع أن تُغَيِّر، بل تحتاجُ لأن تُغَيِّر ما حولَك ليكتملَ شعورُك بالهُوِيَّة الإنسانيَّة.
‘‘تكمُنُ في البذرةِ شجرةٌ كبيرةٌ جميلةٌ تنتظرُكَ لكي تزرعَها فتُظلِّلَ بيتك’’.
‘‘تقفُ الألوانُ منتظرةً إيَّاك لكي تحوِّلَها إلى لوحةٍ جميلة تزيِّنُ بها جدارك’’.
‘‘القروشُ القليلةُ مُلقاةٌ في أدراجِكَ وأدراج زملائِكَ تنتظرُ مَن يجمعُها ويوجِّهُها لمساعدة الفقراء، أو للتبرُّع بها لعمل اجتماعيٍّ كبير يُفيدُ الكثيرين’’.
‘‘ينتظرُك مئاتُ الأمِّيِّين في القرى أو الأحياء الشعبيَّة المجاورة لكي تُعلِّمَهم القراءةَ والكتابة، ومن ثَمَّ تنخفضُ نسبةُ الأمِّيَّة بين أبناء شعبكَ، فلا يستطيع أحدٌ أن يُضلِّلَهم أو يستغلَّهم’’.
‘‘يمكنُ لصَوتِك الانتخابيِّ مع أصواتِ آخرين أن يُغيِّر الحكوماتِ ويرسمَ مستقبلَ بلدك’’.
إنَّ كلَّ هذه الأشياء تبدو بسيطةً؛ لكنَّها عندما تجتمعُ معًا فهي تصنعُ وتُغيِّر. وعندما تستطيعُ أن تُغيِّر ما حولَك فأنتَ تشعرُ بامتلاكه، وعندما تشعرُ بهذا الامتلاك يَزدادُ حماسُك للتَّغيير.

Page 3

يقظةُ الوَعيِ المجتمعيّ

عادةً ما يكتَسبُ الإنسانُ وجهةَ نظره من الثقافة المحيطة به. فإنْ كان من الطبقة الوُسطى، مثلًا، فإنَّه يتبنَّى الآراءَ التي تحافِظُ على مَصالح هذه الطبقة ومكتَسَباتِها دونَ أن يحاوِلَ وَضْعَ نفسِه في مكانِ طبقاتٍ أخرى من المجتمع. لا يكونُ عادةً مثلُ هذا الإنسان شخصًا واعيًا لما يحدُثُ من تهميشٍ أو ظُلْم لبعض الفِئات من المجتمع بسبب فروقٍ عرقيَّةٍ أو دينيَّةٍ أو إعاقاتٍ أو حالاتٍ خاصَّة، فلا يعارض أو حتَّى يُناقِش المفاهيمَ السائدةَ التي تتبنَّاها الطبقةُ أو الجماعةُ التي ينتمي إليها. فإذا كانَتْ هذه الجماعة تنظرُ نظرةً مُعيَّنة إلى النساء أو الأطفال أو الفُقَراء أو الأقلِّيَّاتِ الدينيَّة أو العِرقيَّة، فإنَّه يتبنَّاها دونَ حتَّى أن يتَساءَلَ بينه وبين نفسه بشأنها، كما يرى أنَّ كلَّ ما عليه فِعلُه هو أن يذهبَ إلى جامعتِه أو عمله ويدفعَ ضرائبَه ويكون مواطنًا صالحًا وكفى، لذا فهو لا يكونُ ناشِطًا على الصعيد الاجتماعيّ.

قد يحدُثُ شيءٌ ما يوقِظُ وَعْيَ مثلَ هذا النوع من البشر، فيبدأ في التَّساؤل والاستِكشاف. فمثلًا قد يتعرَّفُ بِصورةٍ عميقةٍ إلى شخصٍ من هؤلاء الذين تَبنَّى نظرةً نمطيَّةً لهم، أو يحدُثُ له أو أمامَ ناظِرَيه موقفٌ يُظلَم فيه شخصٌ أو يُعتدى عليه بسبَبِ انتِماءاته. عندئذٍ يمكنُ أن يستَيقظَ الوَعيُ الاجتماعيُّ لدى هذا الإنسان، ويبدأ في تَبنِّي وجهاتِ نظرٍ أخرى وربَّما يتَّسعُ وَعيُه الاجتماعيُّ أكثر فيتبنَّى قضايا فئاتٍ من المجتمع، ويصيرُ ناشطًا اجتماعيًّا. ومن الممكن أن يتَّخذَ هذا النشاطُ صوَرًا متعدِّدةً مثل النشاط الإعلاميِّ الذي يهدِفُ لأن يعرِّفَ بهذه المجموعة المظلومة وبقضاياها، وقد يحاوِلُ أن يعرِضَ أمامَ مجتمعه قصصَ الظُّلم الذي وقعَ على هذه الفئة، وقد يكونُ النشاطُ حقوقيًّا يدفَعُ إلى تغيير القوانين المتعلِّقة بهذه الفئة من خلال التأثير في البرلمانيِّين من أعضاء المجالس التشريعيَّة التي تَسنُّ القوانين، أو قد يؤسِّسُ جمعيَّةً للعَمل الاجتماعيِّ يُقدِّمُ من خلالها مساعداتٍ مباشرةً إلى هذه الفئة من الناس.

Page 4

الانتماء

إذا كنتَ تمتلكُ ما تُغيِّره وتغيِّرُ ما تمتلكُه، فأنتَ أيضًا تنتمي إلى ما تعرفُه ولا تنتمي إلى ما تجهلُه، بل ربَّما تشعرُ تُجاه ما تجهل بالخَوف أوِ الكراهِيَة. إنَّ الانعزالَ عنِ المجتمع يجعلُنا لا نشعرُ بالانتماء له؛ لأنَّنا لا نعرِفُه ولا نعرِفُ ما يَدورُ فيه من أحداثٍ ومجريات. والخروجُ إلى الناسَ والتعرُّفُ إليهم هو أوَّلُ خطوةٍ نحو الانتماء. ربَّما تَعيشُ أنتَ في طبقةٍ اجتماعيَّة واقتصاديَّةٍ معيَّنة ولَم يسبِقْ قطُّ أن عشْتَ بين أشخاصٍ ينتمون إلى طبقاتٍ أخرى، كما لَم تُشارِكْهم حياتَهم ولو لدَقائقَ مَعدودة. وقد تنتمي إلى أحد الأديان ولا تَعرِفُ أشخاصًا من أبناءِ وطنِكَ ينتَمون إلى دينٍ آخر. قد تكونُ من ساكِني المدن ولَم يسبقْ أن رأيتَ الريفَ ولم تَعِشْ فيه ولو لِيَومٍ واحد، وهكذا تَظلُّ دائرةُ شعورَك بالانتماء قاصِرةً على مَن يعيشون معَكَ في المدينة نفسها أو ربَّما الحيِّ ذاته. ربَّما لا تعرفُ ما يحدُثُ في بلدك من أمورٍ سلبيَّةً كانَتْ أم إيجابيَّة، فلا تشعر بالرَّغبة في المشاركة في ما هو إيجابيّ، أو مَقاوَمة ما هو سلبيّ. وربَّما لَم تُشارِكْ في المشاريع الخيريَّة التي أُنجِزَتْ، أو في الجمعيَّاتِ الخيريَّة التي تُساعدُ الناسَ؛ لأنَّك لا تعرفُ شيئًا عنها. وربَّما لَم تسمَعْ عنِ السلبيَّات التي قد تكونُ موجودةً في مجتمعك مثل عِمالةِ الأطفالَ أوِ العنف ضدَّ النساء. وقد لا تعرفُ أنَّ مجموعاتٍ عرقيَّةً مثل البَدْوِ أو الغَجَرِ أو غيرهم يُعانون الاضطهادَ، أو ترتبطُ في أذهان العامَّة أفكارٌ خاطئةٌ عنهم. إنَّ هؤلاء يحتاجون إليكَ لتُساعِدَهم وتُغيِّرَ أوضاعَهم في المجتمع. غير أنَّك قد تردُّ بالقول: ‘‘وكيفَ أغيِّرَ أنا وَضْعَ مجموعةٍ عرقيَّةٍ أو أقلِّيَّة دينيَّة؟’’ والحقيقةُ أنَّ الأمرَ صارَ الآن أسهَلَ ممَّا كان في الماضي قبل ثورة الإعلام والاتِّصالات. تستطيعُ الآن أن تكتُبَ مَقالةً وتنشرها على أحد مَواقع التَّواصُل الاجتماعيّ، كما تَستطيعُ مثلًا أن تُصوِّرَ فِلْما قصيرًا وتَنشرَہ على الإنترنت، وتستطيع أيضًا أن تُنظِّمَ تَظاهُرةً تَلفِتُ الأنظارَ إلى أمرٍ سلبيٍّ يَحدُثُ، أو أن تُعِلَن عن أمرٍ إيجابيّ. غير أنَّه قبلَ كلِّ هذا، أنتَ تحتاجُ لأن تشعُرَ بالانتماء، وبأنَّ هذه الأمورَ تَخُصُّكَ أنت أيضًا ولا تَخُصُّ أصحابَها المباشرين فقط.

Page 5

التَّغيير

يحدُثُ التَّغييرُ المجتمعيُّ بأنْ تُقرِّرَ أن تكونَ جزءًا من أمرٍ ما. وعندما تُعلِنُ عن ذلك، يتبعُك آخرون. إنَّ الرَّشوةَ، والإهمالَ، والتَّزويرَ، وعدمَ احترام قَواعد المرور، وإلقاءَ المخلَّفات، والكتابةَ على الجدران بقَصْد التخريب، والتَّلويثَ الضوضائيَّ والبصريّ، وعدمَ احترامَ الدور... إلخ- هي جميعها أمورٌ يمكنُ أن تقرِّرَ موقفَك بشأنها. في عددِ اليوم من صحيفة ‘‘المصريُّ اليوم’’[1]، كتبَ الروائيُّ المشهور علاء الأسواني أنَّه، في أثناء الثورة، كان مَوجودًا نحو الساعة الثانية بعد منتصف اللَّيل في ميدان التَّحرير [الذي صارَ رمزًا للثورة المصريَّة]؛ وإذْ كان يشعرُ حينها بالتَّوتُّر أشعلَ سيجارةً وألقى العلبةَ الفارغةَ في الشارع وراح يدخِّنَ شاردَ الذِّهن. وبعدَ ثوانٍ، شعرَ بِيَدٍ تَربُتُ كتفَه، فالتَفَتَ ليَجِدَ سيِّدةً في نحو السبعين من عمرها تُعطيه العلبةَ الفارغةَ وتقول له: ‘‘نريدها من الآن نظيفة’’.

ترى هل سيَستَطيعُ علاء الأسواني أن يلقي مرَّةً أخرى علبةَ سجائر فارغةً على الطريق؟ ولأنَّه علاء الأسواني فقد كتَبَ هذا في صحيفةٍ يوميَّةٍ قرأها ملايينُ الناس. تُرى، كم شخصًا من قُرَّاء الأسواني سيَتَوقَّفون، بسبب ما فعلته هذه السيِّدة العجوز، عن إلقاء عُلَبِ السجائر الفارغة على الطريق؟ وكم منهم سيُحاوِلُ أن يُقلِعُ عنِ التدخين تمامًا؟ كان من الممكن أن تقولَ هذه السيِّدة العجوزُ لنَفسها: علبةُ سجائرَ في الطريق لن تضرَّ أحدًا، ولن يُفيدَ رَفْعُها كثيرًا. غير أنَّها لَم تَقُلْ هذا، وكم أشكرُها لأنَّها لَم تفعلْ ذلك.

بلا شكّ، لا نستطيعُ أن ننسى دَورَ القوانين وتطبيقها في إحداث التَّغيير، لكنَّ التأثير الاجتماعيَّ يلعبُ أحيانًا دَورًا أقوى تأثيرًا من القانون.

لقد تربَّينا على عباراتٍ سلبيَّةٍ مثل: ‘‘هل أنا مَن سيُغيِّرُ المجتمع؟’’ أو عباراتِ تَهكُّمٍ ممَّن يعترضُ على شيءٍ ما، فنقول له مثلًا: ‘‘هل تظنُّ نفسَك مُصلحًا اجتماعيًّا؟’’ نعم! أنتَ وغيرُك يمكنُكُم أن تغيِّروا المجتمعَ وتُصلِحونَه. نعم! إذا استَيقَظَ وَعيُكَ المجتمعيُّ ونَما شعورُك بامتِلاك هذا المجتمع وبالانتماء إليه وإلى البلد الذي تَعيش فيه، فإنَّك تستطيعُ أن تُغيِّرَها وتصنعَ منها بلدًا أفضلَ يحترمُ الحرِّيَّةَ والعدالةَ وحقوقَ الإنسان، ويوفِّرُ حياةً أكرمَ لأفراده.

Page 6

الفصل الثاني
بيتُ أبينا
الإنجيلُ هو دعوةٌ ثلاثيَّة إلى: الخلاصِ الأبديّ، والتَّغييرِ الأخلاقيّ، والعملِ الاجتماعيِّ من أجل عالَم أفضلَ للجميع.
حكى لي صديقٌ يكبُرني سنًّا، وهو شخصٌ مهتمٌّ بالشَّأن السياسيِّ المصريِّ، كيف شعَرَ بالإحباط الشديد بسبب ما قالَتْه يومًا إحدى عضواتِ كنيستِه ردًّا على سؤالٍ من صديقةٍ لها تعيش خارجَ مِصْر. كانَتِ الصديقةُ قد سألتْها عن أحوالها وأحوالِ المصريِّين في أثناء الانتفاضة الشعبيَّة التي اندلَعَتْ في القاهرة يومَي 18 و19 يناير/كانون الثاني من عام 1977م وذلك ردًّا على رَفْع أسعارِ بعض السِّلَع الأساسيَّة، فكانتْ إجابتُها بالقول إنَّها والعديدَ من أعضاء الكنيسة يَشعرونَ بالضِّيق الشديد؛ لأنَّهم بسبَبِ فَرْضِ حَظْر التَّجوال، لم يَعودوا قادرين على الوصول إلى مَبنى الكنيسةِ لممارسة العبادة. يُستشَفُّ بوضوحٍ من هذه القصَّة كم هو مؤسِفٌ حالُ انعزال الكنيسة وشعبها عنِ الشأن السياسيِّ وكأنَّها جسمٌ غَريبٌ في نسيج المجتمع، أو جالِيةٌ أجنبيَّةٌ تَسكُنُ وطنًا غريبًا وتنتظِرُ حتَّى تنتهِيَ مَهمَّتُها فيه، فتَنطلِقَ عائدةً إلى موطِنِها. إنَّ لهذه النِّظرة، بالتَّأكيد، ما يؤيِّدُها في العهد الجديد الذي يحسبُ المؤمنين مواطِنين سماويِّين ينبغي أن يَشعروا ببعضِ الغُربةِ في الأرض مُنتظِرين الانطلاقَ إلى الوطن السماويّ. غير أنَّ هذه النِّظرةَ الضيِّقةَ تتجاهَلُ المسؤوليَّةَ الروحيَّةَ للكنيسة تُجاهَ الوطن الذي تعيش فيه (حيث إنَّ الكنيسةَ هي الأشخاصُ وليسَتْ شيئًا يملِكُه الأشخاص)، وتُجاهَ قضايا الوطنِ السياسيَّة والاجتماعيَّة.
كما أنَّ هذه النِّظرةَ تَتَجاهَلُ أيضًا أنَّ من الجائزِ أن يحمِلَ الإنسانُ جِنْسيَّتَين في الوقت نفسه: الجنسيَّة الأرضيَّة المؤقَّتة، والجنسيَّة السماويَّة الأبديَّة. كما تُعدُّ أمانةُ الإنسان تُجاهَ وطنِه المؤقَّت دليلًا على صِدْق انتمائه إلى الوطن الأبديّ. إذ إنَّ مَن كان أمينًا في القليل، يُقيمُه الله على الكثير. فإنْ كان البيتُ الأخيرُ هو بيتَ أبينا الأبديَّ، فإنَّ هذا لا يَنفي أنَّ البيتَ الأوَّلَ هو أيضًا جزءٌ من بيتِ الآب وكأنَّه الدارُ الخارجيَّة له.
 

Page 7

ثلاثةُ أبعادٍ للإنجيل
كانَ لِرِسالةِ الإنجيل دَومًا ثلاثةُ أبعادٍ متزِّنةٌ وضروريَّةٌ مثل قوائم مقعدٍ ذي ثلاثِ قوائم، بحيث إذا سقطَتْ أيٌّ من القوائم صار المقعدُ غيرَ صالحٍ للجلوس عليه. البُعدُ الأوَّلُ للإنجيل هو البُعدُ الأبديّ، وهو ما يُسمَّى الإنجيلُ إلى اليمين (Gospel to the Right)، وهو البُعدُ المتعلِّقُ بالخلاص الروحيِّ والمصيرِ الأبديِّ للإنسان. إنَّ هذا البُعدَ للإنجيل يجعلُ المؤمنَ مُهتَمًّا اهتمامًا شديدًا بخلاصه الشخصيِّ وبخلاص نفوسِ الآخرين، وذلك من خلال الإيمان بالسيِّد المسيح والدخول معه في علاقةٍ شخصيَّةٍ واعية تبدأ الآن وتستمرُّ إلى الأبد. أمَّا البُعدُ الثاني والذي يمكِنُ أن نُسمِّيَه الإنجيلَ إلى اليَسار (Gospel to the Left)، فهو البُعدُ الذي يتعلَّقُ بِكَونِ الإيمان بالسيِّد المسيح يخلِقُ في المؤمن تَوجُّهًا من الحبِّ والاهتمام بحبِّ كلِّ البشر، لذا تُخلَقُ فيه الرغبةُ العارِمةُ في مَقاوَمةِ كلِّ ألوان الشرِّ والفسادِ الموجودة في هذا العالَم، وفي العمل أيضًا من أجل خيرِ كلِّ البشر سواءٌ أدَّى ذلك إلى خلاصِهم الأبديِّ أم لَم يؤدِّ. إنَّ هذا الجانبَ من إنجيل السيِّد المسيح هو الذي يَدفَعُ المؤمنين لمقاومة الجهل والفقر والمرض والظلم السياسيِّ والاجتماعيِّ بكلِّ أشكاله في هذا العالَم. أمَّا البُعدُ الثالثُ للإنجيل، فهو البُعدُ المتعلِّق بالنُّموِّ الروحيِّ والتَّغيير الشخصيِّ للمؤمن في سلوكيَّاته وأفكاره وتَوجُّهاته بحيث يصيرُ في حياتِه الشخصيَّة إنسانًا أفضل. إنَّ هذا الجانبَ من الإنجيل هو ما أُطلِق عليه اسم الإنجيل في المنتصف (Gospel in the Middle) بحسب دالاس ويلارد (Dallas Willard) في كتابه الخُطَّة الإلهيَّة.[2] ونستطيعُ أن نَلْحَظَ هذه التوجُّهات الثلاثة في حياة السيِّد المسيح وتعليمه، والذي يقولُ عنه الإنجيل إنَّه كان يجولُ في كلِّ مُدُنِ الجليل وقُراها يُعلِّم في المجامع، ويكرز ببشارة الملكوت، ويَشفي كلَّ مَرَضٍ وكلَّ ضَعْفٍ في الشعب. إنَّ مَن يَدرسُ حياةَ السيِّد المسيح وأعمالَه، يَجِدُ أنَّ السيِّدَ المسيح كان يَهتمُّ بِمُلْكِ الله الروحيِّ على القلوب، كما كان يَهتَمُّ بتَغيير حياةِ البشر اليوميَّة، وما يتعلَّقُ بها من سلوكيَّاتٍ في مجالَي المال والعلاقات. كما كان يَهتمُّ أيضًا بِقَضايا المجتمع مثل الجوع والفقر والمرض والنَّبذ الاجتماعيِّ على أُسُسٍ عِرْقيَّة (مثل السامريِّين والأمم)، وعلى أساسِ الجنس (ذكر وأنثى) والسنّ (مثل النساء والأطفال)، وعلى أساس الإصابة بأمراض مُزْمِنة (مثل البَرَص). هكذا كانَتِ الأبعادُ الثلاثةُ لإنجيل الملكوت واضحةً تَمامَ الوضوح في حياة السيِّد المسيح وتَعليمه.
 

Page 8

ملكوتُ الله

تعكسُ هذه الأبعادُ الثلاثةُ للإنجيل التي أشَرْتُ إليها طبيعتَين رئيستَين لملكوت الله[3]: الطبيعة الحاضرة والطبيعة المستقبليَّة. وقد تحقَّقَتْ هاتان الطبيعتان في ميلاد السيِّد المسيح وحياته وتعليمه وموته وقيامته. فبِميلاد السيِّد المسيح، اقترَبَ ملكوتُ الله من الإنسان وصارَ يسوعُ نفسُه هو ملكوتَ الله جسديًّا. وبحياة السيِّد المسيح وتعليمه، دخلَ ملكوتُ الله حياةَ الإنسانِ اليوميَّةَ، والتحدِّياتِ بما فيها من حُزنٍ وخَوفٍ وجوع وفقرٍ وقهرٍ سياسيٍّ واجتماعيّ. وبموته وقيامته وحلول الروح القدس على المؤمنين بالسيِّد المسيح وسُكناه فيهم، صارَ ملكوتُ الله داخلَ الإنسان. وهذا ما أشارَ إليه السيِّدُ المسيح في أحَدِ المواقف الواردة في إنجيل لوقا:

‘‘ولمَّا سألَهُ الفَرِّيسيُّون: "متى يأْتِي ملكُوتُ الله؟" أجابهُمْ وقال: "لا يأْتِي ملكُوتُ اللهِ بِمُراقبة، ولا يقولُون: هُوذا هَهُنا، أو: هُوذا هُناك! لأنْ ها مَلكوتُ الله داخِلكُمْ’’ (لوقا 17: 20-21).

هذا الملكوتُ الذي أتى بالفعل هو أيضًا الملكوتُ الذي سيَأتي بشكلٍ كاملٍ في اليوم الأخير لكي يملكَ الله ليس فقط على قلوب المؤمنين به، بل على كلِّ الأرضِ ومَن عليها.[4] وقد أشارَ السيِّدُ المسيح إلى هذا أيضًا عندما قال:

‘‘فإنَّ ابنَ الإنسانِ سوفَ يأتي في مَجْدِ أبيه مع مَلائكَتِه، وحينئِذٍ يُجازِي كُلَّ واحدٍ حَسَبَ عَمَلِه’’ (متَّى 16: 27).

وقد كان اليهودُ المعاصرون للسيِّد المسيح يؤمنون بالملكوتِ الآتي، وكان بعضُهم حتَّى يَعمَلُ على تحقيقه بالقوَّة من خلال الحكم الثيوقراطيِّ (الدينيّ)، وعبر حركاتٍ يهوديَّةٍ سياسيَّةٍ مختلفة، مثل حركة الغيورين، التي هي أنموذجٌ للحركات الدينيَّة التي تتبنَّى العنفَ بصفةٍ عامَّة، وحركة الأسينيِّين والقمرانيِّين (نسبةً إلى وادي قُمران في الأردنّ)، والتي تُماثِلُ الجماعات الدينيَّة التي تتبنَّى الانفصالَ السلبيَّ عنِ المجتمع. والفرقُ الأساسيُّ الذي تميَّز به تعليمُ السيِّد المسيح عن كلِّ مُعاصِريه هو أنَّه كان يَكرزُ بأنَّ ملكوتَ الله قد أتى بالفِعْل وأنَّ خدمتَه نفسَها هي تحقيقٌ لِوَعد الله بمجيء هذا الملكوت، وعندما قرأ إشَعْياء 61 (لوقا 4) قال إنَّ هذا المكتوبَ قد تحقَّق فعلًا، وعندما أرسَلَ إليه يوحنَّا المعمدان يَتَساءل إنْ كان هو الآتي (المسيَّا) أم ننتظرُ آخرَ (متَّى 11)، ردَّ على تلميذَي يوحنَّا المرسَلَين باقتباس النبوَّة التي في إشَعْياء 35 والقائلة: ‘‘تفرَحُ البرِّيَّةُ والأرضُ اليابسة، ويَبْتَهجُ القفرُ ويُزْهرُ كالنَّرجس. يزهِرُ إزهارًا ويبتهجُ ابتهاجًا ويُرنِّمُ. يُدفَعُ إليه مجدُ لُبنانَ. بَهاءُ كرمَلَ وشارونَ. هم يَرَوْنَ مجدَ الرَّبّ، بهاءَ إلهنا. شَدِّدوا الأياديَ المستَرْخية، والرُّكبَ المرتَعِشَة ثَبِّتُوهَا. قولوا لخَائِفِي القُلوب: "تَشدَّدُوا لا تَخافُوا. هُوَذَا إلهكُم. الانتقامُ يَأتي. جِزَاءُ الله. هو يأتي ويخلِّصُكُم"’’.

وعندما اتَّهمه اليهودُ بأنَّه يُخرِجُ الشَّياطين بِبعلزبول قال: ‘‘إنْ كُنتُ بأصْبعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّياطينَ، فَقَدْ أقبَلَ عليكم مَلَكوتُ الله’’ (لوقا 11: 20). لقد كان إخراجُ يسوعَ للشَّياطين بكلمةِ الأمر دليلٌ على أنَّ ملكوتَ الله قد أقبَلَ على الأرض. في الملكوتِ الآتي، سيُدمِّرُ الله الشيطانَ تمامًا. ولكنْ عندما جاء يسوع، أعلَنَ أنَّ ملكوتَ الله قد جاء لِيَربطَ الشريرَ ويخلِّصَ مِن قبضته مَن يؤمِنُ بالسيِّد المسيح. لقد صار الشيطانُ مَربوطًا، ولكنَّه لا يزالُ يعمَل. وربَّما هذا ما قصده أحدُ اللَّاهوتيِّين عندما قال إنَّ الشيطانَ مَربوط، ولكنْ بحبلٍ طويلٍ يسمَحُ له ببعضِ الحركة. وتوصَفُ الحالُ أيضًا بالصُّورة العسكريَّة. فقد رَبِحَ السيِّدُ المسيح المعركةَ الأساسيَّة، غير أنَّ الحربَ لَم تنتهِ بعدُ، إذ ما زالَ العدوُّ ‘‘يقاوِم’’ ولكنَّه مَهزومٌ في النهاية.

Page 9

ضَبْطُ الاتِّزان

أدَّتِ النهضةُ الروحيَّةُ إلى خَلْقِ ضَميرٍ اجتماعيٍّ جديدٍ أدَّى بِدَوره إلى مواجَهةٍ حقيقيَّةٍ لكلِّ الشرور التي كانَتْ سائدةً في المجتمع آنذاك.

لا نستطيعُ أن نقولَ إنَّ الكنيسةَ في العالَم قدِ استَطاعَتْ في أيِّ عصرٍ من عصورِها أن تَضبِطَ الاتِّزانَ ما بين جوانبِ الإنجيل الثلاثة، إلَّا في فتراتٍ محدودةٍ هي التي يُسمِّيها تاريخُ الكنيسة ‘‘النهضات الروحيَّة’’، وخِلافُ ذلك، فقد كانتِ الكنيسةُ تهتمُّ دَومًا بجانبٍ دون الجوانب الأخرى. وبِسبَبِ إهمالِ الكنيسة للجَوانب الأخرى، كان تأثيرُها حتَّى في الجانب الذي اهتمَّتْ به يفسدُ ويبتعدُ عن روح الإنجيل. وبعد القرن الثالث الميلاديّ، اهتمَّتِ الكنيسةُ بالحكم وارتبطَتْ بالمُلك، ففسدَتِ الكنيسة وفسدَ الحكمُ معًا في العصور الوُسطى. ثُمَّ اهتمَّتْ بالإصلاح الدينيِّ والعودةِ إلى الكتاب المقدَّس، ثُمَّ سرعانَ ما اختَلَطَ الدِّين بالسياسة، وبدأت ‘‘حربُ الأعوام الثلاثين’’، وهي سلسلةُ صراعاتٍ دامية مزَّقَتْ أوروبا بين عامَي 1618 و1648م. وقدِ اندلعَتْ هذه الحربُ بدايةَ الأمر لتُمثِّلَ صراعًا دينيًّا بين الكاثوليك والبروتُستانت، وانتهَتِ لتكونَ صراعًا سياسيًّا من أجل السيطرة على دُوَلِ أوروبا الأخرى.

أمَّا في القرن الثامن عشر، فعندما ظهرَتِ النهضاتُ الإنجيليَّة المتعدِّدة، رافَقَ هذا اهتمامٌ رائعٌ بالأبعاد الاجتماعيَّة والسياسيَّة للحياة الإنسانيَّة، مع اهتمام أيضًا بالجانب الشخصيِّ (الإنجيل في المنتصف) في صورةِ حركاتٍ تَقَوِيَّةٍ عظيمة. لقد أدَّتْ هذه ‘‘الثوراتُ الروحيَّة’’- المعروفةِ بالنَّهضات- إلى خَلْقِ ضميرٍ اجتماعيٍّ جديدٍ أدَّى إلى مواجَهةٍ حقيقيَّةٍ لكلِّ الشرور التي كانَتْ سائدةً في المجتمع آنذاك. فمثلًا، كانَتِ النهضةُ الروحيَّةُ التي قادَها جون وسلي في إنكلترا ذاتَ أثرٍ كبيرٍ في حركةِ تحريرِ العبيد. ففي عام 1791م، وقبل وفاته بثلاثة أيَّام، كتبَ وسلي رسالةً إلى وليَم ولبرفورس، أحدِ أعضاء مجلس العموم البريطانيِّ والذي كان يقودُ في ذلك الوقت حركةَ إصلاحٍ اجتماعيٍّ بدأتْ في قريةٍ إلى الجنوبِ من لندن اسمها ‘‘كلابهام’’. في هذه الرسالة أكَّدَ وسلي لويلبرفورس أنَّ الله قدِ اختاره ليُحقِّقَ مشروعَه العظيم، وحثَّه على عدم الفَشَل في عملِ الخير. ويُنسَبُ إلى هذه الطائفة التي تزعَّمها ولبرفورس أنَّها قامَتْ بمجهودٍ سياسيٍّ وبرلمانيٍّ كبير على مدى أكثر من أربعين سنة انتهَتْ بتَحرير العبيد تمامًا في عام 1833م.[5]

وفي أميركا الشماليَّة أيضًا، تميَّزَتِ النهضةُ الروحيَّة التي قادَها تشارلز فيني باهتمامٍ كبيرٍ بالنَّواحي الاجتماعيَّة، وقد كان فيني مُقتنِعًا بأنَّ الإنجيلَ يُثيرُ حافزًا قويًّا للإصلاح الاجتماعيّ، وأنَّ إهمالَ الكنيسة للإصلاح الاجتماعيِّ أحزنَ الروحَ القدس، وأعاقَ النهضةَ الروحيَّة. وفي إحدى محاضراته قال فيني: ‘‘إنَّ أعظمَ عملٍ للكنيسة هو إصلاحُ العالَم. لقد قُصِدَ للكنيسة أصلًا أن تكونَ جسدًا من المصلِحين. وقد أضافَ أنَّ مجرَّدَ الاعتراف بالمسيحيَّة يَقتَضي على نحوٍ ضمنيّ، اعترافًا- بل تعهُّدًا أيضاً- بأنْ يبذِلَ المرءُ قصارى جَهده من أجل الإصلاح الشامل في العالَم’’.[6]

هكذا نرى أنَّ الوعيَ الاجتماعيّ، والالتزامَ تُجاهَ الإصلاح الاجتماعيِّ على أيِّ مستوى وبأيَّة صورة، هو أحدُ التَّعبيرات الأساسيَّة للإيمان المسيحيّ. والثَّمرُ الذي يدلُّ على أنَّ بذرةَ الإنجيل قد وقعَتْ على أرضٍ طيِّبة وأثمرَتْ، ليس فقط ثَمَرَ حياةٍ أبديَّةٍ في السماء وحياةٍ أخلاقيَّةٍ متغيِّرة على الأرض، بل هو أيضًا ثمرُ وعيٍ والتزامٍ ومسؤوليَّةٍ تُجاهَ تغييرِ هذا العالَم. فمَنْ سيَملكُ مع الله إلى الأبد، لا بدَّ أن يبدأ في التَّدرُّبِ هنا ليَعمَلَ مع الله من أجل عالَمٍ أفضل.

Page 10

الفصل الثالث
العزلةُ ليسَتْ خِيارًا
المتشفِّعُ ليس فقط مَن يَقضي اللَّيلَ كلَّه في الصلاة، بل هو أيضًا مَن يعيشُ عند نقطةِ التقاءٍ حيويَّةٍ بين الله والناس.
إنَّ تلاميذَ السيِّد المسيح الذين تعلَّموا على نحوٍ فرديٍّ وجماعيٍّ أن يعيشوا ويعمَلوا مع الربّ، يُمثِّلون في هذا العالَم نقطةَ التقاءٍ بين السماء والأرض، مثل السُّلَّم الذي رآه يعقوبُ في الحُلُم حيثُ كانتِ الملائكةُ صاعدةً ونازلةً عليه[7]. فالمتشفِّعُ ليس فقط مَن يَقضي اللَّيلَ كلَّه في الصلاة، بل هو أيضًا مَن يعيشُ عند نقطةِ التقاءٍ حيويَّةٍ بين الله والناس. وبصفته وكيلًا معتَمَدًا لملكوت الله على الأرض، فإنَّه يشعرُ بِما يحدُثُ على الأرض ويَفهمُه ويقدِّمُه إلى الله، ومن ثَمَّ يشعُرُ بمشيئة الله من أجل الأرض والبشر، وبعدَ هذا يَعيشُها ويُعلِنُها في وسطهم. إنَّ المتشفِّعَ يحدِّثُ الله بشؤون البشر، كما يحدِّثُ البشرَ بشؤون الله، وعندما لا يستطيعُ أن يتحدَّثَ لسببٍ أو لآخر، فإنَّه يعيشُ أمامَهم كمَن يستخدِمُ لغةَ الإشارة أو اللغة التمثيليَّة لتَوصيل مفهومٍ ما لبَشرٍ لا يَفهَمون لغتَه.
أتذكَّرُ كيف كنَّا في كنيستنا المحلِّيَّة نصلِّي من أجل كلِّ شؤون بلادنا: فمن الشأن الاقتصاديِّ وإلى الشأن السياسيّ، ومن مكافحة الفساد إلى حرِّيَّة الاعتقاد والتَّعبير. وقد صلَّينا أيضًا من أجل الفُقَراء والمظلومين، ومن أجل المرضى الذين يعانون أمراضًا مُزمنةً ومتوطِّنة، وصلَّينا كذلك من أجل المدمنين والمثليِّين ومن أجل المصابين بالإيدز. ولم ننسَ الصلاة من أجل المرأةِ واحترامِها، والأطفالِ وحقِّهم في الحياةِ والكرامة. وبعد سنين طويلة من الصلاة حدثت الثَّورة[8]، وبدأنا الآن نرى نتائج تغيِّرُ وجهَ الأرض في بلادنا وتكشِفُ الفسادَ وتخلَعُ عنِ الأمَّة ثَوبَ السلبيَّة واليأس- لَم يُدرِكِ الكثيرونُ ممَّن كانوا يُصَلُّون بلَجاجةٍ أنَّ التغييرَ قد يحدُثُ بهذه السرعة وبهذه الصورة، حتَّى إنَّ الخوفَ والتَّشكُّكَ قد داخَلانا بِدَرجاتٍ مُتَفاوِتة، فلَم يرحِّبْ بالثورة إلَّا نسبةٌ ضئيلةٌ جدًّا من المسيحيِّين. بل إنَّ الكنيسةَ وقفت موقف الحياد حيال الثورة. وأظنُّ شخصيًّا أنَّ هذا الموقفَ الذي عانَينا بسببه عائدٌ إلى ما يُسمِّيه جون ستوت بمصطلح ‘‘التَّشاؤميَّة المسيحيَّة’’، والتي ترجعُ، كما يقولُ في كتابه ‘‘المسيحيَّةُ والقضايا المعاصرة’’،[9] إلى أنَّه على الرُّغم من أنَّ الفكرَ المسيحيَّ يؤمن بالأحداثِ الكتابيَّة جميعِها- وهي الخَلْقُ والسقوطُ والفداءُ والاكتمال- فإنَّ المسيحيِّين التشاؤميِّين... يركِّزون اهتمامَهم على السقوط والفساد، أي أنَّ البشرَ غيرُ قابِلين للإصلاح، كما يركِّزون على الاكتمال، أي أنَّ السيِّدَ المسيحَ آتٍ ليُسوِّي الأمور، ويتخيَّلون أنَّ هاتَين الحقيقتَين تُبرِّران اليأسَ الاجتماعيّ. غير أنَّهم يتَغاضَونَ عن حقيقتَين لاهوتيَّتَين فاعلِتَين أيضًا في المشهد الإنسانيِّ وهما الخَلْق والفداء. فالصورةُ الإلهيَّةُ المطبوعةُ في الجنس البشريِّ لَم تُمحَ. ومع أنَّ البشرَ أشرارٌ، فإنَّهم يستطيعون أن يفَعَلوا الخَير. وقد لخَّص نيقولاي برادييف، اللَّاهوتي الروسيُّ الأرثوذكسيُّ الموقِفَ بكلماتٍ تَدعو إلى الإعجاب: ‘‘إنَّ طبيعةَ الإنسان الآثمة لا تَعني أنَّ الإصلاحاتِ الاجتماعيَّةَ والتَّحسيناتِ هي أمورٌ مستحيلة، بل تَعني فقط أنَّه لا يُمكِنُ أن يتحقَّقَ النظامُ الاجتماعيُّ الكامِلُ والمطلَقُ قبل تَغيير مَظهرِ العالَم’’.