Page 1
المقدمة
من المؤكد أن الصحافة والعمل الصحفي لا يقتصران على البحث عن الأخبار ونقلها للجمهور دون النظر إلى ماهية تلك الأخبار ووقعها على المُتلقّي؛ لأن الخبر ليس مجرد كلمات تُصاغ بأسلوب لفظي أو كتابي ينشر أو يبث للناس، بل إنه أكبر بكثير من مفهوم اللغة والصورة: إنه حقيقة تعني أفراداً ومجتمعات ويؤثر فيهم بطريقة أو بأخرى ويرتبط ارتباطا مباشراً بمصداقية الصحفي وبطريقة إيصاله وعرضه على الجمهور؛ لأن إبداء الحقائق والمعلومات يعتمد أساسا على البنية القيمية والإيديولوجية للصحفي القائم بنقلها للجمهور، وعلى طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي السائد في البلد الذي تُنشر فيه تلك الحقائق الخبرية، وعلى مدى مهنية الصحفي ومسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية تجاه المجتمع، ومدى التزامه بنشر الأخبار التي لا تتعارض مع القيم الأخلاقية والاجتماعية، ولا تحرض على الضغائن والكراهية وتقود بالمجتمع إلى التردي فكراً وأداءً·
ولكن ما يجري على أرض الواقع يختلف تماما عن أساسيات العمل الصحفي، فقد أثبتت مجريات الأحداث أن وسائل الإعلام تتعرض يوميا لقوى يمكن لها أن تخلط المعلومة وتشوشها، سواء كان ذلك عن طريق الضغط المباشر من قبل أشخاص مؤثرين أو مؤسسات ذات سيادة، يهمها عدم نشر أخبار قد تؤثر على وضعهم الاجتماعي أو الاقتصادي؛ أو بطريقة الضغط اللامباشر، وذلك بعدم نشر الإعلانات أو قطع المساعدات المالية، والتي بالتأكيد سيكون لها أثر بالغ في عمل المؤسسة الصحفية وديمومتها؛ لذلك قرر الصحفيون وفي مختلف البلدان تأسيس نقابات وجمعيات مهنية وسن عهود ومواثيق تُعنى بحقوق الصحافة والصحفيين، وتُحدد الأعراف والشروط المنوطة بالمؤسسات والنظم السياسية المسيطرة على مقاليد الأمور في تلك الدول التي تعمل بها المؤسسات·
وسيجد القارئ الكريم في هذا الكتاب عرضاً لمجموعة من مواثيق الشرف الصحفية، منها الدولية مثل إعلان منظمة الأمم المتحدة 1978، ومواثيق إقليمية كميثاق الصحفيين العرب، وجميع تلك المواثيق حددت أُطر العمل الصحفي وكيفية تطبيقها ونطاق عملها وتاريخ تأسيسها وتخصصها، وذلك للتعريف بدور الصحفي في المجتمع عن طريق الثقافة القانونية والتوعية بحقوقه وواجباته·
Page 2
إن الالتزام بأخلاقيات المهنة هو الأمر الوحيد الذي يحتم على المسؤولين احترام هذه المهنة، ويضع ما يسمى بأدلة السلوك أو مواثيق الشرف الصحفية؛ لأن حرية الصحافة والصحفيين تلعب دوراً أساسياً وفاعلا في خلقِ وإرساء أسس الديمقراطية في أي بلدٍ من البلدان، وبالتأكيد فلا وجود لبلد حر من دون صحافة حرة· ورغم أن هنالك الكثير من الأبحاث والدراسات التي تناولت العمل الإعلامي فما زال الميدان الصحفي بحاجة إلى بحوث ودراسات في ميدان حقوق التعبير عن الرأي، وكذلك في تعريف الصحفيين بعضهم ببعض، وبالمؤسسات العاملة في الدفاع عن قضاياهم المشتركة؛ لأن معظم الدراسات الصحفية الموجود انصبت على التركيز حول ما يسمى بالهيمنة الإعلامية والاحتكار الثقافي، ومحاولة الفصل بين المؤسسات الصحفية، ووضع الفوارق والحواجز التي تعيق العمل المشترك والتضامن، متجاهلة الدور الموضوعي والأخلاقي للصحفي، والذي يستند أساساً إلى معرفة الحقيقة وإيصالها للجمهور·
إن الحقيقة أينما كانت هي أكبر من أن تؤطر بحدود أو جنسيات؛ لذلك فإن ناشديها سوف يقصدونها حيثما حلّت، ويُعَرّفون الناس بها وعنها بسائر الطرق والوسائل المدنية، وبالتأكيد لن يتورع الصحفي عن إيصال حقيقة في بلدٍ ما كونه لا يحملُ جنسية أو قومية البلد الذي وقع فيه الحَدَث، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن يُنظر إلى الصحفي من خلال النظام السياسي أو الديني السائد في بلده؛ لأن الحقيقة هي الوطن الحقيقي للصحفي، والمصداقية هي جواز سفره·
إن التعريف بالمؤسسات الصحفية العربية ونظيراتها العاملة في العالم تعتبر مسألة مهمة وضرورية من أجل تقليص تلك الفجوة المعلوماتية أو الثقافية بين الصحفيين العرب وبين زملائهم في العالم، فضلاً عن أن التباين في التغطية الإعلامية يعود إلى مدى فَهْم موطن الحدث والحكم على ما يجري فيه، وفقاً للقِيَم الثقافية والاجتماعيةَ لسكان البلاد التي تدور فيها تلك الأحداث·
لذا كان لا بدّ من تعريف الصحفيين بعضهم ببعض لكي يعملوا سوية في كل ما من شأنه كشف الحقيقة وإيصالها إلى الجمهور· ومن هنا كان من الضروري إدراج مجموعة من المؤسسات الصحفية العربية والعالمية والتعريف بأسسها، أهدافها، وطرق الاتصال بها، لتكون معينا للصحفيين في التعرف على الدوائر المعنية بعملهم، ولفتح حوار بينهم حول إمكانيات العمل المشترك، من أجل إيصال صوتهم إلى أقصى بقاع الأرض، ولخلق مفهوم الصداقة المعلوماتية بين الصحفيين العرب والأجانب، من أجل إثراء وتطوير القدرات والمواهب الصحفية، وأيضا للتعرف على ما تقوم به تلك المؤسسات وما تتميز به، والغطاء القانوني المحلي أو الدولي الذي تعمل وفقاً له، ليكون حصنا لها وليمنع إلى حد ما الملاحقة القانونية للصحفيين ومحاولة الإمساك بهم، والزج بهم في السجون لقيامهم بكشف حقيقة لم يرق نشرها لأصحاب النفوذ في تلك البلدان·
Page 3
ومهما اختلفت لغة ووسائل الصحفي أو المؤسسة الصحفية الناقلة للأخبار؛ فستبقى أساسيات العمل الصحفي واحدة؛ لأن الاختلاف يكمُن في المتلقي (الجمهور) والذي يتميز بالتنوع والتباين الكبير في الآراء، المفاهيم والمعتقدات، خلافاً للصحفي الذي مهما كانت هويته وانتمائه السياسي، العرقي أو الديني فسيبقى هدفه كشف الحقيقة وإيصالها للجمهور· من هنا أصبح لزاماً على الصحفيين الاتصال بنظرائهم في بلدان قد تختلف عن بلدانهم كليا، من حيث اللغة والدين والتقاليد، والتعامل معهم كشركاء حقيقيين في رحلة البحث عن الحقيقة·
إن عالم اليوم أكبر بكثير من عوالم العزلات الثقافية أو السياسية، إنه عالم تجاوز الكثير من الحدود التقليدية: المادية والمعنوية، وجاء بمفهوم (القرية الكونية) في تناول وسائل الإعلام العالمي للأحداث والقضايا الاجتماعية والإنسانية بصفة، ليقرب المسافات بين البشر ويجعلهم يتعاملون مع بعضهم البعض كأنهم أفراد ينتمون إلى عالم واحد أكبر من حدود اللون والجنس واللغة وباقي الفروقات والحواجز التي كانت تقف حداً لمعرفة وسماع صوتٌ ما يُراد له أن يُسمع!
لقد تلاشت إلى حد ما معظم تلك الحواجز أمام ثورة الاتصالات والمعلومات التي عاشها العالم خلال العقدين الماضيين، والتي تمثلت في حدوث عملية اندماج تكنولوجية بين أقوام كانت في الماضي تشكل كيانات مستقلة، تفصلها عن بعضها البعض حدود تكنولوجية، سياسية أو عرقية واضحة· وبفعل التكنولوجيا الرقمية التي اجتاحت المشهد الإعلامي والاتصالي العالمي منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، أضحت وسائل الإعلام أكثر تفاعلية وأكثر تناغماً في إطار ما يسمى بظاهرة التزاوج التكنولوجي، الذي اندمجت من خلاله ثلاث صناعات عملاقة هي صناعات الاتصالات والحاسبات والإعلام· وقد يؤخذ على المشهد الإعلامي العربي التباطؤ في دخول عالم الانترنت، ولكن برغم قصر الفترة الزمنية لكن هنالك علامات مبشرة وواعدة على مستقبل مشرق لصحافة الإنترنت، بناء على ما تم إطلاقه من بوابات إخبارية وصحف إلكترونية، ومدونات إعلامية باللغة العربية، باتت تشكل نواة حقيقية لصحافة إنترنت صارت تنافس الصحافة التقليدية وتجذب أعداداً كبيرة من المستخدمين، ممن لهم القدرة على النفاذ للشبكة العنكبوتية·
ولعل من تأثيرات هذا الاتجاه ما برز من جدل حول المخاطر التي تهدد مستقبل الصحافة الورقية، في ضوء ارتفاع التكاليف الإنتاجية وتكاليف التوزيع وتناقص الموارد الإعلانية التي تستمد منها الصحف أسباب بقائها وازدهارها· إن ظهور تقنيات الاتصال الحديثة جَعلتْ من التغطيةَ الإعلامية للشؤون المحلية والدولية شاملةَ وفورية، واضعة صانع القرار وجهاً لوجه أمام تحديات فعلية تتطلب ردوداً سريعة· لذلك فان إنشاء وتقوية الصحافة المستقلة هما شرط لازم من أجل تقدم الأفراد والمجتمعات، لأنهما سيكون بمثابة رسول الحقيقة للجماهير لمساعدتهم في اتخاذ المبادرات المثلى لتحسين أوضاعهم الخاصة: التعليم، مكافحة الفقر، التضامن مع أصحاب المصير نفسه، التأثير على سياسة الحكومات، ومكافحة الفساد والاستغلال· إن وجود إعلام مستقل وصادق سيساهم بشكل أساسي وفعّال في تقدم المجتمعات· ومن أجل تحقيق ذلك، على الخدمات المعلوماتية والصحافة والعملية الديمقراطية أن تعمل معا من أجل الارتقاء بالمجتمع وبنائه بالطرق العلمية العملية، وتعريف الجمهور بصورة حقيقة وفاعلة في ما يدور في مجتمعاتهم والعالم·
إن المواد والموضوعات والتقارير المعروضة في هذا الكتاب هي محاولة متواضعة جاءت لتضييق الهوة التي أوجدتها الحكومات والأنظمة التقليدية، لتحول بين الصحفي والوصول إلى الحقيقة أينما كانت·
علاء هادي
Page 4
تاريخ الصحافة
الصحافة قديمة قدم العصور والأزمان، وقد لا تكون بالشكل الحالي التي نراها فيه، ولكنها بالتأكيد كانت تؤدي غرضها بنشر المعلومات التي تهم الناس·
ففي المجتمعات البشرية الأولى نجد أن أول مظاهر وسائل الإعلام والاتصال كان يلبي بعض الحاجات الدينية عند الإنسان· وبظهور الأنظمة السياسية وامتداد نفوذها إلى أقاليم واسعة؛ تطورت هذه الوسائل والحاجات·· ففراعنة مصر كانوا ينشرون أوامرهم إلى أقاصي الأرض التي يحكمونها، فكانوا يكتبون مراسيمهم ويرسلونها إلى كل مكان، كما كانوا يأمرون بحفر هذه المراسيم على جدران المعابد ليقرأها الناس ويكونوا على علم بها·
واتبعت هذه الطريقة الإعلامية كذلك في الصين، وفي بلاد الإغريق، وفي روما وعند العرب· ولم يقتصر الإعلام أو الاتصال على نشر المراسيم وإذاعتها بل تعداه إلى الأخبار العسكرية والرياضية والمسرحية· ففي روما قامت الدولة بنشر (الأحداث العامة) ثم ألغتها ونشرت بدلاً منها (الأحداث اليومية)، ويقال إن سيدات روما كن يعجبن إعجاباً شديداً بها لأنهن كن يجدن فيها آخر أخبار الفضائح، وكان القيصر يشجع نشر هذا اللون من الأخبار ليحول انتباه المواطنين عن المشكلات التي كانت تواجه السلطة الحاكمة·
وثمة اتصال مباشر كان شائعا عند الإغريق، وهو إذاعة الأخبار في الميادين والساحات العامة على الجماهير المجتمعة فيها، ويقصّ علينا التاريخ أن عداء إغريقياً قطع ستة وثلاثين كيلومتراً ركضاً لكي يعلن للشعب الأثيني انتصار جنوده في معركة (ماراتون) التي انتصر الإغريق فيها على الفرس عام 490 ق·م، ثم خرّ هذا العداء صريعاً من شدة الإعياء·
كما يرجع تاريخ الصحافة ونشر المعلومات إلى زمن البابليين، حيث استخدموا كاتباً لتسجيل أهم الأحداث اليومية ليتعرف الناس عليها· كذلك كان الصينيون، فقد كانت لهم طوال 1500 عام جريدة رسمية عرفت باسم (إمبراطورية الشمس)·
أما في روما فقد كانت القوانين وقرارات مجلس الشيوخ والعقود والأحكام القضائية والأحداث ذات الأهمية، التي تحدث فوق أراضي الإمبراطورية، تصل إلى الشعب ليطلع عليها· وأصيبت هذه الفعالية بعد سقوط روما، وتوقفت حتى القرن الخامس عشر·
وفي أوائل القرن السادس عشر، وبعد اختراع الطباعة من قبل يوحنا جوتنبيرغ في مدينة ماينز بألمانيا، بدأت صناعة الأخبار، والتي كانت تضم معلومات عن ما يدور في الأوساط الرسمية، وكان هناك مجال حتى للإعلانات· وتشير المصادر إلى أن أول صحيفة مطبوعة في العالم هي صحيفة ريلايشن والأدلة قدمت من قبل متحف (غوتنبيرغ) في ألمانيا، الذي يحوي أول مطبعة صحافية في العالم، وأنهم حصلوا عليها في قرية ستراسبورغ، التي تخضع للحكم الفرنسي حالياً·
وكانت تنشر من قبل شخص اسمه جوهان كارلوس، الذي كان يعمل في القرن السابع عشر كاتبا بهذه الصحيفة، التي كانت تباع للمشتركين الأغنياء بأسعار باهظة، وكان يحصل على الأخبار من شبكة من المراسلين المأجورين· وفي عام 1604 اشترى كارلوس مطبعة كاملة، وبعد ذلك بعام بدأ يطبع صحفه آلياً، بعد أن عرف أن ذلك سيكسبه المزيد من المال، ويوفر عليه عناء إعادة كتابة كل عدد من الصحيفة بخط يده·
وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر أخذت الصحافة الدورية بالانتشار في أوروبا وأمريكا، وأصبح هناك من يمتهن الصحافة كمهنة يرتزق منها، وقد كانت الثورة الفرنسية حافزاً لظهور الصحافة الحديثة، كما كانت لندن مهداً لذلك· ومع إصدار دي كاييه وقائعه ثم ضمها في مجموعتين اثنتين توثيقيتين من 1559 إلى 1604 عقدت له الريادة في كونه من مؤرخي الصحافة الفرنسية مع له مركور فرنسييه، في وقت اعتمدت الأكاديمية الفرنسية تسمية جورنال 1684 أي رواية ما يحدث من أخبار اليوم
Page 5
الصحافة البريطانية
كان من ضمن مكاسب الثورة الإنجليزية، وهي المعروفة باسم الثورة المجيدة (Glorious Revolution) في القرن السابع عشر ضد طُغيان الملَكية، إعلان الحقوق الذي أصدره البرلمان الإنجليزي عام 1689، والذي أعلن فيه سيادة البرلمان على التاج وفوق كل شيء·
كان جون لوك الملهم الرئيس لليبرالية الغربية؛ لأنه قرر منح بعض من حقوقه الأساسية في الدولة الطبيعية (الحقوق الطبيعية) للصالح العام، فقد وضع الفرد بعضاً من حقوقه في عهدة الحكومة· ودخل الناس عقداً اجتماعياً مع صاحبة السيادة (أو بمعنى آخر الحكومة) تضمن بنوداً لحماية هذه الحقوق الفردية نيابةً عن الناس، حسبما كتبه جون لوك في كتابه اتفاقيات الحكومة·
كان لدى إنكلترا ولغاية العام 1694 نظام مفصل لمنح الإجازات· ولم يكن بالإمكان نشر أي منشور بدون رخصة من الحكومة· وقبل خمسين عاماً أثناء الحرب الأهلية كتب جون ميلتون كراسه المعنون Areopagitica وقد انتقد ميلتون في كراسه ذاك نظام الرقابة الذي تفرضه الحكومة، وسخر من تلك الفكرة حينما كتب يقول فيما يمكن للمدينين والجانحين أن يسافروا إلى خارج البلاد من دون وصي، فإن الكتب غير المسيئة لو أرادت أن تمشي خطوات فإنها لا يمكنها ذلك من دون سجان مرئي فوق عناوينها ورغم أن المقالة تلك لم يكن لها تأثير كبير حينها في وقف ممارسة منح التراخيص الحكومية للمنشورات، إلا أنها ستُعد فيما بعد من الأعمدة الرئيسية لحرية الصحافة· حجة ميلتون القوية تمثلت في قوله بأن الفرد قادر على التعامل المنطقي، وتمييز الخطأ من الصواب، والسيء من الجيد· ولكي يكون من الممكن ممارسة هذا الحق المنطقي ينبغي أن تكون للمرء الحرية الكاملة للاطلاع على الآراء في مواجهة حرة ومفتوحة وقد نشأ عن كتابات ميلتون مفهوم السوق المفتوحة للآراء حينما يتجادل الناس مع بعض فإن الحجج الجيدة هي التي تسود·
من أنواع التعبير الذي كان مقيداً في إنكلترا ذلك الذي يحظره قانون التشهير التحريضي، والذي جعل من مسألة انتقاد الحكومة جريمة يحاسب عليها القانون· وكان الملك فوق كل الانتقادات، وكانت التصريحات التي تنتقد الحكومة محظورة بقانون محكمة Star Camber ، وهي (محكمة قانونية في القصر الملكي في ويستمنستر بدأت أولى جلساتها عام 1487، انتهت أعمالها في 1641 حينما ألغيت المحكمة)·
لم تكن الحقيقة المجردة دفاعاً قوياً أمام قانون التشهير التحريضي، لأن هدف القانون كان منع ومعاقبة كل انتقاد يوجه إلى الحكومة· وتعاطي ستيوارت مل مع إشكالية السلطة في مواجهة الحرية كان ينبع من وجهة نظر القرن التاسع عشر النفعية: أي للفرد حق التعبير عن نفسه طالما أنه لا يؤذي الآخرين· والمجتمع الجيد هو المجتمع الذي يتمتع فيه أكبر عدد من أفراده بأكبر قدر من السعادة· وبتطبيق المبادىء العامة لحرية الفرد يقول ستيوارت مل بأننا لو أسكتنا رأياً واحداً فإننا نكون بذلك قد أسكتنا حقيقة· ولهذا فإن حرية الفرد في التعبير من هذا المنطلق أمر صحي وفي صالح المجتمع·
وفي كتابه (حول الحرية) عبّر مل عن تطبيق المبادئ العامة لحرية التعبير، حين كتب قائلاً: إذا كانت البشرية جمعاء متفقة على رأي معين وهناك شخص واحد له رأي مغاير، فليس بيد البشرية أي مبرر لإسكات رأي هذا الفرد بالضبط، كما أنه ليس من حق ذلك الفرد وليس مبرراً له إسكات البشرية جمعاء
وتدين الصحافة البريطانية بجزء كبير من حريتها إلى قوة شخصية ومهارة صحفيين كبيرين هما : جون ولتر الأول مؤسس جريدة (التايمز) التي صدر عددها الأول سنة 1785 باسم (ديلي يونيفرسال ريجستر)· والشخص الآخر هو دانييل ستيوارت منشىء صحيفة (المورننج بوست)، وقد عاصر هذان الرجلان كبار المخترعين الذين قلبوا أوضاع الصناعة رأساً على عقب، وساروا بالصحافة الإنجليزية في طريق التقدم·
Page 6
رويترز Reuters
شركة عالمية متخصصة في تقديم الأخبار والمعلومات عبر العالم· وتقدم رويترز خدمة الأخبار المصورة لمشتركيها عبر فيديو رويترز، وهي قناة تلفزيونية للتسلية والأخبار الآنية لعرضها فور الحصول عليها من جميع أرجاء العالم·
ورويترز أحد المصادر الموثوقة للأخبار؛ فهي تعمل في 200 مدينة موزعة على 94 بلدا، ولدى الوكالة 197 طاقما لتحرير الأخبار حول العالم·
يعد بول جوليوس رويتر الألماني الأصل والبريطاني الجنسية أول من استخدم الحمام الزاجل لنقل أسعار الأسهم سنة 1849 بين مدينتي آخن وبروكسل، وفي تشرين الأول/أكتوبر 1951 افتتح مكتبا في لندن لنقل أسعار الأسهم والتقديرات المتعلقة بحركتها بين مدينتي لندن وباريس، عبر خط التلكس الرابط ين مدينتي كاليه ودوفر، ورغم افتتاح المكتب ظل رويتر يستخدم الحمام الزاجل حتى عام 1853 إلى حين استكمل بناء خط التلكس· سرعان ما غدا رويتر ووكالته الصغيرة لنقل الأخبار معروفين في العالم، وغدت الوكالة تزود الصحافة البريطانية بخدماتها، كما وسعت نشاطها مع تنامي شبكة التلكس ليشمل نقل الأخبار لدول أوروبية أخرى، كما وسعت الوكالة محتواها فغدت توزع أخبارا مختلفة وأخبارا اقتصادية أخرى غير أسعار الأسهم·
مع اتساع خطوط التلكس الأرضية وخطوط الاتصالات عبر البحار، وسعت رويتر خدماتها لتشمل مناطق في شرق آسيا عام 1872، وإلى أميركا اللاتينة عام 1874·
في عام 1883 بدأت رويترز باستخدام طابعات عمودية لنقل الأخبار بطريقة كهربائية لنقل رسائلها الإخبارية للصحف البريطانية·
عندما توفي رويتر في 25 شباط/فبراير 1899 في مدينة نيس الفرنسية، كان القرن التاسع عشر يوشك أن ينقضي، وترافق الدخول في القرن العشرين مع تقدم سريع في التقنيات استثمرته رويترز لتبني شبكة أخبار عبر العالم تتمتع بالمصداقية والكفاءة المهنية·
في عام 1923 كانت رويترز أول من استخدم اشارات اللاسلكي لنقل الأخبار في العالم، وفي عام 1927 قدمت رويتر لصحف لندن الطابعة التلكسية لتسليم أخبار الوكالة لها· في عام 1925 اشترت برس اسوسييشن Press Association وهي وكالة أخبار بريطانية غالبية أسهم شركة رويترز، وفي عام 1939 نقلت الشركة مكاتبها الرئيسية إلى 85 شارع فليت في لندن، وتقع المكاتب الرئيسية للشركة حاليا في كناري وارف بلندن·
بعد مائة عام على تأسيسها، وتحديدا خلال سنوات السبعين والثمانين من القرن العشرين، استثمرت رويترز تقنيات الاتصال السريعة التي بدأت بالظهور لتنقل نشاطها وتركزه في الأسواق العالمية التي أخذت تنمو بسرعة، وهكذا غدت الوكالة في القرن الحادي والعشرين وكالة أخبار عملاقة ومربحة ماليا تستطيع أن تقول إنها تحتل المركز الأول بين الوكالات العالمية العاملة في مجال نقل أخبار التجارة والعالم بشكل عام·
وتقول رويترز إنها تعرضت خلال الحربين العالميتين لضغوط من الحكومة البريطانية من أجل بث أخبار تخدم مصالح بريطانيا في الحربين، غير أن المؤسسة رفضت تلك الضغوط، كما تقول في موقعها الرسمي، وقاومت تلك الضغوط بإصرارها على أنها شركة خاصة، وأسست رويترز مجلس أمناء مستقل للإشراف على سياساتها التحريرية، والتأكد من استقلاليتها وحيادها·
وقد تعزز استقلال الوكالة حسبما تقول عام 1984 عندما غدت مؤسسة عامة تباع أسهمها في الأسواق المالية·
Page 7
الصحافة الاميركية
أول صحيفة دورية في أمريكا الشمالية صدرت كانت (Boston News- Letter) وكان يصدرها جون كامثبيل، وكانت صحيفة أسبوعية بدأ صدورها عام 1704· وكان الحكام البريطانيون الأوائل إما مدراء دوائر بريد أو ناشرين حكوميين، ولهذا كان من غير المحتمل أن يتحدوا سياسات الحكومة· أول صحيفة مستقلة صدرت في المستمعرات البريطانية كانت صحيفة (New-England Courant)، وكان يصدرها في بوسطن جيمس فرانكلين، صدر أول عدد منها عام 1721· بعدها بسنوات قليلة اشترى شقيق فرانكلين الأصغر - بنيامين- صحيفة (Pennsylvania Gazette) التي كانت تصدر في فيلادلفيا عام 1728م، وقد بلغ عددها 43 صحيفة في العام 1782م، ونص الدستور الأمريكي عام 1791م على حرية الصحافة، وإن ظلت متخلفة عن الصحافة الأوربية، وتعتمد في تغطية أخبارها على الصحف الإنجليزية حتى ذلك الحين، فلم يكن تعداد السكان فيها يزيد على أربعة ملايين نسمه، لكنها بدأت تقوى مع منتصف القرن 19 خاصة في نيويورك، بإصدار الصحف الرخيصة، التي لا يزيد ثمنها على سنت واحد في العام 1835م وزادت إلى سنتين بعد أعوام قليله، بسبب استخداماتها لأسس الصحافة الحديثة، والتي تغطي أوربا وسائر الولايات الأمريكيه بآلاف المراسلين، وقد بلغ توزيع صحيفة نيويورك هيرالد 33 ألف نسخه عام 1840م، وكانت تهتم بأخبار الفضائح والإثاره، ولا تعطي أهمية لأصحاب الرأي السياسي أو الأدبي، فظهرت صحف أكثر رصانة مثل التربيون ذات الطابع الليبرالي الاشتراكي، ونجحت في إصدار ملحق أسبوعي كان يوزع مائتي ألف نسخة في العام 1860م، ومع نشوب الحرب الأهليه خلال أعوام (1863 - 1865) ازدهرت الصحافة الأمريكيه وحققت رواجاً كبيراً، وأصبحت الأقوى بين صحف العالم بفضل اتباعها لأحدث التقنيات في الطباعة والإخراج الصحفي، واعتمادها على شبكات مراسلين أكفاء، وأحصي فيها عام 1910م، 2430 صحيفة، تطبع 24 مليون نسخة·
Page 8
الصحافة الاميركية في القرن العشرين
كان للحرب العالمية الأولى أهمية بالغة في تاريخ الصحافة، حيث زاد الإنتاج الصحفي الأمريكي في حين ولدت صعوبات جمة لمثيلتها في أوربا وفي كل الأشياء كانت تلك الحرب بداية الغزو الأمريكي وسيادته على العالم، فقد فقدت الموارد الإعلانية، وعز الورق، واكتظت شبكات النقل البري والسكك الحديد بالأغراض العسكرية داخل أوربا، فاضطرت صحف كثيرة لتقليل عدد صفحاتها إلى أربع صفحات وأحيانا إلى صفحتين فقط، بل اضطرت صحف كثيرة لإغلاق مكاتبها وتسريح موظفيها، وقد أضافت الرقابة العسكرية على الصحف الأوروبية عقبة أخرى بجانب العقبات الاقتصادية، وتحولت إلى صحافة حرب نفسية كل طرف فيها يدير دعايته بأخبار ومواضيع معظمها غير حقيقي، في حين كانت الصحافة الأمريكية تنمو وتتقدم، وعرفت عصر الصحف الكبرى طريقها بعد الحرب، في وقت بدأ فيه ظهور الإذاعه، فكانت منافسة جديدة للصحافة، فلجأت إلى التجديد والابتكار بانتشار الصحافة الإخبارية المصورة العامة والمتخصصة وتنوعت مقالاتها من مجرد الإعلانات والأخبار والآداب إلى الكتابات التربوية والاجتماعية والرياضية والفنية والنسائية؛ فحافظت على قوتها أمام الإذاعة المسموعة وغير المرئية، وطرحت مبادئ الحرية الصحفية في معظم الدول الأوربية والأمريكية وفي مواجهه الاتحاد السوفييتي الذي يعادي الديمقراطية منذ نجاح الثورة اللينينيه هناك عام 1917م، وهذا كله دفع العديد من الصحف الصغيرة إلى التجمع لإنشاء المؤسسات الصحفية الكبيرة لمواجهة المنافسة، في عصر أصبحت خلاله الصحافة الورقية السلطة الرابعة لمعظم دول العالم المتحررة بل وفي المستعمرات المتقدمة التابعة للدول الأوربية كما في مصر والهند ولبنان إلى ما قبل نشوب الحرب العالمية الثانية، والتي عرفت تغيرات تكنولوجية في التنضيد والتصميم والطباعة والإخراج الفني - واستخدمت طابعات الروتاتيف ثم اللينوتيب، ووسائل النقل الشمسي لطباعة المجلات المصورة والملونة بطريقة الهيليوغرافور أو الأوفست، ومنذ العام 1935م تقدم البيلينوغراف في نشر الصور، مع التوسع في استخدام الهواتف التي توفر الوقت والمجهود في إجراء التحقيقات والمقابلات الصحفية المهمة، إضافة إلى الاعتماد على الشاحنات في توزيع الصحف الكبرى بين المدن أو الولايات وقويت وكالات الأنباء الأمريكية على حساب الأوربية·
وقويت وكالات الأنباء الأمريكية على حساب الأوربية، ولم تعد اتفاقية تقاسم العالم إخباريا بينها ذات شأن مع ظهور اليونيتيدبرس بجانب الاسوشيتيدبرس ومجموعة هرست، الأمريكية، التي تفوقت على وكالة رويتر البريطانية والوكالات الألمانيه والفرنسية، التي اضطرت أمام المنافسة الامريكيه أن تقوي نفسها بزيادة رؤوس أموالها وضم مؤسسات أصغر إليها، فكان عقد الثلاثينات هو عصر المجموعات الصحفية، وتابعت الصحف الأمريكيه انطلاقتها وزاد توزيعها من 24 مليون نسخة يوميا عام 1910 إلى 41 مليون نسخه يومية عام 1940، بينما انخفض عدد الصحف اليومية بعد التجميع من 2430 صحيفة إلى 1848 صحيفة يومية أمريكية فقد اندمجت 311 صحيفه في 55 مجموعة عام 1940م·
Page 9
ازدهار الصحافة الأميركية
حثت الحربان الأولى والثانية على تطور الصحافة الأميركية، وشكلت الولايات المتحدة نموذجاً ريادياً لتكاملية وسائل الإعلام؛ فغدت الصحيفة في المستوى الإعلامي نفسه دعامة دعائية ووسيلة اتصالية متقدّمة، وعقّلتها التقنيات الحديثة ووحدت مناهجها·
وتشير وقائع تاريخ الصحافة اليومية إلى ازدياد إصداراتها حتى 60 مليون نسخة 1960، وأدى ارتفاع النفقات والمصاريف المالية إلى تجميع سلاسل صحفية، وربما ساهمت بامتلاك وإدارة محطات إذاعية وتلفيزيونية 1760 مؤسسة نمطية عادية 1960، أما المجلات الدورية فتقدمت شأن الصحف اليومية، فمنها على سبيل المثال صحف الأحد وملاحقها الأسبوعية، ونجاح مجلات إخبارية، وسياسية، مصدر مثل لوك والايف ومجلات نسائية·
Page 10
صحيفة نيويورك تايمز
New York Times
تعد جريدة نيويورك تايمز New York Times من أبرز الأسماء المؤثرة في عالم الصحافة الأمريكية· فلعبت الجريدة عبر القرنين الماضيين دورا هائلا في تحديد مسار الرأي العام الأمريكي في مختلف القضايا·
يرجع تاريخ تأسيس نيويورك تايمز إلى عام 1851· مؤسسا الجريدة هما هنري جارفس رايموند الذي عمل صحفيا بولاية نيويورك وصديقه جورج جونز· وأصدرت نيويورك تايمز اليومية New York Times Daily أول عدد لها يوم 18 سبتمبر عام 1951· ومع إصدار أول عدد للجريدة صرح ريموند وجونز ذلك اليوم بأن نيويورك تايمز سوف تصدر يوميا ما عدا يوم الأحد من كل أسبوع· وقبل مرور أقل من عام واحد من تاريخ التأسيس قرر المالكان إصدار طبعة مخصصة للولايات الغربية-وتلك الطبعة مستمرة حتى يومنا هذا·
وكانت بداية الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861 بمثابة نقطة تحول للجريدة، واستطاعت من خلالها الصعود على الساحة الأعلامية الأمريكية، باعتبارها الجريدة الرسمية؛ للحصول على تصريحات الحكومة الأمريكية المتعلقة بالحرب، وذلك نيابة عن أعضاء وكالة أنباء الأسوشيتد برس·
ومع التطورات التكنولوجية نجحت الجريدة في الارتفاع بمستوى تقاريرها من حيث السرعة والدقة· ولكن الارتفاع الحاد في المبيعات قد حدث عام 1898 عندما انخفض سعر الجريدة إلى سنت واحد، وبالتالي إزداد معدل المبيعات من 26 ألف إلى 75 ألف بعد سنة واحدة· ونتج عن ذلك ارتفاعا مماثلا في أرباح الإعلانات·
ومن الشخصيات المهمة في تاريخ نيويورك تايمز أدولف أوكس الذي اشترى الجريدة بعد إفلاسها عام 1896، وعين نفسه ناشرا للجريدة في الوقت نفسه· وكان معدل المبيعات اليومي للجريدة في ذلك الحين حوالي 9 آلاف عدد يوميا مقارنة ب100 ألف في 1901· ولعب أوكس وعائلته دورا كبيرا في عالم الصحافة بالولايات المتحدة·