Page 1
مقدمة المترجم
على الرغم من كل مـا حفل به تاريخ الأدب الفارسي من كتابات قصصية غنية ومتنوعة، فإن القصة القصيرة - بمفهومها الفني الدقيق - حديثة النشأة نسبياً في هذا الأدب، فقد بدأت مسيرتها مع إصدار محمد علي جمال زاده لمجموعته المسماة يكي بود يكي نبود في سنة 1300 هجرية شمسيـــة / 1921 ميلادية أو سنة 1301هـ· ش/ 1922م · لكن من الباحثين المعاصرين من أخذ على قصص جمـــال زاده أنها لا تملــك شكل القصة أو بناءها الفني، مع قربها الكبير من القصص القصيرة ؛ لذا يكون الأولى أن يعد هذا الكاتب الحلقة الخاتمة لسلسلة الأساتذة القدامى، بدلاً من عدّه بــادئ فصل الكتّاب الجدد · من هنا، لم يستحق جمــال زاده أن يكون الأب الحقيقي للقصة الفارسية الحديثة- على الرغم من تقدمــه الزمني- تاركاً هذا الوصف للكاتب المعروف صادق هدايت الذي ضم إلى الناحية الزمنية المتمثلة في كـونه القاص الثاني مستوى راقياً من الأداء الفني، جعله يوصف بأنه واحد من الذين أوصلوا القصة الفارسية إلى كمالها· وقد مرت القصة الفارسية الحديثة في مسيرتها الممتدة من النشأة إلى هذا الوقت الحالي بمراحل مختلفة، يراها جمال مير صادقي متمثلة في ثلاث هـــي:
1- مرحلــة البدء والتكوّن.
2- مرحلة الرشد والتحول.
3- مرحلة عدم الانسجام·
فأما المرحلة الأولى فتضم أسماء بارزة مثل: جمـال زاده، وصادق هدايت، وبزرگ علوي، وإبراهيم گلستان، وجلال آل أحمد· وفيها وضع هؤلاء الرواد اللبنات الأولى للقصة الفارسية الحديثة، متأثرين بأدباء غربيين من قبيل موباسان وهمنغواي وكامو وغيرهم·
Page 2
وأما المرحلة الثانية فتبدأ بعد 28 مرداد 1332 هـ·ش (= 1953م )، وتضم كتّاباً من مثل: تقي مدرسي، وعلي محمد أفغاني، وهوشنگ گلشيري، وغزالة عليزاده· وتنماز مؤلفات هذه المرحلة عن مؤلفات المرحلة السابقة بخصائص أهمها: الموضوعات النفسانية، وذكريات مرحلتي الطفولة والشباب، والموضوعات المتعلقة بالمناطق والقرى، والاهتمام بالأساطير المحلية والقومية·
وأما المرحلة الأخيرة فتتناول نتاجات ما بعد تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية في عام 1979م، وفيها ظهرت اتجاهات أدبية مختلفة ومتفاوتة فيما بينها، إلى حد قد يصل أحياناً إلى التناقض؛ لذا استحقت المرحلة -فيما يرى صادقي - أن توصف بـ عدم الانسجام ففي السنوات الأولى بعد نجاح الثورة شهدت الكتابة القصصية تطوراً واضحاً تمثل في زيادة عدد الكتاب - لا سيما النساء - مقارنة بعددهم فيما قبل الثورة، لكن هذا التطور الكمي لم يترافق مع تطور نوعي وكيفي في النتاجات القصصية ذاتها، فقد حرص الكتاب الإسلاميون على أن تكون قصصهم ذات هوية دينية واضحة، ومرتبطة بالأحداث السياسية والاجتماعية اليومية، ولم يبرز لديهم حرص مماثل على الإجادة في النواحي اللغوية والتقنية المرتبطة بفنيات القصّ·
وبعد مضيّ سنوات عدة، ترك أغلب الكتّاب طريقتهم هذه وعادوا إلى تجريبية القصة القصيرة المعاصرة واعتنوا بجوانبها الفنية· ومن الكتّاب من أفرط في تأثره بالحداثة وما بعدها إلى حدّ قلّ معه ارتباطه بالناس والمحيط الاجتماعي· وثمة فريق من الكتّاب أيضاً حاولوا ألاّ يقطعوا صلتهم بأسلافهم من الكتّاب الإيرانيين المعروفين، وفي الوقت نفسه سعوا إلى الإفادة من الجديد الذي وصلت إليه الكتابة القصصية العالمية المعاصرة· ويخلص صادقي إلى القول بأن علينا أن نمهل هذه المرحلة مدة من الزمن تكون كافية لاتضاح معالمها واستقرار صورتها الأدبية·
Page 3
وهذا الكتاب، الذي يأتي بعد كتابي علوم البلاغة عند العرب والفرس، دراسة مقارنة يمثل تجربتي الأولى في ترجمة نصوص فارسية كاملة إلى اللغة العربية· وقد سعيت فيه إلى أن أفتح للقارئ العربي نافذة يطّلع منها على نتاجات مختلفة في القصة القصيرة الحديثة الإيرانية، تمثل الأجيال المختلفة التي تعاقبت حتى هذا الوقت على كتابتها، ابتداءً من صادق هدايت، أبيها الحقيقي، وانتهاءً بالكتّاب الجدد من الجيل الشاب المعاصر·
ولئن كانت ترجمة الأعمال الأدبية خيانة لها كما قيل، نظراً للاختلاف الذي لا محيص عنه بين الترجمة والأصل، فقد سعيت إلى أن تكون خيانتي ضيقة النطاق قدر الإمكان، بأن حرصت على جعل ترجمتي قريبة الصلة ووثيقتها بالنصوص الأصلية، حتى إنها لتشي للقارئ المدقق بأهم السمات الأسلوبية التي تتسم بها النصوص في لغتها الفارسية·
وبعد، فهذه محاولة، أجزم أن فيها كثيراً من جوانب النقص والقصور، لكن عزائي أنني سعيت قدر مـا أسعفني جهدي، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب
د· إحســــان بن صادق اللواتي
مسقط- سلطنة عمــان
Page 4
لاله
صادق هدايت
(من: المرأة التي أضاعت زوجها، مختارات من القصص القصيرة لصادق هدايت، ط5، نشر روزگار، طهران 2001م)
صادق هدايت:
- ولد في طهران سنة 1902م·
- يعدّ الأب الحقيقي للقصة الفارسية الحديثة·
- أشهر نتاجاته الأدبية روايته البومة العمياء الصادرة سنة 1936م، وقد ترجمت إلى اللغة العربية ولغات عالمية مختلفة·
- بلغ مجموع نتاجاته التي أصدرها خلال 23 عاماً من 1927 إلى 1950م تسعة وعشرين كتاباً، ومن مجموعاته القصصية: حياًّ إلى القبر، ثلاث قطرات دم، السيدة علوية، الظل المضيء·
- قضى منتحراً في باريس سنة 1951م·
لاله
منذ الصباح الباكر، أخذت السحب تنتقل من مكان إلى آخر، وهبّت ريح مؤذية باردة· وتحت الأشجار، امتلأ المكان بالأوراق الميتة، الأوراق نصف الحية التي كانت تدور آنــاً بعد آن في الهواء ثم تهوي إلى الأرض· سرب من الغربان كان يتجه إلى وجهة غير معروفة، بنعيب عال· بيوت القرية كانت تبدو من بعيد أشبه بعلب كبريت صفّ بعضها فوق بعض، بنوافذ سوداء، دونما أبواب·
Page 5
أخذ خداداد - بلحيته وشاربه الرماديين وفؤاده الحي الحازم- يخطو خطواته المحكمة وهو يحس بطاقة متجددة في عروقه، ونظرته تمتد ظاهراً على الجادة الرطبة ولوحة السهل الممتد· كانت الريح تداعب بشرته، والأشجار ترقص في نظره، والغربان تحمل له رسالة سعادة، وبدت له الطبيعة كلها فرحة وجميلة· كان يحمل تحت إبطه صرة ذات قماش مخطط ألصقها بنفسه· عيناه كانتا تلمعان، وكلما خطا خطوة بدت ساقه الرياضية من تحت سرواله الطويل الأسود· قميصه كان أزرق سماوياً، وقبعته صفراء من اللباد·
كان خداداد رجلاً في الستين من عمره، ذا عظام بارزة، وقامة طويلة، وعينين لامعتين· مضى ما يقرب من عشرين سنة دون أن يراه أهالي دماوند، لأنه كان قد اختار العزلة· كان قد بنى لنفسه بيتاً صغيراً من الحجارة والطين قرب عين علا في رأس طريق مازندران· عشرون سنة مضت وهو يعيش وحيداً تاركاً الدنيا، بيديه الخشنتين يعمل في الأرض بمسحاته، يسقي ويزرع ويحصد، وهو العمل ذاته الذي كان يقوم به أبوه وربما أسلافه أيضاً· لقد ورث قطعة أرض باع أكثر من نصفها في سنة قحط، أي أنه استبدل بها طحيناً، والآن هو يمضي حياته معتمداً على المحصول القليل الذي يأتيه مما بقي منها· الأمر الذي أثار تعجب الجميع هو أنَّ خداداد كان- في السنتين أو الثلاث الأخيرة- يُشاهد في الأماكن المعمورة، وغالباً في سوق دماوند، وهو يشتري قماشاً نسوياً وسكراً وشاياً وطحين ذرة، وأحياناً كان يُشاهد على الجبال المحيطة في الماء الدافىء وفي النواحي المشجرة، وهو يصطحب معه طفلة غجرية·
قبل أربع سنوات، في ليلة باردة من الليالي التي تخدش برودتها وجه الإنسان بمخالبها الحديدية، سمع خداداد - ما إن أطفأ مصباحه واضطجع على فراشه - صوتاً غريباً، أنيناً متقطعاً لم يظهر ما إذا كان حيوانياً أم بشرياً· أخذ الصوت يقترب شيئاً فشيئاً حتى طُرق الباب· نهض خداداد الذي لم يكن يخشى غولاً ولا ذئباً وجلس، وأحس بأنَّ ثمة قطرة عرق باردة تتزحلق على ظهره· كلما سأل عن الطارق وعما يريد لم يأته جواب، وإذا أراد النوم طرق الباب من جديد· بيد مرتجفة أضاء المصباح، وتناول السكين الكبيرة التي كان قد علّقها على الجدار لتقطيع الخشب، وفتح الباب فجأة· اشتد تعجبه حين رأى أمامه بنتاً غجرية صغيرة بثياب حمراء وقد جمد الدمع على خديها وهي ترتجف· قذف خداداد بالسكين إلى أحد أطراف الغرفة، وأخذ بيد الطفلة، وأدخلها في الغرفة· دفأها بالنار، ثم صنع لها بأثوابه البالية فراشاً·
Page 6
في صباح اليوم التالي، لم يجنِ من أسئلته التي وجهها إليها أية فائدة، كأن الفتاة كانت قد أقسمت ألاّ تقول شيئاً عن نفسها؛ ولهذا سمّاها خداداد لال أو لالو وتحوّل الاسم تدريجياً إلى لاله الأمر الغريب هو أنَّ ذلك الوقت لم يكن مصيف الغجر أو مشتاهم، فلم يكن في وسع خداداد أن يعرف ما إذا كانت هذه الفتاة قد جاءته من الأرض أم من السماء· خرج من بيته الصغير وأخذ يتتبع آثار خطاها، لكن هذه الآثار سرعان ما كانت تختفي على الأوراق الرطبة الممتدة· سأل طحان عين علا فكان جوابه بالنفي، وبالنتيجة صمًّم خداداد على أن يحتفظ بالطفلة إلى حين العثور على ذويها·
كانت لاله طفلة في الثانية عشرة من عمرها، حنطية البشرة، ذات وجه مليح وعينين أخّاذتين وخال أزرق موشوم على يدها ووسط جبهتها· وطوال السنوات الأربع التي قضتها لاله في بيت خداداد سعى كثيراً في البحث عن أقاربها، لكن أحداً من الغجر لم يعرفها· ثم لم يعد خداداد يميل إلى التخلي عن لاله! لقد تكونت في نفسه علاقة خاصة تربطه بها، لم تكن علاقة أب بأولاده، لكنه أحبّها كما يحب الرجل المرأة·
في ذلك الوقت الذي سرت فيه وسوسة العشق إلى رأسه، ربط في وسط الغرفة حبلاً وغطّاه بستارة حتى يفصل بين مكاني نومهما· وأكثر ما كان يؤذيه أن لاله كانت تستعمل كلمة بابا في مخاطبته، فكانت حالته تتغير كلما سمع هذه الكلمة منها· وعند عودته إلى بيته يوماً ما لاحظ دجاجتين قرب البيت، كان كثيراً ما نصح لاله وذكرّها بقبح السرقة وخوّفها من أن تحترق بالنار، لكنه كلما فعل هذا ظهرت على شفتيها ابتسامة شيطانية وتخلصت من الموقف بعذرٍ ما·
كانت لاله مولعة بالتنزه، فإذا أجبرها هطول المطر ليومين أو ثلاثة أيام متتابعة على البقاء في البيت انقلبت صامتة حزينة، وإذا تحسن الجو خرجت للنزهة مع خداداد أو وحدها· كانت في الغالب تخرج وحدها، وهذا مـا دعا خداداد إلى إساءة الظن بها، فقد رآها مرتين أو ثلاثاً مع عباس الراعي الذي بات يراه منافساً له، بل إنه رآهما يوماً وعباس يقطف توت العليق ويضعه في فمها·
Page 7
في تلك الليلة نهرها بشدة عن محادثة الرجال الغرباء، فاغرورقت عيناها بالدموع، فأثرت في قلب القروي· وجاءت أم عباس مرتين لخطبة لاله لولدها، لكنّ خداداد ردّها في المرتين بحجة أنَّ لاله ما زالت طفلة، وكانت الحجة التي أقنع بها نفسه هي خشيته من أن يصبح عباس، هذا الكسول، وارثاً له، وأن ينتقل كل ما جمعه في خمسين عاماً إلى ملكيته· عندئذ ما الذي ستقوله عنه أرواح أجداده إذ بوّأ في مقام الوارث شخصاً خالي الوفاض، ولا قبل له بالعمل في الأرض؟ وفضلاً عن كل هذا، فإنًَّ الفتاة التي آواها في بيته، وأطعمها، وكساها، وتعب لأجلها حتى كبرت، تحمل بالنسبة إليه حكم شجرة فاكهة نمّاها ورعاها ثم يأتي غريب ليقطف ثمرتها· أقبيحٌ أن تكون التفاحة الحمراء لصاحب يد مبتورة؟ أليس بالإمكان أن تكون لاله له هو؟ ولم لا؟ لكنه كان يعرف أنَّ الموضوع لم يكن بهذه السهولة، فلا بد من الحصول أولاً على رضا البنت، هذه التي تتمسك بعادتها التي تزيده يأساً، عادة مناداته أباً لها·
كان إذا نامت الفتاة ليلاً، يرفع المصباح عالياً، ويتأمل وجهها وصدرها وساعديها لمدة من الزمن، ثم ينطلق كالمجنون إلى الخارج، إلى الجبل، ويعود إلى الدار متأخراً جداً· كانت حياته تسري بين الخوف والرجاء، وكانت الرهبة تمنعه من أن يظهر لها عشقه، فلو قالت له لالة: لا، أنت مسنّ لما وجد مناصاً من أن يقتل نفسه·
بالقرب من بيت خداداد، تقع صخرة مسطَّحة عريضة كان يحلو للاله أن تجلس عليها، أغلب الوقت، ملصقةً بها عضلات رجليها الرياضيتين· كانت تمكث هكذا مدة طويلة دون أن تتعب، وأحياناً كانت تردد لنفسها لحناً شجياً، فإذا اقترب منها أحد سكتت من فورها· لقد استمع خداداد لهذا اللحن بمحض الصدفة، وكان في داخله توق كبير للاستماع إليه ثانيةً·
واليوم صباحاً، حين كان خداداد يهم بالذهاب إلى مدينة دماوند، كانت لاله جالسة على الصخرة نفسها· لقد بدت أحسن حالاً من حالها في الأيام الأخرى، ولم تشأ- خلافاً لعادتها- أن تتبعه إلى المدينة· قال لها خداداد:
Page 8
سأشتري لك منديل رأس أحمــر
ابتسمت ابتسامة طفولية، ومن حسن حظه أنه رآها، فكانت عنده في قيمة الدنيا كلها· وحين وصل إلى سوق دماوند الصغيرة، كان أول ما صنعه أن اتجه إلى بائع ثياب، واشترى منه منديل رأس أحمر ذا ورود وأزهار خضراء وصفراء، ثم اشترى سكراً وشاياً· وضع كل ذلك في صرته ذات القماش المخطط، وبخطوات وسيعة اتجه إلى بيته الصغير· ومع أنٍَّّ المسافة من المدينة إلى بيته كانت فرسخين، فإنها لم تكن تبدو في نظره أكثر من قطع ميدان واحد· لقد أصبحت حياته الآن ذات هدف ومعنى، على الرغم من كبر سنه وسوء حاله· أخذ يحدّث نفسه في أثناء الطريق:
هذا المنديل يليق بلاله، فسينزل على كتفيها، وستعقد طرفه تحت صدرها
وكأنه أحس بعد هذا بالخجل، فقال في نفسه:
يجب أن أحسن رعايتها؛ لأنني في منزلة أبيها، وعليَّ أن أجد لها زوجاً صالحاً، لكنّ تذكّره أنَّ عباساً الراعي يحبها جعل الدم يحتقن في رأسه·
أخذ يسلك طرقاً منحدرة ومرتفعة، ويجتاز الهضاب والجبال والسهول· لم يكن يبصر أحداً في مسيره، أو يحس بشيء، حتى تعب الطريق لم يظهر له أثر فيه· كان فيما مضى إذا مّر بالمواضع المعمورة القريبة يكثر من النظر إلى السماء ليرى ما إذا كانت ستمطر أم لا، وينظر إلى الأرض ليتعرف محصول الآخرين، ويستفسر عن أسعار الشعير والحنطة واللوبيا والتوت المجفف والبطاطا والكرز والمشمش وغير ذلك· أما الآن فلا يشغل فكره سوى لالة· محصول أرضه لم يكن جيداً هذه السنة، فاضطر إلى إنفاق بعض مدخراته، لكن هذا لا يساوي في نظره شعرة من لاله· في هذه الأثناء مرّ بجانب مجموعة من الأشجار، وانتقل إلى جادة أخرى حيث بدا لناظريه على مرتفع مقابل، بيته الصغير مثل علبتي كبريت مكسورتين متجاورتين· حثّ خطاه، وضمّ يد صرته إلى نفسه قاطعاً الطريق الذي يعرفه جيداً· تعدّى مرتفعاً آخر، ثم انحرف قليلاً، ليكون بعدها أمام بيته· لكنٍّ لاله لم تكن هناك، لا على الصخرة ولا في الغرفة· وقف قرب الباب، ورفع يده إلى جانب فمه، ونادى: لاله·· لاله·· لالو·· لالو·· فسمع صدى صوته يجيبه: لاله·· لالو·· وامتلأت نفسه رعباً· ركض فوق الصخرة وأمام البيت، وتفحص الأطراف، فلم ير أثراً لثوبها الأحمر· رجع إلى الغرفة، ودقق فيها، وفتح صندوق لالة الصغير، فوجده خالياً من الثياب الجديدة التي كان قد اشتراها لها هذه السنة· كاد يجنّ، ولم يعد يعي شيئاً· خرج مرة أخرى، وعند عين علا اصطدم بشيخ القرية الذي كان -بجبّته الطويلة وقبعته الزرقاء المتشققة وشاله وسرواله الأسود وقبائه ذي الشقوق الثلاثة- يدخن غليونه تحت شجرة· نظر إلى خداداد نظرة مسمومة جعلته لا يجرؤ على أن يسأله عن أي شيء· وأبعد قليلاً، فرأى امرأة ذات ثوب أحمر وسروال أسود وشعر مجدول، قد ربطت طفلها على ظهرها· وهذه أيضاً لم تستطع أن تعطيه عنواناً للاله· فرجع لا يلوي على شيء·
Page 9
خيم الظلام على كـل شيء، ولم تعد لاله· يالها من كوابيس تلك التي رآها خداداد ! كلا، إنه لم ينم أصلاً· كان وضعه كابوسياً، فكان ينهض من مكانه لأقلّ صوت، ظنًا منه أنها عادت، يتذكر أنه نهض أكثر من عشر مرات· كان يغلق الستارة، وكالأعمى يتحسس بيده فراش لاله البارد، فتأخذه رجفة، ويهوي في مكانه· هل أخذها أحدٌٌ عنوة ؟ خدعوها أم ذهبت بإرادتها؟
كان الجو في صباح اليوم التالي صافياً وبارداً، حمل خداداد منديل الرأس الذي اشتراه وخرج باحثاً عن لاله· كل الناس الذين صادفهم في طريقه رآهم عفاريت وثعابين، الجبال الزرقاء والرمادية المغطاة بالثلوج حتى خصرها بدت له مخيفة، رائحة النباتات القريبة من عين الماء كانت تخنقه·
وفي الطريق التقى بقرويين، وسألهما خائفاً:
- أمــا رأيتما لاله؟
ظّنا في البدء أنه قد جُنّ، وسألاه معاً:
- - من؟
- - طفلة غجرية·
فقال أحدهما: قبل يومين جاءت مجموعة من الغجر، وقد نصبوا خيامهم في مومج، لعلك تعنيهم
سلك خداداد طريق مومج، بخطوات سريعة ومتعثرة هذه المرة· انعطف عدة مرات حتى لاح لناظريه، من بعيد، سواد عدة خيام· وحين اقترب، رأى رجلاً نائماً بجوار الساقية، وعلى بعد يسير منه كانت امرأة غجرية تغربل البرغل· سلّمت المرأة عليه وقالت:
- نقرأ الحظ، ولدينا خرزة الأفعى، وغربال، وجوز·
قال لها خداداد كالمجنون:
Page 10
- لالو·· لالو·· ألم تريها؟ ألا تعلمين بمكانها؟
- نقرأ الحظ، فأقول لك·
- قولي، سأدفع لك·
- أعطني لأقول لك·
كان خداداد متعباً، أخرج من جيبه قراناً واحدًا وأعطاها إياه، فأخذت يده، وقالت وهي تنظر إلى وجهه:
- فليكن عليٌ ظهراً وموئلاً لك· أيها الرجل، إنك تكتم في قلبك حزناً عظيماً؛ لأنك أضعت شيئاً تعبت من أجله أربع سنوات، شيئاً ليس فلذة من كبدك، لكن حبك له لا يقّل عن حبك لفلذة كبدك·
نظر خداداد إلى الغجرية بعينين دامعتين، وتمتم:
- صحيح، صحيح·
- لكن، لا تحزن جزافاً، فتلك البنت قريبة منك، حية وسالمة، وهي أيضاً تحبك، لكن ما الفائدة بعد أن فعل القدر فعلته؟
- كيف ؟ كيف؟ أقسم عليك بالذي تعبدين أن تقولي·
- لا تدع للحزن طريقاً إلى نفسك، إنها محظوظة· لقد تركت أنت باب الغرفة مفتوحاً، فدخل الشيطان وخدعها·