eKtab
EN ع
ناصر 67 - شـهادة إسرائيلية
Read free sample

ناصر 67 - شـهادة إسرائيلية

by نبيل راغب

Page 1

مقــــدمة

في 19 فبراير 1970 نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية نصًا لمقابلة أجرتها مع الرئيس جمال عبد الناصر قال فيها :
« لم يكن فى نيتى أبدًا أن أشن حربًا ضد إسرائيل عام 1967 ، والقادة الإسرائيليون يعرفون ذلك جيدًا . لم يكن فى نيتى إغلاق خليج العقبة فى وجه السفن ، فأنا لم أطلب من السيد يوثانت أن يسحب قوات الأمم المتحدة من غزة وشرم الشيخ المشرف على مدخل الخليج ، لكننى طلبت إغلاق مجرد جزء من الحدود الممتدة من رفح إلى إيلات ، إلا أن أمين الأمم المتحدة قرر بناء على نصيحة موظف أمريكى كبير ، سحب جميع قوات الطوارئ الدولية ، ليضعنى فى موقف المجبر على إرسال قوات إلى شرم الشيخ وفرض الحصار . وهكذا وقعنا فى الفخ الذى نصب لنا » .
هذا الفخ الذى تكلم عنه عبد الناصر ، كان مجرد حلقة فى سلسلة طويلة من الفخاخ التى نصبت له منذ توليه مسئولية الحكم فى مصر فى منتصف الخمسينيات . وهى فخاخ تنوعت وتعددت من مؤامرات الاغتيال التقليدى بإطلاق الرصاص أو دس السم أو وضع المتفجرات فى أى مكان يمكن أن يتواجد فيه : السيارة أو الطائرة أو السرادق ، إلى مؤامرات الحصار السياسى لعزله وخنقه من خلال تصفية نفوذه وثقله وقدرته الفائقة على التأثير سواء داخل بلده أو وطنه العربى أو دول عدم الانحياز أو دول العالم الثالث ، بل أن الكاريزما العجيبة التى كان يتمتع بها استطاعت أن تؤثر فى بعض قطاعات المثقفين فى دول الغرب نفسه .
هذه الكاريزما العجيبة كانت مصدر قلق متجدد لكل القوى الامبريالية والاحتكارات الاقتصادية العالمية بكل ضغوطها السياسية والعسكرية . فليس الأمر قاصرًا على إسرائيل وصراعها مع العرب ، إذ أن دورها لم يزد فى المنطقة على دور رأس الحربة المسمومة ، أما جسم الحربة نفسه فيمتد عبر أسواق الأوراق المالية ، وترسانات السلاح ، ودهاليز المخابرات ، ومؤتمرات الدبلوماسيين ، وعصابات المافيا ، ومصالح وصراعات وتيارات لا حصر لها . وكان على عبد الناصر أن يواجه هذا الطوفان الجارف سواء فى صوره العلنية الواضحة أو صوره السرية الخفية . واستمرت هذه المواجهة منذ منتصف الخمسينيات ، مما يدل على يقظة عبد الناصر التى استطاع بها أن يتجاوز هذه السلسلة من المؤامرات التى لم تنقطع والتى كان هدفًا متحركًا بالنسبة إليها ، لابد من إصابته بطريقة أو بأخرى .
وجاءت حرب يونيو 1967 بمثابة الفخ الكبير ذى الأبعاد والأعماق المتعددة التى إذا نجح عبد الناصر فى تجاوز بعد أو عمق فيه ، فإنه لن يستطيع تجاوز الأبعاد والأعماق الأخرى ، كالدور الذى لعبه رالف بانش مساعد يوثانت عندما نصحه بسحب جميع قوات حفظ السلام فى سيناء ليضع عبد الناصر فى مأزق يصعب تجاوزه . وكانت نصحية هذا الموظف الأمريكى الكبير ذى الخبرة الطويلة فى دهاليز الأمم المتحدة هى مجرد ومضة فى رأس جبل الجليد العائم تحت أمواج محيط السياسة الدولية والذى كان يقترب رويدًا رويدًا للاصدام بالسفينة العربية التى طالما أبحرت بقيادة ربانها عبد الناصر وسط أعاصير ودوامات لا تهدأ ، لكن الإعصار الأخير كان من العنف والضراوة بحيث قصد به تحطيم السفينة كلها وليس مجرد القضاء على ربانها .
ولو كان الأمر قاصرًا على العوامل الدولية الخارجية لربما كان فى إمكان عبد الناصر مواجهتها وتجاوزها ، وهو الذى اعتاد التعامل معها بحنكته السياسية منذ أن تولى المسئولية ، لكن تصادف وجود عوامل محلية داخلية ، ظلت تتراكم منذ حرب 1956 إلى أن تفاقمت فى وقت كانت فيه العوامل الـدولية الـخارجية فـى طريقها إلى بلوغ الذروة . ولذلـك كـانت الـمرة الأولـى - والأخيرة - التى حاربت فيها عبد الناصر معركته فى وضع لا يحسد عليه . كان العدو أمامه والبحر خلفه . ولم يدرك أبعاد هذه المأساة إلا مع الساعات الأولى من اندلاع القتال صباح الاثنين الخامس من يونيو 1967 . لكن العجلة القدرية كانت قد دارت وأصبح من المستحيل إيقافها فضلاً عن إرجاعها إلى الوراء ولو للحظة واحدة .
ولعل الصدمة التى أصابت الشعب العربى نتيجة للنكسة ، أن عبد الناصر كان دائمًا فى نظره بمثابة «السوبر مان» الذى يأتى بالأعاجيب التى تذهل الأعداء قبل الأصدقاء ، ويقود أمته من تحد إلى آخر ، بحيث وضعها على خريطة العالم المعاصر بل وفى قلبه ، مما أكسبها ثقلاً وتأثيرًا لم تحصل على مثلهما من قبل . ونسى الشعب العربى أن عبد الناصر بشر . فهو زعيم أو قائد مثل كل الزعماء والقادة الذين يتخذون قراراتهم المصيرية بناء على التقارير الواردة إليهم . وهذه التقارير يكتبها بشر أيضًا قد يفتقرون إلى الموضوعية أو الرؤية الشاملة أو النية الخالصة نتيجة لاعتبارات عديدة ، ولذلك فإن نسبة الصواب أو الخطأ فى اتخاذ القرار تتحدد طبقًا للإطار الزمنى والظروف والملابسات المحيطة بها . وقد لعبت العوامل المحلية الداخلية دورًا سلبيًا فى التأثير على هذه التقارير . وليس فى استطاعة القائد أن يلم بنفسه بكل كبيرة وصغيرة فى مجريات الأمور مما يؤكد التأثير الذى يمارسه المتستشارون والمساعدون والمحيطون بالقائد ، على قراره ، سواء أكان تأثيرًا سلبيًا أم إيجابيًا ، ومهما كان يتمتع بفكر ثاقب ، وجاذبية طاغية ، ونظرة استراتيجية ، وثقافة شاملة ، وخبرة عميقة ، وكاريزما لا تقاوم .
ولنبدأ بتحليل العوامل الدولية الخارجية التى تحالفت فى نصب الفخ الذى وقع فيه عبد الناصر ثم ننتقل إلى العوامل المحلية الداخلية ، وذلك لنجيب على تساؤل حير كثيرين على مدى ما يزيد على ربع قرن وهو : هل كان من الممكن تجنب نكسة يونيو 1967 وعدم الوقوع فى الفخ الذى نصب لنا والذى ما زلنا نعانى من تداعياته حتى الآن ؟
بدأت خيوط الفخ فى الاتضاح عندما كلف المشير عبد الحكيم عامر الفريق أول محمد فوزى رئيس الأركان فى 14 مايو 1967 بالسفر إلى دمشق فى مهمة للتحقيق ومعرفة مدى صحة المعلومات التى وصلت من الاتحاد السوڤيتى ودول أخرى ، عن الحشد العسكرى الإسرائيلى على حدود سوريا . يقول محمد فوزى فى كتابه أو مذكراته حرب الثلاث سنوات : «1967 - 1970» :
«سافرت فعلاً إلى دمشق فى اليوم نفسه ، ومكثت 24 ساعة تفقدت فيها قيادة جبهة سوريا ، كما سألت المسئولين العسكريين فى قيادة الأركان والجبهة ، عن صحة المعلومات الخاصة بحشد القوات الإسرائيلية على الحدود السورية . وكانت النتيجة أننى لم أحصل على أى دليل مادى يؤكد صحة المعلومات بل العكس كان صحيحًا ، إذ أننى شاهدت صورًا فوتوغرافية جوية عن الجبهة الإسرائيلية ، التقطت بمعرفة الاستطلاع السورى يوم 12 ، 13/5/1967 ، فلم ألحظ أى تغير للموقف العسكرى العادى».
ولم يقر المشر عبد الحكيم عامر بنقل هذا التقرير إلى الرئيس جمال عبد الناصر ، كما أنه لم يكن فى استطاعة الفريق محمد فوزى أن يتجاوز عبد الحكيم عامر ويقدم تقريره إلى عبد الناصر ، خاصة وأن عامر كان يرى فى القوات المسلحة دائرة مغلقة عليه شخصيًا ، لا يخرج منها أو يدخل فيها أى مسئول إلا بإذن منه ، ولذلك كان هو حلقة الاتصال الوحيدة بين القوات المسلحة وعبد الناصر . ومن الواضح أن عامر لم يأخذ تقرير فوزى باهتمام مناسب لوقوعه تحت تأثير التهديدات الإسرائيلية التى كان رئيس الوزراء الإسرائيلى ليفى أشكول يكررها ضد سوريا ، وأعلنها صريحة أن الجيش الإسرائيلى ينوى التقدم لاحتلال دمشق لإسقاط الحكم هناك ، وذلك بالإضافة إلى حملة استفزازية قامت بها بعض الدول العربية ضد وجود قوات الطوارئ الدولية التى تمس السيادة المصرية ، وقد آن الأوان لتتخلص مصر من الاحتماء بهذه القوات ، وكأن هذه الدول مهمومة بالسيادة المصرية أكثر من مصر نفسها .
Page 2
ويرى موشيه دايان فى مذكراته أن الخطوة الأولى نحو حرب يونيو ، كانت قد بدأت قبل ثمانية أشهر . ففى 12 نوفمبر 1966 ، انفجر لغم تحت سيارة دورية إسرائيلية جنوبى جبل حبرون ، على الحدود مع الأردن ، فقتل ثلاثة جنود إسرائيليين ، وجرح ستة . وفى اليوم التالى ، دخلت وحدة إسرائيلية إلى قرية السموع على سفوح جبال الخليل التى رابط عندها الفدائيون ، فنسفت عشرة بيوت ، وفى أثناء العملية ، أسقطت طائرة ميراج إسرائيلية طائرة هوكر هانتر أردنية . وقد خسر الأردن أيضًا 20 قتيلاً (14 عسكريًا ، و6 مدنيين) و35 جريحًا . وراح الإعلام الأردنى يلمح إلى تراجع عبد الناصر الذى لم يف بوعده بمساعدة الدول العربية التى تهاجمها إسرائيل . ويتهم الجيش المصرى بالاختباء وراء قوات الطوارئ ، وبتأمين حرية الملاحة لإسرائيل .
وحاول ليفى أشكول أن يمتص صدمة هذه العملية العسكرية منعًا لتفاقم الموقف وتفجره ، فأعرب بعد عملية «السموع» عن أمله فى أن تكون هذه هى العملية الأخيرة من نوعها ، وأكد أن العمليات الانتقامية ليست جزءًا من سياسته ، لكنه كان يعلم أن أفضل أمل لإسرائيل للحصول على ما تحتاج إليه من المساعدات الغربية لمعالجة متاعبها الاقتصادية هو أن تكون قادرة على إظهار أن «قلعة الديمقراطية الغربية» التى تمثلها تتعرض للحصار من جديد ، فإذا أمكن ، وهو أمر يؤكد تقريبًا ، الاعتماد على العرب فى الرد بالتهديدات العدائية المطلوبة فإن غارة انتقامية على الأقل من حين لآخر يمكن أن تفيد إسرائيل بزيادة حدة التوتر على حدودها .
لكن الجيش الإسرائيلى وأنصاره المتطرفين كانوا غير راضين ، لأن هدفهم الكبير لم يكن معاقبة سوريا والأردن بقدر ما كان السعى الدؤوب للقضاء على عبد الناصر . وطالما أنه يتمتع بحماية قوات الطوارئ الدولية فلا يمكن دفعه إلـى خوض معركة ، ولما كان تحذير بن جوريون ماثلاً فى أذهانهم بصفة دائمة – وهو التحذير الذى أعلنه فى أعقاب حرب 1956 بأن الخطر الحقيقى يكمن فى شخص عبد الناصر بصفة محددة – فقد صمموا على استدراجه للخروج من وراء الستار الواقى الذى يحتمى به وتحطيم صورته كزعيم للعرب مرة وإلى الأبد . وكانت اتفاقية الدفاع المشترك التى وقعتها الحكومتان المصرية والسورية فى 4 نوفمبر 1966 ، والتى تنص على أن العدوان على أى من الدولتين يعتبر اعتداء على الدولة الأخرى ، بمثابة الحل المنشود لهذه المشكلة . ومن ثم ادعى الجيش الإسرائيلى بعد الغارة التى قام بها على قرية السموع أنه لم يكن يقصد معاقبة الأردن وإنما كان الهدف تدمير قرية أصبحت قاعدة للمخربين السوريين الذين يعملون من وراء خطوطهم .
لكن عبد الناصر لم تنطل عليه الحيلة ولم يقع فى الفخ الذى نصب له وبعد ذلك فشلت سلسلة أخرى من الغارات البسيطة عبر الحدود السورية والأردنية فى أوائل عام 1967 بهدف الاستمرار فى نصب الفخ وتوسيع رقعته ، لكنها لم تثر سوى احتجاجات صاخبة من جانب القاهرة مما أثار حنق الصقور الإسرائيلية التى صعدت من ضغوطها على ليفى أشكول الذى اضطر أخيرًا إلى السماح بتوجيه ضربة كبرى ضد سوريا بعد فشل الضربات الصغيرة السابقة . وفى منتصف أبريل بدأت حملة إعلامية إسرائيلية تنذر العرب بضربات قاصمة ، خاصة وأن إسرائيل يمكنها دائمًا الاعتماد على تأييد الأمريكيين الذين ترابط قطع أسطولهم السادس فى مواجهة السواحل السورية والمصرية ، ثم قامت الطائرات الإسرائيلية بهجوم ، بدعوى الانتقام من عمل تخريبى ارتكبته مجموعة من الفدائيين التابعين لمنظمة فتح . وعندما انتهت هذه الغارة الجوية الانتقامية كانت المقاتلات الإسرائيلية قد أسقطت ما لا يقل عن ست طائرات ميج سورية بعد مطاردة بلغت فيها دمشق ذاتها .
هذه الجرأة التى تصرفت بها إسرائيل أثارت قلق عبد الناصر الذى بدأ يؤمن أن المسألة ليست مجرد مناوشات على الحدود واختبارات للقوة والتحدى ، وأن التفاعلات الجارية لم تعد إقليمية ، بل تتحرك بأصابع خفية وخبيثة من خارج المنطقة العربية ، بطريقة متصاعدة تدل على أن هناك هدفًا استراتيجيًا كبيرًا لابد من تحقيقه . وعندما يصبح هذا الهدف كبيرًا ، فلابد أن يكون عبد الناصر فى قلبه . وقد تأكد هذا الاعتقاد بعد نجاح المخابرات المركزية الأمريكية فى تنفيذ انقلاب عسكرى فاشى فى اليونان يوم 21 أبريل 1967 ، وذلك بعد بضعة أيام من الهجوم الأخير على حليفته سوريا ، وأقيمت فى اليونان ديكتاتورية يمينية ، رسخت فى ذهن عبد الناصر أن التصعيد مستمر للهجمة الإمبريالية فى الشرق الأوسط بحيث تنضم اليونان إلى تركيا لتصبحا قاعدة خلفية فى حين تقوم إسرائيل بدور المقدمة أو الطليعة لتحويل سوريا إلى دولة تدور فى فلك أمريكا كالأردن تمامًا . وبهذا تعزل مصر وترغم زعيمها على الاستسلام ، مما أكد أسوأ شكوك عبد الناصر .
واستمر نصب الفخ على مستويات وجبهات عديدة : عسكرية وسياسية وإعلامية ونفسية . واشتركت وكالات الأنباء الأمريكية فى توصيل هذه الرسالة بكل الوسائل والسبل . فمثلاً أذاعت وكالة الأسوشيتد برس بعد ثلاثة أسابيع من الضربة الجوية الإسرائيلية ضد سوريا تقريرًا لضابط إسرائيلى كبير يهدد فيه باحتلال دمشق عسكريًا لوضع حد للتخريب الذى يقوم به السوريون والفلسطينيون داخل إسرائيل ، وفى حين صعد هذا التقرير من درجة الغليان فى المنطقة العربية ، فإن الجنرال إسحق رابين رئيس أركان الحرب المتشدد ألقى بثقله أيضًا وأدلى بتصريح أكد فيه على ضرورة الإطاحة بحكومة سوريا حتى يتمكن ضمان أمن إسرائيل أو أية دولة أخرى فى المنطقة . وهى كلها تصريحات مرسومة ومخطط لها لأن حكومة سوريا لم تكن تشكل أى تهديد سواء لأمن إسرائيل أو أمن أية دولة أخرى فى المنطقة .
كان الهدف ضرب مصر عن طريق سوريا ، ذلك أن تركيز كل هذه التهديدات ضد سوريا ينطوى إلى حد كبير على أكثر من مغزى ، خاصة وأنه لم تمض بضعة أشهر على تعهد مصر بضمان أمنها . ومن المؤكد أن السوريين كانوا يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم على وشك التعرض للغزو ، ولذلك فإنه عقب الهجوم الجوى الإسرائيلى فى أبريل ، وقبل أن يوجه رابين تهديده بالإطاحة بالنظام القائم فى دمشق بأيام ، طلب نور الدين الأتاسى رئيس الجمهورية السورية من القاهرة القيام بأية حركة أو مناورة عملية تدل على التأييد العسكرى . وبرغم تمسك عبد الناصر بحرصه ، واعتماده على حساباته الدقيقة ، ومحاولته أن يكسب وقتًا بطلب مزيد من المعلومات ، فإنه كان متأكدًا بعد صدور تصريح رابين من أنه سوف يضطر إن عاجلاً أو آجلاً إلى القيام بحركة لتحويل الأنظار إلى حدوده فى سيناء ، ولو لمجرد منع السوريين من الإقدام على عمل متهور من جانبهم ، خاصة أنه لم تكن هناك فى سوريا قوات مصرية تستطيع أن تمسك بزمام الأمور .
وسواء أكانت إسرائيل على وشك القيام بغزو شامل لسوريا أم لا ، فإن هيبة مصر لا تسمح لها إلى أجل غير مسمى أن تكون موضع سخرية العالم العربى لأنها تختبئ وراء قوات الطوارئ الدولية فى حين تقوم إسرائيل بقتل حلفائها دون رادع . وكان عبد الناصر يؤمن أنه إذا فقدت مصر مصداقيتها فى الوطن العربى ، فإنها بذلك تعزل نفسها ، وتفقد مركز ثقلها الذى تتعامل به مع العالم الخارجى . ولمدة خمسة أشهر بعد حادثة ضرب السموع ، لم يتوقف الإعلام الأردنى عن مهاجمة التخاذل المصرى ، وشنت الصحافة الأردنية حملة شعواء على عبد الناصر لأنه يحارب أشقاءه العرب فى اليمن فى الوقت الذى لا يرفع فيه إصبعًا واحدًا دفاعًا عن أرواح العرب ضد اعتداءات إسرائيل الفاضحة والمتكررة .
ويقول أنتونى ناتنج فى كتابه الضخم الرائع «ناصر» إنه كان من المحتمل فى واقع الأمر ، أن الإسرائيليين فى ذلك الوقت كانوا يخططون لعملية على غرار غارة غزة فى عام 1955 أكثر منه لغزو شامل لسوريا . ولا شك أن عبد الناصر كان مدركًا لهذا الاحتمال لأن مثل هذا الغزو لا يمكن أن يوضع فى الاعتبار بهذه البساطة والسهولة . فقد كان أهم هدف بالنسبة إليهم هو جر عبد الناصر إلى الدخول فى معركة ، وكان عمق وأمد الهجوم على الأراضى السورية يتوقف على المدة الزمنية اللازمة لحدوث التداعيات المصرية المطلوبة . وتحقيقًا لهذا الهدف شرعوا ، فيما يبدو ، عن عمد فى إقناع السوڤيت ومن ثم المصريين بأن هجومًا ضخمًا يوشك أن يقع على سوريا ، وباستخدام بعض طرق المخابرات الخبيثة التى تعمل على تسريب محسوب للأنباء التى يمكن أن تستفيد منها السفارة السوڤيتية فى تل أبيب ، وكذلك إذاعة رسائل لا سلكية مزيفة يمكن التقاطها ونقلها إلى القاهرة بواسطة سفن الأسطول السوفيتى التى تجوب شرق البحر المتوسط ، تأكدوا من أنه سيتم على الفور إبلاغ عبد الناصر بأن حلفاءه السوريين على وشك أن يتعرضوا للغزو . هذا فى الوقت الذى حرص فيه الإسرائيليون على عدم المبالغة فى الدور الذى يعتزمون القيام به بحشد القوات على حدود سوريا ، بل وتوجيه الدعوة فيما بعد إلى السفارة الروسية لتفقد الحدود ، وبذلك استطاعوا الإيحاء بأنهم يجهزون تشكيلاتهم المدرعة للعمل العسكرى ، باستبعادها بصورة واضحة من العرض العسكرى الذى أقيم بمناسبة عيد قيام دولة إسرائيل بمدينة القدس أو عيد الاستقلال كما يسمونه فى 15 مايو .
وقد شارك السوڤيت – دون قصد منهم – فى إنجاح الخطة الإسرائيلية . فقد استبد بهم الخوف على أمن حلفائهم السوريين نتيجة للمعلومات التى التقطتها سفارتهم ودورياتهم البحرية إلى القاهرة والتى نقلوها على الفور إلى عبد الناصر . وبذلك صب السوڤيت ، من ناحيتهم ، الزيت على النار ، على حد قول موشيه دايان . ففى 12 مايو 1967 ، أبلغ ملحق مخابراتى بالسفارة السوڤيتية فى القاهرة ، المخابرات المصرية تأكيدًا للحشود الإسرائيلية على الحدود السورية . وفى اليوم التالى ، ردد الرئيس السوڤيتى ، بادجورنى الاتهام فى لقاء له مع أنور السادات الذى كان يزور موسكو بصفته رئيسًا لمجلس الأمة ، وأضاف بادجورنى أن نية إسرائيل هى غزو سوريا ، وأن الاتحاد السوفيتى لابد أن يساعد مصر وسوريا فى حالة اشتراكهما سويًا فى حرب مع إسرائيل ، وأن على مصر أن تستعد لحل من هذا النوع ، إذ قال بالحرف الواحد : «عليكم ألا تذهبوا ضحية المفاجأة ، فالأيام القادمة ستكون حاسمة» والموضوع نفسه أثاره أندريه جروميكو وزير الخارجية السوڤيتية مع أنور السادات فى نفس الزيارة ، مضيفًا أن التقارير لديه تفيد بأن إسرائيل ستهاجم سوريا ما بين 16 و22 مايو . وتمادت إسرائيل فى خداعها ، فأعلنت أنها لأسباب اقتصادية ، لن تقيم فى مناسبة عيد إسرائيل فى 15 مايو ، إلا عرضًا عسكريًا متواضعًا ، فاعتبر السوريون والسوڤيت هذا الإعلان دليلاً جديدًا على الإعداد لغزو سوريا .
Page 3
وأسرع السادات ليبلغ بدوره عبد الناصر بما سمعه فى موسكو ، بحيث لم يعد هناك مفر من الاقتراب من الفخ المنصوب ، ففى يوم الأحد 14 مايو ، قرر عبد الناصر أن يقوم بعملية لجس النبض فأرسل إلى سيناء فرقتين إضافيتين ، وفى الحال اعتبرت إسرائيل هذه المبادرة ، أول عمل عسكرى مكشوف وصريح قامت به مصر ، واتخذت منه ذريعة لفتح الطريق أمام تلك السلسلة من الخطوات والأعمال التى قادت إلى حرب يونيو 67 . وكان محمد حسنين هيكل قد فسر تحرك عبد الناصر بأنه أراد أن يثبت لسوريا استعداد مصر للوقوف إلى جانبها ، وإجبار إسرائيل على نقل جزء من قواتها من الحدود السورية للرد على التهديد المصرى .
وفى أعقاب حرب يونيو 67 ، تكشف الأبعاد الحقيقية للفخ الذى شرعوا فى نصبه فى أعقاب حرب 1956 ، أى منذ حوالى عشر سنوات ، حين خططت إسرائيل لاستعادة كل - بل وأكثر - مما اضطرت إلى التخلى عنه فى عام 1956 . وقد ذكر قائد سلاح الطيران الإسرائيلى عقب يونيو 67 أنه قد سبق الهجوم الذى شنته إسرائيل على مصر وحلفائها فى عام 1967 أكثر من عشر سنوات من التخطيط . وطوال السنوات العشر كان من بديهيات التفكير الإسرائيلى أنه لابد من القضاء على عبد الناصر أو على الأقل إذلاله بصورة لا يأمل معها فى استعادة مكانته كزعيم للعرب ، وهى نصيحة بن جوريون التاريخية التى أدلى بها بعد حرب 1956 والتى اعتبرها القادة الإسرائيليون شعارًا لهم لا يمكن أن يحيدوا عنه . وتحول الشعار إلى خطة استراتيجية طويلة المدى نحو هدف أو فخ محدد ، واصل عبد الناصر الاقتراب منه بطلبه سحب قوات الطوارئ الدولية من الحدود المصرية – الإسرائيلية ، أى الحدود الممتدة من غزة إلى إيلات ، باستثناء شرم الشيخ وقطاع غزة ، غير أن الأمين العام للأمم المتحدة ، يوثانت ، رفض – بناء على نصيحة رالف بانش – إبقاء أية قوات دولية سواء فى شرم الشيخ أو غزة . وأصدر وحده قرار سحب قوات الطوارئ الدولية يوم 17/5/1967 ، ثم تحمل بعد ذلك كثيرًا من اللوم من مجلس الأمن ، حينما أحاطه علمًا بقراره . وهذا يدل على أنه لم تكن فى نية عبد الناصر إغلاق الخليج . ويؤكد الفريق محمد فوزى هذا التفسير بدليل أن التخطيط العسكرى ، وتجهيز القوات ، وقرار تمركزها والواجبات التى كلفت بها ، لم تذكر شرم الشيخ على الإطلاق . وبذلك أسقط فى يد عبد الناصر الذى لم يستطع التراجع فى طلبه للسحب الجزئى للقوات الدولية الذى تحول إلى سحب كلى بناء على نصيحة الأمريكى رالف بانش . وكانت هذه هى الخطوة الأولى لعبد الناصر داخل الفخ المنصوب ، إذ خرجت قواته المسلحة من وراء الساتر القائم بينها وبين القوات الإسرائيلية كما خطط صقور إسرائيل تمامًا .
وكان عبد الناصر فى سباق لاهث مع عجلة الأحداث . وكان مستعدًا لأن يبلغ يوثانت عن حقيقة دوافعه التى تأبى تمامًا الوصول بالموقف إلى حافة الانفجار أو الانفجار نفسه ، لكنه لم يكن على استعداد لأن يبرق بها عبر نصف العالم من خلال شفرة يسهل فكها وتفسيرها من أحد أجهزة المخابرات المعادية ، لأن الموقف كان آخذًا فى الوضوح والتبلور فى حدود اختيارين أو بديلين اثنين على أكثر تقدير . وكان إرسال مبعوث شخصى إلى يوثانت لابد أن يستغرق ساعات أكثر ، بل ويمكن تفسير لقائه أو رسالته للأمين العام بنفس طريقة تفسير الشفرة السرية . عندئذ تفسر الخطوات التى أقدم عليها عبد الناصر فى سيناء على أنها حركة جوفاء لا تستحق سوى السخرية والتهكم بل وفضحها أمام العالم أجمع . وهو ما لا يمكن أن يتقبله عبد الناصر بأية حال من الأحوال . هذا إلى جانب أن رد يوثانت كان يحمل رفضًا صريحًا للنظر فى الانسحاب الجزئى ، ولم يكن هناك ما يحمل على الاعتقاد بأن أى قدر من التوضيح من جانب القاهرة سوف يجعله يعدل عن رأيه ، لذلك لم يكن هناك اختيار أمام عبد الناصر سوى التراجع المشين أو المجازفة بطلب الانسحاب الكامل لقوات الطوارئ الذى يشمل شرم الشيخ وغزة . وكان عبد الناصر واعيًا تمامًا لأبعاد الموقف المستجد إذا اختار السبيل الأخير ، إذ كان عليه أن يملأ الفراغ فى هذه المناطق ذات الحساسية البالغة والأعصاب المشدودة بقوات مصرية ، والأخطر من ذلك أنه سوف يواجه ضغوطًا ساحقة من جانب الدول المجاورة لإسرائيل لإعادة فرض الحصار على خليج العقبة الذى ظل مفتوحًا أمام الملاحة الإسرائيلية طوال السنوات العشر الماضية تحت إشراف قوات الطوارئ الدولية .
كان عبد الناصر يتحرك وسط حتميات لا مفر منها بعد أن اكتملت كل شروط الفخ ، إذ كان من الواضح أن التراجع ليس موضع بحث ليس بسبب اللطمة التى قد يوجهها إلى مكانة مصر فى المنطقة العربية فحسب ، وإنما لأنه سوف يقضى كذلك على أى أمل فى ردع الإسرائيليين أو كبح جماح السوريين ، وبذلك ينتهى دور مصر تمامًا وتصبح ريشة فى مهب الرياح بدون الدخول فى أى حرب . وظل يبحث المشكلة مع عبد الحكيم عامر طوال يومين وليلتين تقريبًا ثم قرر أن عليه أن يجازف بعواقب انسحاب القوات الدولية انسحابًا كاملاً ، إذ لم يكن أمامه أى بديل آخر .
وبعد ظهر يوم 18 مايو أبرق محمود رياض وزير الخارجية إلى نيويورك بطلب مصر الرسمى بسحب جميع القوات الدولية من غزة وشبه جزيرة سيناء . ويقول محمود رياض فى مذكراته :
«كان الطلب واضحًا للغاية ، فنحن لم نطلب سحب قوات الطوارئ الدولية الموجودة فى غزة أو شرم الشيخ وكان طلبنا قاصرًا على سحب قوات الطوارئ الدولية الموجودة على الحدود المصرية مع إسرائيل . عندما رفض يوثانت إجراء انسحاب جزئى لقوات الطوارئ ، لم يكن فى استطاعة مصر التراجع عن طلبها ، ولم يكن أمامنا سوى أن نطلب الانسحاب الكلى لقوات الأمم المتحدة ، وهذا يتضمن بالطبع القوات الموجودة فى غزة وشرم الشيخ . وقد أدى انسحاب قوات الأمم المتحدة من شرم الشيخ إلى دخول قواتنا العسكرية إليها .. وهذه الخطوة بدورها فرضت علينا العودة إلى المشكلة القديمة الخاصة بملاحة إسرائيل فى خليج العقبة» .
وبرغم التداعيـات الخطـيرة للموقف الموشـك على ا لانفجار ، لم يتخل عبد الناصر عن حرصه فى اتخاذ خطوات جديدة خاصة فيما يتصل بمنع الملاحة الإسرائيلية فى مضايق تيران عند مدخل خليج العقبة . فقد كان يملك الحق القانونى فى إغلاق هذا الممر الذى يقع بكامله داخل نطاق المياه الإقليمية المصرية ، لكنه كان يعلم أيضًا مدى اعتماد إسرائيل فى السنوات العشر الماضية على إمدادات البترول الإيرانى عبر ميناء إيلات ، ومع أن الوحدات الأمامية من الفرقة الرابعة المدرعة المصرية تحركت بسرعة إلى المواقع التى جلت عنها قوات الطوارئ الدولية على حدود سيناء ، فإنها لم ترسل آنذاك قوات لإعادة السيادة المصرية على شرم الشيخ .
وجد الملك حسين فى هذا الحرص أو التردد فرصة للانتقام من عبد الناصر الذى كثيرًا ما هاجمه واتهمه بالخيانة والتحالف مع القوى الاستعمارية . وشن راديو عمان حملة عنيفة سخر فيها من تردد القاهرة الواضح فى مواجهة الخطوة التالية التى يفرضها المنطق بهدف تشويه صورة عبد الناصر كزعيم تاريخى . ولم يقتصر الأمر على الحملة الإعلامية الأردنية ، بل امتد ليشمل كثيرًا من الضباط المصريين الذين كانوا متلهفين على استخدام أسلحتهم السوفيتية المتقدمة للتخلص من كل آثار عدوان 1956 ، بعد أن ظلوا ممنوعين من القيام بأى نشاط ضد إسرائيل لمدة عشر سنوات . ولابد أن نسجل هنا لعبد الحكيم عامر أنه حذر قواته المسلحة من توقع أية خطوات مثيرة مع عودة السيادة المصرية الكاملة إلى شرم الشيخ ، لكن المد العالى بل والجارف الذى نتج عن الإيقاع اللاهث للأحداث كان أعتى من أن يقاوم ، ووجد عبد الناصر نفسه بعد أربعة أيام مضنية من التأملات والدراسات والحسابات ، مضطرًا إلى اتخاذ الخطوة الحاسمة المصيرية الأخيرة . وفى يوم 21 مايو استولت القوات المصرية على شرم الشيخ مرة أخرى ، وفى اليوم التالى أعلنت القاهرة أنه ابتداء من الآن فصاعدًا سوف يغلق خليج العقبة فى وجه السفن الإسرائيلية وأية سفن أخرى تحمل شحنات استراتيجية إلى مياه إيلات .
ومرة أخرى أصبح عبد الناصر بطل العالم العربى بلا منازع ، بل إن العناصر المعادية له سواء فى الأردن أو سوريا لم يكن أمامها سوى أن تحيى هذا العمل الفريد من أعمال التحدى القومى : وتلاشت حملات الهجوم والذم والسخرية والتهكم ، وحلت محلها موجات عارمة من الابتهاج والسرور ، اجتاحت أنصار القومية العربية من الخليج إلى المحيط ، وانطلقت الحناجر بالهتاف لعبد الناصر مرة أخرى ، وترددت أصداء الأمجاد السابقة التى أذهلت الأعداء قبل الأصدقاء . لكن الأعداء هذه المرة لم يذهلوا لأنهم خططوا لهذه النتيجة على مدى عشر سنوات سابقة ، وأدركوا أخيرًا أن عبد الناصر قد وقع تمامًا فى الفخ الذى أطبق عليه من كل جانب ، خاصة وأن إغلاقه لخليج العقبة قد دفع الرأى العام العالمى ، أو على الأقل الغربى إلى تأييد الإسرائيليين بصورة ساحقة ، وفتح لهم الباب على مصراعيه للقيام بأى إجراء عسكرى لابد أن يجد ترحيبًا أو تأييدًا من الغرب على أساس أنه دفاع مشروع عن النفس .
وكانت إسرائيل تعلم أن عبد الناصر داعية حقيقى للسلام ، وأنه قد يناور لكنه لا يصل أبدًا إلى حد إشعال الحرب لانشغاله بقضايا التنمية الداخلية والبنية الأساسية . وهذا يدل على أن هدف إسرائيل وخلفها الإمبريالية العالمية كان اصطياد عبد الناصر بطريقة أو بأخرى ، وكانت مؤامرة حرب يونيو هى الطريقة التى اعتمدها كل الأعداء والخصوم المتربصين بعبد الناصر . ولو كانوا قد نجحوا فى تصفيته جسديًا ، وكان خليفته أكثر مرونة وتوافقًا مع أهدافهم الاستراتيجية ، لكان من المحتمل ألا تندلع حرب يونيو أو أية حرب أخرى . وحتى خصم مصر إسحق رابين اعترف فيما بعد فى تصريح له نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية فى فبراير عام 1968 ، بأنه لم يكن يعتقد أن عبد الناصر كان يهدف إلى إشعال حرب ، فالفرقتان اللتان أرسلهما إلى سيناء يوم 14 مايو لم تكونا كافيتين لشن حرب على إسرائيل ، وكان يعرف ذلك وكان الإسرائيليون يعرفونه أيضًا . ومن المعروف أنه تم إرسال خمس فرق أخرى إلى سيناء فى وقت لاحق لإضفاء طابع الصدق على خدعة عبد الناصر ، وحيث أن الجزء الأكبر منها ظل فى وضع احتياطى على بعد مئة ميل من الحدود ، فلم يكن هناك من سبب خطير يدعو الإسرائيليين إلى الخوف ، بالإضافة إلى حرص عبد الناصر على أن يؤكد للأمريكيين على أن مصر لن تطلق الطلقة الأولى .
هذا عن العوامل الدولية الخارجية التى أدت إلى نكسة يونيو 1967 ، أما العوامل المحلية الداخلية فقد بدأت تفاعلاتها هى الأخرى فى أعقاب حرب 1956 . يقول المشير محمد عبد الغنى الجسمى فى مذكراته :
«لقد كان تعيين عبد الحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة ، يهدف إلى تأمين الثورة فى مراحلها الأولى ، حتى جاءت حرب العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 ، ونتيجة لهذه الحرب ، ثبت أن الناحية السياسية شكلت نصرًا كبيرًا حجب القصور العسكرى وغطى على أسبابه . وقد استغلت القوات المسلحة هذا الموقف – النصر السياسى برغم القصور العسكرى – لصالحها أسوأ استغلال ، وتفشت فيها روح اللامبالاة وعدم تقدير المسؤولية ، وخيل للكثيرين أن النصر يمكن أن يكون سهل المنال بأساليب أخرى غير الصراع المسلح» .
«وهكذا بدأت تهمل مسؤولياتها الأساسية وهى التدريب والإعداد للحرب والانضباط العسكرى ، وانزلقت نحو اهتمامات جانبية حتى حدثت هزيمة يونيو 1967 التى شملت الناحيتين السياسة والعسكرية معًا على نطاق واسع» .
ونظرًا إلى رسوخ عبد الحكيم عامر كل هذه الفترة الطويلة فى القوات المسلحة ، فقد أصبح ولاء كبار القادة والضباط للمشير شخصيًا وليس لتقاليد القوات المسلحة ومناهجها الموضوعية . وهى الظاهرة السلبية التى يحللها الفريق أول محمد فوزى فى مذكراته فيقول :
«على مستوى القوات المسلحة ، فإن المركزية المطلقة فى السلطة ، وفى السيطرة ، وفى القيادة ، كانت فى يد فرد واحد فقط هو المشير عبد الحكيم عامر ، يعاونه وزير الحربية شمس بدران ، وأفراد مكتب المشير الذين كانوا يمثلون سكرتارية أكثر منهم جهازًا فنيًا . وكان مديرو مكتب المشير على التوالى منذ تعيينه قائدًا عامًا للقوات المسلحة هم : صلاح نصر ، عباس رضوان ، ثم شمس بدران ، وعلى شفيق صفوت . وقد تم فيما بعد تعيين الأول مديرًا للمخابرات العامة ، والثانى وزيرًا للداخلية ، والثالث وزيرًا للحربية» .
«من هنا كان لتوجيه المشير وأوامره ، ورغباته فعل السحر داخل القوات المسلحة . وكان جميع القادة ، قبل أن يقبلوا على أمر أو حتى يفكرون فيه ، يتحسسون رغبة المشير أو اتجاهاته نحو هذا الأمر . ولم يكن للقيادة العامة للقوات المسلحة أية أجهزة تخطيط أو متابعة . فاقتصرت القيادة العامة – وهى رأس القوات المسلحة – على وجود فرد قوى مسيطر صاحب الشأن كله» .
ويضيف الفريق أول محمد فوزى تحليله للسلبيات التى اعتورت أداء المؤسسة العسكرية فيقول :
«حتى رئاسة الأركان العامة ، وهو المنصب الذى كنت أشغله – ومعها أجهزتها المختلفة للتخطيط والمتابعة ، بالرغم من وجودها تحت قيادتى اسمًا – فإن تعليماتها نتيجة ازدواجية السلطة ، كانت تصدر وتنبع من المشير نفسه أو من وزير الحربية . علاوة على أن الصلاحيات المحدودة لرئاسة الأركان الفعلية لا تطبق إلا على القوات البرية فقط . أما سيطرتها أو حتى التنسيق مع القوات البحرية والجوية والدفاع الجوى فكانت أمرًا بعيدًا جدًا» .
«نتيجة لهذا لم توجد أية أجهزة حقيقية تخطط وتتابع التطور المطلوب ، لرفع كفاءة وقدرة القوات المسلحة . ومهما تكن كفاءة أى فرد ، فإنه لا يمكنه وحده أن يقود ويسيطر على القوات المسلحة ، بل لابد من وجود السلطة وأسلوب السيطرة أيضًا لكل الأجهزة المذكورة ، بالإضافة إلى جهاز المتابعة والتفتيش الذى يمكنه بحكم عمله أن يرى ويباشر ما يدور حقيقة فى القوات المسلحة ، وينقله نقلاً أمينًا لنائب القائد الأعلى للقوات المسلحة» .
«بالرغم من هذا الخلل فى السلطات فإن القادة أنفسهم كان بإمكانهم أن يباشروا مهمة قيادتهم لقواتهم ، ويراعوا ضمائرهم فى نقل الحسن والسيئ معًا إلى المشير ، لكن ما كان يحدث هو إظهار الجيد من الفعل والقول بالنسبة إلى قواتهم فقط . ويظل المشير المسؤول عن القوات المسلحة ، والمسيطر الوحيد عليها غير واع بحقيقتها ، وقدرتها وكفائتها طوال أعوام ما قبل 1967 . بينما أخذ جهاز المخابرات الحربية فى ملء الفراغ الموجود ، بواسطة أسلوب غير أمين فى التحرى عن الضباط والقادة . وبالطبع لم يكن قادرًا على إظهار كفاءة وقدرة القوات المسلحة بقدر ما كان يركز على الأفراد من جهة النظر الأمنية» .
Page 4
ويواصل الفريق أول محمد فوزى تتبعه لأسباب الهزيمة العسكرية فى يونيو 1967 ، فيشرح كيف ظهر بعض الضباط الذين أمكنهم التقرب إلى المشير عبد الحكيم عامر ، ووزير الحربية شمس بدران ، وأصبحوا مصدر معلومات موثوق بها ينقلونها عن أفرادها صدقًا أو كذبًا ، بهدف تثبيت أقدامهم وإضافة كثير من الهالات حول شخصية المشير عامر . وكان عليهم أن يختلطوا بأفراد القوات المسلحة لنقل ما يعن لهم أو يقال بين صفوفهم ، قادة وضباطًا وجنودًا ، ثم كتابة تقارير سرية بخط اليد تسلم أو ترسل إلى وزير الحربية شمس بدران . وبذلك وصلوا إلى رتب القيادة للتشكيلات الميدانية ، ومارسوها بالفعل ، إلى أن تم الحشد الحقيقى فى سيناء وأصبحت البلاد على شفا حرب مع إسرائيل . فاضطر المشير عامر وشمس بدران إلى تغييرهم ، وعينوا بدلاً منهم ضباطًا آخرين لهم دراية أفضل بالقتال ، لكن ذلك جاء متأخرًا ، لأنها تشكيلات ميدانية أعدت للقتال على أيدى قادة غير متخصصين ، ودخلت هذه التشكيلات المعركة فى اليوم التالى على أيدى قادة آخرين لا يعرفون ضباطهم وجنودهم . فقد صار قرار هذا التغيير فى الأسبوع الأخير من مايو 1967 ، وتم تنفيذه حتى 5/6/1967 يوم بدء القتال . ولم يكن لرئاسة الأركان دور حقيقى لدرجة أن أوامرها وتعليماتها التى تصدرها لمختلف فروع القوات المسلحة ، لم تكن موضع ثقة . فقد اعتادت قيادات القوات المسلحة وقيادات المناطق والاتجاهات والمحاور ألا تنفذ أمرًا ما ، إلا إذا شاهدت توقيع المشير شخصيًا فى شؤون العمليات فى التدريب ، أو أعضاء شمس بدران فى الشؤون الأخرى لهذه القوات .
بهذه الروح البيروقراطية الجامدة دخلنا حرب يونيو 1967 التى دارت فيها المعارك الأولى بأوامر شخصية مباشرة من المشير عامر ، ثم انفرط العقد تمامًا ، فليس بهذا الأسلوب تدار المعارك . وكانت فرصة العمر لإسرائيل التى صالت وجالت فى فراغ عسكرى لم تكن تحلم به ولا فى أشد أحلامها نشوة ، وظهرت أمام العالم وقد حققت نصرًا لا مثيل له من قبل فى تاريخ الحروب المحدودة ، فى حين أننا هزمنا أنفسنا بأنفسنا حتى قبل أن تبدأ الحرب . ولذلك لم تكن قواتنا المسلحة سببًا فى الهزيمة بل كانت ضحية لها .
وهنا يبرز سؤال ملح : لماذا لم يقم عبد الناصر بتغيير عبد الحكيم عامر حتى يتجنب كل هذه السلبيات ؟ للحقيقة والتاريخ فإن ثورة يوليو كانت فى حاجة إلى حراسة الجيش سياسيًا وعسكريًا ، حراسته من الداخل ، حتى لا يتكرر مع عبد الناصر ما فعله هو بفاروق . وقد أدى عبد الحكيم عامر هذه المهمة العسكرية ، ولذلك لم يتخل عنه عبد الناصر أبدًا . وحتى لو فكر فى التخلى عنه فإن جذور عامر كانت راسخة وضاربة فى أعماق الجيش ، كما أن جذور عبد الناصر كانت راسخة وضاربة فى أعماق الشعب ، وأية مواجهة بينهما قد تؤدى إلى مواجهة بين الجيش والشعب . ولذلك كان هناك من الحتميات ما لم يمكن تجاوزه بمجرد قرار إدارى ينشر فى الجريدة الرسمية ، خاصة وأن عامر كان نموذجًا ممتازًا للرجل الثانى ، وزميلاً مثاليًا وقويًا ووفيًا يعرف ما يريد ويقنع به . ولذلك يقول أمين هويدى فى كتابه «الفرص الضائعة» :
«كان عبد الحكيم عامر يعتقد أنه يقود أقوى قوة فى الشرق الأوسط ، لدرجة أنه كان يردد عقب جلسة مساء يوم 2/6/1967 والتى حضرها عبد الناصر وأبدى فيها أن الهجوم الإسرائيلى واقع فى ظرف يومين ، وأنه سيفتتح بضربة جوية كبيرة وأنه لا يتمنى أن يكون فى وضع موشى دايان الذى لابد وأن يكون الآن حائرًا فيما يمكن أن يفعله إزاء قوة الاستعداد المصرى» .
ولم تكن قرارات عبد الناصر السابقة على الخامس من يونيو ، قرارات فردية أبدًا ، إذ يوضح أمين هويدى كيف سارع مجلس الأمة برئاسة أنور السادات 28/5/1967 بالموافقة على اقتراح قانون ينص على «تفويض رئيس الجمهورية إصدار قرارات لها قوة القانون فى جميع الموضوعات التى تتصل بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية ودعم المجهود الحربى والاقتصادى الوطنى» . وانتهز عبد الناصر الفرصة عند اجتماعه بأعضاء مجلس الأمة فى القصر الجمهورى بالقبة فى اليوم التالى ليقدموا له قرار التفويض بأنفسهم ليشرح لهم الموقف ، وكان التأييد كاملاً دون اعتراض من أحد ، وهو نفس موقف اللجنة التنفيذية العليا قبل ذلك فى 21/5/1967 فيما عدا بعض استفسارات من رئيس الوزراء وقتئذ محمد صدقى سليمان . بل إن دكتور محمود فوزى نائب رئيس الوزراء للشؤون الخارجية ، عندما استشاره عبد الناصر قبل تنفيذ قرار سحب ا لقوات الدولية ، وافق تمامًا ولم يعترض على قيام القوات المسلحة بمخاطبة قائد القوات الدولية لسحب قواته ، برغم أن القرار سياسى ولا يجوز أن يتم إلا عن طريق وزارة الخارجية وبالاتصال مع الأمين العام للأمم المتحدة . ويختم أمين هويدى تحليله للموقف بقوله :
«لم تكن مرحلة صناعة القرار مرحلة انفرد بها عبد الناصر ، فقد شاركته فيها اللجنة التنفيذية العليا ومجلس الأمة ومجلس الوزراء والمؤسسة العسكرية والرأى العام الذى كان يوجهه جهاز إعلامى قادر على تشكيله وتوجيهه ، أما مرحلة صدور القرار فتركت لإسرائيل لأنها هى التى بدأت القتال» .
وعندما وقعت الواقعة لم يستسلم عبد الناصر كعادته برغم كل عوامل اليأس والإحباط والمرارة والضياع ، وبرغم أنه كان من أكثر الذين تحملوا مرارة وقسوة تلك الأيام العصيبة ، لإدراكه أنه سواء كان الخطأ عسكريًا أو سياسيًا ، فإنه يتحمل وحده فى النهاية المسؤولية التاريخية عن الهزيمة على حد قول المشير الجسمى فى مذكراته . لكنه سرعان ما أحال المسؤولية الجسيمة والمريرة إلى إنجاز تاريخى مبهر عندما أخذ زمام الأمر فى يديه مباشرة . فقد حقق أعظم عمل أنجزه فى حياته – على كثرة أعماله العظيمة – وهو إعادة بناء قوات مصر المسلحة من الصفر تقريبًا ، وفى ظل ظروف تكاد تكون مستحيلة ، وذلك خلال ثلاث سنوات بين 1967 و1970 ، بفضل طراز رفيع من القادة العظام من أمثال محمد فوزى وعبد المنعم رياض . وكانت حرب الاستنزاف أروع ملحمة صنعها عبد الناصر فى تاريخه إذ أحال الفخ الذى تم التخطيط له على مدى عشر سنوات ووقع فيه فى النهاية ، إلى فخ أوقع فيه إسرائيل التى لم تستطع الخروج منه على مدى ثلاث سنوات إلا بقرار وقف إطلاق النار فى أغسطس 1970 ، وكان يمكن أن تعود إليه برغم أنفها لو امتد العمر بعبد الناصر لأنه كان عازمًا على استئناف القتال تمهيدًا لحرب التحرير الشاملة إذا ما فشلت المساعى الدبلوماسية ، وكان فشلها هو الاحتمال الأكبر ، فقد كانت إسرائيل عاجزة عن إيقاف حرب الاستنزاف وعاجزة فى الوقت نفسه عن الانسحاب والخروج من الفخ الذى صنعه لها عبد الناصر .
وعندما نقول إن حرب الاستنزاف كانت أروع إنجازات عبد الناصر ، فهذه ليست شهادة منا بذلك ، بل هى شهادة القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين من أمثال موشيه دايان ، وجولدا مائير ، وآرييل شارون ، وييجال آلون ، بل وشهادة المفكرين الاجتماعيين والأدباء والشعراء الإسرائيليين الذين جسدوا فى كتاباتهم وأعمالهم الكابوس الذى طارد إسرائيل فى صحوها ومنامها طوال ثلاث سنوات . ولذلك فهذه الدراسة هى شهادة إسرائيلية : عسكرية وسياسية واجتماعية وأدبية ، لآخر إنجاز تاريخى ومصيرى عظيم صنعه عبد الناصر لشعبه قبل رحيله . وهى شهادة لا يمكن أن تُدحض بإلصاق تهمة الناصرية بهؤلاء القادة والكتاب والأدباء الإسرائيليين !!! وهى السيف الذى يحلو للبعض الآن أن يشهروه فى وجه أى باحث عن الحقيقة إن عبد الناصر وتراثه الآن ملك للتاريخ ، وهو تراث شهد لعظمته الأعداء قبل الأصدقاء ، وخير دليل على هذه الشهادة الدامغة هو هذه الدراسة .
المهندسين فى 23 يوليو 1996
د . نبيل راغب
Page 5

الفصل الأول: شهادة عسكرية

(1) موشيه دايان

عندما يتكلم موشيه دايان نجم العسكرية الإسرائيلية عما خططه عبد الناصر فى حرب الاستنزاف ، وما حققته القوات المسلحة المصرية على أرض سيناء المحتلة أو فى مجالات أخرى فيما بين عامى 1967 و1970 ، فإن شهادته لابد أن تكون دليلاً دامغًا على تلك الحرب الضروس التى أكدت للقادة الإسرائيليين أن ما وقع فى يونيو 1967 كان استثناء من قاعدة لا يمكن تجاهلها ، وهو الاستثناء الذى حاولت الدعاية الإسرائيلية أن تصوره على أنه قاعدة لا تقبل الجدل .
وبحكم أن دايان شغل منصب وزير الدفاع الإسرائيلى منذ عام 1967 وحتى عام 1974 ، أى فى الفترة التى وقعت فيها حرب يونيو 1967 ، وحرب الاستنزاف (1967 – 1970) ، وحرب أكتوبر 1973 ، فكان من الطبيعى أن يصبح رمزًا لتسلط فكرة المؤسسة العسكرية على المجتمع الإسرائيلى ، ومسؤولاً عن إدارة الأراضى العربية من خلال الحكم العسكرى ، وتنفيذ سياسة إسرائيل فيها ، خاصة تلك التى تتمثل فى أسلوب العقاب الجماعى ، ونسف المنازل ، وتبنى سياسة الجسور المفتوحة ، وإنشاء مزيد من المستعمرات الإسرائيلية فى الأراضى المحتلة .
وشخصية بهذا الثقل المحورى عندما تعترف بوطأة حرب الاستنزاف المصرية على الدولة الإسرائيلية برمتها ، وذلك برغم الانتصار الخاطف الذى حققته وجعلها تعيش حقائق أروع من الأحلام ، فإن مثل هذا الاعتراف يؤكد بما لا يقبل الجدل أن عبد الناصر استطاع أن يحيل أحلام إسرائيل السعيدة إلى كوابيس مريرة ، حاولت القيادة الإسرائيلية أن تخفيها بقدر الإمكان بعيدًا عن أعين المجتمع الإسرائيلى ، وذلك خلف ستار من الدعاية البراقة التى سعت إلى غسيل المخ الإسرائيلى وتضليله حتى لا تتكشف حرب الاستنزاف بحقائقها المرعبة .
فقد خصص دايان الفصل السابع والعشرين من مذكراته لحرب الاستنزاف التى يرى أنها بدأت فى أعقاب حرب يونيو 1967 بأشهر قليلة . ويعترف منذ أول سطر بأنه سرعان ما تأكد أن السلام ما يزال بعيدًا ، برغم أنه فى الأيام الأولى التى أعقبت الخامس من يونيو ، كان واثقًا من أن إصرار الشعب المصرى على رفض تنحى عبد الناصر واستمراره فى موقع القيادة حتى النصر ، لم يكن سوى إجباره على الاستسلام لإسرائيل وشروطها التى ستمليها عليه . فلم يكن هناك بديل آخر أمامه . لكن بعد نصف عام فقط يجد دايان نفسه مضطرًا إلى الاعتراف قائلاً :
«كان نصف عام قد مر على حرب الأيام الستة . وكان يبدو واضحًا أن السلام ما يزال بعيدًا . فإن واشنطن كانت قد أبلغت عبد الناصر ، أن إسرائيل مستعدة للانسحاب إلى حدود ، معترف بها دوليًا ، فى نطاق اتفاقية سلام مع مصر وسوريا . لكن الرئيس المصرى لم يتراجع عن معارضته العنيدة لوجود إسرائيل بالذات . فالاستنتاج ، الذى استخلصه من هزيمة بلاده عسكريًا ، كان وجوب إعادة بناء الجيش المصرى ، وتجنيد العالم العربى كله ، فى النضال ضد دولتنا» .
هكذا أيقظ عبد الناصر إسرائيل من نشوة الخامس من يونيو 1967 وأحلامها السعيدة ، لتتأكد أن مصر قد خسرت مجرد معركة خاطفة فى مواجهتها ، وأنها لا تزال قادرة ، سياسيًا وعسكريًا ، على مواصلة الصراع المصيرى حتى نهايته برغم خسائرها الجسيمة والفادحة فى يونيو 1967 . وكان دايان يتابع بذهول ما يفعله عبد الناصر الذى ظنت إسرائيل أنها استطاعت أخيرًا أن تقضى عليه قضاءً مبرمًا . ذلك أنها لم تدرك أن جذوره فى مصر والعالم العربى بهذا التعمق والرسوخ والتشعب . وكان مؤتمر الخرطوم فى أغسطس 1967 مفاجأة ، ليس لإسرائيل فحسب بل للعالم أجمع . فقد أثبت أن المحنة كانت بمثابة البوتقة التى انصهر فيها المعدن العربى النفيس ، فالتف الشعب العربى كله حول الزعيم الذى عاش معه أحلى انتصاراته . يقول دايان :
«فى 29 أغسطس 1967 ، انعقدت فى الخرطوم قمة ، حضرها زعماء 11 بلدًا عربيًا : مصر ، العراق ، الأردن ، لبنان ، السعودية ، الكويت ، ليبيا ، السودان ، تونس ، المغرب ، الجزائر . ولم تتمثل سوريا ، لكن منظمة التحرير كانت هناك . ونزولاً عن رغبة عبد الناصر ، تبنى المؤتمر المبادئ الأساسية ، التى قررت الدولة العربية الالتزام بها» ، وهى على وجه التحديد ، اللاءات الأربع الشهيرة : لا للسلام مع إسرائيل ، لا اعتراف بإسرائيل ، لا تنازل عن الحقوق القومية للفلسطينيين ، لا مفاوضات مع إسرائيل . كما أبدت الدول المنتجة للنفط لعبد الناصر ، أنها ستستمر فى مساعدة مصر ، وستعوضها عن خسائرها الناتجة عن إغلاق قناة السويس ؛ فتعهدت العربية السعودية بأن تساهم ، سنويًا ، بمئة وعشرين مليون دولار ، والكويت بمائة واثنين وثلاثين مليونًا ، وليبيا باثنين وسبعين مليونًا .
هذا على المستوى العربى ، أما على المستوى الدولى فقد تأكد الاتحاد السوڤيتى من إصرار عبد الناصر على مواصلة الكفاح المسلح لإزالة آثار العدوان ، وأنه إذا لم يساعده بإمداده بالسلاح فإنه سيفقد مكانته الدولية المتميزة فى المنطقة فى مواجهة الكتلة الغربية بصفة عامة والولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة . ولذلك لم يندهش دايان عندما وجد المساعدات العسكرية السوڤيتية تشق طريقها مرة أخرى إلى مصر لإعادة بناء جيشها بدون أدنى تأخير ، بل إنه فى يونيو 1967 ، أى بعد أيام معدودة فى أعقاب الحرب ، وصلت إلى مصر بعثة عسكرية سوڤيتية رفيعة المستوى ، تتألف من 91 ضابطًا كبيرًا ، برئاسة قائد الجيش السوڤيتى المارشال زخاروف . وسرعان ما تم الاتفاق على إمداد مصر بالأسلحة جوًا وبحرًا . ويعترف دايان بقوله :
«وفى خلال 18 شهرًا ، لم تكن مصر قد أعادت فحسب تشكيل قواتها العسكرية ، وعادت بها إلى مستوى ما قبل حرب الأيام الستة ، بل إنها عززت قطعها المدرعة والجوية» .
ولم يكن هذا التعزيز هدفًا فى حد ذاته ، بل كان تأكيدًا لحرب الاستنزاف حتى تتأكد إسرائيل من أن الوضع الذى ترتب على حرب يونيو هو وضع غير طبيعى ولابد أن يتغير إن عاجلاً أو آجلاً ، وليست هناك غير وسيلة واحدة لتغييره وهى القوة العسكرية . ومن هنا كان المبدأ الذى واصل عبد الناصر تطبيقه والذى يؤكد أن ما أخذ بالقوة لابد أن يسترد بالقوة . ويرى دايان أن إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات كان إعلانًا مدويًا من عبد الناصر للسير على هذا النهج والتصدى للتحدى فى كل صورة . يقول دايان :
«والحادث الأول المهم ، وقع بعد مرور أربعة أشهر على حرب الأيام الستة ، وعلى وجه التحديد فى 21 أكتوبر 1967 ، عندما عمد زورق طوربيد مصرى ، من نوع «كومار» ، سوڤيتى الصنع ، مجهز بصواريخ ، إلى إغراق الطراد الإسرائيلى «إيلات» ، على بعد حوالى 13 ميلاً ونصف ميل من بورسعيد ، خارج المياه الإقليمية المصرية ، فقد أطلقت الوحدة المصرية صاروخين ، أغرقا «إيلات» وتسببا فى خسارة 47 بحارًا بين قتيل ومفقود» .
هكذا بدأ عبد الناصر فى تحويل حلاوة النصر الإسرائيلى إلى مرارة العلقم بعد أن تصورت إسرائيل أن الأمور كلها قد دانت لها ولن تقوم لمصر قائمة . ولا شيء يوجع إسرائيل مثل فقدها للأفراد ، ذلك لأن ترسانة الأسلحة الأمريكية مفتوحة لها على مصراعيها كى تنهل منها ما تشاء وبلا مقابل ، لكن من يعوضها عن فقد 47 بحارًا غاصوا إلى القاع ليلتهمهم السمك ؟ ما صدى هذه الكارثة عند أسر هؤلاء القتلى بصفة خاصة والمجتمع الإسرائيلى بصفة عامة بعد أن ظن الإسرائيليون أن السلام قادم إليهم على طبق من فضة ؟!
كان عبد الناصر يدرك جيدًا أن إسرائيل لابد أن ترد بعنف وقسوة ، حتى تحفظ القيادة لنفسها ماء وجهها فى مواجهة المجتمع الذى شرعت أحلامه وآماله فى السلام والاستقرار فى التبدد والتلاشى . يقول دايان :
«رددنا بضرب المصافى ، قرب مدينة السويس ، وبإحراق مستودعات النفط فيها ، ورد المصريون بدورهم ، فاشتعلت نيران المدفعية على طول الجبهة» .
كان دايان يظن أن التدمير العنيف للمصافى وإحراق المستودعات سيلقن المصريين درسًا قاسيًا يذكرهم بذلك الذى تعلموه فى الخامس من يونيو ، وبذلك تعود الأمور إلى نصابها ، ويصبح إغراق المدمرة إيلات مجرد استثناء عابر من قاعدة الرسوخ الإسرائيلى الوطيد . لكن الضرب المدمر العنيف لم يرهب المصريين ولم يلزمهم عقر دارهم بل ردوا عليهم بنفس العنف والقسوة ، وتحولت الجبهة إلى جحيم مقيم . وكان الموقف من الخطورة بحيث توجه دايان بالطائرة إلى منطقة القناة . يصف الحالة بقوله :
«كانت مصافى السويس ما تزال مشتعلة ، فرحت أنظر إليها من الضفة ، التى كانت قد سقطت فى أيدينا . وفى هذه الأثناء ، وصلت أنباء تفيد بأن المصريين استأنفوا القصف فى قطاع آخر . فأوصيت قائد القطاع الجنوبى ، الذى كان يرافقنى ، بأن يكتفى بتوجيه ضربات سديدة» .
Page 6
وبهذا يعترف دايان أن المصريين كانوا حريصين وقادرين على الإمساك بزمام المبادرة برغم كل خسائرهم فى حرب الأيام الستة . فقد جمعوا بين الهجوم والدفاع فى آن واحد . وبرغم اشتعال الجبهة استطاعوا إعادة تنظيم جيشهم ، وعززوا أوضاعهم على الضفة الغربية من القناة من خلال خطة تجلى فيها العقل الحسابى والفكر الاستراتيجى عند عبد الناصر الذى أعلن فى أبريل 1968 أن «مرحلة تعزيز القوات بدأت» . وبعد خمسة أشهر ، صرح وزير الدفاع المصرى الفريق أول محمد فوزى بأن تلك المرحلة قد تمت ، وأن القوات المصرية انتقلت إلى المرحلة التالية : «الارتداد النشيط على العدو» . وكانت هذه المرحلة تتضمن عمليات تسلل ، وقصفًا مدفعيًا ، وإطلاق النيران على القوات الإسرائيلية بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الخسائر فى الأرواح والمواقع . وكان التخطيط الاستراتيجى لعبد الناصر واضحًا فى تجنب المصريين للقيام بعمليات هجومية ، واسعة النطاق ، تستهدف استعادة الأراضى المحتلة بعد يونيو 1967 ، إذ يبدو أن عبد الناصر قد أرجأها إلى مرحلة تالية . ولم يكن اشتعال الجبهة المتجدد هو السبب الوحيد فى قلق القيادة الإسرائيلية ، بل كان التصاعد المحسوب يؤكد أن الضربات المصرية لم تكن مجرد تقلصات لحفظ ماء الوجه ، بل كانت تطبيقًا لإستراتيجية طويلة النفس ، لا ترضخ للضغوط المتوقعة أو غير المتوقعة حتى لا تطيش ضرباتها ويتبدد مجهودها الحربى . وكانت إحدى ذروات هذا التصاعد المحسوب فى أوائل سبتمبر 1968 ، والتى يقول عنها دايان :
«وقد بلغت الذروة فى أوائل سبتمبر ، عندما فتح المصريون النار فى شمال القناة ، وقتلوا عشرة من رجالنا وجرحوا 18 ؛ وبعد أسبوعين ، قصفت مدفعيتهم مواقعنا على الضفة الشرقية ، طوال تسع ساعات ، متسببة فى خسائر كبيرة : 15 قتيلاً ، و34 جريحًا . وتحت ستار الليل ، أطلق المصريون عملية «كوماندوز» ، محاولين التسلل داخل خطوطنا المحصنة ، فاصطدموا بإحدى دورياتنا ؛ ونتج عن ذلك معركة ، دامت حتى الفجر ، وانسحاب المتسللين المصريين .
وفى اليوم التالى ، توجهت إلى المنطقة جوًا . وبدأت الجولة بتفقد قاعدة «كوبرا» ، التى قصفتها مدفعية العدو ، بصورة خاصة . فبدت المنطقة ، وكأن عاصفة قد ضربتها . وكانت قنبلة موقوته ، من عيار 160 ملم ، قد أحدثت فجوة فى غطاء الأسمنت المسلح للحصن الأساسى . وأصيب أيضًا الجزء الأكبر من التحصينات السطحية ، من غير أن تقع خسائر فى الأرواح . وكان الصدام بين المتسللين المصريين – وعددهم 15 رجلاً – ودوريتنا ، قد وقع على بعد حوالى كيلو مترين ونصف كيلو متر من «كوبرا» ، فتوجهت إلى الموقع حتى وصلت إلى مجنزرة نصفية معطلة ، احترقت فى أثناء القتال ، فنزلت من سيارة القيادة وتابعت طريقى سيرًا على الأقدام ، مع الحرص على تفادى الألغام ، التى زرعها المصريون ، وهم ينسحبون . وفى طريق العودة ، مررنا بالقرب من مدرعتين إسرائيليتين ، اصطدما فى الظلام ، فى أثناء عملية القصف . وكانت بقع الدم ، والمازوت ، وقطع ممزقة من القماش المحروق ، هى كل ما بقى من الحادث» .
أدرك دايان أن الحرب ستطول إلى أجل غير مسمى برغم تكاليفها الباهظة ، وأن اتفاقيات السلام أو اتفاقيات الهدنة على الأقل هى حلم بعيد المنال لأن الواقع الجديد الذى فرضته مصر على إسرائيل لا يبشر بأى سلام أو حتى استسلام ، ولذلك كان على الإستراتيجية الإسرائيلية أن تضع هذه العوامل المتجددة والضغوط المتصاعدة فى اعتبارها على المدى الطويل . وقد أبدت ملامح هذه الإستراتيجية تتشكل مع تعيين حاييم بارليف رئيسًا للأركان فى ديسمبر 1967 ، خلفًا لإسحاق رابين الذى عُين سفيرًا فى واشنطن . وبحث دايان مع الأركان فى إمكان تراجع القوات الإسرائيلية عن القناة ، بحيث تصبح خارج مرمى المدفعية المصرية ، وفى استخدام دوريات متحركة لمراقبة القناة ، أم فى بناء مجموعة من التحصينات الصغيرة ، تسيطر على الممر المائى ، مع تجهيز المؤخرة بشبكة مواصلات فعالة بحيث تقوم وحدة مدرعة مصغرة بمراقبة المسافة بين حصن وآخر ، فى حين تكون مجموعة القوات المدرعة فى القطاع على استعداد للتدخل السريع للمساعدة . ووافق حاييم بارليف على المشروع الأخير وتم اعتماده بالفعل .
ويتجلى الرعب الإسرائيلى من القوات المسلحة المصرية برغم تلقيها أبشع هزيمة فى تاريخها منذ نصف عام فقط ، فى الأسلوب الذى تمت به إقامة سلسلة من التحصينات الصغيرة ، تحيط بكل منها فسحة تتسع لبعض الدبابات ، وحولها سور حجرى . وقام سلاح المهندسين الإسرائيلى بتمهيد الطرق المسفلتة بين سلسلة التحصينات التى احتمت خلف تلال من الرمال ، بحيث يتعذر على المصريين رصد التحركات الإسرائيلية بين التحصينات التى جهز كل منها بخمسة عشر مقاتلاً . وكانت المهمة الأساسية لهذه المراكز ، هى مراقبة القطاع ، وتحريك قوات المؤخرة سواء المدرعة أو المدفعية أو الطيران .
لكن المصريين كانوا بالمرصاد لكل التحركات التى تهدف إلى تعزيز وترسيخ القوات الإسرائيلية ، حتى لا يفقدوا زمام المبادرة بحيث لم تتوقف المدافع والصواريخ وتسلل قوات الكوماندوز وزرع الألغام فى الأشهر الأربعة التى انتهت فى 13 يوليو 1969 على حد اعتراف دايان الذى يصرح بقوله :
«وقبيل إتمام خط بارليف ، استأنف المصريون حرب الاستنزاف . ففيما كنا نواصل العمل ليلاً ، فى بناء خط التحصينات ، ازدادت المبادرات الحربية . ففى خلال الأشهر الأربعة التى انتهت فى 13 يوليو 1969 ، خسرنا 29 قتيلاً ، وحوالى 120 جريحًا .... وبعد أربعة أيام قامت طائراتنا بقصف أهداف عسكرية بين القنطرة وبورسعيد . وقد دامت الغارة خمس ساعات ، فأسقطنا خمس طائرات معادية ، وخسرنا طائرتين» .
كان هدف دايان الأساسى الضغط على عبد الناصر بقدر الإمكان لعله يجبره على قبول هدنة تسترد فيها القوات الإسرائيلية فى سيناء أنفاسها اللاهثة المتقطعة ، ولذلك اقترح دايان على لجنة الدفاع الوزارية ، القيام بغارات جوية فى العمق ، على قواعد عسكرية مصرية . وبين يناير ومارس 1970 ، أغارت الطائرات الإسرائيلية على بعض القواعد فى العمق المصرى بهدف التأثير السلبى فى الروح المعنوية المصرية . وكان دايان سعيدًا بهذه المبادرة الإسرائيلية لظنه أنه وضع عبد الناصر فى مأزق لن يستطيع الخروج منه مما يعيد الأمل فى عقد هدنة مسلحة ، فقواته ليست على مستوى مواجهة مبادرات إسرائيل العسكرية . لكن دايان تأكد مرة أخرى أن عبد الناصر لن يقبل بأية هدنة من أى نوع ، ولن يجلس إلى مائدة محادثات السلام التى تحلم بها إسرائيل .
وكانت حنكة عبد الناصر السياسية لا ينضب لها معين . وسرعان ما خرج من المأزق الذى تصور دايان أنه وضعه فيه ، وذلك بسفره إلى موسكو فى يناير 1970 لأنه أدرك بحسه الاستراتيجى العميق أن إسرائيل ستواصل غارات العمق حتى تجبره على الاستسلام الذى فشلت فى تحقيقه فى أعقاب الخامس من يونيو 1967 . وكان لابد من إيقافها عند حدها ، فطلب فى مباحثاته مع القادة السوڤيت ، بلا عقد أو حساسيات هو فى غنى عنها ، إيفاد قوات سوڤيتية إلى مصر . واستجيب إلى طلبه . وبالفعل وصلت إلى مصر وحدات صاروخية ، وفى أول أبريل انضمت إليها ثلاثة أسراب من طائرات المطاردة بقيادة طيارين سوڤيت ، للدفاع عن أجواء القاهرة والإسكندرية وأسوان . كما تم قيام الخبراء السوڤيت بالإشراف على بطاريات سام – 3 المعقدة .
كان عبد الناصر بهذه المناورة السياسية البارعة قد نجح فى الانتقال بتداعيات المعارك العسكرية الجارية بين مصر وإسرائيل من المجال الإقليمى الضيق الخانق إلى المجال العالمى الرحب حيث يصبح من الممكن الضرب على الوتر الحساس المشدود بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوڤيتى . وهو ضرب خطر لأنه ينذر بمواجهة بينهما لا يسعى أحدهما إلى التورط فيها ، وهى مواجهة لا يمكن حصر تداعياتها وآثارها إذا ما وقعت . وبذلك لم تعد إسرائيل تهدد العمق المصرى بقدر ما أصبحت تهدد السلام العالمى . وكان عبد الناصر يدرك جيدًا أنه ليس فى وسع الاتحاد السوڤيتى رفض الاستجابة لطلباته ، لأن مثل هذا الرفض لا يعنى سوى تكسير سيقان الاتحاد السوڤيتى التى ظلت تحلم بالخوض فى المياه الدافئة ، والتواجد فى قلب العالم لمواجهة الامبريالية الغربية بصفة عامة والأمريكية بصفة خاصة . وتحول المأزق الذى صنعه دايان لعبد الناصر إلى مصيدة للطائرات الإسرائيلية بحيث يعترف دايان بخطورة المأزق غير المتوقع قائلاً :
«كنا جميعًا نقدر خطورة الوضع . فالمسألة ليست مسألة تحديد : من هو الطيار الأبرع ؟ بل هى مسألة الاستمرار فى السعى إلى تحقيق أهدافنا الأساسية ، وفى الوقت نفسه تجنب الصدام مع السوڤيت» .
لكن من الواضح أن دايان كان يحلم بتحقيق هدفين لا يمكن الجمع بينهما . ومن الواضح أيضًا أن عبد الناصر كان يضع هذه الصعوبة بل الاستحالة فى اعتباره ، فما لا يستطيع تحقيقه بالقوة العسكرية ، يمكن تحقيقه بالتخطيط السياسى . ذلك أن السياسية امتداد للحرب ، والحرب تطبيق للسياسة . فهما وجهان لعملة واحدة فى زمن الحرب ، تتمثل فى صمود الأمة فى مواجهة التحديات المصيرية التى تهدد كيانها .
Page 7
ويستشهد دايان بالرسالة التى بعث بها تشرشل إلى الرئيس أيزنهاور ، مباشرة فى أعقاب حملة السويس عام 1956 ، متمنيًا أن يكرر التاريخ نفسه وتخفف الولايات المتحدة من ضغطها على إسرائيل فيما يتصل بالمواجهة مع السوڤيت . ففى عام 1956 مارست الولايات المتحدة ضغطًا قويًا على حليفتيها فرنسا وإنجلترا لسحب قواتهما من مصر ، فاستجابت الحليفتان فى الحال . لكن تشرشل الذى لم يكن رئيسًا للحكومة ، كان يأمل فى أن يقنع حليفه فى الحرب العالمية الثانية ، بتخفيف الضغط ، خشية أن يؤدى الانسحاب إلى دخول السوڤيت إلى الشرق الأوسط وفرض وجودهم فى المنطقة . وأكد تشرشل فى رسالته إلى أيزنهاور على أن أى انتصار لعبد الناصر سيكون انتصارًا أكبر للاتحاد السوڤيتى . وينهى رسالته بقوله :
«إننى أكتب هذه الرسالة لمعرفتى بالمكان الذى يقع فيه القلب . فأنتم الآن ، الشخص الوحيد الذى يمكنه التأثير فى الأحداث ، سواء فى الأمم المتحدة أو فى العالم الحر ؛ فلا تضيع القضايا الجوهرية فى مهاترات بين الأمم ، فإن مسؤوليتكم هى ، فى الحقيقة ، مسؤولية كبرى . وليس هناك من يؤمن بجدارتكم ، بتحمل العبء ، أكثر من هذا الذى يرسل لكم أفضل التمنيات ، صديقكم القديم» .
وينستون تشرشل
ولعل غرور موشيه دايان بل بالأحرى عقدة نقصه من عبد الناصر ، هى التى جعلته يستشهد فى مذكراته بهذه الرسالة ، ويؤكد أنها جديرة بالقراءة عدة مرات ، لاسيما لعلاقتها المباشرة بالوضع الذى نشأ بالنسبة إلى إسرائيل بعد المواجهة مع الطيارين السوڤيت فى يوليو 1970 . فهو يرى أنه إذا كان تشرشل يضع عبد الناصر على نفس مستوى الاتحاد السوڤيتى فى قدرته على التأثير فى مجريات الأحداث العالمية ، وهو الذى لم يتول الزعامة الحقيقية لمصر إلا قبل عامين من العدوان الثلاثى على مصر ، أى منذ عام 1954 عندما برز بصفته القائد الفعلى لثورة يوليو 1952 ، فإن دايان يعتقد فى قدرة إسرائيل على مواجهة السوڤيت لأنها لا تقل فى خطورتها وتأثيرها عن الدور الذى لعبته إنجلترا وفرنسا فى عام 1956 ، والذى اضطرتا إلى إنهائه تحت ضغط الولايات المتحدة التى عادت إلى الضغط على إسرائيل فى عام 1970 خوفًا من احتمالات المواجهة الكونية مع السوڤيت . لكن دايان ينسى أو يتجاهل الفرق بين مصر وإسرائيل فى هذا المجال . فلم يكن الاتحاد السوڤيتى سوى صديق أو زميل لمصر فى حربها المتواصلة ضد قوى الإمبريالية المتربصة بها فى حين لم تكن إسرائيل سوى ذيل أو مخلب للأطماع الأمريكية فى المنطقة ، ولذلك فالقياس مستحيل برغم رغبة دايان الحارقة فى إشباع الغرور الإسرائيلى . فلا وجود لإسرائيل بدون الولايات المتحدة الأمريكية ، لكن التاريخ يشهد الآن بأن مصر التى صنعت أول حضارة إنسانية على وجه الأرض ، وأصبحت الصخرة التى تكسرت عند سفحها كل أمواج الغزو وعبر آلاف السنين ، ستظل رمزًا للصمود والخلود فى حين اندثر الاتحاد السوڤيتى كأنه لم يكن بعد أن كان القوة العظمى الثانية فى العالم . وما فعله عبد الناصر فى حرب الاستنزاف كان أكبر دليل عملى على قدرة مصر الحضارية على مواجهة أعتى التحديات وأقسى الظروف التى تحولت إلى بوتقة ، انصهر فيها معدنها الثمين ليعود إليه تألقه ووميضه . إنها عودة الروح التى جسدها توفيق الحكيم فى روايته المشهورة ، أما روح إسرائيل فرهن بالولايات المتحدة الأمريكية التى توحى لليهود بسيطرتهم الفائقة على مقدرات الأمور داخلها ، وترضخ لكل طلبات المساعدة التى تتقدم بها إسرائيل فى كل المجالات ، فى حين أن إسرائيل كقاعدة أمريكية فى المنطقة أرخص بكثير مما لو استعانت أمريكا بجنودها وقواتها البحرية والجوية وأحيانًا البرية فى وضع المنطقة تحت سيطرتها وتهديدها . يكفيها وفرًا أن الجنود الإسرائيليين يقاتلون ويموتون بدلاً من الجنود الأمريكيين . وكانت إسرائيل تظن أنها فى أعقاب حرب يونيو 1967 قد استطاعت شن الحرب التى تنهى كل الحروب وأن السلام أو الاستسلام المصرى قادم إليها يجر أذيال الخيبة ويعض بنان الندم ، لكن عبد الناصر أثبت لها عمليًا ، برغم هزيمته ، أن كيانها سيظل مصنوعًا وأن موقفها الذى وضعتها فيه الإمبريالية العالمية سيزداد حرجًا ، ولن تتمتع بالاستقرار الذى تحلم به .
وبرغم تأييد الرئيس الأمريكى نيكسون لدايان بأنه إذا دخل السوڤيت اللعبة فلن يبقى الأمريكان خارجها ، فإن الخط المشترك الذى صنعه عبد الناصر بين مصر والاتحاد السوڤيتى شكل ضغطًا مباشرًا على توجهات السياسة الأمريكية . وقد تجلى هذا التوجه فى لقاءات دايان بروبرت أندرسون الذى كان وزيرًا للخزانة فى عهد أيزنهاور ، ثم أصبح من خبراء البترول ، خصوصًا فى الشرق الأوسط ، فكانت له صداقات مع مختلف الزعماء العرب . وكان دايان يحرص على لقائه فى كل مرة يزور الولايات المتحدة فقد كان يحترمه ويتوق إلى التحدث معه والاستماع إلى آرائه برغم أنه كان يبدى آراء لا يستسيغها دايان دائمًا . وما قاله له فى زيارة دايان لواشنطن فى ديسمبر 1970 – أى بعد رحيل عبد الناصر بحوالى شهرين – لم يرضه على الإطلاق ، وهو على حد قول دايان :
«علينا أن ننسحب إلى داخل حدود ما قبل حرب الأيام الستة . فإن تنفيذ ذلك من مصلحة أمريكا . ومن شأن رفضنا أن يجعل موقفنا غير مقبول» .
أى أن قوة الدفع التى حشد لها عبد الناصر كل الطاقات الممكنة ظلت مستمرة بعد رحيله بدليل أن الولايات المتحدة أدركت أن الوضع الجديد ، السياسى والعسكرى ، الذى رسخه عبد الناصر ، أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله حتى بعد رحيله . بل أن دايان صرح فى محادثاته مع الرئيس نيكسون حين تناول احتياجات إسرائيل العسكرية بأنه يعلم بأن هناك وعدًا أمريكيًا أعطى لمصر ، يقضى بوقف إمدادات الأسلحة لإسرائيل ، طوال مدة محادثات روجرز للسلام ، فكان رد نيكسون أنه لا يعلم شيئًا عن مثل هذا الوعد . لكن دايان أكد له أن الأمر ليس مجرد شائعة لأن وزير خارجية مصر ، محمود رياض ، أعلن ذلك فى مؤتمر صحافى عقده فى واشنطن ، قبل أيام ، وأثبت كلامه بوثيقة رسمية . ويصف دايان لحظة المصارحة قائلاً :
«لم تكن مريحة ، تلك اللحظة ، التى وجه فيها الرئيس كلامه إلى ميلفين ليرد . (وزير الدفاع) ، سائلاً عن حقيقة الأمر ، فما كان من ليرد سوى أن رد بالإيجاب . فأضفت : إننا ، على كل حال ، نعرف حقيقة الأمور ، وهى أن الولايات المتحدة أوقفت بيع الأسلحة لإسرائيل» .
لقد أدرك دايان أن الأمور لم تعد كما كانت قبل مناورة عبد الناصر السياسية البارعة ، وأنه يحارب إسرائيل بالسلاح والسياسة ، وأنه قادر على أن يخرج من جعبته ما لا يتوقعه خصومه وأعداؤه الذين قد يظنون أن الحلقات ضاقت حوله واستحكمت ولم يعد هناك منفذ سوى أن يلقى بسلاحه ويستسلم لقد كان محاربًا من طراز فريد بل ونادرًا بحيث أجبر أعداءه وفى مقدمتهم موشيه دايان على الاعتراف بإنجازاته وتحدياته تحت وطأة ظروف تكاد تكون مستحيلة ، وكانت شهادته خير إثبات لا يقبل التفنيذ على أن عبد الناصر كتب أروع الصفحات المجيدة والمضيئة فى حرب الاستنزاف التى ظلمت إعلاميًا وتاريخيًا سواء على المستوى المصرى المحلى أو المستوى العربى الإقليمى ، لكنه فى النهاية لا يصح إلا الصحيح ، ومن هنا كانت شهادة الخصوم والأعداء التى لا يمكن أن يدحضها مكابر أو مغرض لسبب أو لآخر ، خاصة أن ما شهد به الأعداء لابد أن يكون من منظورهم الخاص وبلونه المنحاز ، لكن الحقيقة الراسخة التى صنعها عبد الناصر فى حرب الاستنزاف كانت أرسخ وأضخم وأعمق من كل محاولات اقتلاعها أو تسطيحها أو تجاهلها . ومهما جرت محاولات محمومة لتزييف التاريخ ، فإن طاقته التصحيحية التى تتجسد فى إنجازات علماء التاريخ ومحلليه الموضوعيين كفيلة بفضح كل المدعين والمزيفين والآكلين على كل الموائد .
Page 8
(2) أرييل شارون

أرييل شارون من القادة العسكريين الإسرائيليين المتعصبين تعصبًا أعمى لكل ما هو إسرائيلى ويهودى وصهيونى . وكل أعماله وأقواله منذ صدر شبابه تحمل بصمات هذا التعصب . فقد اشترك منذ البداية فى نشاط عصابات الهاجاناة ، وهى كلمة عبرية تعنى «الدفاع» ، وهى منظمة عسكرية صهيونية استيطانية ، كانت قد أسست فى القدس عام 1921 ، وارتبطت باتحاد العمل ثم بحزب الماباى برغم أن ميثاقها كان ينص على الارتفاع فوق الحزبية بحكم أنها عصابة عامة للتجمع الاستيطانى الصهيونى . وفى عام 1936 انشقت عنها بعض العناصر وكونت مع حركة بيتار تنظيم الأرجوان المعروف بتطرفه وإرهابه .
وقد تكاملت الهاجاناه من حيث التنظيم والأفرع المختصة ، ولم يبق سوى القرار الذى تتحول بمقتضاه إلى «جيش الدفاع الإسرائيلى» ، وهو القرار الذى أصدره بين جوريون فور إعلان قيام الدولة الإسرائيلية عام 1948 مباشرة . وكان تضخم الهاجاناه واتساع دورها دليلاً على أهمية دور المؤسسة العسكرية لا فى بناء الدولة الصهيونية فحسب بل فى اتخاذ القرارات المتعلقة بمختلف المجالات فيها أيضًا . فهى مجتمع عسكرى فى صميمه وإن ارتدى قادته الملابس المدنية .
فى هذا المناخ العسكرى المتطرف نشأ شارون وترعرع فيه ، واشترك فى حرب 1948 وهو لم يتجاوز العشرين من عمره . وقام بدور حيوى فى حصار الفالوجا وجرح فى أثناء الحرب . لكنه لم يتوقف عن نشاطه الإرهابى بعد انتهاء الحرب وقيام دولة إسرائيل ، بل شرع فى تعقب الفدائيين العرب الذىن كانوا يتسللون إلى الأراضى المحتلة وقاد فى عام 1952 قوة كوماندوز خاصة عرفت باسم الوحدة رقم 101 أو «جيش دايان الخاص» كما كانوا يسمونها . وكان أعضاء هذه الوحدة غير نظاميين ، ويقتصر تدريبهم على غارات الحدود . وقد قاد شارون «شياطينه» - كما كان يسمى أعضاء الوحدة –فى أول حملة رسمية سرية لهم فى 14 أكتوبر 1953 ، فاتجه إلى قرية قبية العربية ودكها على من فيها فسقطت أربعون دارًا للسكنى ، وقتل سبعون شخصًا ، نصفهم من النساء والأطفال . كذلك لم تسلم الماشية من مذبحة شارون . وقد أنكر بن جوريون رئيس الوزراء فى ذلك الوقت علمه بالعملية ، وأكد أن جميع وحدات الجيش الإسرائيلى كانت فى ثكناتها . لكنه فى أثناء حرب الاستنزاف ، وفى عام 1969 على وجه التحديد ، صدر «كتاب المظليين» الذى تحدث متباهيًا وفخورًا بهذه العملية الناجحة !!
وقد اشترك شارون فى حرب 1956 ثم فى حرب 1967 حيث قاد المجموعة التى استولت على ممر متلا . وقد عُين بعد الحرب قائدًا للمنطقة الجنوبية حيث طرد 600 بدوى من ديارهم فى رفح . وهو يكن للقوات المسلحة المصرية حقدًا دفينًا منذ حرب 1956 حين هاجمت القوات الإسرائيلية من الجنوب واحتلت القسيمة ، غير أنها اصطدمت بمقاومة عنيفة فى أبى عجيلة : ثلاثة أيام من المعارك الدامية ، لم يتراجع المصريون فى نهايتها إلا لنفاد احتياطهم من ماء الشرب ، وذلك طبقًا لشهادة شارون نفسه فى مذكراته . وفى أعقاب حرب 1956 كان بالمرصاد لكل استعدادات المصريين فى سيناء لأية حرب محتملة . أى أن المصريين لم يكونوا نائمين فى العسل كما حاولت الأقلام والأبواق المغرضة تصوير قواتهم المسلحة بعد حرب 1967 . يقول شارون فى مذكراته :
«كان المصريون قد أعادوا منذ 1956 بناء تحصينات أبى عجيلة على النمط السوڤيتى الذى يفضل الخط الدفاعى المستقيم . فعلى بعد ما يقرب من خمسة وعشرين كيلو مترًا من حدودنا يمر طريق الإسماعيلية بمرتفع رملى طويل يدعى حَدَب أم قَطَف . وقد أعد المصريون فيه ثلاث شبكات من الخنادق ، المحفورة شمال الطريق فى كثبان رخوة وجنوبها فى قمم مسننة وتلال خفيضة مليئة بالفجوات والشروخ ، يمتد بطول عدة كيلو مترات ، ويحوى بطاريات مدفعية ومخازن ذخيرة وممرات جانبية للاتصالات . وإلى الشرق من الخندق الأول يمتد حقل مزروع بالألغام . ويدافع عن الموقع المحصن لواء من المشاة كما تحمى طوبوغرافية الأرض جنبيه ، فيشكل حاجزًا منيعًا» .
وكلام شارون هذا يعنى أن هزيمة يونيو 1967 لم تكن نتيجة لغياب الاستعدادت الضرورية للمواجهة العسكرية ، بل كانت نتيجة للتأخر فى توظيف هذه الاستعدادات فى الوقت والمكان المناسبين . وهى استعدادات من الدقة والإتقان والمناعة بحيث كان فى مقدورها أن ترد إسرائيل على أعقابها . فهى تنم عن خبرة عميقة بالعلوم العسكرية سواء على المستوى التكتيكى أو الاستراتيجى . يعترف شارون بقوله :
«على بعد كيلو متر أو اثنين خلف الخنادق تمركزت وحدة احتياط متنقلة ، تضم أكثر من ثمانين دبابة مستعدة للهجوم فى كل اتجاه ، لتكمل التحصين الدفاعى للمنطقة بأسرها . وإلى جنوب الدبابات غابة حقيقية من المدافع : ثمانون ماسورة 122 ملم ، و130 ملم ، ذات مدى أطول من مدافعى . وكانت هذه القوات المتمركزة فى مواقعها الدفاعية محجوبة عن النظر ، شرقًا وشمالاً ، بمواقع تحيط بها لحمايتها ، كما كان جناحها محميًا بكتيبة مشاة مدعومة بدبابات ومدفعية ومتخندقة فى مكان حصين أطلقنا عليه على سبيل الاصطلاح أو الشفرة اسم «أوكلند»» .
وبناء على كلام شارون نستطيع القول بأن عبد الناصر عندما تحدى إسرائيل كى تلتزم بحجمها الطبيعى ، لم يقدم على خطوة فى الظلام ، بل اتخذها على أساس عجز إسرائيل عن اقتحام تحصيناته فى سيناء ، لكنه لم يدرك أن القيادة العسكرية المهتزة والمترددة والمتضاربة ستحيل القوات المسلحة المصرية إلى لقمة سائغة بين فكى الجيش الإسرائيلى ، خاصة بعد التأكيدات الواثقة التى كررتها القيادة على أسماعه قبل الحرب . ولذلك يمكن القول بأن الإسرائيليين لم يهزموا المصريين فى يونيو 1967 لأن المصريين كانوا قد هزموا أنفسهم بأنفسهم عندما أصبحوا كيانًا أو جسمًا ضخمًا بلا عقل يوجهه ، مع غياب دور القيادة منذ اللحظات الأولى للقتال ، ولم تفلح الدفاعات الحصينة فى حمايتهم فى مواجهة التخطيط الدقيق والتفصيلى للقيادة الإسرائيلية . يقول شارون :
«لهدم أبى عجيلة كان يجب التعرف على نقاط ضعفها واستثمارها . يضاف إلى ذلك أن القوات المتحصنة فيها متمرسة بالمعارك الدفاعية . لم يكن عددها يقل كثيرًا عن عددى ، لكن قوة نيرانها كانت فى المقابل تفوق ما عندنا . كما كنا بعيدين عن النسبة الحسابية القائلة بوجوب إطلاق ثلاثة جنود مهاجمين مقابل جندى واحد مدافع ، وهى نسبة تعتبر عمومًا حدًا أدنى فى هجوم ضد مواقع محصنة سلفًا . ولذلك كان يجب أن يتم تركيز المعركة على تكثيف قوة الضرب وعلى المفاجأة وعلى المناورة . وكان علىّ أيضًا أن أهاجم ليلاً وفق تكتيكنا التقليدى الهادف إلى تقليل مفعول التفاوت فى القوات ومفعول المواقع المحصنة» .
Page 9
ولذلك كان الهدف الأول لفرقة شارون هو فتح المحور المركزى ، أى الطريق بين بئر سبع والإسماعيلية . وهو الطريق المقطوع بتحصينين فى كل من أبى عجيلة والقسيمة ، وهما فى الواقع تجهيزان دفاعيان ، كل منهما مستقل عن الآخر ، لكنهما يتساندان وتحتلهما الفرقة المصرية الثانية . كانت استحكامات أبى عجيلة تقطع الطريق مباشرة ، فى حين كانت استحكامات القسيمة تقع على بعد ثلاثين كيلو مترًا إلى الجنوب الشرقى . واستفاد شارون من درس 1956 حين هاجم القوات المصرية من الجنوب . فقد قرر فى 1967 أن يطبق على المواقع من الشمال والغرب والشرق ، بحيث تستدير قواته حول المواقع فى الشمال لتفاجئ المصريين وتبلغ بأسرع ما يمكن الطرق التى تمر خلف أبى عجيلة والقسيمة . وكان مخطط شارون ينهض على هجوم متناسق بين مختلف عناصر قواته ضد خنادق المصريين وتجمعات دباباتهم ومدافعهم ، بحيث تشن الهجمات من الشمال والغرب فى ظهر أبى عجيلة ، ومن الشرق فى المواجهة ، لخلق سلسلة من المفاجآت تقوم فيها كل وحدة مهاجمة بحماية جناح الأخرى . وإذا كانت العملية تعتبر فى نهاية المطاف شديدة التعقيد فإن دور كل لواء سيجمع بين البساطة والمشقة ، لكنه يظل بسيطًا سلسًا فى النهاية . وسر النجاح يكمن فى تنسيق وثيق جدًا بين مختلف الوحدات المهاجمة .
هذا نموذج من نماذج كثيرة شهدتها حرب يونيو 1967 ، وتوضح ببساطة شديدة لماذا انتصر الإسرائيليون على المصريين ؟! ومع ذلك ظلت المقاومة المصرية الباسلة تدافع عن مواقعها برغم عدم وجود خطة أو قيادة عليا تقوم بتوجيهها . يصف شارون هذه المقاومة الباسلة بقوله :
«استلمت رسالة من ناتكى الذى كان قد اخترق مؤخرة الجهاز الدفاعى المصرى المتجه شرقًا ، وكان يشكو من قذائف مدفعية تنهال عليه من الأمام دون أن يستطيع تحديد مصدرها. لذلك أمرت زيبورى ، الذى كان يهاجم بلوائه على طول الطريق فى اتجاه الغرب ، بإسكات مدافعه ، ثم سألت ناتكى إذا كان القصف لا يزال مستمرًا عليه ، فأجاب بنعم . حينئذ قلت له : «تستطيع الإطباق عليهم بقدر ما تريد . إنهم المصريون»» .
هكذا كان الصمود المصرى الذى تحول إلى هجوم برغم غياب القيادة . فمثلاً عند منتصف ليل الخامس من يونيو كانت القوة الإسرائيلية المتربصة بالنجدات المصرية قد أخذت موقعها مقابل القسيمة . وفى تلك الأثناء كانت الكتيبة المدعومة بدبابات السنتوريون تهاجم تحت إمرة ناتكى موقع أوكلند ، محور الجناح الشمالى المصرى . وعلم شارون من جهاز الاستقبال معه أنها تصطدم بصعوبات جسيمة لم تكن متوقعة على الإطلاق . وظلت المعركة متأججة منذ منتصف الليل حتى الساعة الرابعة فجرًا حين احتلت دبابات ناتكى الموقع المصرى بعد خسائر فادحة فى الأرواح . لكن ناتكى نفسه لم ينج من الضربات المصرية لأن عربته المصفحة أصيبت إصابة مباشرة بقذيفة مصرية سحقت ساقيه ، ونقل على أثرها إلى المستشفى ليمر بثمانى عشرة عملية جراحية جنبته بتر ساقيه لكنه فقد قدرته على المشى إلى الأبد .
كذلك فى حوالى الساعة الثالثة والنصف فجر السادس من يونيو سمع شارون عبر جهاز اللاسلكى صوت دانى مات قائد المظليين ، يطلب بيأس طائرات هيلوكوبتر لإخلاء جرحاه . وكان جهاز القيادة يلح بلا انقطاع فى معرفة مواصفات أرض الإنزال . فكل المنطقة كانت مضاءة بالانفجارات والقذائف ، ولم يكن فى وسع الطيارين التمييز بين دخان المظليين ودخان الوقود المشتعل . ولم يستطع شارون أن يرشد الهيلوكوبتر مباشرة بين الكثبان التى لجأ إليها دانى مات ، إلا بعد أن اخترقت عرباته القيادية جهاز الدفاع المصرى المستميت . ومع ذلك عجز قائد الهيلوكوبتر عن تلمس طريقه وسط الجحيم الذى صنعه المصريون فى المنطقة . كانت باقى طائرات الهيلوكوبتر فى تشكيله تدور فى المنطقة لعلها تحدد مكان المظليين الجرحى ، كل بجهده الشخصى ، وطال بهم الأمر حتى السابعة صباحًا حين وجدوا المظليين هائمين على وجوههم فى الصحراء وبينهم تناثر الجرحى الذين نقلتهم الطائرات مع القتلى لإسعافهم أو دفنهم .
أما عن بطولات الفرقة المصرية السادسة فيعترف شارون أنها كانت معسكرة قرب الكونتيلا وسرعان ما شقت طريقها إلى قلب الثقب لتعزل إيلات عن باقى إسرائيل ، ولولا سقوط أبى عجيلة والقسيمة لما اضطرت إلى القتال متراجعة على امتداد طريق متلا . واحتدمت المعركة بينها وبين قوات شارون الذى استمات فى ضربها لأنه كان يعلم جيدًا أنها إذا بلغت ممر متلا فإنها تستطيع أن تعرقل تقدم قواته نحو قناة السويس . وهى إذا كانت تقاتل فى العراء بهذه الشراسة برغم كل الإحباطات المحيطة بها ، فما الذى يمكن أن تفعله لو تمكنت من السيطرة على الممر ؟! يروى شارون ما جرى فيقول :
«وما كدنا نبدأ هذا السباق مع الوقت للحاق بالمصريين المنسحبين حتى بدأت المشكلات تتدفق . فالوادى الذى كنت أنوى اجتيازه للتوجه جنوبًا كان لا يزال موحلاً بعد الأمطار المتأخرة فى هذه السنة . وفيما كنا منشغلين بالمناورة لمغادرة الوادى بعد محاولة فاشلة لاجتيازه تعرضنا لنيران كثيفة من الصواريخ المصرية أحدثت بلبلة كبيرة فى صفوفنا . فدباباتنا وعرباتنا المصفحة كانت متمركزة فى أرض ضيقة نسبيًا وهى تجاهد للتخلص من الأوحال . وأقل ما يمكن قوله إن هذا القصف المصرى جاء فى أسوأ الأوقات ، مما اضطرنى إلى القفز على غطاء محرك عربتى بكل ثقلى فى محاولة لتقويمه لعلنى بهذا أضرب المثل لضباطى وجنودى على الهدوء الذى يجب أن يحل بدل الفوضى المستشرية» .
هكذا كان المصريون يقاتلون فى السابع من يونيو 1967 لدرجة أن شارون لم يجد مفرًا فى مذكراته من الاعتراف ببطولاتهم التى توهجت فى ليل الإحباط والتشتت والضياع الذى خيم عليهم . كذلك فنحن لا نجد أثرًا للعبقرية الإسرائيلية العسكرية التى طالما تباهى بها شارون وأمثاله من صقور إسرائيل ، إذ أن القوات الإسرائيلية برغم المكاسب التى أحرزتها فى غيبة القيادة المصرية العليا ، كانت ترتكب من الأخطاء الفاحشة ما يؤكد أن تلك العبقرية هى مجرد دعاية للاستهلاك المحلى والعالمى على حد السواء . فبعد أن أعاد شارون تنظيم صفوفه بصعوبة بالغة ، يقول :
«أمرت الألوية أن تأخذ طريقًا آخر أبعد قليلاً إلى الشرق . لكن مشكلة أخرى طرأت : ظهر طابور دبابات إلى الغرب منقضًا علينا وفاتحًا كل حمم مدافعه . عرفناه فورًا : كان لواء فرقة يوفيه ، عبر أبا عجيلة خلال المعركة . والأرجح أنه تابع تقدمه غربًا ثم انحرف إلى الجنوب والشرق على أمل شبيه بأملنا . قطع الطريق أمام المصريين المتهالكين على الوصول إلى ممر متلا ، وعندما شاهدنا رجال اللواء من بعيد ظنونا الفرقة المصرية التى يتعقبونها فهاجمونا بقوة» .
ومثل هذا الخطأ العسكرى الفادح ، ترتكبه الفرق أو الألوية عندما تكون واقعة تحت وطأة ضغوط متصاعدة ، تجعلها تبادر بالقصف لمجرد الشك الطارئ فى القوات المواجهة دون التيقن من هويتها ، لأن مثل هذا التيقن قد يستغرق زمنًا يفقدها زمام المبادرة ، خاصة إذا كانت قوات العدو لا تتوانى لحظة فى الضرب بمنتهى العنف والشراسة فى مبادرات خاطفة مثل تلك التى مارستها الفرقة المصرية السادسة فى مواجهتها . وقد يتساءل البعض عن السر فى عدم الاتصال لاسلكيًا بالفرقة الضاربة ، فيجيب شارون قائلاً :
«حاولنا تحذيرهم بالراديو لكننا فشلنا دون أن نتمكن من معرفة السبب . وتفاقمت الأمور بسرعة لدرجة أن إحدى كتائب المدفعية المواجهة لخط رميهم تلقت قذائف خطرة . وبدأ آمر لواء المدفعية بتوجيه مدافعه تحسبًا لمعركة ضد الدبابات ، وهو يواجه معضلة مؤلمة : الرمى على قوات إسرائيلية أو التفرج مكتوف اليدين على تدمير فوجه . أمرته ألا يطلق النيران ، لكننى كنت أسمعه عبر جهاز اللاسلكى أنه يتكبد خسائر : صحت مرتين : «لا تطلق النار !» ، ثم أمرت ضابط عملياتى أن يركب الجيب ويتوجه لملاقاة دبابات يوفيه ليطلعهم على سوء تقديرهم المدمر . كانت المهمة تتطلب شجاعة نادرة فى مواجهة مدافع الدبابات الفاغرة فاها . لكن المناورة نجحت فجنبتنا كارثة» .
وحتى فى يوم الجمعة التاسع من يونيو حين تحطمت القوات المصرية ولم يبق أمامها سوى الانسحاب بأسرع ما يمكن ، كان الجنود المصريون فى تراجعهم حريصين بقدر الإمكان على إنزال أية خسائر فى أية قوات إسرائيلية فى طريقهم ، وهذا ليس شأن الهاربين الذين يريدون بلوغ المناطق الآمنة بأسرع ما يمكن . يحكى شارون أنه كان على متن طائرة نحو بير تمادة فى الغرب حين أخبره الطيار أن عطلاً ما طرأ على المحرك ولابد أن يهبطوا .
يضيف قائلاً :
«حتى ذلك الوقت كنا نطير فوق الطريق لنبتعد عن مرمى المصريين المنسحبين المنطلقين بين الكثبان والنتوءات . ولكن بما أننا كنا نطير على ارتفاع منخفض أطلق علينا النار بعض الجنود المصريين فقابلناهم بالمثل حتى حطت الطائرة على الطريق ، وللحظة تساءلت ما عسى أن يحدث لنا . يالسخرية القدر القاسية : قبل أقل من ساعة كنت فى أمان بين أفراد فرقتى ، والآن أجدنى وحيدًا متروكًا بين مئات المصريين المسلحين واليائسين» .
Page 10
ويعترف شارون بخسائر إسرائيل فى الأرواح ، وبانتصارها المرير برغم غياب القيادة المصرية التى لو كانت قد أدارتها بأقل قدر من التخطيط والتنسيق والتنظيم ، لكان للمعركة برمتها شأن آخر . كان شارون كلما اتصل بزوجته هاتفيًا ، كانت تخبره بوفاة صديق قديم أو ابن له صرع فى المعركة . أى أن الانتصار الإسرائيلى كان فى حد ذاته محنة أو مأساة سرت بالجروح والآلام فى المجتمع الإسرائيلى ، وإن كانت الدعاية الإسرائيلية قد حاولت أن ترسخ فى الأذهان أن عهدًا جديدًا حافلاً بالأمجاد والأحلام الكبار قد بدأ . وكان شارون فى مقدمة الذين ضربوا على هذه الأوتار الصاخبة المتفائلة ، خاصة أنه يؤمن بأن السلام ليس سوى «قصاصات ورق» - على حد قوله – ولا يمكن المخاطرة بوجود الشعب اليهودى بالاعتماد عليها . فهو لا يخفى نواياه الحقيقية حين يقول : «إن بقاءنا لا يمكن أن يرتهن فقط بالثقة فى حسن نوايا الآخرين ، فعلينا أن نرسى هذه الثقة على «وقائع» ، أى على ترسيخ البلاد والدفاع عنها» . وهو ما أكده بعد ذلك فى عامى 1980 و1981 حين اشترك فى المفاوضات مع مصر إذ قال إنه لا يصدق المصريين ، ولا يضع ثقته فى قطعة ورق وقعوا عليها . فقد كان هذا هو إحساسه فى عام 1967 ، ثم فى أعوام حرب الاستنزاف التى أكدت له أنه :
«مهما كانت طبيعة الاتفاق الذى نفكر فى الحصول عليه ، ومهما كانت قيمته ، كنت عاقد العزم على فعل كل ما كان فى وسعى لإرساء وقائع من شأنها أن تؤمن لنا سيطرة استراتيجية» .
أى أنه لم يكن يريد ترسيخ السلام بل فرض الأمر الواقع والهيمنة الصهيونية ، وأن أى اتفاق سلام فى نظر إسرائيل ليس إلا خطوة تكتيكية فى انتظار ظروف مواتية أفضل . وبذلك يصبح السلام استثناء من القاعدة التى تتمثل فى الصراع بمختلف صوره العسكرية والمادية على حد السواء ، وإن بدا الموقف بصورة مغايرة . وقد تركزت هذه الأحاسيس والتوجهات عند شارون فى أثناء حرب الاستنزاف . لقد خالجه شعور بأن نصرهم لم يكن كاملاً بعد أن دفعوا ثمنًا باهظًا لم يجعل المستقبل مشرقًا أمامهم . كما أن هذا النصر المكلف جدًا كان شديد الهشاشة ، والإبقاء عليه يكلفهم مجهودات ضخمة وصعوبات جمة .
ولذلك أفرد شارون فى مذكراته فصلاً كاملاً عن حرب الاستنزاف ، مثله فى ذلك مثل معظم الزعماء والقادة الإسرائيليين الذين أفاقوا من أحلامهم الجميلة الرائعة فى أعقاب الخامس من يونيو على الاستنزاف الذى بدا فى أول الأمر حلمًا مزعجًا سرعان ما يزول بمجرد الاستيقاظ ، لكن الأيام أثبتت أنه كابوس تشتد وطأته مع الأيام بعد أن استطاع عبد الناصر أن يرتفع بقواته المسلحة من درجة الصفر إلى مرحلة الصمود والتصدى والمواجهة والهجوم . ولذلك رأى شارون فى حرب الاستنزاف أخطر مشكلة تواجه قيادة الجبهة الجنوبية التى تسلمها فى نهاية 1969 حين بلغت حرب الاستنزاف أوجها بعد سنتين من استمرارها وتصاعدها . يقول عنها :
«لم تكن هذه الحرب المقنعة تهدد وجود إسرائيل نفسه ، لأنها تجرى بعيدًا عن قلب البلاد الحيوى الذى عرف لأول مرة حياة سوية . فالبلاجات وأرصفة المقاهى كانت تعج بالناس الذى تذوقوا أخيرًا هذا الترف النادر فى إسرائيل : السلام . لكن على الجانب الآخر كان جنودنا على امتداد القناة يواجهون الموت باستمرار» .
أى أن شارون يخدع نفسه أو يحاول أن يخدع الآخرين بقوله إن السلام قد جاء نتيجة لحرب يونيو 1967 ، لأنه فى الوقت نفسه يعترف بأن جنود إسرائيل على امتداد القناة يواجهون الموت باستمرار ، والسلام قيمة كلية لا يمكن أن تتجزأ بهذه البساطة . وكان إصرار عبد الناصر على حرب الاستنزاف ، تأكيدًا عمليًا ومتصاعدًا لإسرائيل على إدراكه العميق لنواياها الاستراتيجية ككيان عدوانى بطبيعته ، لا يفرق بين السلام والاستسلام . إن لغة القوة هى اللغة الوحيدة التى تفهمها إسرائيل ، ولذلك أعلنها عبد الناصر مرارًا أن ما أخذ بالقوة لابد أن يسترد بالقوة . وكانت إسرائيل فى الأيام الأولى بعد حرب يونيو 1967 تسخر من هذا الشعار الذى اعتبرته مادة إعلامية للاستهلاك المحلى ، ومحاولة لاستعادة الثقة والكبرياء ورفع الهامات التى انحنت تحت وطأة الهزيمة، لكنها بعد أسبوع أو اثنين أدركت أن الشعار قد تحول إلى كابوس يزحف ليجثم على كاهل جنودها . يقول شارون :
«كان خط بارليف من منظور تاريخى ، ثمرة الصدفة أكثر مما كان نتيجة خطة معدة . ففى نهاية حرب الأيام الستة توقف الجنود الإسرائيليون عند الضفة الشرقية لقناة السويس . وبعد أسبوع أو اثنين اضطروا إلى التخندق اتقاء لنيران المواقع المصرية المواجهة» .
فى أثناء الحرب عارض موشيه دايان تقدم القوات الإسرائيلية أكثر من اللازم على أساس ضرورة التوقف عند خط ما على بعد عدة كيلو مترات من القناة . كان يرى أنه ينبغى لهم أن يظلوا قريبين من القناة لصد كل محاولة مصرية لعبورها ، ولكن بعيدين عنها إلى حد ما بحيث تأخذ الحياة مجراها السوى على الضفة المقابلة . لكنه نتيجة لظروف ومجرى العمليات العسكرية عند نهاية الحرب التى أوضحت مدى إصرار المصريين على الصمود والتصدى برغم جيشهم الذى تحول إلى فلول ، اضطر دايان إلى ترك قواته تتقدم حتى الضفة الشرقية مع حرصه على إنشاء خط محصن على بعد مسافة معينة من القناة . ولذلك توقف بالفعل عن إصدار الأوامر بإعادة انتشار القوات المتمركزة على ضفة القناة إلى الخط المذكور .
كان قلق إسرائيل واضحًا لاستمرار عبد الناصر فى الحكم على أساس من إرادة شعبية ساحقة ، بعد أن ظنت أنها قضت على أسطورته ، وأجبرته على التنحى وبالتالى تحول مصر عن كل المبادئ التى نادى بها وسعى إلى تحقيقها . لكن عودته بهذه الشعبية الجارفة ، لم تكن تعنى سوى مواصلة التحدى لكل إنجازات إسرائيل ومكاسبها فى أعقاب الحرب وإهدارها بكل الوسائل الممكنة . وكانت إسرائيل تحسب لعبد الناصر ألف حساب ، ليس فقط للكاريزما الكاسحة التى يتمتع بها والتى يمكن أن تحول الشعب إلى طاقة عاتية ، بل للعقلية العلمية الحسابية الدقيقة سواء على المستوى الاستراتيجى أو التكتيكى ، وهذا يعنى أن الأمور لن تسير على منوال الأحلام السعيدة التى راودت إسرائيل فى أعقاب انتصارها الذى اختطفه فى غفلة من الطرف الآخر . فعاد جنودها إلى التخندق والتشرنق ليجددوا ذكريات الماضى الذى تخندق فيه أجدادهم فى أحياء الجيتو الشهيرة فى مدن العالم المتناثرة .
وبرغم ادعاء إسرائيل للعبقرية العسكرية بمناسبة أو غير مناسبة ، فإن انتصارها الخاطف المقتنص لم يساعدها على امتلاك النظرة الاستراتيجية الشاملة ذات المدى البعيد ، بل ظلت تحل مشكلاتها يومًا بيوم بناء على تحركات وخطوات الجانب المصرى الذى امتلك زمام المبادرة بعد أسبوع من هزيمته المنكرة . يقول شارون :
«وهكذا فى غياب نظرة شاملة وبعيدة المدى وجدت قواتنا نفسها معرضة للنيران المصرية من دون حماية أو ملجأ ، فقررت من تلقاء نفسها بناء المعاقل . وبمرور الوقت اتسعت الإنشاءات الدفاعية ، وبحلول عام 1968 تحولت إلى خط محصن حقيقى . لكنه فى العام نفسه تعرضت مواقعنا لإطلاق نيران كثيفة من المدفعية المصرية الثقيلة . سبب لنا خسائر جسيمة . بعد ذلك صار الانسحاب أو البقاء قضية كرامة ، ولذلك كثر الجدال حول وسائل حماية الخط الذى فرضته الأحداث كأمر واقع لا بديل عنه» .
وهذه الأحداث كانت من صنع المصريين . كان عبد الناصر يؤكد لإسرائيل بكل خطواته المحسوبة استحالة الوضع الذى ترتب على حرب يونيو 1967 . وهو وضع لابد أن تدفع إسرائيل ثمنه من أرواح جنودها وأموال خزائنها ، بحيث يستمر النزيف الإسرائيلى إلى أن تتأكد إسرائيل من عجزها عن مواصلة الإنفاق وتحمل كل هذه الخسائر التى ترتبت على انتصارها المفاجئ والمفتعل . يحلل شارون الموقف فيقول :
«لم يحصل أول نقاش عميق حول الدفاع عن سيناء إلا قرب نهاية عام 1968 بعد ما تكبدت قواتنا خسائر فادحة على ضفة القناة . وتمخض الجدل عن قرار ينص ليس فقط على البقاء حيث نحن بل على بناء اثنين وثلاثين موقعًا محصنًا يمثل كل منها نوعًا من القلعة المصغرة القادرة على الصمود فى وجه القذائف المدفعية الأفقية . وتم إنفاق أموال طائلة لبناء الشبكة الدفاعية المعتمدة على نظام من السواتر الرملية العالية على امتداد القناة ، والغرف المحصنة تحت الأرض ، ومزالق الدبابات ، ومخازن التموين والذخيرة ، وطرق الدورية .. إلخ . وكان المفروض بهذا المجمع أن يؤمن لنا السيطرة على الممر المائى» .
ونظرًا إلى خبرة شارون التى اكتسبها من قتاله ضد المصريين ، كان يؤمن أن هذا الخط الدفاعى لن يقف فى وجه الكاريزما الناصرية ، خاصة بعد أن امتلك عبد الناصر ناصية الأمور فى القوات المسلحة بتخلصه من مراكز القوى التى كانت السبب المباشر فى الهزيمة . ولذلك ظل شارون يعارض بشدة إقامة خط برليف سواء قبل تعيينه قائدًا للجبهة الجنوبية أو بعد ذلك ، وكان يريد الاستعاضة عن قطاعاته وتحصيناته بمواقع دفاعية على التلال الواقعة إلى الشرق . وصدق حدس شارون ، إذ أن قذائف المدفعية الثقيلة المصرية ظلت تنهمر عليه كالمطر الذى بلغ ذروته فى ربيع 1970 . يقول شارون :
«كانت المدفعية الثقيلة المصرية تقذف علينا حممها فى تلك الأيام . ولكى نخفى حضورنا بالعربات التى يمكن أن تثير سحابات من الغبار ، كنا نضطر إلى ترك عربة القيادة على بعد مسافة من الحصن والسير على الأقدام . وكان دايان قد كسرت ساقه قبل عدة أيام وهو يقفز هابطًا من طائرة هيلوكوبتر ، فكان يستند فى سيره على عكازين وهو يمشى بصعوبة بالغة . وكنا فى دورة تفقدية لأحد التحصينات المواجه لبور توفيق والمعروف باسم الرصيف . وكان «الرصيف» ، مثل باقى التحصينات ، محجوبًا عن النظر بجدار سميك يلتف حول فناء داخلى . وفى نفس لحظة اجتيازنا السور بدأت القذائف المصرية تنهمر كالمطر» .
«وعندما صفرت القذائف الأولى فوق رؤوسنا تكالب الجميع للاحتماء بالغرف المحصنة تحت الأرض ، باستثناء دايان الذى انبطح أرضًا لعجزه عن الجرى . وبصفتى قائدًا للقطاع لم أكن أستطيع أن أسمح لنفسى أن أترك وزير الدفاع نفسه على هذا النحو دون أية حماية . لذلك انبطحت إلى جانبه . وعلى هذا الوضع الحرج ، عندما كانت القذائف تنفجر حولنا ، تلفت دايان ناحيتى قائلاً لى : إريك ! هذا النظام خطأ فادح . عليك أن تقنعهم بتغيير مفهومهم من أساسه» .
ولم يكتف المصريون بالقصف المدفعى وإطلاق الصواريخ على المواقع الإسرائيلية ، بل لعب الفدائيون المصريون دورًا متجددًا فى وضع الجنود الإسرائيليين فى حالة دائمة من القلق والتوجس والخوف ، إذ لم يعرفوا من أين تأتى الضربات ، سواء أكانت فى شكل هجمات ضد الدوريات وعربات التموين والإمداد بالذخيرة ، أو كمائن تصطاد الجنود الإسرائيليين أفرادًا وجماعات . كان الفدائيون المصريون يعبرون قناة السويس تحت جنح الظلام فى مناطق لا تخطر ببال الإسرائيليين الذين يجدونهم فجأة بينهم كالأشباح التى تطلق القذائف وتلقى القنابل ، وكان بعضهم يلتقى بالموت دون لحظة خوف واحدة فى حين كان البعض الآخر ينجح فى العودة إلى قواعده سالمـًا . ولا شك فإن الروح المعنوية عند الجندى الذى يجاهد لتحرير أرضه ، تختلف تمامًا عن الجندى الذى يحتل أرضًا ليست ملكه . ولذلك كانت نسبة الخسائر فى أرواح الجنود الإسرائيليين أعلى بكثير من الجنود المصريين بحكم امتلاكهم عنصر المفاجأة والمبادرة ، وشعورهم بأنهم ينتقمون لزعيمهم عبد الناصر الذى خذلته الظروف فى ظرف تاريخى غير موات ، ولذلك يقول شارون :
«خلال السنوات الثلاث لحرب الاستنزاف لم يتوقف المصريون عن إطلاق مدافعهم . ففى كل ساعة كانت قنبلة تنفجر فى قلب التحصينات ، حيث ينشغل جنودنا بإصلاح الأضرار وتحصين المواقع . وكانت هذه القنبلة أكثر من كافية لشل قدرتهم على الحركة والمبادرة . وكانت هذه المبارزات المدفعية اليومية ، بالإضافة إلى إطلاق المدفعية الثقيلة من حين إلى آخر ، وإلى الكمائن والغزوات ضد دورياتنا وعربات تمويننا ، تكلفنا أرواحًا غالية جدًا» .