eKtab
EN ع
نازك خانم
Read free sample

نازك خانم

by لينا هويان الحسن

Page 1

إهـــداء

إلى صديقتي هند بوظو

Page 2

لا بد أن هنالك... بين الدمشقيين من يتذكر، أو سمع بنازك خانم أو كما سماها الفرنسيون، «نازيك هانوم» الجميلة التي جلست عارية أمام بيكاسو في مرسمه في شارع دو غراند أوغسطين بباريس، وكانت ضمن العارضات العشر الأوائل الذين ألبسهن إيف سان لوران بدلة السموكينغ لأول مرة بالتاريخ... وأول امرأة ارتدت البكيني في مسابح دمشق... وقادت سيارتها بلباس رياضة التنس... وكانت لها هذه الحكاية...

Page 3

1

(... لحياةِ راعٍ بمثل هذا الجمال، لا بد من ذئاب )

ريلكه

«البعض يجنّ من السعادة، والبعض الآخر يجنّ من التعاسة، والبعض يجنّ من الجمال.. انتبهي من جمالك يا نازيك هانوم...».

حتى جاءت اللحظة الأخيرة فهمت نازك سرّ تلك العبارة التي همس لها بها يومًا مجيب شان. لكن الأوان كان قد فات للفهم، كان الأوان للموت.

ينبغي لظلّها أن ينداح وراء جمالها الفاني، كل البشر فانون لكن الجمال سريع كغزالة وهو يجتاز العتبات القليلة نحو الزوال... ما أجملها «نازك» خانم!

تمرّ نازك الجميلة والنساء يتهامسن «ستشيخ»... لا أمل بقتل جمالها إلا بالتمني.

عادت إلى دمشق وقد بلغت التاسعة والثلاثين من عمرها.

نساء دمشق لم يتركن إشاعة إلا واخترعنها، وركّبن لها الأجنحة وطيّرنها في سماء المدينة وذلك زاد من بريق نازك في عيون الرجال، فالنساء دائما يكررن الخطأ ذاته. بسبب الغيرة، يعمدن إلى تشويه سمعة امرأة جميلة، فيحدث العكس وتزيد الهالة حولها...

إنها بالفعل «نازك» مضيئة، لامعة، اسم على مسمى، شهاب نزل من السماء، ووصلها بسلام، لم يحترق كبقية الشهب لهذا من حقه البقاء، وإشعال نار الغيرة، والفتنة والحب.

نازك لم تكترث لشيء مما يقال حولها، فهي تعتنق حكمتها الخاصة جدًّا، وقليلًاما نعثر، أو نسمع بمن يمكن أن يفكر بتلك الطريقة التي تتلخص بقول نازك: «أهم ما يمكننا أن نفعله في هذه الحياة إشعال أقصى ما يمكننا من حرائق الحسد والغيرة والنقمة». وكانت تردد وهي ترتدي البيكيني في مسبح بردى بدمشق: «لا أنام براحة إذا مرّ يوم دون أن أسبب ألمًا لأحد».

هل حقًّا أن نازك خانم جلست كموديل عارية أمام بيكاسو؟ من هو بيكاسو؟ الرجال المثقفون قالوا إنه فنان إسباني يرسم النساء بالمكعبات.

شبلي بيك الذي بدا أنه يعرف شيئًا عن بيكاسو، وحده كذّب الإشاعة وقال جازمًا:

- لا، لا يمكن أن يرسم بيكاسو وجه نازك، لأن بيكاسو يحب وجوه النساء الحزينات، ولا يمكن أن يرسم وجهًا فرحًا وواثقًا مثل وجه نازك المشتعل. لكن نجوان بيك، خالفه بقوله:

- “ماذا عن جسدها؟ إنه فرصة ذهبية ليرسم بيكاسو مكعبات ممتلئة وشهية”.

Page 4

شبلي بيك يضحك، وهل يمكن المكعب أن يكون شهيًّا؟ إذا كان جزءًا من هندسة نازك الجميلة، فلا بد أنه سيكون مسكرًا ومدوخًا، سيكون أكثر من شهيّ.

كلما حضرت نازك خانم واحدة من حفلات الطبقة الأرستقراطية في دمشق، خمنت أن غالبية الحديث ستدور حولها.

إذا كانت الدعوة في إحدى فيلات بلودان، فإن نازك ستقود سيارتها الفورد السوداء المكشوفة، وتركن سيارتها عقب فرامات متتالية، وتنزل منها وهي توظب تنورتها القصيرة، وتنتعل حذاء بكعب عالٍ قرب السيارة. ولأن الجميع يعرف عادتها تلك ، سيكون كل الرجال على الشرفة بانتظار وصول نازك المدوي، فليس كل البشر يبلغون مكانًا ما بالطريقة ذاتها، ونازك لها طريقتها «الفضائحية أو المسعورة» كما كانت كل النساء على تسميتها.

نازك ستصل وستنزل من السيارة وهي حافية، سترمي حذاءها أمامها... وتدخله برجليها على مرأى الكل. وطبعًا، ستنحني وسيبرز صدرها وتتسع عيون الرجال، وستظل صورة ساقيها اللاهيتين في ذهن كل الساهرين.

كانت ملفتة مثل فضيحة صافية تمشي على قدمين... نازك الجريئة التي ترتدي الميني جوب، وتشرب الويسكي دون أن تبدو عليها علامات السكر، كانت تعرف أنها كائن جميل جدًّا غير مرغوب بوجوده. طبعًا، من قِبَل النساء.

عندما عادت الى دمشق، كانت قد صبغت شعرها حديثًا بالأشقر، وكشفت عن مفاتن جسد مشدود العضلات ملوح قليلًا بالشمس، غريماتها بررن سرّ محافظتها على رشاقتها أنها لم تنجب أولادًا... مهما تكلمن عنها كانت نازك تعود لأول مرة إلى دمشق عقب عشرين عامًّا، تسبقها إشاعات شتى ومذهلة عنها.

كان البعض يمرر قصاصات من الصحف الفرنسية تظهر بها فتاة شابة تشبهها كثيرًا تعرض أزياء مختلفة، في بعضها ترتدي الفرو، وفي البعض الآخر ترتدي لباس البحر.

وهنالك صور تبدو فيها شبه عارية تحمل فيها حقيبة من جلد التمساح...

مع ازدياد الإشاعات، زاد سحرها بنظر الرجال. وأصبحت شبيهة بريجيت باردو القادمة من باريس. وكلما مرت، تهامس الرجال حولها بخفوت «وخلق الله المرأة».

نازك كانت قد حضرت الفيلم الذي حمل هذا العنوان «وخلق الله المرأة « مع حبيبها وزميلها في السوربون «مارك».

الفرق بينها وبين بريجيت باردو أنها لم تتبختر حافية القدمين على شاطئ البحر أمام الدمشقيين.

لكن ذلك لم يكن ضروريًّا فالدقيقة أو الدقيقتن اللتان تقضيهما حافية عند باب سيارتها كافيتان، فالرجال مفتونون بها. فقط، كان عليها أن تختار أي رجل يمكن أن يستهوي ذائقتها، يمكنها أن تختار عازبًا أو متزوجًا أو مطلقًا أو أرملًا، كل الرجال طوع بنانها.

نازك كانت تردد بجرأة في المجتمع الدمشقي، أن امرأة القرن العشرين، كالعبقرية: أي نتيجة حاسمة نهائية لجهد تمت مراكمته خلال قرون طويلة.

بيكاسو، سألها يومها عن عشتار، من هي؟ إنه يعرف فينوس وأفروديت، فمن هي عشتار؟ نازك شرحت له وهي معتزة بكامل عريها، وقد جعلها تجلس لتشبه امرأة من الميثولوجيا الإغريقية اسمها ليدا، شرحت له أن عشتار هي جدة فينوس وأفروديت، إنها ربّة الجمال في الشرق.

وبعدها سألته عن ليدا، شرح لها أنها امرأة اعجبت كبير آلهة الأولمب زوس، وكانت زوجة ملك، فلم يكن بوسعه الاقتراب منها إلا متنكرًا فجاءها بهيئة بجعة هاربة من صقر وفتحت ليدا ذراعيها للبجعة الخائفة وحين تأكد زوس أنه بين ذراعيها، ومتحكم بها، برز بهيئته الحقيقية وضاجع ليدا المذهولة وأنجبت منه أربعة توائم. بينهم فتاة نادرة الحسن لم يعرف التاريخ أجمل منها اسمها هيلين، وحين كبرت تسببت بحرب بين الإغريق ومملكة اسمها طروادة.

Page 5

- كيف؟ سألت نازك.

- لأنها خانت زوجها الذي كان أحد ملوك الإغريق، وفرّت مع ابن ملك طروادة. وبسببها بادت تلك المملكة.

نازك تسال بيكاسو:

- واوووو! كم أتمنى أن أتسبب بهلاك مملكة! وماذا حدث لهيلين الجميلة؟

- هههه، عادت على متن إحدى سفن الإغريق معززة، مكرمة.

- ألم ينتقم منها زوجها؟

- الجميلات لا ينتقم منهن أحد يا حلوتي... هيلين عقب عشر سنوات من الفراق عندما تواجهت مع زوجها وبيده الخنجر الذي ادخره كل تلك السنوات ليقتلها فيه... فكّت إزارها وكشفت عن ثديين مشرئبين... وسامحها الملك المغدور.

- أنتم الرجال تعشقون المرأة الخؤون؟

- لم أعرف امرأة مخلصة إلا وكانت مملة.

- حتى لو كانت جميلة؟ اممممم... الجمال أمر يتناقض مع الوفاء؟!

- امممممم، يتمتم الرسام المنهمك بالرسم، وهو ينقل نظره بين المرأة العارية أمامه وقماشة اللوحة.

نازك تقول:

- إذًا، لولا الجميلات لكان التاريخ سمجًا وسخيفًا وذكوريًّا؟!

يرفع نظرره نحوها وكأنه يراها للمرة الأولى مع تحديقة مركزة وحارقة يقول لها بحسم:

- المرأة الجميلة تحرك الارتياب الدفين، في صميم قلوب كل الرجال، فاحذري أن تدفعي رجلًا تحبينه للشك بك.

- وإذا لم أحببه؟!

- ههه، إذًا افعلي فيه ماشئتِ.

Page 6

2

(حتى الطائر الأصلع يريد أن يحلق بعيدًا،فما بالك ببجعة ذات جناحين طويلين)

ناسك صيني

مجيب شان كان يقول دائمًا:

- جاء الزمن الذي تنكس فيه النساء أنوف كل الطرزانات... فالتاريخ دائم الانخداع بالمرأة التي خُلقت لتخدع الفردوس والرجال.

عندما التقت نازك بمجيب شان، كانت تمشي كموديل في أروقة إيف سان لوران، تحديدًا في ذلك العرض الذي استوحاه من ألوان مراكش.

بسبب قامتها الهيفاء وجسدها الممتلئ برشاقة، وشعرها البني الطويل كانت نجمة العرض إلى جانب تلك الأمازيغية الفارعة الطول “وسيلة بوسيس” سمراء ساحرة بشعر أسود أجعد وعينين سوداوين وملامح لبؤة مستفزة...

وسيلة بوسيس، كانت تعيش كخليلة للثري الإيراني المقيم في باريس منذ صباه، مجيب شان الأسمر المربوع الذي عرف عنه ولعه بالنساء ذوات القامة الهيفاء. وبذريعة ممارسة هواية الرسم كان يستدرج أشهر الجميلات في باريس إلى مرسمه.

وقتها سرت عنه إشاعة حديثة تقول إنه قام بدعوة عدد من الأثرياء إلى قصره الكائن في سان دونيس الضاحية التي فيها مقبرة ملوك فرنسا القدماء... وهناك أطلق عددًا من العارضات الفاتنات في غابة القصر عاريات تمامًا، وترك للمدعوين أمر إمساكهن. لكن خطأً غير متعمد تربص بالجميلات العاريات، فقد سها رجاله عن ربط كلاب الحراسة، وكان قد فات الأوان عندما علا نباح الكلاب في أثر المدعويين والعارضات.

وتولت الصحف الصفراء أمر نشر الحادثة، كل صحيفة على طريقتها.

اتُهم مجيب شان بأنه لم يسه عن الكلاب، إنما فعل ذلك عمدًا. باختصار كانت الصحف دائمًا تذكر اسمه كمقترف نزوات.

مجيب شان رمم أضرار تلك الحفلة مستثمرًا عدد الأصفار الكثيرة في حسابه المصرفي، وأنهى حكاية حفلته الغريبة بإرسال الهدايا الثمينة إلى الضيوف والعارضات وهم في بيوتهم يتعافون من آثار مهاجمة الكلاب.

وسيلة بوسيس كانت حاضرة، ولأنها من رواد القصر الدائمين لم تهاجمها الكلاب، انخرطت بإنقاذ زميلاتها من شراسة كلاب الحراسة المدربة جيدًا.

مجيب شان كان، إضافة إلى كونه من أثرياء البترول الشهيرين، معروف عنه ولعه بالكروم لإنتاج النبيذ الذي يحبه كثيرًا، يحب كل ما تخبئه الأرض، ويغامر بدخول مشاريع كبيرة بحثًا عن البترول والذهب والماس. ولم يكن يحزن عندما يخسر إحدى تلك المغامرات، ويظل يردد أنه ليس من الأثرياء، إنما هو قروي يحب أن يحول أمواله إلى شيء ملموس كالأرض والحجر وهكذا امتلك الكثير من القصور التي تعتق في أقبيتها كروم الريف الفرنسي.

تعرّف إلى “وسيلة بوسيس” وهي تعمل في أحد الكروم الجزائرية، فتاة يتيمة فارعة الطول، بسبب لسانها السليط لم تتزوج، رغم جمالها الواضح لكنها تجاوزت عمر العشرين، وهذا يعتبر بين قومها عمرًا متأخر للزواج.

مجيب شان عرض عليها مرافقته، بعدما أفرغت عليه الماء البارد وهي تحمله لسقي زهور القصر، قال لها كلمة بذيئة بالفرنسية، فهمتها وسيلة، وتقدمت منه وتركته مرتعشًا من برودة الماء، مرافقوه الثرثارون رووا تلك الحكاية للصحف الفرنسية. وبالفعل، تم تداول تلك الحكاية عن مجيب شان الذي لم يكن يكترث إطلاقًا لما قد يقال عنه... لكن النساء بغالبيتهن كن يتهامسن حول ولعه بالنساء الشرسات.

Page 7

خلال أشهر قليلة كانت وسيلة بوسيس تتبختر بثقة غريبة في صالات العروض، بعد أن دفعها مجيب شان لدور العرض مستغلًا صداقاته من أصحاب دور الأزياء.

بسبب ولعه الكبير والشهير بوسيلة، لم تنخرط نساء كثيرات في منافستها تحديدًا بعد أن أثبت لها حبه الكبير بشراء فيلا في ضواحي باريس، سمّتها وسيلة «فيلا جيجل» وجيجل، مكان مسقط رأسها في الجبال الجزائرية.

أيضًا، كان مولعًا بشراء الدراجات النارية وكثيرًا ما كان يهدي أصدقاءه دراجة لم يعد يستعملها. وسيلة بعد خمس سنوات من رفقتها لمجيب شان منحها شرف إهداء الدراجات النارية لمن تشاء من أصدقائها.

سألته نازك: “ووسيلة”؟!

قال لها: “وسيلة جميلة إلى حد السحر، وأنتِ فاتنة الى حدّ الألوهية”.

نازك التي هجرت السوربون لتعيش على هواها مرة كمصورة فوتوغرافية، ومرة كممثلة مسرحية فاشلة، استقرت أخيرًا في مجال عروض الأزياء... كانت تعرف جيدًا بثقافة الوسط الفني سألته بثقة مطلقة:

- من تقصد إلهة الجمال فينوس؟

قبل أن تكمل، قال لها مجيب شان الذي يتمتع بلباقة فطرية:

- تشبهين إحدى ربات القدر.

فاجأتها الإجابة. كانت قد ظنت بنفسها الثقافة، وهل لربات القدر إلهة؟!

كانت تجلس أمامه على حرير أحمر بذريعة أن ذلك يناسب القدر أكثر كما يرى مجيب شان، وهو يقوم بدور الرسام ليرسم لوحة لا قيمة لها كالعادة...

سألته: ومن قال إن القدر يفضل اللون الأحمر؟

- القدر مرتبط بالدم والدم لونه كلون القدر... قال ذلك دون تردد.

- لماذا جعلوا للقدر ثلاث ربات ألا تكفي واحدة؟

مجيب شان يقول:

- القدر يشبه النساء. يمكن كل رجال الأرض أن يشبهوا رجلًا واحدًا، لكن النساء لا يشبهن إلا أنفسهن. والقدر كذلك. ربات القدر كن ثلاث أخوات، إحداهن تنسج الغزل، والثانية تطويه على ذراعها، والثالثة تقصّ الخيط باللحظة الموعودة... كل شيء موعود يا نازيك، المرأة مهما بدت بسيطة تظل مقارنة بالرجل ملتبسة ولا تُسبر أغوارها. لهذا نحبهن.

- وهل ربات القدر جميلات؟

- وهل سمعت برب أو إله ليس جميلًا؟ لكن، لهن جمالهن الخاص والغامض والبعيد والصعب

- كيف بعيد؟

- ثمة جميلات نرى جمالهن مباشرة، تكفي لفتة لتحديد مستوى حسنهن، لكن هنالك جميلات لا بد من تكبد عناء قطع مسافة ما، حتى يمنحن جمالهن للبصر.

- وكيف صعب؟! أهناك جمال سهل وآخر صعب؟!

- بلى، بالنسبة لرجل مثلي هكذا يصنف الجمال إما سهل وإما صعب...

- كيف؟!

- السهل يتمثل بوجه لايخفي جماله كالعينين الواسعتين والوجه المتناسق، بينما الصعب يكون متربصًا بوجه ليس بالضرورة أن يكون متناسق الأبعاد قد يحوي بعض الخلل لكنه جذاب إلى حد غير مألوف.

- لهذا، أعجبت ذات يوم بالأمازيغية وسيلة، إنه ذلك الخلل الذي تراه كل باريس إلا أنت، ألا ترى أن عينيها بعيدتان عن بعضهما؟ !

انخرط مجيب شان لأول مرة بالضحك وهو يقول:

- يا لغيرة النساء! بيكاسو نفسه أقر بجمالها الغريب... ثم يستدرك ويقول: «أنت أجمل يا نازيك».

عندما وجدت نفسها محاصرة بالإحراج، قالت له دون اكتراث:

- فلنعد إلى القدر، أحقاً أنا أشبه القدر؟!

- لعلك تشبهين تلك الربة الوسطى التي تتحكم بالقدر، تلفه على ذراعها... يقول ذلك ويقترب منها ويمرر إبهامه على بروفايل وجهها ويهمس لها:

- أتعرفين؟ القَدَر فنّ.

- فنّ؟!

- وإلا لما مثله الإغريق بنساء جميلات يغزلن دون توقف. ذلك النسيج ألا يقتضي فَنًّا في الحبكة

أليست حياتنا هكذا، مغزل يدور ويدور ويحرف دروبنا وطرقنا؟

- القدر لا يحرف مساراتنا إنما يصححها؟

ضحك مجيب شان:

- رائع، أحب أن تخالفيني الرأي ألم أقل إنك صعبة؟!

- وتحب من تغرقك بالماء البارد؟!

- ههههه، أخبروك تلك القصة الجميلة؟

- وماذا أيضاً؟ كيف تراني غير ربّة قدَر؟

Page 8

- صارمة كتومة... متعددة الوجوه... آه... يا معشر النساء ستُنمّى براثنكن أكثر فأكثر لن تبذلن جهدًا لإيهام الرجال برأي حسَنٍ بكن...

- إذًا، لا داعي لأن تنقبوا عن النساء في كتب التاريخ أو المتاحف، فينوس لم تعد مجرد تمثال مرمري قابع في اللوفر... سنمشي في الشوارع كربّات قدر... بكعوب عالية... لن نتمشّى بغاية التنزه، أو التبختر وحسب... إنما سنسجل انتماءً حاسمًا إلى العصر.

- ألم أقل لك إنك صعبة؟ لست سهلة... يا نازيك من أين تأتين بهذا الكلام الجميل والخطير؟ هل حقًّا تجالسين ذلك الفيلسوف القبيج سارتر في مقهى فلور؟

- حدث ذلك مرات عدّة، إنه ثرثار كبير، خاصة في حضرة النساء الجميلات، لكن كل ما يقوله مؤثر ومهم.

- آها!

- آلهة الأولمب يعرفون أن الدقة أشد عند المرأة منها عند الرجل. مُنحن شرف الغزل والتحكم بمصائر البشر...

- لماذا تهربين؟ كفى حديثًا عن القدر، إنه موجود هنا أمامي عاريًا ولامعًا ومغريًا إلى حدّ الموت. هل حقًّا تجالسين ذلك المفكر القبيح أم إنك تختلقين ذلك بين زميلاتك لللتبجح فقط؟!

- عندي صورة تجمعني به.

- سهل جدًّا التقاط الصور مع النتن سارتر بالنسبة لامرأة مثلك.

- كما تريد لا يهمني أن أثبت ذلك ربما أنا «قدَر» والقدر لا يغزل لمجرد التسلية، كلّ قدر يروم حكاية.

يغادر اللوحة ويقترب منها وفجأة يتوقف ليقول لها:

- أنا وإياك ننتمي إلى الغبار نفسه، قانون الطين الجاف حيث وداعته وقسوته متضمنتان داخل بعضهما البعض... مثلي ومثلك لن نكون بالنسبة لباريس إلا غبارًا. نقيم معها علاقة ترحال.

يعود الى لوحته ويسألها مجددًا من وراء اللوحة:

- أحقًّا جلست كموديل في مرسم بيكاسو؟

- بلى.

- أم إنها واحدة من إشاعاتك وستقولين إن هنالك صورة تؤكد معرفتك به، لن أصدق إلا إذا كانت صورة لك عارية في مرسمه...

لم تجب، فقط طيف ابتسامة ماكرة...

- ألم يقل لك بعض عباراته الشهيرة بشأن النساء؟

- باريس كلها تحفظ قوله الشهير: «ليس من كلب صغير يشبه كلبًا صغيرًا آخر، وهذا ما ينطبق على النساء أيضًا).

يقاطعها كمن يعرف سلفًا ما ستقول:

- وكان مولعًا بقوله: «عندي نوعان فقط من النساء آلهة وماسحات أحذية». يتابع وهو يهز رأسه

- أتعرفين كان عليك أن تقابلي نيتشه...

- تظن أنني لا أوافقه الرأي بما قاله بالنساء؟!

- لم أقابل قط امرأة تعترف بإعجابها برأي نيتشه بالنساء!

- هذا الرجل لم يقل إلا الحقيقة بشأن المرأة.

- آه، ربما ثمة حقد خفي ينمو في داخلي تجاهك، وهذا أخشاه كثيرًا لأنه علامة حب، إذًا تعرفين رأي نيتشه؟ ويعجبك؟!

- فيلسوق يمتلك رأيًا صاعقًا بشأن النساء، وأنا لا أنكره كغيري من بنات جنسي...

تستقبل استغراب مجيب شان بعفوية وتكمل كلامها:

- أليس هو الذي يؤكد أن ما يبعث على احترام المرأة وفي الغالب على الخوف منها، هو طبعها، وهو «أشد لتصاقًا بالطبيعة» من طبع الرجل؟ يتكلم هذا الفيلسوف عن مرونة المرأة، السبْعية الماكرة الأصيلة، مخالبها الضارية تحت القفاز، سذاجتها في الأنانية، تملصها من التربية، وكل ما لرغباتها وفضائلها من واسع ومتفلّت لا يقبل الاحتواء. ألا يقول ذلك تمامًا؟ وهذا حقيقي مهما أنكرته النساء فهن كاذبات.

- أنت خطيرة، هل قلت رأيك أمام بوفوار، رفيقة فيلسوفك النتن؟

- بوفوار يا لها من منافقة! لو أن سارتر تزوجها لما أصبحت فيسلوفة كما تدعي إنها معقدة وتكره أنوثتها.

- واوووو! هل عبرت عن رأيك هذا؟

- لم يسألني أحد عن رأيي... هل تعلم أني تركت دراسة القانون في السنة الرابعة؟ طبعًا، لا تعرف ولا أحد يعرف. ولا يهم...

Page 9

3

(غالبًا، ما بحثت عن الحب تلمسًا... مثل الذي فقد بصره )

ياروسلاف سيفيريت

أكثر ما تتذكره عن تلك الفترة في حياتها، أنها كانت مشغولة بتدليل نفسها، واهتمامها اليومي برونقها وحسنها.

كانت في فراشها الذي تشاركته لمدة عشر سنوات مع مجيب شان تشرب عصير البرتقال، وتقرأ في مجلتها المفضلة «ماري كلير» آخر استطلاع أجرته صحافية صديقة لها سألت فيه آراء نساء مهمات في المجتمع الباريسي حول النصائح التي يمكن أن يقلنها لبنات جنسهن:

(كوكو شانيل قالت: «ابدإي دائمًا من جديد»، ولانكوم: «يجب أن لا تغطي رائحة العطر على وجود المرأة». وإليزابيت تايلور قالت: «المرأة الجميلة هي التي تهتم بزينتها في كل وقت حتى ولو كانت لا تنتظر أن يراها أحد. وهلينا روبنشتاين أكدت: «أن استمرار الجمال يحتاج إلى صبر طويل). كانت نازك تبدأ نهارها مع بضع رشات من عطر.

أي “سمّ” Poison عطرها الجديد، الذي احتفت به باريس كعطر جديد ويحمل اسمًا غير تقليدي أبدًا.

أنف زميلها وصديقها وارن غوتييه، كان من الأنوف التي اتفقت على تشكيلة من الروائح لتحمل ذلك الاسم. مجيب شان قال: “يكفي أن يحمل عطر ما اسمًا شيطانيًّا كهذا حتى يجذب النساء، لأنه يحرك نوازع الشر الأصيلة لديهن، لم تنسَ قط نظرته الخبيثة والتعبير المرح الهازئ على شفتيه وهو يقول لها ذلك.

قبل معرفتها بوارن لم تكن تميز الروائح كما أضحت في ما بعد. أول قارورة عطر تلقتها في بداية تفتح أنوثتها، كانت عطرًا من بورجوا «سوار دو باريس» (عطر مساء باريس). وقتها لم تكن تعرف شيئًا عن تلك المدينة إلا ما رواه لها من قدّم لها العطر... وعندما غادرت دمشق مدينة آلامها متجهة إلى مدينة أحلامها شرح لها وارن أن هذا العطر بالذات كان يحتوي تشكيلة روائح من: «قرنفل، ورد، بنفسج، كبش قرنفل، نجيل الهند، وصندل». وقتها أقنعها وارن بأن ذلك العطر أضحى موضة قديمة، ويليق بطالبات القانون في السوربون لكن، لا ينسجم مع أنثى تنوي استثمار جمالها... وعليها استبداله.

لمدة عامين في عملها بعروض الأزياء تنقلت بين روائح عدة. أحيانًا تميل لشراء قارورة باهظة الثمن تحمل علامة ماركة شهيرة دون أن تحب الرائحة التي تحملها.

عندما سألت وارن كيف يشكّل العطور؟ أجابها دون تردد: «وفقًا لذكرياتي عن الطبيعة». لا بد أن وارن امتلك حاسة شم مميزة، وأيضًا ذاكرة متميزة فهو ابن مدينة غراس في الجنوب الفرنسي، في شوارعها تتسلق عرائش الياسمين على أعمدة الكهرباء، وتنتشر أحواض الورد على أرصفتها وفي ساحاتها العامة، وتنبسط حقول بنفسجية مترامية الأطراف من الخزامى تحيط بها.

ذات مرة عندما هجرها مارك وانهمك اصدقاؤها بمواساتها كانت كل محاولاتهم عبثًا، إلى أن قال لها وارن ما لم تنسه قط: لكل شهر وفصل أزهاره، الجميع يظن أن الشتاء خاليًا من الحياة بينما شهره القاسي كانون الثاني له أزهاره. «الخزامى» تزهر في هذا الشهر، وتُقطف حتى بداية آذار... كان وارن يكرر عبارة لا تتذكر أي المشاهير قالها: «منحنا الذاكرة لنشم رائحة الورد في كانون».

منذ ذلك الوقت وهي تتذكر عبارته تلك في أحلك ظروفها النفسية...

لصباحاتها تختار الروائح ذات التركيب النضر التي تذكر بأعشاب الغابات والجداول النائية...

عندما سألته كيف تختار عطرها قال لها: «شمة واحدة تكفي لتذكرك بشيء ما... وتبعًا لذلك الشيء قرري.

Page 10

ومن يومها اعتادت تشغيل مخيلتها وحدسها لتختار عطرها.

مجيب شان الذي يملك إحدى المعاطر كان يقول إن الأثرياء هم الزبائن الحذرين، يبحثون عن الشيء الذي يبعدهم عن العموم. حين استثمر بعض أمواله في العطر، كان مدفوعًا بهوسه بالروائح.

كان حادًّا في دفاعه عن تأمين الحماية لمبتكر العطر والماركة التي تستثمره معًا، فيرتبط مصير الجهتين بالعطر نفسه، وهذا برأيه، يخفف من خطر العطور المقلدة. كان يبحث عن المبتكرين الجدد حتى لا يسود الفراغ، مكان المبتكرين الكبار... هكذا، عثر وارن على مكانه كأحد المسؤولين الشميين في معطرة مجيب شان.

«أريد اسمًا يمسكني لا يسمح لي بالانزلاق أو الانحشار». هكذا، صاحت نازك في وجه أول رجل بحياتها وهو يدلعها «نانا» ماهذه السخافة؟! أنتم الرجال تخترعون لنا اسم الدلع لتخففوا من وهج الأحرف وقدراتها... تستكثرون علينا حروف أسمائنا... «نانا « يمكنك أن تطلقه على قطتك يا بيك. لا يمكن أن أسمح لأحد أن يناديني باسم يمحوه الآخرون بسهولة، اسم خافت مثل بصيص قنديل خفي. كانت تريد لمعانًا قويًّا، انبهارًا، غزوًا ضوئيًّا.

ذلك البيك الأول الذي كان في حياتها وهي في السابعة عشرة من عمرها. كان المحامي القادم حديثًا من باريس وهو الذي زرع في بالها فكرة الذهاب إلى باريس، دون أن يقصد ذلك مطلقًا. لمدة سنة وهو يحدثها في كل ليلة عن مقهى فلور، وبار الكوبول... وكل تلك المقاهي التي تطل على سان جيرمان... والنساء الرشيقات اللواتي يمشين في عروض الأزياء، ومنه لأول مرة سمعت عن بيكاسو، الفنان الإسباني الذي تجلس أمامه النساء عاريات ليرسمهن بهيئة مكعبات، ومنه سمعت عن دورا مار، ملهمته، وقامت بقص كل صورها من المجلات التي تحتوي صورًا للوحاته وكانت مغرمة بملامح دورا مار الباكية المتفجرة، ذلك المحامي أذهلته ذات مرة نازك التي لم تكن قد تجاوزت السابعة عشرة من عمرها وهي تقول بينما تتمعن في ملامح لوحة رسمها بيكاسو لدورا مار: “إنها تشبه كل النساء إنها حقيقتنا جميعنا بنات حواء”.

المحامي كان مع كل كتاب جديد ينصحها به يفتّح عينيها على شيء جديد. كان مغرمًا بالفن، ولم تجد حرجًا في التعري أمامه ليرسمها. قدّس جمالها، كان يقبلها من رأسها حتى أخمص قدميها وهو يهمس: ما ألذّك! ما أجملك! لكنه عندما طلب منها الزواج، رفضت. وحين سألها تبرير رفضها بعد أن وعدته أن تكون زوجة له. قالت له: “وقتها لم أكن قد اكتشفت أنني جميلة إلى هذا الحد! أنا أجمل من أتزوجك!

نازك ولدت في قصر فاخر من الرخام والمرمر على سفح جبل قاسيون، له إطلالة ساحرة على دمشق.

كانت الأخت الكبرى لأخوات لا يطقن وجودها في حياتهن.

ماتت أمها أثناء ولادتها، وتزوج أبوها بأخرى. وتلك أنجبت خمس بنات ولم تنجب الوريث الذكر الذي تنتظره كل عائلة شرقية.

لا يمكن اعتبار شقيقاتها قبيحات أبدًا، إلا إذا وقفت نازك بينهن. عندما وصلت باريس، كانت نازك الفتاة الوحيدة في السوربون التي لا تمتلك، في السكن الجامعي، صورة عائلية. فقط صورة واحدة تجمعها مع أبيها.

زوجة الأب وصفت ابنة زوجها، نازك الجميلة، بالوقحة والفاجرة. لكن ذلك لم يبعد العرسان عنها ولا يمرّ أسبوع، إلا وزوجة الأب مضطرة لتحضير استقبال لخاطب جديد.

نازك كانت قد وضعت في بالها فكرة مغادرة دمشق إلى أي مكان في العالم لا توجد فيه زوجة أبيها. لهذا، لم تكن تكترث للخطّاب. وفي كل مرة تجد عذرًا لرفض خاطب جديد يطرق بابها. وفي الوقت نفسه تحاول إقناع أبيها بفكرة كان يرفضها تمامًا، ولم يوافق قط على فكرة ذهاب ابنته لدراسة القانون في فرنسا عند خالها الذي يعيش هناك مع زوجته الفرنسية.

زوجة الأب أخيرًاً سهلت مخطط الجميلة نازك، دون أن تدري أنها ستلعب دورًا حاسما بتحقيق أحلام الفتاة. وذلك عندما استأجرت رجلًا يقفز الى شرفتها ليلًا بحيث يراه الحارس وتضمن فضيحة لنازك. حدث بالفعل ما خططت له، زوجة الأب، وبكت نازك بكاءً مرًّا وهي تنكر أنها تستقبل رجلًا غريبًا في غرفتها ليلًا. بعد أن حبسها أبوها ليلتين متتاليتين وفكر مليًّا بحلّ جدي لابنته العنيدة، قرر إرسالها إلى فرنسا حيث يمكن أن تكمل دراستها.

لكنه لم يفطن أبدًا إلى أن ابنته تريد الذهاب إلى رسامين يرسمون صورًا سرية بالفحم. وفتيات عاريات يزين كازينوات تصرف أموالًا طائلة على الديكورات، أما الملابس فلا تكلف شيئًا. نازك كانت تحمل «سوفنير» لفتاة عارية من البلاستيك اللدن كانت تلك الفتيات يبعنها على أبواب الكازينوات كان قد جلبها له حبيبها المحامي، أيضًا تذاكر لدخول دور سينما تعرض الأفلام الإباحية المكشوفة، وكل روادها من أهل قرى فرنسا والعرب. كان المحامي قد التقط صورًا كثيرة في باريس في شارع فيفين حي الصحافة في باريس ونادي كارول في الشانزليزيه، وفي مقهى بيونت للوجبات السريعة في الحي اللاتيني، وقوس النصر في ميدان الإتوال... كل تلك الأماكن التقطت فيها صورًا وأرسلتها إلى أبيها الذي أعجبته صورة لها مع السناجب في غابة بولونيا قام بتأطيرها بالموزاييك وتعليقها في مكتبه.

نمرّ بلحظات حلوة أو قبيحة، لطيفة أو لئيمة عادية أو مبتكرة، يمكن أن نراها بومضة خاطفة... لولا بكرة الفيلم لما تمتعنا بشكل جديد من الاتصال مع الماضي غير المخيلة، بواسطة الصور نقلب صفحاتنا الفذة المدهشة التي أحرزناها. مع مرور الزمن نعاملها كتحف فنية بعاطفة قمعية وجائرة، وكل صورة مر عليها يوم واحد بمثابة حزن.

يظل القلب “الفلتر” الأخير لصور ذاكرتنا. هكذا، تعلمت نازك من الحياة: فما يقوله القلب صحيح بالمطلق. لأن الشجاعة مسكنها القلب، وعندما نكون شجعانًا، فإن قلوبنا صادقة لا تقوى على الخداع.

نازك كثيرًا ما كانت تتصفح صورها القديمة وتشاهد نفسها وافقة بحضن الماضي وتعترف لنفسها: نعشق فنزهو بأنفسنا ونفقد أدنى شعور بالاعتدال، لطالما أضاعت بوصلتها كلما عشقت. بعض الصور تبدو كأمنية متقدة... جميل أن يسمح لنا اختراع مثل الكاميرا بنسخ لحظاتنا بدقة آلية، فنحصل على ما يشبه الاكتمال الذي نتعطش إليه فقط في الصور: مبتسمين أنيقين نرتدي ابتسامة محددة، تمامًا كما نرتدي ثيابًا بعينها، لأجل التقاط صورة. مع الوقت وبعد كل قصة حب مخيبة تصبح وجوهنا أقرب إلى الحقيقة. نواجه أنفسنا، الحب يزيد من عيار الشجاعة فنصفع أنفسنا بحقائق مرّة لكننا نتذكرها لنتفادى عيوب الحب القادم.

أمام ألبوماتنا نعترف بالشوق المسلّم به لأيامها الفائتة.