Page 1
ضحكة
قال (مشمش) لوالدته:
- كنت أتمنى أن أعيش في العصور الوسطى
- حقًا؟! ولماذا؟!
- لتكون دروس التاريخ التي يجب أن أستذكرها أقل!
مجلة ميكي
العدد 17/60- 03/ديسمبر/1993
Page 2
شخصيات الرواية
منصور ماشي السالمدار
هنية: زوجته الأولى
ختام: زوجته الثانية
بلقيس: زوجته الثالثة
يحيا: ابنه من بلقيس
شاكرين وصابرين: ابنتاه من هنية
توفيق وصلاح ونجاح وفلاح: أولاده من هنية
عدنان وقحطان ونعمان وغسان وعمران وعبد الرحمن: أولاده من ختام
عبد الملك: الجار الفنان
ملائكة وناي وليلك: بنات الفنان
كحيلة: جارة
الأب والابن والمستشار
Page 3
(1)
في نهاية القرن العشرين وأواخر العصر التلفزيوني الوسيط، وهو العصر الذي يقع بين أيام أورزدي باك وليالي الستلايت، أي العصر الذي يقع بين أعوام الموسكوفج وسنوات المنيفست، وَلدت بلقيس بنورة ابنها يحيا منصور ماشي السالمدار، فكان أبرع جمالاً من إخوته العشرة الذين سبقوه وأوفر حظًا من أختيه التوأم اللتين لحقتاه، إذ قضت واحدة منهما في رحم الأم مختنقة ووُلدت الأخرى نصف منغولية ملساء لا تفهم ولا تكف عن الابتسام·
جاءها المخاض في ليلة كانونية مظلمة، فولدته على سجادة تغطي الأرض في غرفة النوم، وقطعت حبل الخلاص بيديها في ضوء لالة مكسورة زجاجتها متروسة بالسخام، فلم تر وجهه النوراني النحيف جيدًا في تلك اللحظة العصيبة، ولا رآه أبوه منصور الذي كان يخوض في المياه الطامية بين أرض الكويت وأرض العراق، ولكن زوجات أبيه جئن إليه بعد أن توقف القصف بين غارة وأخرى، وصدحت صافرة الأمان، ورأينه نائمًا في المهد في نور الصباح الكانوني القادم من النافذة؛ فقالت واحدة للأخرى:
- ما أجمله طفل اللالة!
فسمعهن يحيا وابتسم، وبكى طلبًا للحليب فتناوبن على إرضاعه واحدة تلو الأخرى، وطابت نفسه بتذوق نكهات شائقة من الحليب يأتيه من أطباق ناعمة شهية الرائحة، والتذّ عيشًا بطعامه الهني، ونام في الأحضان نومًا رغيدًا لم تنل منه أصوات القذائف أو هدير القاصفات ولا أناشيد الفتى الوسيم توفيق منصور، ابن أبيه من هنية ضرّة بلقيس، والذي كان يصدح بها كل يوم في حديقة الدار بعد أن يأكل ويشبع، ويخرج إلى الشمس المشرقة·
بعد ذلك اليوم بسبعة أيام، أي في اليوم الرابع من شباط، ولدت هنية أم توفيق وضرة بلقيس توأمين من بطن واحدة، إحداهما ماتت فدفنوها في الخرابة بجوار بيتهم بعد أن سجلوها في شهادة الوفاة باسم صابرين، وأخرى لا تبكي ولا تجوع ولا تكف عن الابتسام، فحمدت هنية الله على نعمته وشكرته على تلك الحال وعلى كل حال، وأسمتها شاكرين باقتراح من جارها الفنان الذي وجد فى الاسم تهكمًا صارخًا على البلاد التي تسببت في موت الصغار وخراب الديار·· فأرسلت لهم بدل الضفادع والجراد والعناكب، الطائرات والقاذفات ودبابات التشالنجر والقنابل الذكية والعنقودية والألوية المجوقلة والقوات الخاصة وحاملات الطائرات والغواصات والقاصفات والسفن البرمائية والصواريخ العابرة للقارات والبراري والمحيطات·
بعد أربعين يومًا امتلأ فيها الخل دودًا، وانقطع طمث النفاس، وبتروا ليحيا غرّلته، وانفض عزاء منصور ماشي السالم دار الذي لم يعد من حفر الباطن إلى بيته قط، أرضعت بلقيس ابنها يحيا لبنها مرًّا وهي مغثوثة، فراح يتقلب في فراشه من الوجع ولا يكف عن الصراخ ليل نهار إلا عندما تأخذه إلى حضنها وتمشي به قليلاً بين الحجرات، فيهدأ لحظات معدودات ثم يعاود بكاءه العالي وهو يتلوى ألمًا من جديد· ضرتها هنية قالت لها إن هذه حرقة الحليب وأوصتها بالقونداغ وبأن تعطيه السبع مايات حتى تهدأ نفسه وتطيب آلامه، فاشترت بلقيس له اليانسون والبابونج والهيل والكمون والسعدة والورد ماوي والهندبة والمستكة وطلع النخل والبطنج·· وجمعتها، حسب ما قالت لها هنية، في إناء مليء بالماء وغلتها على النار مع ورق الياس والجوري وقشور البرتقال لحين أن فارت وتصاعد منها البخار، ثم راحت تسقي منها يحيا وهي باردة بملعقة الشاي فيعكنش وجهه الطري كلما مست الملعقة فمه، ثم سرعان ما يتمطق بها لسانه الغض على مهل، ويحتسي رشفة رشفة حلاوة ما يوجد فيها من ماء قراح· عندئذِ تهدهده بلقيس وتطبطب على كتفه وتجلب له النعاس بترنيمة تقول:
Page 4
ديلّلول يا الولد يا بني ديللول
عدوك عليل وساكن الجول
فيسمعها يحيا ويبتسم، ثم تغفو عيناه رغدًا وراحة، وعندما تكف أمه عن الغناء يفتح عينيه من جديد بصعوبة وهو يقاوم النعاس بقوة لكي يبقى في حضن أمه ويجعلها تغني له من جديد·
لكن ساكن الجول لم يكن عليلاً ولم يكن يعلم بأمر يحيا الذي نذرته أمه من الله في يوم زكريا، ثم ولدته في الثامن والعشرين من كانون الثاني من العام الذي جاء به أصحاب الفيل إلى الديار، فكان كلما وقف ساكن الجول أمام المرآة سألها:
- يا مرآة الجدار·· يا مرآة الجدار··
من أقوى الرجال في هذي الديار؟
فتقول له:
- أنت·
فينتشي ساكن الجول وينتعش ويحدث نفسه قائلاً إن الوقت قد حان لكي يعاود البحث عن الماء في السطح الجليدي لكوكب المريخ، ويقطع ملايين الأميال الضوئية من طريق محفوف بالمخاطر للوصول إليه· وقال أيضًا إن دولاب أضواء الدنيا قد دار على اليوم الذي جلس فيه الدب الأحمر مع الأفريقي الأبيض، وقال له وهو يحكّ جبهته الموشومة بالمنجل والمطرقة: لم أعد عدوك، فابحث لك عن عدو جديد·
ولم يكن في بيت يحيا مرآة سوى كسرة صغيرة تضعها أمه على نافذة المطبخ المناظرة لحوض الغسيل، وأحيانًا تنقلها إلى حقيبتها قبل أن تخرج إلى دوامها اليومي في (بدالة الشعب) حيث تواجهك عند دخول المبنى وهي تقف خلف رف خشبي طويل ينتهي بميزان·· وتصل إلى عملها يوميا بحافلة زرقاء قيل إنها قارونية جاؤوا بها من أرض المعارض عند غزو الكويت·· مريحة جدًا عندما تسير وتؤرجحهم فوق طسّات الشوارع بسلاسة دودة القز السمينة التي تدور بالأطفال صاعدة نازلة في قفصها الأزلي، الذي تعرفه أجيال وأجيال ظلت تذهب وتجيء إلى مدينة الألعاب القريبة من سوق الثلاثاء لتركب هذه الدودة التي لا تموت·
هذه السيارة يسمونها الخط وفيها فقط تدع بلقيس الربطة السوداء تنزلق من على رأسها فتتحول من أم يحيا إلى بلقيس، البلورة السمراء الجميلة التي تنظر من النافذة المفتوحة على العالم، فتشعر مع كل نسمة هواء تهب عليها أنها تحيا وتولد للتو، وأن الشيب قد اختفى من شعرها الكستنائي الناعم المتطاير في الهواء وأنها عادت طفلة من جديد·
Page 5
في الخط خرز وعطور وقرّاصات
تسبح في الهواء الطلق
في الخط سحابة ثرثرات
عن أنطونيلا
ومانويلا
وفرانسيسكو ساليناز
في الخط
دجاجاتهن تأكل وتنام فقط
ودجاجات الجيران تبيض
في الخط
فيروز تروي قصة عذاب
وحب وحكاية غرام
في الخط
عيون تضبط الوقت
كلما مرت بها ساعة الجامع
في الخط
شوارع تُفنى كل يوم
في عيون تراها
ولكنها في اليوم التالي
تعاود الدخول من النوافذ
لتُفنى من جديد!
كل يوم في الساعة الثامنة وعشر دقائق يتوقف الخط عند باب البدالة، فتحكم بلقيس بنورة شد الربطة السوداء فوق رأسها وحول وجهها وعنقها، وتتحول جميلة الجميلات من نبيلة عبيد إلى أم يحيا التي تضع مئة صورة لصدام في جرارها تتناقص كخلالات العبد وهي تضع الطوابع على المظاريف، وصولاً إلى الضحى الذي تفوح منه روائح الباذنجان المقلي والشاي الخدران، فتهوي القلوب مع مذياع منتهى الذي يهوى انتخاب الأغاني التي تذوب لها القلوب من أدري بيك مشغول بهوى الأسمر إلى أغار من الهوا لو لاعب زلوفك خايف من عيون الناس لا تشوفك · وذلك هو وقت الصباح الذي كانت تتشارك فيه منتهى مع بلقيس في فطورها الصباحي وفي أغاني رياض أحمد ورضا علي وعفيفة إسكندر، قبل أن يولد يحيا بأعوام، وظلت تشاركها فيه بعد ولادته بسنوات عجاف عدة اختفت فيها الخردة من الجزادين، والطائرات من السماء، والحلوى من الأسواق، إلى أن جاء اليوم الذي تفوهت فيه منتهى باسم (لافاش كيري)، فهلعت بلقيس وفزّت· وفي اليوم التالي لاحظتْ بلقيس أن منتهى تضع في أذنها قرطًا من الذهب الحقيقي يتدلى بالقرب من شعرها كالثريا، فانكمشت وضجت ورفضت لوحًا من الشوكولاته مصنوعًا من الكاكاو الخالص طلبت منتهى أن تأخذه ليحيا بدلاً من أصابع التمر وشرائح القمر الدين وحب الشمسي قمر· منذ ذلك اليوم اعتزلت بلقيس فطورها الصباحي مع منتهى، وبدأت تتجاهلها وتتحاشاها كلما جاءت في الضحى بإبريق الشاي وقدمت لها مثلثًا من مثلثات الجبنة المطبوخة أو جعلت من يحيا حجتها لعرض علبة زرقاء معدنية من البيبسي كولا كانت بلقيس قد رأتها لأول مرة في حياتها، وهي معروضة في إعلان ورقي يغطي زجاجة باب النجار، ثم رأتها ثاني مرة محمولة بيد منتهى التي تدندشت هي الأخرى بسوار ذهب اعتقدت منتهى في بادئ الأمر أنه ليس ذهبا، ولكن تبين فيما بعد أنه من العيار الواحد والعشرين قيراطًا، وأن حبات النمنم الأحمر التي تزينه هي من حجارة ثمينة اسمها الياقوت·
Page 6
(2)
في يوم من الأيام نسيتْ بلقيس بنورة أن تضع كسرة المرآة في حقيبتها فاقترب منها يحيا والتقطها من المنضدة ونظر فيها مليًا، فاهتزت المرآة بين يديه وتحركت حتى كادت تجرحه لولا أن هرعت إليه هنية، ضرة بلقيس ورفعته من الأرض ثم مسحت زجاجة المرآة بدشداشتها الململ ووضعت المرآة أمام وجهه بشكل صحيح، فابتسم يحيا طويلاً وراح يطلق الكركرات أمام المرآة ثم يسعل من شدة ما ضحك وكركر، فنظرت إليه هنية مليًا في وجهه وظلت تنظر إليه وتواصل النظر ويحيا لا يكف عن الضحك والسعال· قالت له:
- ما بك؟·· ها·· ما بك؟
ولم يجبها يحيا الذي كان قد تأخر كثيرًا في الكلام، فخرجت به إلى الحديقة حيث كان أخوه من أبيه، توفيق منصور ابن هنية، يغني عبرت الشط على مودك·· خليتك على راسي، فقالت له أمه هنية:
- خذ يحيا بقربك، ولا تدعه يبكي·
ثم راحت هنية أم توفيق تطعم دجاجاتها العزيزات التي ما إن ارتفع سعر البيضة من عشرة فلوس إلى عشرة دنانير، وجب تكثيرها باستقدام ديك هراتي حسن الصوت يصول ويجول في الحديقة، وينطلق أحيانًا كالسهم إلى داخل البيت كلما رأى باب المطبخ مفتوحًا· قالت هنية ليحيا دون أن تلتفت إليه:
- تعال وشوف، يايحيا·· تيتي··
ولم يجبها·
- تيتي·
ولم يجب· فالتفتت إليه ووجدته غارقًا في مرآته المكسورة التي أخذها منه توفيق في تلك اللحظة، وهو يقول له:
- إنها مكسورة·· ستجرحك!
بكى يحيا وتشبث بها، فقالت له هنيه:
- لا فائدة·· عناده كعناد الخنفسان·· سألفها له بقطعة قماش لكي لا تجرحه·
فضحك يحيا وطابت نفسه ومد يديه لهنية زوجة أبيه التي كان يحبها أكثر من أمه، حتى تحمله من على الأرض بعيدًا عن توفيق·
Page 7
كان توفيق هذا ما إن يعود من المدرسة حتى يجلس في الحديقة ويغني بينما إخوته الثلاثة، صلاح وفلاح ونجاح في أعمالهم·· وأمه هنية هي الضرة الأخرى لبلقيس أم يحيا، وهي التي نصحتها بعد أن مات أبوه منصور بأن تعيش معها وتترك يحيا في رعايتها وتعود إلى العمل، فوافقت بلقيس وقالت:
- في بيتك هذا وضعت دبوسًا في شمعة من شموع صينية زكريا، وطلبتُ يحيا من الله·· فكيف لا أعيش معك وأنت لي كالأخت للأخت؟
فقالت هنية:
- ألف رحمة ونور تنزل على روحك يا منصور·· تركت لنا سقفًا يؤوينا، أما الجوع فمقدور عليه·
ثم مضت الأشهر عجافًا، وأصبح معجون الطماطم يباع في قوارير سعر الواحدة منها يصل إلى مئات الدنانير، فقلعت هنية الورود في حديقتها ونثرت بدلها بذور الفلفل والطماطم، ثم وضعت في وسط الحديقة خيال مآتة ليخيف العصافير و يذود عن بذورها التي لم تنبت قط· وهنية عندما انتهت من إطعام دجاجتها وأدخلتها إلى القف غمّت خيال المآتة بيديها وقالت له:
- من عابت هيج لعّابة خُضرة·
فارتطمت يدها برأسه، وكادت كرة القدم الملفوفة بخرق بالية أن تسقط إلى الأرض، ابتسم يحيا ومد يده لبلقيس التي عادت لتوها من العمل، وهي الوحيدة التي يتنازل لها يحيا عن مرآته، لأنها تهدده بكسرها إذا ما امتنع عن الامتثال لأوامرها·
أحيانًا يطيب لتوفيق أن يقرأ القرآن بصوت عال وقت الظهيرة، أو ينضم إلى المؤذن وهو يعلو بالآذان من جامع قريب، فتلسعه معدته من الجوع، ويتمرغ أنفه برائحة الباذنجان المقلي تطبخه بلقيس أم يحيا ريثما تنتهي أمه هنية من تقطيع عجين الخبز وسجره في التنور·· وتلك لحظات كان توفيق يتمنى لو أنها لا تنتهي·· وأن يشربها كالماء البارد بعد العطش قبل أن يجيء إخوته صلاح وفلاح ونجاح من العمل، فيمتلئ البيت رعبًا في عينيه وتعيث به أصواتهم صخبا وشتائم· وإذا ما ضاقت الدنيا بعينيه يصعد إلى السطح لعل (ملائكة) تصعد إليه أيضًا فيبصرها جالسة وقد غيّرت ملابس المدرسة بملابس البيت، تتجاهله عن عمد وهي تعلم بلا شك أنه في مكان ما ينظر إليها ويبتسم· وأحيانًا تمر غيمة بيضاء من فوقها فتحجب شمس الخريف الخدرانة وتطفئ الضوء عن الحديقة فيذوب قلب توفيق ويصير ماءً، ويدور رأسه ويصير هواءً وينتقل الصمت بأكمله من الكون إلى الحديقة، وينتقل الورد بأكمله من الحديقة إلى الكون·· ويصير السطح جنة، فإذا ما خرج أبوها الفنان إلى الحديقة غابت الملائكة وهجت وحل محل الصمت ضجيج وسعال وشياطين·
Page 8
جاءت له أمه بقرص من الخبز الحار وقالت له كله ريثما يجهز الغداء، فراح يقرأ المقام ويغني:
أقول وقد ناحت بقربي حمامـة أيا جارة لو تشعرين بحالـــي
أيا جارة ما أنصف الدهر بيننــا تعالي أقاسمك الهموم تعالي
ناي أخت ملائكة طرقت الباب بعد قليل طلبًا للخبز، ثم دخلت وقت العصر ومشت تحت دالية العنب·· وظلت تمشي وتمشي وتمشي وتمشي·· إلى أن أصبح عمر يحيا خمس سنوات، وبلقيس خمسًا وثلاثين، وهنية ستًا وخمسين· قالت لها (ناي):
- ألا زلت تخبزين يا خالة؟
فأخرجت هنية ركبتها وراحت تئن وقالت:
- إنها تؤلمني·· الروماتيز سوف يقتلني·
فقالت ناي ليحيا:
- ألا زالت هذه المرآة معك؟
ضحكت بلقيس وقالت:
- انكسرت من زمان، فلففناها له بضماد·
تجاهل يحيا صوت المرأتين ثم أخرج لسانه للهواء وتمتم بأصوات غير مفهومة، فقالت ناي:
- المسكين بعده أخرس·
فقالت بلقيس:
- سقيته فوح التمن ودرتُ به على الشيوخ والأولياء الصالحين، ويوم أمس فقط أخذته إلى شريعة النهر في خضر إلياس ومن هناك إلى عين ماء علي في جامع براثا·· يقولون إنها تشفي الأطفال من الخرس·
- ترى لماذا تأخر إذن في الكلام؟
فقالت بلقيس:
- أرضعته وأنا مغثوثة·· يقولون إن هذا هو السبب·
أدار يحيا لهما ظهره ثم رفع المرآة ونظر إليها وتثاءب، فانغلقت عيناه بقوة ثم انفتحتا وظل ينظر وينظر وينظر ويبتسم إلى أن خرجت (ناي) ومعها أقراص الخبز الذي، بالرغم من لونه الأسود، كانت تعط منه رائحة طيبة · وقبل أن تصل إلى الباب صاحت بها بلقيس فجأة وقالت:
- انظري·
Page 9
فالتفتت ناي الى يحيا والتفت يحيا إلى بلقيس والتفتت بلقيس الى التلفزيون، وفيه وجدوا كيكة عملاقة غرقى بالفستق الأخضر ومصنوعة على شكل شجرة، والأطفال من حولها يرتدون ملابس زاهية ويغنون (هابي بيرث داي تو يو·· هابي بيرث داي يا مناضل·· هابي بيرث داي تو يو) والكيكة تلك المخلوقة العجيبة تجلس في مكان كبير بين الأطفال الذين يرقصون بينما يحيا ينظر اليهم وقد نامت المرآة بين يديه· خرجت ناي وسارت تحت دالية العنب فالتقاها توفيق الذي كان عائدًا لتوه من المعهد، فظنها (ليلك) التي زجرها منذ عامين وهي أيضًا ظنته (صلاح) الذي هاجر إلى الدانمارك قبل أشهر، فجفل كل منهما عندما رأى الأخر·· واشتد هرج الطيور بين أغصان السدرة العملاقة لأن الشمس كانت توشك على الغروب·
ناي وملائكة وليلك هن بنات الفنان عبد الملك، وأبوهن قال ذات يوم إن الأسماء كالعتبات والجبهات نحسٌ وسعدٌ على أصحابها وعلى الآخرين، وقال أيضًا إن الأسماء المعتبرة لا يبتكرها العوام من الناس وإنما يسعفنا بها عليّة القوم، فيلتقطها الجمهور ويتداولها إلى أن تبهت وتعتق وتصبح كالمماسح المهترئة من كثرة ما تستعملها الألسن، فيجيء آخرون ويبتكرون غيرها، فيسبقون غيرهم في امتطاء الصهوات ويتركون العجاج للآخرين، وقال أيضًا على سبيل المثال لا الحصر إن أسماء مثل عالية ونازلي وصباح وفرح وهلا وحلا، هي سعادات لم يكن لها سميٌّ بين الناس قبل أن يعرفوها من الملك والشاه والعاهل والخديوي ورئيس الوزراء، ولولاهم ما شاعت وتداولتها الألسن·
قالت ناي لتوفيق:
- متى عدت من السفر؟
قال:
- لم أسافر قط·
قالت:
- من سافر إذن؟
قال:
- صلاح·
قالت:
- وأين هو الآن؟
قال: في الدانمارك·
Page 10
فقالت ناي:
- ما الحكاية؟ أكل واحد في العراق عنده أخ بالدانمارك؟
فأخبرها توفيق بأن تاقت أنفس كل من صلاح ونجاح وفلاح إلى الطيران بعيدًا عن العش بعد أن ملّ أولهم من بيع الملابس الداخلية على الرصيف، وثانيهم من نفخ التراب عن السيارات ثم قيادتها من المنفاخ إلى عتلة الرفع، وثالثهم من بيع البلابل في سوق الغزل·· فطاروا وحطوا في بلاد الله البعيدة ما عداه وعدا يحيا، طائع الأرض الذي أخذته أمه بلقيس قبل يوم إلى عين ماء في جامع براثا يقولون إنها تشفي الأطفال من الخرس، ونصبت له اليوم صينية زكريا كما في مثل هذا اليوم من كل عام، ومنذ اليوم الذي طلبت فيه يحيا من الله في يوم زكريا قبل خمسة أعوام·
ولما كان البيت قد أمحل ولم تجد أمه ما تضعه في صينية الزكريا سوى قليل من ورق الياس وإبريقه الفخاري القديم، الذي زرعت في فمه حفنة من الشعير، فقد جاءت لتوفيق الذي عاد إلى الغناء بعد أن ذهبت ناي، وقالت له وهي تحمل بيدها ورق العنب:
- هلا ذهبت إلى بيت أبو ملائكة وملأت لنا هذا الاستكان سكرًا·
فرفض وقال:
- اشربوا الشاي مرًا· ناي كانت توا هنا، لماذا لم تطلبي منها ذلك ؟
فقالت:
- إنه من أجل أن أرشه على الخبز وأضعه في الصينية بدلاً من الحلوى واللهو·
قال:
- لن أذهب·
فاختنقت بلقيس بالعبرات ونزلت دموعها على ورق الياس، وحدثت المعجزة التي لم يصدقها يحيا قط، بالرغم من أنه شاهدها تحدث أمام عينيه· فقد رأى طاع الأرض وسليل الماء عود الياس وهو يرتوي من دموعها ويتحول من غصن صغير إلى أيكة عملاقة تلتف حولها أغصان هائلة من الفستق الأخضر، وعندما همت بلقيس بالصعود إليها شهق يحيا من الخوف وسمع بلقيس تقول:
- هيا تعال·· بإمكانك الآن أن تصعد·
فنطق للمرة الأولى قائلاً وهو ينظر إلى هنية ليستنجد بها:
- بيبي·
هللت هنية وهبطت بلقيس من القمرية وبيدها عنقود عنب أخضر لمحته معلّقًا بين الأغصان كالثريا، بالرغم من أن الوقت كان خريفًا، فصعدت إليه وقطعته وقدمته إلى يحيا، وقالت وهي تبكي:
- الحمد لله الذي لم يذرك يا يحيا حزينًا·
ثم أفطرت على ماء بير وخبز شعير وتلت سورة مريم من القرآن الكريم ورفعت الشكر إلى الله العلي القدير· ونسيت هنية التى كانت أول من ناداها يحيا روماتيزمها الحاد ووضعت يحيا على ظهرها وراحت تدور به في أركان الحديقة، فتطاير الدجاج من حولها في أركان الحديقة، وسقط خيال المآتة من شدة العصف· وفي اليوم التالي نفضت هنية كونية طحين الحصة عن بكرة أبيها وخبزت أقراصًا من الخبز لفتها بلقيس بالنعناع والكراث والريحان والرشاد والمعدنوس ووزعتها على بيوت الجيران وبنات البدالة، وكلما سألها أحد عن مناسبة خبز العباس قالت وهي تسرح بنظرها إلى بعيد إنها نذرت يحيا من الله في يوم زكريا، ثم جاءها المخاض وحيدةً في البيت والقصف شديد، وولدته في الثامن والعشرين من كانون الثاني من عام الضربة الكبرى، ومات أبوه في الحرب بعد مولده بيوم واحد، ثم وضعت شمعة على كربةٍ من كرب النخل وطوّفتها على نهر دجلة ودفعتها إلى بعيد، فبادلها النهر نذرًا ببشرى، ونطق يحيا في الخامسة من عمره بعد خرس، وكان قبل ذلك يصارع الكلام لخمسة أعوام مضت، ثم في اليوم التالي لليوم الذي أخذته فيه إلى خضر الياس وروته من عين ماء علي في جامع براثا، صعدت إلى القمرية لتقطف له عنقودًا من العنب تضعه له في صينية زكريا، وقبل أن تنزل بالعنقود الأخضر الضاوي شهق يحيا وانفكّت عنه كبسة الخرس· هذه القصة ظلت بلقيس تعيدها وتزيد عليها كلما سألها أحد عن لسان يحيا: هل انفكت عقدته؟·· وعلى المسامع نفسها كانت تعيد وتزيد وتعيد وتزيد، ثم قبل أن تسكت تنتهي إلى القول:
- ولو بيتنا قريب كان جبتلكم طبق حمص وطبق زبيب·