eKtab
EN ع
نبوءات الجائعين : قصائد كتبت في السجون
Read free sample

نبوءات الجائعين : قصائد كتبت في السجون

by د. أيمن العتوم

Page 1

الإهداء

إلى الّذين اسْتعذَبوا قُيودَهم كي لا يَعِيشُوا عَبيدًا···

مَنْ كان ذا قلبٍ فلا يُحابِيَنّ به ظالِمًا···

فإنّ النّصرَ مَع الصّبرِ وَإِنَّ مع العُسرِ يُسرًا···

Page 2

إضاءة

صفحةٌ من كتابٍ لم تُطوَ بعد، وأحرفٌ اتّصل أوّلها فتشّكلت، ولم يتّصل آخِرها، وروحٌ ترى الأفق أضيقَ من أن يتسع لفضائها، وقلبٌ تخضّب بالعاطفة الثّائرة الّتي لا تعرف الهدوء، وإيمانٌ شرّش في خلايا كلّ جارحةٍ أرادت ألاّ تخفض رأسَها مهما كان السّقف الّذي يُحاصِرُ حرّيتها!!

إنّ غُصّةً واحِدةً في مجرى حلقي لا يُمكن أن تشفيَها كلّ أنهار الكون، وإنّ نفثةً واحِدةً من أحزان صدري لو أصابت أهل الأرض لتحوّل الهواء إلى عالَمٍ يضجّ بالأسى··· جئتُ لأقول كلمتي للتّاريخ، وسيحفظها التّاريخ أو ينساها، ليس ذلك مُهمًّا!! المهم أن أقولَها· إنّ الدّفقات الّتي تغلي بين جدران أعماقي لا يُمكن أن أصبر عليها طويلاً، ولا يُمكن أن أخبّئها في أدراج مكتبي، أو أحفر لها شِقًّا في حائط غرفتي؛ كي لا يعثروا عليها عندما يفتّشونها، ولا يُمكن أن أؤجّلها إلى الغد؛ الغد يعني أن تُنافق، إنّ فكرة التّأجيل ليست واردةً عندي أبدًا، إنّها مثل النّسيء زيادةٌ في الكفر··· إنّ كلماتي انبثقت مع هذا الغَلَيان الّذي إنْ لم أفجّره فجّرني، وإن لم أفتحْ أمامه القَنَوات ليأخذ مجراه الطّبيعيّ أهلكني···

إنّ القصيدة الّتي تخرج عن القلب لا منه؛ ليست صادِقةً· السّجن أسدى إليّ نعمةً لم أكنْ لأحوزها لولاه؛ إنّه مسح على قلبي فأحاله بحرًا من الحنان والحنين والرّضى، واكتشف سماء الحبّ فيه، وعلّمني أن أكون مُستمِعًا جيّدًا؛ جعلتُ قلبي صفحةً بيضاء واستمعتُ لهم جميعًا، إنّك لن تستطيع أن تُبادِلهم أمواج حبّك ما لم تُصغِ جيّدًا، حملتُ لإخواني - الّذين تنشّقتُ معهم عبير الحرّيّة رغم الصّفائح الجدرانيّة - جنّةً من الزّهور الفوّاحة، وأقمتُ لكلٍّ منهم فيها حديقةً جميلةً؛ اخترعتُ لهم أسماءَ ورودٍ وزنابِقَ لم يسمعوا بها··· تخيّلوا أنّ الحبّ لا يقف في وجهه شيءٌ، كنتُ أحبّ حتّى أفراد الأمن المكلّفين بحراستنا؛ لم أكنْ أعرف أنّ السّجن يُفجّر في القلب ينابيع الحنان كلّها!!

كنتُ كلّما ازداد الحِرمان الجسديّ ازداد الفَيَضان الرّوحيّ، كم كنتُ مُستمتِعًا بذلك؛ الطّريقة المضمونة والمُحبّبة للتّواصل مع الآخرين··· أوصلتْني القُضبان إلى شيءٍ من الاختِمار المطلوب، كُنّا نقول: إنّنا ثِمارٌ يخرج من السّجن أوّلنا نضوجًا··· شعورنا بالحرّيّة خلف القُضبان كان طاغِيًا، تتسرّب العبوديّة إلى قلوبنا أحيانًا حينَ تُفتح الأبواب جميعها أمامنا، ولا يبقى للقيد ذلك الرّنين المُحَبّب، أو ذلك الألم اللّذيذ··!! شيءٌ من الاقتِناع أنّ السّجن قد يكون في حالةٍ ما هو مكاننا الطّبيعيّ· ليس جنونًا؛ إنّه قمّة الواقعيّة، حرّيّة الرّوح لا تهبها الفضاءات المُطلَقة، وجُدران الزّنازين الانفراديّة لا يُمكن أن تموضعها···!!

أيمن العتوم

11/11/1997م

Page 3

لَنا صُبْحٌ نُؤَمِّلُهُ

يا أُمَّ أَيْمَنَ لا شَكْوَى تُرَدِّينا

إِلاّ إِلى اللهِ؛ إِنَّ اللهَ يَحْمِيْنَا

نَمُوتُ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَحْيا عَقِيْدَتُنا

وَلا نَذِلُّ لِجَبَّارٍ وَطاغِينا

لَقَدْ وَرَدْنا عَلى حَوْضِ الهُدَى شَرَفًا

فَلا السُّجُونُ وَلا التَّعْذِيْبُ يَثْنِيْنَا

لَنا نُفُوسٌ يَهابُ المَوْتُ عِزَّتَها

وَلا تَنامُ عَلى ذُلٍّ مَآقِينا

إِنّا صَبَرْنا عَلى ضَيْمٍ نُساقُ لَهُ

وَإِنْ يَكُ الصَّبْرُ فِي الأَحْشاءِ سِكّيْنا

فَلا تَخافِي لَنا صُبْحٌ نُؤَمِّلُهُ

يَهْدِي السَّراةَ الحَيارَى حِيْنَ يَهْدِيْنَا

أَنا رَضِيْتُ بِما أُوْذِيْتُ مِنْ بَلَدِي

وَكُلُّ جُرْحٍ بِصَدْرِي فاضَ نِسْرِيْنا

أُحِبُّهُمْ ما أَساؤُوا لَسْتُ أَكْرَهُهُمْ

وَهَلْ سَأَكْرَهُ مِنْ شَعْبِي المَساكِينا؟!

إِذا دَعَوْتُ بِإِحْسانٍ دَعَوْتُ لَهُمْ

Page 4

وَقالَ كُلُّ زَفِيرٍ فِيَّ آمِينا

أَوَّاهُ يا بَلَدًا تُشْرَى كَرامَتُهُ

وَيَسْتَبِيحُ حِماهُ المُسْتَبِدُّونا

أَنا الأَسِيُّ عَلى جُرْحٍ يُمَزِّقُهُ

وَإِنْ يَصِحْ كُنْتُ مِنْ بَلْواهُ مَطْعُونا

وَإْنْ يَقُلْ: آهِ··· يَلْمَسْ حَرَّها بِدَمِي

وَإِنَّ كُلَّ الّذي يُبْكِيْهِ يُبْكِينا

أُحِبُّ أَرْضِي وَأَهْلِي وَالهَوَى أَبَدًا

وَذُبْتُ فِي الحُبِّ حتّى صِرْتُ مَجْنُونا

فَلا أَقُولُ: أَساؤُوا لِي، عَلى مَضَضٍ

وَلا أَقُولُ: هُمُ الأَدْنَوْنَ، تَهْوِينا

وَلا أَقُولُ انْتُقِصْنا مِنْ كَرامَتِنا

وَلا أَقُولُ ذُبِحْنا عَنْ أَمانِيْنا

لَقَدْ بَرِئْنا مِنَ الأَحْقادِ يا وَطَنِي

وَكُلُّنا صارَ بِالتَّحْنانِ مَسْكُونا

يا أُمَّ أَيْمَنَ أَجْرٌ لا نُضَيِّعُهُ

وَاللهُ يَخْتِمُ بِالحُسْنَى وَيَجْزِينا

أنا سُجِنْتُ لأَشْعارِي، وَإِنَّ دَمِي

شِعْرِي، وَلَسْتُ عَلَى ما فاتَ مَحْزُونَا

سجن المُخابرات - زنزانة رقم 67

9/9/1996م·

Page 5

كَتَبْتُ فَوْقَ جِدارِ السِّجْنِ

كنتُ أكتُبها على جُدران زنازين المخابرات، وإن كان الذي يكتبها قلبي، وليس أصابعي، ولا الأقلام التي كانت مستحيلة الوجود، وفي الهواء كنت أرسم بعيوني طيفها··· تلك التي لم تتذوّق طعم دمائي على أوراقي حتى الآن وأظنها لن تفعل ذلك يوما، لأن نفسيّتها امتزجتْ بعواصف التّردّد··· تلكَ ميسون···

كَتَبْتُ فَوْقَ جِدارِ السِّجْنِ أَهْواكِ

وَفِي لَيالِيْهِ شاقَ القَلْبَ رُؤْياكِ

شَقِيَّةٌ أَنْتِ ما زالَتْ تُعَذِّبُنِي

وَتَذْبَحُ الرُّوْحَ إِنْ حَنَّتْ لِذِكْراكِ

شَدَدْتُ قَيْدِي عَلَى رُسْغِي فَلَيْسَ لَهُ

أَمْرٌ كَأَمْرِكِ أَوْ أَسْرَى كَأَسْراكِ

وَمَا يُعَذِّبُنِي شَيْءٌ كَذاكِرَةٍ

كانَتْ وُرُودًا فَصارَتْ مَحْضَ أَشْواكِ

إِنْ كُنْتِ فِي الحُبِّ يا مَيْسونُ خاطِئَةً

فَلَيْتَ حُبِّيَ بَعْضٌ مِنْ خَطاياكِ

قَضِيَّتِي أَنْتِ لَمْ أَحْسِمْ نِهايَتَهَا

وَقَدْ شَقِيْتُ بِعُمْرٍ لَيْسَ أَشْقاكِ

فَسامِحِيْني غَدًا يَمْضِي لِطِيَّتِهِ

قَلْبِي، وَتَمْضِيْنَ فِي حُلْمٍ تَغَشَّاكِ

غَدًا سَيَبْرَأُ قَلْبِي مِنْ صَبابَتِهِ

وَإِنْ أَشُكَّ بِأَنِّي سَوْفَ أَنْساكِ

أَنا سُطُورُ دَمٍ ما زَالَ نازِفُها

Page 6

مُبَعْثَرًا فَوْقَ آفاقِي وَأَفْلاكِي

مَيْسُونُ لا تَسْأَلِي يَوْمًا إِذا كُتِبَتْ

لَنا الحَياةُ: لِماذا كُنْتُ أَهْواكِ؟!

ولا تَقُولِي لِمَاذا ذابَ فِيَّ جَوًى

هَذا الجَرِيْحُ الذَّبِيحُ البائِسُ الشَّاكِي

لا تَعْجَبِي إِنْ سَمِعْتِ الشَّدْوَ فِي أَلَمِي

فَإِنَّ صَوْتَ غِنائِـي لَـحْنُهُ باكِ

مَيْسُونُ مَاذا تَمَنَّى القَلْبُ لَوْ بَرِئَتْ

جِراحُهُ بَعْدَ لأْيٍ غَيْرَ لُقْياكِ

لَقَدْ شَقِيْتُ بِأَحْلامٍ أُسامِرُها

جُنْحَ اللَّيالِي وَحَوْلِي طَيْفُكِ الزَّاكِي

رُوحِي عَلَى سُبُحاتِ الكَوْنِ هائِمَةٌ

ولا تُحَدُّ بِأَسْوارٍ وَأَسْلاكِ

لِي قَلْبُ مُنْتَفِضٍ، بِالحُبِّ مُرْتَعِشٍ

وَما شَكَوْتُ، فَنَبْضِي مِنْ هَداياكِ

أَما تَزُورِيْنَنِي فِي السِّجْنِ لَوْ لُفِظَتْ

أَنْفاسُ رُوحِي، وماتَتْ دُونَ مَرْآكِ؟!

أَمَا تَزُورِيْنَنِي لَوْ أَنَّ لِي أَمَلاً

أَنْ يَسْتَبِيْنِي عَلَى أَسْرِي مُحَيَّاكِ؟!!

بَيْنِي وَبَيْنَكِ أَسْوارٌ تُسَيِّجُني

وَأَنْتِ فِيَّ فَسِجْنِي فِي حَناياكِ

يَا حُلْوَةَ القَلْبِ يَا أَنْداءَ عاطِفَتِي

يا لَثْغَةَ اللَّفْظِ، يَا أَشْذاءَ نَجْواكِ

يَا أَصْلَ حُزْنٍ وَأَحْلامٍ مُجَنَّحَةٍ

بَرِيْئَةٌ مِنْ خَيالٍ أَنْتِ أَفَّاكِ

قُولِي، وَقُولِي، وَقُولِي، دُوْنَ أَنْ تَقِفِي

فَما أَرَى الشَّهْدَ إِلاَّ نَبْعُهُ فَاكِ

قُوْلِي كَرِهْتُكَ، أَوْ قُوْلِي أُحِبُّكَ، أَوْ

قُولِي جَهِدْتُكَ عَنْ نَفْسِي وَإِدْراكِي

دَمِي هُنا، وَدُمُوعِي، وَالضَّنَا، وَأَنا

وَالصَّبْرُ يَقْتُلُ إِيْمانِي وَإِشْراكِي

إِذا تَبَرَّأْتُ مِنْ شَوْقٍ يُؤَرِّقُنِي

فَمَنْ لِقَلْبٍ إِذا أَقْصاكِ أَدْناكِ

إِذَا قَصَيْتِ فَقَلْبِي لا يُطاوِعُنِي

وَإِنْ دَنَوْتِ كَأَنَّ المَوْتَ أَحْياكِ

أَمْنٌ يُخَوِّفُني، يَأْسٌ يُؤَمِّلُنِي

قُرْبٌ يُباعِدُنِي، وَالغَدْرُ أَوْفاكِ

فَكَيْفَ أَتْرُكُنِي لِلْهَمِّ يَعْبَثُ بِي

وَالقَلْبُ تَقْذِفُهُ أَمْواجُ شَكَّاكِ

خَلْفَ السَّحابِ غُيُوبٌ لا قَرَارَ لَهَا

مِنْ غَيْهَبٍ فِي ثَنايا النَّفْسِ أَخْفاكِ

هِيَ الحَياةُ جَزَاءٌ فِي تَبَدُّلِها

فَمَا أَرَاحَكِ يَوْمًا صَارَ أَضْناكِ

سَتُقْتَلِيْنَ كما قَدْ كُنْتِ قَاتِلَةً

وَسَوْفَ تَبْكِيْنَ يا مَيْسُونُ قَتْلاكِ

سجن المخابرات / زنزانة 95

11 / 9 / 1996 م ·

Page 7

نُبُوءَاتُ الجَائِعِين
(1)
سَتَمُرُّ أَعْوَامٌ كَأَعْوَامِ الرَّمَادِ على بِلادي
لا شَيْءَ غَيْرَ الجُوعِ ··· وَالفَحْشَاءِ ···
وَالأَحْزَابِ ··· وَالفِرَقِ العَدِيْدَةْ
سَيَمُرُّ مَنْ أَكَلُوا التُّرَابَ عَلَى البَيَادِرِ
ثُمَّ يَبْتَدِئُونَ أُغْنِيَةَ الحَصِيْدَةْ:
نَحْنُ العَجِيْنَةُ لِلْحُكُومَاتِ الرَّشِيْدَةْ
وَسَيَهْتِفُونَ بِرُوحِ قَائِدِهِمْ وَأَيْدِيْهِ المَدِيْدَةْ
وَسَيَجْلِسُونَ عَلَى الحَدِيْدَةْ
وَسَيَهْتِفُونَ··· وَيَهْتِفُونَ···
فَمَا أَجَادُوا غَيْرَ تَصْفِيْقٍ لأَصْحَابِ السَّعَادَاتِ السَّعِيْدَةْ
وَسَيَشْرَبُونَ دِمَاءَ عِزَّتِهِمْ
وَيَقْتَتِلُونَ مِنْ أَجْلِ الكَرَامَاتِ الفَقِيْدَةْ
وَتَنِزُّ مِنْ جُرْحِي عَلَى جُرْحِي إِلى جُرْحِي القَصِيْدَةْ
مِنْ أَيْنَ تَبْدَأُ في بِلادِ الخَوْفِ سَابِقَةٌ حَمِيْدَةْ
يا ثَوْرَةَ الجُوعِ المَجِيدَةْ
يا ثَوْرَةَ الشُّرَفاءِ لا··· لا أَصْفِياءَ هُنا···
تَفَرَّقَ بَيْنَنَا لَـحْمُ القَبائِلِ
كُلُّنا فِي المَعْمَعَةْ
لا أُرْدُنِيُّونَ انْتَهَوْا
سَقَطَتْ عَباءاتُ العَشِيْرَةِ
وَانْتَهَى شَعْبٌ تَمَرَّسَ فِي النِّضالِ لَهُمْ وَوَاجَهَ مَصْرَعَهْ
هُمْ يَشْرَبُونَ مَدامِعَهْ
هُمْ يَصْنَعُونَ فَجائِعَهْ
هُمْ يَسْرِقُونَ مَواقِعَهْ
هُمْ يَنْحَرُونَ أَضالِعَهْ
هُمْ بَيَّعُوا أَوْطانَهُ وَمَرابِعَهْ
وَيُوَقِّعُونَ عَلَى انْتِهَاءِ الـمَوْقِعَةْ
وَسَيَقْرَعُونَ لِنَخْبِهِمْ حُمْرَ الكُؤُوسِ الـمُتْرَعَةْ
هُمْ ضِدَّهُ أَبَدًا ···
وَأَكْثَرُ مَا يُعَذِّبُ أَنَّهُمْ حُسِبُوا مَعَهْ
 

Page 8

(2)

حَقٌّ يَضِيْعُ ولا يَعُودُ

الحَقُّ يُنْتَزَعُ انْتِزاعْ

هَذَا أَنا···

شَعْبٌ يُعَذَّبُ فِي السُّجُونِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ

ثُمَّ يُسْلَبُ دُونَهُ حَقُّ الدِّفاعْ

هَذَا أَنا···

دَمْعِي··· دَمِي··· أَهْلِي··· بِلادِي···

كُلُّهُمْ رَهْنُ الضَّياعْ

هَذَا أَنا··· ما زِلْتُ أَعْرِفُهُمْ

لَقَدْ خَرَجُوا جَمِيعًا مِنْ جُحُورِ الغَرْبِ

قَدْ شَرِبُوا حَلِيبَ الغَدْرِ مِنْ ثَدْيِ الضّباعْ

لَمْ يُنْكِرُوا أَبدًا···

وَأَجْبَنُهُمْ تَعَرَّى مِن نُصوصِ الدَّوْرِ فَوْقَ المَسْرَحِ القَوْمِيِّ

أَعْلَنَ أَنْ لَهُ نَسَبٌ يَمُتُّ لِقَيْنُقاعْ

وَتَبَرَّأَتْ مِنْهُ ثِيابُ النّاسِكِيْنَ

وَفارَقَ الوَجْهَ القِناعْ

هُوَ يَا أَبِي

أَنّا سُحِبْنا - دُونَ أَنْ نَدْرِي - لِساحاتِ النِّزاعْ

هُوَ يا أَبِي···

قَدَرٌ يُلاحِقُنا وَمَا عَلَّمْتَنِي مَعْنَى الرُّجُوعِ ولا الخُضُوعِ ولا الخُنوعِ

بَلِ انْدِفاعٌ لانْدِفاعْ

هُوَ يا أَبِي···

لَيْلٌ وَجِئْنا كَيْ نَكُونَ لَهُ الشُّعاعْ

البَحْرُ هاجَ بِنا···

السَّفِيْنَةُ ضِدَّنا···

الأَمْواجُ تَبْلَعُنا···

يَدُ الأَرْياحِ تَرْفَعُنا··· وَما ارْتَفَعَ الشِّراعْ

إِنَّا نَهُمُّ غَدًا بِتَأْصِيلِ الوَداعْ

Page 9

(3)

مِنْ أَيْنَ قَالُوا عَنْكَ تَقْتُلُهُمْ ···؟!

وَفي كَلِمَاتِكَ الخَضْرَاءِ رَائِحَةُ الحَيَاهْ

مِنْ أَيْنَ قَدْ سَحَبُوا اعْتِرَافًا مِنْكَ

أَنَّكَ ضِدُّ تَشْرِيْعِ الإِلَهْ ؟!

وَهُمُ الذينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَالتَّارِيْخَ وَالشَّعْبَ الضَّعِيْفَ

وَيَسْكَرُونَ عَلَى دِمَاهْ

مِنْ أَيْنَ صَارَتْ كِلْمَةُ الأَحْرَارِ خَائِنَةً ···

وَصَارَ الشِّعْرُ جُرْمًا···

وَالقَصِيْدَةُ قُنْبُلَةْ ؟!

مِنْ أَيْنَ صَارَ الحَرْفُ سَفَّاحًا···

وَصِرْتَ المُشْكِلَةْ ؟!

هُوَ أَنْتَ يَا وَطَنِي ···

وَأَمْرٌ كُلَّمَا حَمَلُوا عَلَيْكَ حَلَفْتَ أَلاَّ تَحْمِلَهْ

هم بَيَّعوكَ بِلا مُقابِلَ غَيْرَ ذُلِّ المَسْألَةْ

هُمْ يَطْعَنُونَكَ في الظُّهُورِ

وَأَنْتَ تُهْدِيْهِمْ دِمَاءَكَ وَرْدَةً وَقُرُنْفُلَةْ

هُمْ يَزْرَعُونَكَ بِالجَرَادِ وَيَحْصُدُونَكَ سُنْبُلَةْ

آَهٍ تُرَى لَوْ أَنْصَفُونَا

أَنْتَ يَا وَطَنِي: شُعُوبٌ غِرَّةٌ وَالَتْهُمُ سَبْعِينَ عَامًا

ثُمَّ سِيْقَتْ كَالخِرَافِ ذَلِيْلَةً لِلْمَقْصَلَةْ

هَلْ يُؤْثَمُ المَوْتَى إِذَا مَاتُوا

وَهَلْ يُجْزَى عَلَى الجُوْعِ الجِيَاعْ ؟!!!

هَلْ يُمْنَعُونَ مِنَ الوُجُودِ وَيُوجَدُونَ عَلَى امْتِنَاعْ ؟!!

الوَاقِفُونَ عَلَى الرَّدَى··· وَالبَاصِمُونَ عَنِ اقْتِنَاعْ

Page 10

(4)

أَطْلِقْ خِرَافَكَ في الشَّوَارِعِ

كَمِّمِ الأَفْوَاهَ وَابْتَدِئِ الـمَسِيْرْ

في ظِلِّ قَافِلَةِ الشَّعِيْرْ

سِرْ لا تَقِفْ

سُبْحَانَ مَنْ أَعْطَى لَقَدْ جَمَعَتْ مَطَالِبَنَا الصُّدَفْ

هِيَ مِثْلُنَا سَتَظَلُّ تَحْلُمُ بِالعَلَفْ

لَكِنَّها قَرِفَتْ مُطَالَبَةَ الحُكُومَةِ بِالشَّعِيْرِ

وَلَمْ يُفَارِقْنَا القَرَفْ

يَا خَيْرَ مَنْ خَلَفُوا لأَفْضَلِ مَنْ سَلَفْ

صِحْ بِالمَقَادِيْرِ التي سَلَبْتَكَ حَقَّكَ

رُدَّ بِالصَّاعَيْنِ صَاعْ

حَتَّى الخِرَافُ إِذَا تَجُوعُ تَقُولُ مَاعْ

قُلْ أَنْتَ : مَاعْ

فَلَقَدْ تَرَهَّلَ حَالُنَا مِنْ حَالِ مَنْ حَكَمُوا وَمَاعْ

وَلَقَدْ تَخَوْزَقْنَا

وَلَيْسَ لأَيِّ خَازُوْقٍ يُدَقُّ مِنَ اقْتِلاعْ