eKtab
EN ع
نهاية العالم على مذبح التغير المناخي
Read free sample

نهاية العالم على مذبح التغير المناخي

by د. أيوب أبو دية

Page 1
المقدمة

يأتي هذا الكتاب بعد صدور كتابي الأخير «ظاهرة الانحباس الحراري» في الأردن عن أمانة عمان الكبرى عام 2010؛ ويهدف كتاب «نهاية العالم على مذبح التغير المناخي» إلى التعريف بظاهرة الانحباس الحراري ووضع تصورات لآثارها المستقبلية التدميرية والتنبيه للمخاطر القادمة في هذه الألفية المصيرية من تاريخ الكرة الأرضية التي احتضنت الحياة على سطحها بنجاح مضطرد ومميز منذ مليارات السنين، كما يهدف إلى مناقشة قضايا راهنة مرتبطة بظاهرة الانحباس الحراري وخصوصاً في ما يتعلق بآخر ما توصلت إليه اجتماعات الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ تحت رعاية الأمم المتحدة.

إذاً، يأتي هذا الكتاب في خضم أحداث سياسية وتاريخية خطيرة جرت أحداثها في كوبنهاغن نهاية عام 2009، وفي كانكون بالمكسيك في نهاية عام 2010، وفي ديربان بجنوب إفريقيا عام 2011، وقد تركت غموضاً يحيط ببعض الاتفاقيات العالمية حول التغير المناخي، كما نسجت شباكاً هلامية من الوعود غير الملزمة، الأمر الذي حفزني لمتابعة الموضوع ههنا، والسعي صوب إلقاء الضوء على حقيقة ما يحدث في العالم وبيان مدى سيطرة القوى المتنفذة على القرار السياسي للأمم المتحدة، بل ومحاولة تهميش دور الأمم المتحدة الريادي في مجال تنظيم إطلاق الغازات الدفيئة.

كما يصدر هذا الكتاب في خضم ثورات عربية هائلة، وخصوصاً في الدول العربية النفطية التي تؤثر على سعر النفط العالمي، وفي وقت يشهد العالم تراجعاً في النمو الاقتصادي، وفي لحظات تبعات زلزال اليابان المدمر وما تبعه من موجات التسونامي وانتشار المواد المشعة من مفاعلات فوكوشيما النووية إثر الكارثة النووية هناك، وغيرها من أحداث؛ لا شك أن هذه الأحداث جميعها قد أسهمت في خفض استهلاك العالم من الوقود التقليدي رحمة بهذا الكوكب، ولكن المستقبل مفتوح على انقلاب شهية العالم صوب التوسع في استهلاك الطاقة التقليدية الأحفورية على نحو غير مسبوق وذلك للتعويض عن ذلك الركود، الأمر الذي سوف يزيد من هول الكارثة ويسارعها إذا لم يتم اتخاذ إجراءَات حاسمة تتفق عليها الدول العظمى كما اتفقت على فرض الحظر الجوي على ليبيا في غضون أيام قليلة.

يقع الكتاب في أربعة فصول، تتدرج، في الفصل الأول، من تعريف ظاهرة الانحباس الحراري إلى مقارنة الظاهرة بحالة الكواكب الأخرى المحيطة بنا، مثل كوكبي الزهرة والمريخ؛ ويتتبع الكتاب أيضاً تاريخية الظاهرة منذ العصر الجليدي العظيم قبل نحو 12000 سنة، فضلاً عن أنه يبحث في عناصر اختلاف ظاهرة الانحباس الحراري المعاصرة عما سبقتها من حالات انحباس حراري تاريخية.

ثم ينتقل الكتاب إلى الفصل الثاني -«تلوث العالم وعولمة التلوث»- للتعريف بتاريخية حركات الاحتجاج ضد التلوث، ولتحديد الدول التي تسهم بنشاط بالغ في إنتاج الغازات الدفيئة التي تلوث العالم اليوم؛ كذلك يناقش الفصل عالمية هذه الظاهرة وتأثير التلويث الذي يحدث في رقعة ما على مناطق أخرى في العالم بما في ذلك التلوث الإشعاعي الناجم عن العناصر المشعة المستخدمة في إنتاج الطاقة النووية، وذلك خلال مراحل التعدين والتخصيب والانشطار النووي وما ينتج عنه من مواد مشعة. فضلاً عن أنه سوف يتناول الأسباب التي كانت من وراء تأخير الإعلان عن حقيقة التغير المناخي صراحة.

وفي الفصل الثالث الذي جاء بعنوان: «نتائج تلويث العالم الحالية والمستقبلية»، نقوم بشرح مفصـل للمشاهدات الحالية لآثار هذه الظاهرة، ومن ثم نتجاوزها للكشف عن الأضرار المتوقعة نتيجة استفحالها في المستقبل، ولغاية نهاية القرن الحادي والعشرين. وأخيراً، سوف نتساءَل في هذا الفصل عن سبب تكاتف جهود أغلب دول العالم للتصدي لحل ثقب الأوزون بسرعة فائقة، فيما ظلت الاتفاقيات حول التغير المناخي تراوح مكانها!

وفي الفصل الرابع والأخير سوف نناقش المبادرات العالمية التي سعت لمعالجة ظاهرة الانحباس الحراري، وذلك من خلال مناقشة مبادرات العالم حول التغير المناخي، منذ إطلاق يوم الأرض في عام 1969 ولغاية اجتماع ديربان في جنوب إفريقيا نهاية عام 2011، وذلك تحت مظلة الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ برعاية الأمم المتحدة. وينتهي الكتاب بخاتمة نضع فيها النتائج التي توصلنا إليها والأسئلة الجديدة التي تفتقت أثناء البحث، وبخاصة في ضوء تداعيات ما حدث في اليابان بعد الزلزال والكارثة النووية التي ما زالت محاولات تقييم آثارها الكارثية بعد سنة واحدة على انقضائها مسألة غير محسومة بعد، وما زال السكان في دائرة نصف قطرها عشرين كيلومتراً من المفاعلات المنكوبة لاجئين لن يستطيعوا العودة إلى منازلهم لعقود قادمة!

المؤلف

عمان في 11/3/2012
Page 2
الفصل الأول :ظاهرة الانحباس الحراري

1) ماهية الانحباس الحراري؟

إن نحو ثلث الأشعة الشمسية الداخلة عبر المجال الجوي الأرضي ترتد إلى الفضاء الخارجي لوجود الغلاف الجوي الذي يعمل كمرآة عاكسة ترتد عنها بعض الإشعاعات الشمسية. وبالرغم من ذلك، فإن ثلثي الأشعة تصل إلى الأرض، فترتفع درجة حرارة المسطحات المائية واليابسة التي بدورها تبتعث الموجات الحرارية إلى الغلاف الجوي مرة أخرى فتمتصها الغازات الدفيئة الموجودة فيه؛ إذ تحفظ خاصية الامتصاص للغازات الدفيئة الموجودة في هذا الغلاف نوعاً من الاتزان الحراري على الكرة الأرضية والغلاف الجوي الذي يحيط بها.

فإذا افترضنا أن 100% من الإشعاع الشمسي (وهو يكافئ 240 واط/م2) يدخل مجال الأرض، فإن امتصاص عناصر الغلاف الحيوي للأرض يكون على النحو التالي:-

46% من الإشعاع الشمسي تمتصه اليابسة والمسطحات المائية.

19% من الإشعاع الشمسي يمتصه بخار الماء والأغبرة والأوزون.

4% من الإشعاع الشمسي تمتصه السُّحب.

أما ما ينعكس من الإشعاع الشمسي فهو كما يلي:-

17% من الإشعاع الشمسي ينعكس عن الغيوم.

8% من الإشعاع الشمسي ينعكس عن الغلاف الجوي.

6% من الإشعاع الشمسي ينعكس عن سطح الأرض، بما في ذلك المسطحات المائية(1).

ولكن بعضاً من الإشعاع الشمسي المنعكس يرتد إلى سطح الأرض مرة أخرى كما يظهر في الصورة اللاحقة، الأمر الذي يخلق معادلة أكثر صعوبة لامتصاص أشعة الشمس وانعكاسها عن الأرض!

ظاهرة الانحباس الحراري

ربما يكون العالم الفرنسي جوزيف فورييه (J. Fourier) هو أول من اكتشف ظاهرة «الانحباس الحراري» أو ظاهرة «البيت الزجاجي» أو ظاهرة «الدفء الكوني»، وذلك في عام 1824، ولكن الأبحاث الحقيقية كان عليها الانتظار حتى يتطور العلم وتتقدم وسائل الرصد والتجربة، إذ بدأ العالِم سفانتي أرهينيوس (Svante Arrhenius)، عام 1896، في إجراء دراسات واختبارات على هذه الظاهرة، حيث درس ظاهرة امتصاص الغازات الموجودة في الجو الأرضي للأشعة تحت الحمراء (الموجات الحرارية Heat waves)، كما درس إعادة ابتعاثها في جو الأرض من جديد، وبخاصة في حالة الغازات الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري، وتحديداً غاز ثاني أكسيد الكربون.
Page 3
طيف الموجات الكهرومغنطيسية للضوء

ويتم امتصاص الموجات الحرارية، التي تظهر في الشكل أعلاه من خلال طيف الموجات الكهرومغنطيسية للضوء، في الغلاف الجوي حيث يعمل بخار الماء، وكذلك غاز ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان وغازات ومركبات أخرى، على امتصاص الموجات تحت الحمراء (Infra Red) طويلة الموجات في طيف الضوء، فيما تتسرب كميات منها إلى الفضاء الخارجي البارد بفعل انعكاسها عن العوالق المتناثرة في الجو، أو بفعل إعادة ابتعاثها بالإشعاع من قبل الغازات الدفيئة التي تكون درجة حرارتها قد ارتفعت بفعل ظاهرة الانحباس الحراري.

وهكذا ترفع الإشعاعات الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض درجة حرارة اليابسة والمسطحات المائية، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة ابتعاث الموجات الحرارية في الجو فيعاد امتصاص بعضها من قبل الغازات الدفيئة فيما يرتد بعضها الآخر عن الغلاف الجوي إلى سطح الأرض مرة أخرى ليرفع من درجة حرارتها، فتبتعث الموجات الحرارية مرة أخرى، وهكذا دواليك، إلى أن تتناقص شدة الانعكاس وتتبدد، في الوقت الذي تكون فيه الإشعاعات الشمسية مستمرة السقوط على جهة الأرض المقابلة لقرص الشمس.

ومن المعلوم أيضاً أن كمية ابتعاث الحرارة من الغازات الدفيئة صوب الأرض تكون أكبر باقترابنا من سطح الأرض، وذلك لارتفاع درجة الحرارة كلما اقتربنا من سطح الأرض الدافئ نسبياً، الأمر الذي يزيد من شدة ظاهرة انحباس الحرارة في الغلاف الجوي الأقرب من سطح الأرض.

هذه القوة الابتعاثية المشعة (Radiative Force) للغازات الدفيئة تقاس بالواط للمتر المربع الواحد (W/m2) وترتبط بعلاقة لوغرثمية مع زيادة كمية الغازات، وهذا يعني أن زيادة نسبة الغازات لا تستوجب بالضرورة زيادة الانحباس الحراري بالنسبة ذاتها، بل يتصاعد الأثر بمعدل أكبر. وهذا ما يزيد من خطورة تعاظم التلويث الذي نمارسه على هذا الكوكب يوماً إثر آخر.

إن أهم الغازات الدفيئة التي تمتص الموجات الحرارية هي بخار الماء الموجود في الهواء بنسبة قد تصل إلى نحو 2%؛ أما ثاني أكسيد الكربون المتوافر في الجو بنسب تتراوح بين 0,03 – 0,04% من نسب مجمل الغازات في الغلاف الجوي، فنسبته ضئيلة جداً ولكن أثره على الانحباس الحراري عظيم، علماً بأن هذا الغاز قد ازداد بنسبة أكثر من 30% عما كان عليه في نهاية القرن الثامن عشر.

وينتج غاز ثاني أكسيد الكربون بصورة أساسية عن احتراق الوقود التقليدي وتغير استخدامات الأراضي نتيجة حرثها وكشف المواد المتعفنة التي تطلق هذا الغاز وغيره من الغازات الدفيئة، كما ينجم عن صناعة الأسمنت وغيرها من الصناعات والنشاطات الإنسانية؛ إذ تساهم صناعات الإسمنت وحدها بنسبة نحو 5% من ظاهرة الانحباس الحراري. وهذا يستدعي أن يشرع العلماء في اختراع مادة بديلة للإسمنت في أقرب وقت بحيث تكون رفيقة بالبيئة وتؤدي الأغراض المنشودة منها.

الغازات الدفيئة

الرمز الكيميائي

التركيز قبل الثورة الصناعة

ثاني أكسيد الكربون

CO2

278 جزءاً بالمليون

الميثان

CH4

700 جزءاً بالبليون

أكسيد النيتروز

N2O

275 جزءاً بالبليون

CFC-12

CCL2F2

صفر

HCFC-22

CHCLF2

صفر

Perfluoromethane

CF4

صفر

سادس فلوريد الكبريت

SF6

صفر

محتوى الهواء من الغازات الدفيئة قبل الثورة الصناعية

المرجع: IPCC, Cambridge University Press, 1996

ويبين الجدول أعلاه نسبة محتوى الهواء في الغلاف الجوي من الغازات الدفيئة الرئيسة، وذلك قبل انطلاق الثورة الصناعية، أي منذ نحو مئتي عام، وكذلك يبين كيف أن بعض الغازات لم تكن موجودة آنذاك، وهي الغازات الأربعة الأخيرة في الجدول.

أما غاز الميثان، فقد ازداد في الغلاف الجوي للأرض بنسبة نحو 150% عما كان عليه في نهاية القرن الثامن عشر، أي منذ انطلاقة الثورة الصناعية الأولى في أوروبا. وهو ينجم عن احتراق الوقود الأحفوري وزراعة الأرز وبعض النشاطات الزراعية الأخرى، كما ينجم عن مكبات النفايات وبفعل التجشوء وانفلات أمعاء الحيوانات، وأسباب أخرى كثيرة؛ إذ يحتوي الهواء الجوي اليوم على نحو 1750 جزءاً بالبليون من غاز الميثان.

ومن المعلوم أن أثر تربية المواشي وإنتاج اللحوم تسهم بنسبة لا تقل عن 18 % في ظاهرة الانحباس الحراري؛ وربما يرتبط المسبب في شدة تأثير قدرة غاز الميثان على امتصاص الموجات الحرارية الطويلة، والتي تزيد بنحو 21 مرة عن قدرة غاز ثاني أكسيد الكربون، كما يظهر في الجدول القادم، فضلاً عن تقلص الرقع الشجرية الخضراء وتأسيس مصانع لإنتاج اللحوم وما إلى ذلك. وقد ازداد معدل محتوى الهواء من غاز الميثان بمقدار 7 أجزاء بالبليون في عام 2009 مقارنة بعام (2)2008على سبيل المثال.
Page 4
ويسهم كذلك غاز أكسيد النيتروز في ظاهرة الانحباس الحراري مساهمة فاعلة، وبالرغم من أنه لم تزد نسبته في الغلاف الأرضي عن نحو 15 % منذ قرنين من الزمن، بيد أن الجزيء الواحد منه يمتص الموجات الحرارية الطويلة بقدرة تزيد 310 مرات عن جزيء ثاني أكسيد الكربون كما يظهر في الجدول الآتي. وهذا الغاز ينجم عن النشاطات الزراعية واستخدام السماد، كما ينجم عن احتراق الوقود التقليدي والنشاطات الصناعية المتنوعة وغيرها من الأنشطة الطبيعية والصناعية.

الغازات

القدرة على امتصاص الموجات الحرارية

العمر في الغلاف الجوي بالسنة

CO2

1

200 – 50

CH4

21

12 – 9

N2O

310

120

HFCs

11,700 – 140

264 – 2

SF6

23,900

3,200

PFCs

9,200 – 6,500

50,000 – 3,200

الغازات الدفيئة وقدراتها على اختزان الحرارة

المصدر: US/E.P.A visited January 2nd 2012.

وهناك غازات من مركبات الكلوروفلوروكربون لم تكن موجودة أصلاً في الماضي، وهي من صناعة الإنسان المعاصر للاستخدام في أجهزة التبريد، وبعضها يدخل في صناعة الألمنيوم وصناعة مواد إطفاء الحريق وغيرها من الصناعات. ولهذه الغازات قدرة عظيمة على امتصاص الموجات الحرارية الطويلة تصل إلى آلاف المرات قدرة غاز ثاني أكسيد الكربون. فعلى سبيل المثال، هناك مركب سداسي فلوريد الكبريت SF6، حيث تكافئ قدرة امتصاص الجزيء الواحد منه 23900 مرة قدرة جزيء ثاني أكسيد الكربون على امتصاص الموجات الحرارية لأشعة الشمس(3).

وبالرغم من أن هذه المركبات توجد بنسب ضئيلة جداً في الغلاف الجوي، فإن أثرها عظيم على ظاهرة الانحباس الحراري وطبقة الأوزون. وهناك إجراءَات مهمة للحد من إنتاج هذه الغازات في العالم، لحسن الحظ، ونأمل أن تنداح هذه التوجهات مدى لتشمل الغازات الدفيئة الأخرى رحمة بهذا الكوكب الجميل الذي يحتضننا جميعاً. ولكن، ألم تسعفنا زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو خلال العصور الغابرة للخروج من العصر الجليدي، فلماذا كل هذا الخوف إذاً؟

إن عينات الجليد التي تمت دراستها من العصر الجليدي الأخير كشفت أن نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو كانت 200 جزء بالمليون حجماً؛ وإذا علمنا أن نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو كانت قبل الثورة الصناعية 280 جزءَاً بالمليون؛ أي أن زيادة 80 جزءَاً بالمليون فقط أدت إلى زيادة 160 بليون طن من ثاني أكسيد الكربون في جو الكرة الأرضية، الأمر الذي أخرجها من العصر الجليدي عبر ألوف السنين؛ وهذا يعني أيضاً أننا أضفنا نحو 200 بليون طن جديدة من ثاني أكسيد الكربون خلال المئتي سنة الأخيرة من التطور والنمو المضطرد الذي اعتمد على الوقود الأحفوري الشديد التلويث للبيئة، إذ بلغت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو اليوم نحو 380 جزءَاً بالمليون(4). وهذه الزيادة تفسر ظاهرة الانحباس الحراري المعاصرة تفسيراً علمياً كافياً.

وبناءً عليه، فإننا نتساءَل: إذا زاد معدل درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض خمس درجات سلسيوس نتيجة زيادة ثاني أكسيد الكربون في الجو بعد العصر الجليدي الأخير، فلماذا لم يزد معدل درجة حرارة الأرض أكثر من درجة سلسيوس واحدة منذ الثورة الصناعية، بالرغم من زيادة نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بقدر أعظم خلال القرنين الأخيرين؟

ربما يعود السبب في ذلك إلى تراجع حدة النشاطات الشمسية، أو ربما إلى ابتعاد الأرض عن مسارها القريب من الشمس لتتخذ مساراً أبعد قليلاً(5)! لكن، وبالرغم من مساهمة الأحوال الطبيعية في كبح جماح ارتفاع درجة الحرارة، فإن الأسباب التي أدت إلى ظاهرة التغير المناخي المعاصرة مختلفة تماماً وتتمركز حول نشاطات الإنسان نفسه!



نسبة مساهمة نشاطات الإنسان في ظاهرة الانحباس الحراري

يلاحظ من الشكل أعلاه كيف تسهم نشاطات الإنسان المختلفة في ابتعاث الغازات الدفيئة (احصاءات 2009)، إذ ينجم عن احتراق الوقود الاحفوري نحو 58% من غاز ثاني أكسيد الكربون، ثم تليه في الأهمية تدمير الغابات واطلاق غازي الميثان وأكسيد النيتروز بفعل النشاطات الزراعية والتسميد وتربية الحيوانات. ويشار اليوم في المرجع أعلاه أن قطع الغابات الاستوائية الماطرة بات يسهم في 25% من مجمل الغازات الدفيئة في العالم، سواء من خلال موت الأشجار بصورة طبيعية أو حرقها بفعل الظواهر الطبيعة، كالصواعق، أو قطعها لغايات التجارة أو تعفنها بصورة طبيعية، أو ربما حرقها بصورة متعمدة لافساح المجال أمام إقامة المشاريع الزراعية وتربية المواشي وما إلى ذلك من نشاطات.

لقد عمل الإنسان الحديث منذ ذلك العهد الصناعي (القرنان التاسع عشر والعشرين) على إحداث تغييرات هائلة في باطن الأرض وعلى سطحها وفي غطائها النباتي وثروتها الحيوانية وفي مياهها وهوائها وتربتها، فأقام المشاريع الزراعية والمائية والإنشائية والبنى التحتية، من طرق وسدود وخدمات متنوعة، ومشاريع صرف صحي وأماكن تجميع للنفايات.

كما قام الإنسان بقطع الأشجار وتجريف التربة وحرق الوقود الأحفوري واستنزاف الموارد الطبيعية، الأمر الذي أدى إلى تغيير معالم البيئة الطبيعية وتلويثها، وتهديد الموائل الطبيعية التي كانت مأهولة بالتنوع البيولوجي الهائل في الطبيعة والمستقر فيها منذ مليارات السنين، والذي أخذ يتناقص بالتدرج، حيث باتت تنقرض بعض أنواع الحياة في الطبيعة بوتيرة متسارعة.

يمكن رؤية حجم التلوث في الغلاف الحيوي المحيط بالأرض مباشرة من دون الدخول في معركة قياس محتوى الهواء من الغازات والمواد العالقة فيه؛ فظاهرة الانقلاب الحراري تعمل على منع انتشار الهواء الملوث وتحجزه بواسطة طبقة من الهواء الدافئ تقع فوقه على بعد مئات الأمتار، فتتجمع الملوثات في الهواء بتركيز عالٍ بالقرب من سطح الأرض، وبخاصة في فصل الخريف وبعد الغروب حتى الفجر حينما يكون تركيز الملوثات أعلى ما يمكن عند درجات حرارة منخفضة نسبياً.

وقد عانت مدن كثيرة من تلك الظاهرة؛ ففي لندن، يوم الرابع من شهر كانون أول لعام 1952، أدى التلوث العظيم، الذي تزامن مع وجود درجات حرارة متدنية، إلى وفاة آلاف الأشخاص، كما تكررت الحادثة في نيويورك عام 1963، وفي لوس أنجلوس عام 1997، وهي تحدث اليوم في دول جنوب أمريكا ووسطها وفي القاهرة منذ نهاية التسعينيات بفعل التلوث المتعاظم في الجو، وبخاصة في مواسم حرق القش الناجم عن زراعة الأرز وغيره من المحاصيل الزراعية كقصب السكر.

ولا يقتصر ضرر تعاظم كميات غاز ثاني أكسيد الكربون على ارتفاع درجة حرارة الأرض بفعل تشكـــل غلاف غازي كثيف حول الأرض يعكس الإشعاع الحراري إلى الداخل ويمنع جزءَاً كبيراً منه من التسرب إلى الفضاء الخارجي، إنما ينبغي التطلع إلى كمية غاز ثاني أكسيد الكربون الهائلة التي تذوب في المسطحات المائية على الأرض فتزيد من حمضية المياه، ويمكننا تخيل أثرها السلبي على التنوع البيولوجي ابتداء من الحيود المرجانية، مروراً بالطحالب والعوالق الحيوانية وانتهاء بالأسماك الضخمة، كما ينبغي التطلع إلى الضرر الناجم عن زيادة التبخر من اليابسة والبحار معاً بفعل ارتفاع درجة الحرارة وانطلاق جزيئات المياه إلى الغلاف الجوي؛ والتي تساهم مساهمة كبيرة في ظاهرة الانحباس الحراري أيضاً(6).
Page 5
2) هل تتعرض الأرض وحدها للانحباس الحراري؟

تقاس ظاهرة الانحباس الحراري من خلال معدل ارتفاع درجة حرارة الهواء الواقع في نطاق الكيلومترات الثمانية الأولى للغلاف الجوي، أي في طبقة التروبوسفير (Troposphere)؛ فما هي التغييرات في معدل درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض منذ الثورة الصناعية الكبرى التي بدأت نحو نهاية القرن الثامن عشر؟



طبقات الغلاف الجوي للأرض

من المعلوم اليوم أن معدل درجة حرارة الأرض قد ازداد بمقدار Cْ0.2 في القرن التاسع عشر عن القرن الذي سبقه، كما زاد المعدل بمقدار Cْ0.6 خلال القرن العشرين مقارنة بالمرجعية ذاتها. ومن المتوقع مع نهاية القرن الحادي والعشرين، أن ترتفع درجة الحرارة عدة درجات سلسيوس، تتراوح ما بين درجة واحدة - على أقل تقدير- وترتفع لتصل إلى 5-7 درجات في حدها الأقصى(7)، هذا إذا لم تحدث كوارث طبيعية عظيمة كثوران البراكين الضخمة، وسقوط نيازك كبيرة على الأرض، أو ربما تغير مفاجئ في نشاط الشمس أو تغير في مدار الأرض حول الشمس ونحو ذلك من نشاطات وظواهر طبيعية يصعب التنبؤ بها.

إذا نظرنا إلى الكواكب القريبة من حولنا في نظامنا الشمسي، فإننا نجد كوكب الزهرة (Venus)، بوصفه الكوكب الأقرب منا إلى الشمس، والذي يساوي في حجمه حجم الأرض تقريباً؛ وعندما نتساءَل عن مدى ارتفاع درجة حرارته لقربه من الشمس، فإننا نجد أن درجة حرارته السطحية هي نحو 460 درجة سلسيوس فوق الصفر، فما السبب في ذلك؟



نظامنا الشمسي، حيث تتموضع الشمس في المركز وتحيط بها الكواكب

يتمثل السبب في قرب كوكب الزهرة من الشمس، كما يظهر في الصورة أعلاه، وأيضاً نتيجة ارتفاع كثافة الهواء في الغلاف الجوي الذي يحيط بالكوكب، وذلك نسبة إلى كثافة الغلاف الجوي الأرضي، فضلاً عن احتواء غلاف الزهرة الجوي على نسبة نحو 96 بالمئة من غاز ثاني أكسيد الكربون.

إلى هذا الحد يمكن أن تصل درجة الحرارة على سطح كوكب ما نتيجة تواجد غاز ثاني أكسيد الكربون بتلك النسبة العالية في أجوائه؛ وهذا درس لنا ينبغي أن نتعلمه في حال كوكبنا الأرضي، حيث إن نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون تزيد بشكل مضطرد عقداً بعد آخر.

أما كوكبنا الأرضي، فإن ما يحتويه غلافه الجوي هو نسبة نحو 78 بالمئة نيتروجين، فضلاً عن نسبة 21 بالمئة أكسجين، أما الواحد بالمئة المتبقي فتضم اليوم غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 0,038%، فيما يشتمل الباقي على خليط من غازات أخرى.

وبناءً على هذه النسبة الضئيلة من غاز ثاني أكسيد الكربون، ونتيجة تموضع الأرض عند مسافة أبعد من الشمس مقارنة بكوكب الزهرة، فإن معدل درجة حرارة الغلاف الجوي هي 15 – 16 درجة سلسيوس فقط، وهذا ما جعل الحياة ممكنة على سطحه على النحو الذي نراه اليوم، وهذه ما جعلها تزخر بالتنوع الحيوي الهائل الذي يضم ملايين الفصائل الحية في الطبيعة.

وتتغير درجة حرارة غلاف كوكب الأرض بضع درجات صعوداً وهبوطاً، وفقاً لتغير مسار الأرض حول الشمس؛ فكلما ابتعد مدار الأرض عن الشمس انخفضت درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض، وكلما اقترب مدارها من الشمس ارتفعت درجة حرارة الغلاف الجوي المحيط بسطح الأرض.

كذلك تتغير درجة الحرارة وفقاً لنشاطات الشمس من جهة الانفجارات النووية على سطحها وشدة الإشعاعات الشمسية التي تصلنا بفعلها. وأيضاً تتغير درجة الحرارة وفقاً لتغير محور دوران الأرض حول نفسها خلال مسارها البيضاوي حول الشمس، كما يمكن أن يلاحظ في الصورة اللاحقة.
Page 6
أما إذا أخذنا كوكب المريخ، الذي هو أصغر حجماً من الأرض، كما ظهر سابقاً في صورة نظامنا الشمسي، فإن جاذبيته أقل مقارنة بكوكبنا، لأن كتلته أصغر من كتلة الأرض؛ وبناءً عليه، فإنه يجذب إليه الغازات الموجودة في الجو بقوة أقل، الأمر الذي ينجم عنه وجود غلاف جوي أصغر حجماً وأقل كثافة بكثير مقارنة بالغلاف الجوي الأرضي. فغلاف كوكب المريخ الجوي يحتوي على نحو واحد بالمئة من غاز ثاني أكسيد الكربون، ولكن درجة حرارة سطح الكوكب هي قرابة خمسين درجة سلسيوس تحت الصفر، الأمر الذي يعني أن أغلب ثاني أكسيد الكربون المتواجد في غلافه الحيوي يكون متجمداً على سطح الكوكب.

خلاصة القول، إن موقع الأرض المميز، من حيث بعده عن الشمس، هو الذي سمح ببزوغ الحياة على سطحه، فضلاً عن أن النسبة الضئيلة من غاز ثاني أكسيد الكربون الموجودة في غلافه الجوي، بالإضافة إلى بخار الماء وغازات أخرى، قد ساهمت بفاعلية في رفع معدل درجة حرارة سطح الكوكب إلى 15 درجة سلسيوس فوق الصفر، وذلك بعد انقضاء العصر الجليدي الأخير قبل نحو 12000 سنة خلت.

إن ظاهرة الانحباس الحراري المستفحلة الآن، بفعل الإضافات من الغازات الدفيئة التي وضعتها نشاطات الإنسان في البيئة، قد رفعت معدل درجة الحرارة إلى 16 درجة سلسيوس في مطلع الألفية الثالثة(8). وفي حال استمرار النشاط اللامسؤول للبشرية في نهاية الألفية الحالية، فإنه من المتوقع أن يرتفع معدل درجة الحرارة نحو ست درجات إضافية، ليقترب معدل درجة حرارة الغلاف الجوي من 22 درجة، الأمر الذي سوف ينجم عنه كوارث مناخية وبيئية هائلة سوف نناقشها بالتفصيل في الفصل الثالث من هذا الكتاب.



توقعات اللجنة الدولية للتغير المناخي IPCC التابعة للأمم المتحدة

وفي الشكل أعلاه يمكن ملاحظة توقعات اللجنة الدولية للتغير المناخي التابعة للأمم المتحدة IPCC بأن يتراوح معدل ارتفاع درجة الحرارة بين 1,4 إلى 5,8 درجة سلسيوس عند نهاية القرن الحادي والعشرين (مقارنة بعام 1990)، وذلك في ضوء تفاوت التقديرات لما سوف يكون عنده محتوى الغلاف الجوي من ثاني أكسيد الكربون عام 2100 (حيث تتراوح التوقعات بين 540-970 جزءاً بالمليون)(9). ولكن هناك توقعات أخرى لعدة مؤسسات علمية مرموقة تختلف الى حد ما، ويمكن عقد المقارنة بين توقعاتها وفقاً لما يلي:



توقعات أخرى لعدة مؤسسات علمية مرموقة في العالم

تختلف توقعات العلماء لمعدل درجة الحرارة التي يمكن أن يصلها الغلاف الجوي للأرض نحو نهاية القرن الحادي والعشرين؛ إذ يلاحظ في الشكل الأخير التوقعات المتباينة للمراكز العلمية المتنوعة، حيث تتراوح بين 2,2 إلى 4,8 درجات سلسيوس. أما دور البحث العلمي المشاركة في هذه الدراسة هي الآتي:-

Center for Climate System Research.

CCSRINIES

The Canadian Center for Climate Modelliny and Analysis.

CCCMA

The Commonwealth Scientific and Industrial Research Organization.

CSIRO

Hadley Center for Climate Prediction and Research.

Hadley center

Geophysical Fluid Dynamics Laboratory.

GFDL

Max Planck Institute for Mathematics.

MPIM

Parallel Climate Model.

NCAR PCM

Ocean Model.

NCAR CSM

صدر تقرير الأمم المتحدة في عام 2001 عن اللجنة الدولية للتغير المناخي IPCC، وهي المؤسسة التي فازت بجائزة نوبل لعام 2007 مناصفة مع آل غور (Al Gore)، الذي كاد أن يصل إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عام 2000. وفي ضوء تقديرات العلماء باحتمالية تفاوت ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض من 1.4 درجة مئوية إلى 5.8 درجات مئوية عام 2100، فإن التوقع الأكثر تفاؤلاً، أي الرقم الأقل بين التوقعات وهو 1,4 درجة فقط، هو تغير يكفي لانحسار الثلوج في القطبين خلال القرن الحادي والعشرين، بل ربما يحدث ذلك في منتصف القرن على وجه التحديد، وسوف يؤدي إلى تغير كبير في المناخ وإغراق الشواطئ وانحسار المناطق الزراعية وتملـــح مياه الشرب ونحو ذلك من تبعات.

فمن المتوقع إذاً أن يرتفع منسوب مياه البحار في نهاية القرن الحادي والعشرين بمعدل عشرين سنتمتراً وربما أكثر، إذ تتباين التقديرات بحيث يضعها المحافظون عند عشرة سنتمترات فقط، فيما يجعلها المغالون تصل إلى نحو متر ونصف المتر.

ومهما تكن حقيقة ذلك فسوف يتم غمر مساحات كبيرة من الشواطئ بالمياه، كما يحدث اليوم في جزر المالديف التي باتت مهددة كلها بالغرق في غضون عقد واحد من الزمن؛ كذلك تزيد المخاطر شدة، وبخاصة في الأماكن المنخفضة في العالم، مثل ولاية فلوريدا في أمريكا وأراضي هولندا المنخفضة والكثير من أراضي إيطاليا وغيرها من الدول في أوروبا، كذلك الهند وبنغلاديش والصين في آسيا، ومصر في إفريقيا، وغيرها من المناطق المنخفضة المنتشرة في شتى أصقاع الأرض، وهي سوف تكون بشدة كافية لتهجير مئات الملايين من الناس وتدمير الصناعة والبنية التحتية والزراعة والغطاء النباتي والتنوع الحيوي وكل ما هو على سطح الأرض وتحتها.

لقد شرعنا في العقدين الأخيرين نشاهد التحولات المذهلة في المناخ واشتداد الأعاصير وذوبان الثلوج على نحو غير مسبوق، الأمر الذي سوف يؤدي إلى استفحال ظاهرة «الانحباس الحراري» نتيجة تسارع وتيرة تعرية الأرض من الغابات الممطرة نتيجة أحوال الطقس المدمرة، فضلاً عن فقدان الغطاء الثلجي الأبيض الذي يسهم في انعكاس أشعة الشمس وخفض درجة حرارة الغلاف الجوي في كوكب الأرض.

إن الكوارث المناخية والبيئية، الناجمة عن ارتفاع معدل درجة حرارة سطح الأرض واليابسة ومسطحاتها المائية وغلافها الجوي، سوف تسبب ذوبان الثلوج وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات وهجرات قسرية تطال الإنسان والحيوان والفصائل النباتية وتؤدي إلى انقراض الكثير من الفصائل الحية في الطبيعة، ليتغير بالتالي وجه الأرض ولون غلافه الجوي ولون مياه بحاره ومحيطاته وأعداد التنوع الحيوي الموجودة في أرجائه كافة على نحو جداً خطير، بحيث ربما يصل إلى نقطة اللاعودة إلى الحاله الأصلية.

ربما يعود السبب في ذلك إلى أنه سوف يصبح من المستحيل أن تصحح الطبيعة نفسها لتواكب التحول السريع الطارئ في تركيبة الغلاف الجوي الجديدة، وبالتالي سوف تندثر الحياة بصورة تدرجية وتفقد استدامة مواردها، وربما تعود القهقرى إلى مراحل متأخرة من تاريخ البشرية المتقدم، وتدب الفوضى وتنتشر الحروب والأمراض وتسود شريعة الغاب من جديد. ألا ينبئ ذلك ببداية النهاية لكوكب الأرض؟

هذه ليست تصورات من نسج الخيال، بل هي حقيقة علمية يتوقعها العلماء اليوم ويظنون أنها سوف تحدث في نهايات هذا القرن، وربما قبل ذلك بقليل، إذا لم تبدأ الدول باتخاذ إجراءَات صارمة وملزمة للجميع وذلك للحيلولة دون حدوث ذلك. وينبغي أن تشمل هذه الإجراءَات إنهاء الاعتماد على الطاقة النووية لأن المواد المشعة الناجمة عن الحوادث النووية أو النفايات المشعة من شأنها أن تلوث المياه على سطح الأرض لملايين السنين، وبخاصة إذا تعرضت الأرض لكوارث مفاجئة.

وينبغي أن تتم تلك الإجراءَات بالتعاضد والاتفاق بين الدول جميعها، أو معظمها في أسوأ الأحوال، وذلك لتحديد نسبة انبعاثات الغازات الدفيئة والالتزام بذلك تمام الالتزام، وبخاصة فيما يتعلق بأهمية التزام الدول المتقدمة التي تساهم في إطلاق جل الغازات الدفيئة التي تسبب ظاهرة الانحباس الحراري. ولكن، سوف نلاحظ في الفصل الرابع والأخير كيف كانت البداية مبشرة بالخير في كيوتو عام 1997، ثم كيف تنصلت بعض الدول من التزاماتها، ولا يزال بعضها كذلك، كالولايات المتحدة الأمريكية والصين أكبر الملوثين للكرة الأرضية، ثم كيف انتهى الأمر في كوبنهاجن والمكسيك وديربان بتأجيل الحديث عن تمديد اتفاقية كيوتو التي تنتهي صلاحيتها عام 2012.

ومنذ اجتماع كوبنهاجن عام 2009 فقد غدا الحديث، في أروقة محافل الاتفاقيات الإطارية للتغير المناخي الواقعة تحت مظلة الأمم المتحدة، يتمحور حول «التكيف» مع التغير المناخي بالدرجة الأولى، وفي هذا السياق تم الاتفاق على تخصيص مليارات الدولارات لتحقيق ذلك التكيف عوضاً عن المواجهة المباشرة للحد من مشكلة تزايد الغازات التي تسبب ظاهرة الانحباس الحراري.
Page 7
3) تاريخية ظاهرة الانحباس الحراري!

انتهى العصر الجليدي الكبير قبل نحو 12000 سنة، وعاد ليظهر مرة أخرى في عصر أطلق عليه اسم «العصر الجليدي المصغر» الذي بدأ نحو نهاية القرن الحادي عشر بعد الميلاد وامتد حتى القرن التاسع عشر(أنظر الشكل الآتي) عندما شرع التلوث الصناعي بعدها في رفع درجة حرارة الأرض على نحو غير مسبوق في التاريخ الحديث للكرة الأرضية نتيجة إحراق الفحم بكميات كبيرة في القرن التاسع عشر. ونتيجة اكتشاف النفط فيما بعد وتعمق الثورة الصناعية في أوروبا واندياحها في أرجاء العالم المتقدم.



تناوب البرودة والدفء المناخي على الأرض وارتباطه بصعود الحضارات واندثارها منذ منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد

بدأ يتضح للعلماء شيئاً فشيئاً أن نشأة الحضارات القديمة والإمبراطوريات المترامية الأطراف، المنظمة تنظيماً مركزياً دقيقاً، كان بفعل تغير المناخ بصورة أساسية، حيث نزح الناس، نتيجة ارتفاع درجة الحرارة وانحسار هطول الأمطار، إلى مناطق الأنهار الكبرى، كدجلة والفرات والنيل والكونغو وغيرها من الأنهار العظيمة المنتشرة في أصقاع هذا الكوكب المميز بثراء التنوع الحيوي على سطحه.

وقد استدعت ضرورة إدارة الموارد الطبيعية المحدودة (المياه والأراضي الصالحة للزراعة) تنظيم دولة مركزية خراجية قوية تضمن للفلاحين الأمان والاستقرار والتوزيع العادل للأراضي والمياه، وبالمقابل، تأخذ منهم الخراج العيني أو النقدي لتوطيد حكمها ونفوذها وزيادة قوتها(10).

أما المناطق الجافة التي لا تمر فيها أنهار ضخمة، كالجزيرة العربية وشمال أفريقيا، فقد كانت التجارة والرعي هما نمط الإنتاج السائد لفترات طويلة؛ ولا يزال الكثير من المناطق الرعوية في العالم على حالها منذ ذاك التاريخ، باستثناء بعض التحولات البسيطة في أنماط معيشة السكان.

وبالمقابل، صعدت حضارات عملاقة في ظل ظاهرة دفء مناخي، كتوسع الحضارة الرومانية بعيد ميلاد المسيح، ومن اللافت أن القرن الخامس عشر كان شديد البرودة، فهل هناك ما يمنع القول بأن فتح أمريكا عام 1492 كان مرتبطاً بأحوال المناخ في أوروبا آنذاك، وهل هناك ما يمنع الحديث عن أن العصر الجليدي المصغر الذي اجتاح أوروبا أدى إلى بزوغ فجر العلم الحديث في القرن السابع عشر وإلى تطور ذلك صوب تطبيقات عملية للنظريات العلمية التي مهدت السبيل لإنجاز الثورة الصناعية الكبرى الأولى في نهاية القرن الثامن عشر وتعمقها في القرن التاسع عشر، إلى أن توجت بثورة صناعية كبرى ثانية في نهاية القرن التاسع عشر أدت إلى ما نحن عليه من تأزم في مناحي الحياة شتى، بما في ذلك ظاهرة الانحباس الحراري.

تعود أقدم قراءَات أدوات الرصد المناخي الحديثة إلى القرن التاسع عشر، ولكن هناك قراءات أقدم من ذلك بكثير، كعمود فيضان نهر النيل في مصر الذي بناه أبو العباس الفرغاني في الروضة على النيل في القرن العاشر للميلاد، وهناك وثائق ورسومات وأدبيات احتفظت بها الحضارات القديمة وتشير إلى التغيرات التاريخية(11).

أما اليوم فنستخدم أساليب حديثة للكشف عن التغير المناخي، مثل دراسة نظائر الأكسجين والهيدروجين في طبقات الثلج، والتي تعود إلى نحو نصف مليون عام، كذلك تستخدم الترسبات تحت البحار والمحيطات وطبقات كربونات الكالسيوم في المرجان وغيرها من الطرائق للكشف عن تاريخ المناخ القديم وتذبذب معدل درجة الحرارة وتغير نسب الغازات الدفيئة في غلافه الجوي.



التغير المناخي وزيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون

ويلاحظ العلماء ارتفاع تركيز غازات ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز منذ انطلاقة الثورة الصناعية في أوروبا نحو نهاية القرن الثامن عشر. ويلاحظ من الشكل الأخير تزايد إنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون وارتباط ذلك بارتفاع درجة الحرارة. لذلك، لم يعد من مجال للشك أن الإنسان المعاصر هو سبب ظاهرة التغير المناخي بغضِّ النظر عن العوامل الطبيعية الأخرى، إذ نلاحظ تعاظم إنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون بعد الحرب العالمية الثانية وخروج العالم من الركود الاقتصادي إلى الاقتصاد الاستهلاكي شديد التلويث بالبيئة. ولكن تحولات مناخية مهمة عصفت بالأرض في الماضي، من دون أن ترتفع نسبة الغازات الدفيئة، فكيف حدث ذلك؟

أدت النشاطات الشمسية المتفاوتة الشدة في الماضي إلى تغير معدل درجات الحرارة؛ ففيما يطلق على فترة الدفء الحراري في العصور الوسطى (Medieval Warming Period) التي امتدت من مطلع القرن التاسع الميلادي لغاية نهاية القرن الثالث عشر، تدنت درجة الحرارة خلال العصر الجليدي المصغر (Little Ice Age) الذي امتد حتى مطلع القرن التاسع عشر.
Page 8
هناك دلائل قوية على أن البرودة الشديدة قد دفعت قبائل الهنّ، وبعض القبائل الجرمانية وقبائل الفرنج، إلى النزوح من شمال أوروبا صوب الجنوب الشرقي باتجاه نهر الفولغا، وكذلك استمروا زحفاً لجهة الجنوب باتجاه نهر الراين صوب الإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي أدى إلى انهيارها في القرن الخامس للميلاد ودخول أوروبا في العصور الوسطى الحالكة الظلمة، في حين كانت الحضارة العربية الإسلامية تشق طريقها صوب الشمال الغربي في القرن السابع الميلادي.

وبالرغم من هيمنة الطقس الدافئ على أوروبا منذ مطلع القرن التاسع للميلاد، فلم تمنع فترة الدفء المناخي تعرض الأرض إلى فترات صقيع وبروده متدنية جداً في أوروبا وخارجها، ودليل ذلك تجمد نهر النيل عام 829 ميلادي بعد انقضاء فترة برودة سادت طوال القرن الثامن تقريباً(13).

من المعروف أن عصب الحياة في مصر الزراعية هو فيضان نهر النيل، إذ تشير الإحصاءَات التاريخية إلى انحسار منسوب المياه في الفترة الواقعة بين 930-1070، حيث مات نحو ربع سكان مصر إثر مجاعة عام 967؛ ثم ما لبث أن ارتفع منسوب المياه خلال الأعوام 1070-1180، تلاه انخفاض ملحوظ بعد ذلك بين الأعوام 1180 - 1350. وقد أدى هذا التذبذب إلى هجرات مناخية وتحولات اجتماعية أسهمت في صياغة تاريخ العالم القديم(14).

أما في نصف الكرة الشمالي، فقد أدى ارتفاع درجة الحرارة في أوروبا نحو مطلع القرن التاسع للميلاد إلى زيادة النشاط الزراعي وتطور التقنيات الزراعة (المحراث ومعدات الفلاحة) نتيجة جفاف المستنقعات واستصلاح الأراضي للزراعة. ومع مطلع القرن العاشر بدأ العالم يشهد ارتفاعاً ملحوظاً في درجة الحرارة، وشرع الثلج يذوب في المضيق الذي يفصل النرويج عن آيسلندا، فانطلق الاستيطان في آيسلندا نحو ذلك التاريخ خلال فترة الدفء المناخي.

ونتيجة وفرة الإنتاج الزراعي ازداد عدد سكان أوروبا بسرعة كبيرة، حيث ظهرت نحو 1500 مدينة جديدة في وسط أوروبا بين عامي 1000 – 1250 للميلاد، الأمر الذي استنزف الطبيعة وساهم في تراجع مساحة الغابات على نحو غير مسبوق في التاريخ، وذلك لاستخدامها في التعدين والفحم الحجري والصناعات الحديدية لصناعة الأسلحة وصناعة المحاريث والأدوات الأخرى، فضلاً عن استخدام الأخشاب للتدفئة وفي بناء السفن والعربات والمنازل والقصور الأرستقراطية والكاثدرائيات العظيمة تمجيداً لله وشكراً له على الغلال الوفيرة التي تمتعت بها أوروبا في تلك الفترة؛ ولا يزال الكثير من هذه الأبنية قائماً حتى يومنا هذا، في بريطانيا وفرنسا وغيرها من دول شمال أوروبا(15).

يقدِّر العلماء اليوم أن نصف الغابات في أوروبا في ذلك العصر قد تمت إزالتها لأغراض الزراعة والرعي والتعدين والبناء والتدفئة والتصنيع وغيرها. وبالرغم من ذلك فإن التلوث لم يكن شديداً في تلك الفترة على النحو الذي هو عليه اليوم، فدخلت الأرض عصراً جليدياً بعد انحسار فترة الدفء المناخي مباشرة، على الأرجح بفعل ضعف النشاطات الشمسية آنذاك أو نتيجة ابتعاد الأرض عن الشمس في مدارها البيضاوي حول الشمس.

تشير الدلائل التاريخية إلى أن أوروبا كانت تتعرض لفترات برودة شديدة خلال فترة الدفء المناخي في العصور الوسطى، فعلى سبيل المثال، اشتدت البرودة في شتاء 1010 – 1011، وفي شتاء 1079، وذلك خلال فترة الدفء المناخي الواقعة بين 800 – 1300 التي تبعها العصر الجليدي المصغر(16).

كما عانت أوروبا من فترة برودة شديدة عام 1100، وتعرضت لفيضانات شديدة بين عامي 1143 – 1145 أدت إلى مجاعات عظيمة تركت آثاراً كبيرة. وفي عام 1215 أصابها الجفاف، فاضطر الناس لأكل لحاء الشجر وبيع أولادهم كأرقاء. أما في عام 1322 فقد اشتدت الأعاصير على نحو أعاق حركة الملاحة في القارة بأسرها. وتتزامن هذه التغيرات المناخية مع حروب الفرنج في الشرق، حيث نزح الأوروبيون نتيجة الظروف الجوية القاسية والأحوال المعيشية المقيتة، وبالطبع أدت إلى اندلاع الحروب العنيفة مع العرب والمسلمين في الشرق(17).

تشير حلقات الشجر العتيق في منغوليا، والتي تعود إلى القرن الثالث عشر، أن منغوليا تعرضت لجفاف شديد في تلك الفترة حيث اضطر أهلها للهجوم على الصين في الشرق، ولاحتلال الشرق الأوسط وغزو أوروبا. وما أن تحسنت أحوال الطقس في منغوليا حتى عاد المغول إلى بلادهم، بالرغم من أنهم اجتاحوا أوروبا الشرقية وكادوا أن يصلوا إلى المحيط الأطلسي لولا أن اضطرتهم للعودة أحداث سياسية مهمة جرت في داخل منغوليا؛ فقد حققوا نجاحات باهرة ولم تواجههم أو تهدد وجودهم هناك أي قوة ذات قيمة(18).



تفاوت معدل درجة حرارة الأرض من عقد إلى آخر

ويلاحظ في الشكل الأخير تناوب البرودة والدفء منذ القرن السابع عشر للميلاد، وأيضاً يلاحظ التفاوت النسبي في معدلات درجة الحرارة خلال العقد الواحد، فضلاً عن ارتفاع الحرارة المضطرد في القرن العشرين.

نحو عام 1520 بدأ الدفء المناخي يسود العالم، واستمر لغاية عام 1640، ثم عادت الدورة مرة أخرى حيث بدأ البرد يشتد منذ عام 1640؛ وقد سجلت أرقاماً قياسية لتدني درجة الحرارة بين عامي 1680 – 1700؛ كذلك، كان العقد الواقع بين 1810 – 1820 بارداً جداً، ووصلت الموجة الباردة أوجها عام 1816 عندما لم يتمتع الأوروبيون بصيف ذلك العام فتم الانتقال من الربيع إلى الخريف من دون العبور بفصل الصيف، وهذه الأحداث واضحة تمام الوضوح في الشكل الأخير.

وهناك دلائل تشير إلى أن نهر التايمز في لندن كان يتجمد سنوياً في فترات متفاوتة، حيث كانت تقام “مهرجانات الجليد” فوقه. وتجمد نهر التايمز مرتبط بتدني معدل درجة الحرارة في العالم، كما يتضح من الشكل الأخير كذلك.



تجمد نهر التايمز في لندن عند جسر رتشموند Richmond Bridge

اللوحة الظاهرة في الصورة أعلاه تعود الى عام 1855، وتوضح تجمد نهر التايمز في لندن عند جسر رتشموند نحو منتصف القرن التاسع عشر، حيث كان الناس يمارسون رياضات متنوعة على الجليد. أما بعد أن تعمقت الثورة الصناعية فقد بدأت درجة الحرارة ترتفع ولم يبقَ من شاهد على تجمد نهر التايمز سوى ما هو مسجل في بطون الكتب أو ما يظهر في بعض اللوحات الفنية لذلك العصر.

ثم بدأت بعد ذلك دورة جديدة من الدفء المناخي في العالم استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر، تبعتها فترة باردة لغاية عام 1925، ومنذ ذلك الوقت توقع بعض العلماء أن تستمر الدورة الدافئة لغاية عام 2010، حيث يتوقع علماء آخرون أن تعود بعد ذلك الدورة الباردة من جديد، وربما تمتد إلى عام 2110، مع بعض الفترات التي تشتد فيها الانفجارات الشمسية؛ ولكننا نعتقد أن التلوث الحالي لن يسمح لهذه البرودة أن تشتد كثيراً، لأن تلويث الأرض قد رفع من درجة حرارة هذا الكوكب وسوف يستمر في فعل ذلك خلال القرن الحادي والعشرين في أغلب التقديرات.
Page 9
4) كيف تختلف ظاهرة الانحباس الحراري المعاصرة عن سابقاتها؟

أدت الظواهر الطبيعية في الماضي إلى تغيرات مناخية مهمة أدخلت الكرة الأرضية في عصور جليدية وفترات متناوبة من الدفء المناخي. ومن هذه الظواهر الطبيعية اشتداد النشاطات الشمسية أو خفوتها، تغير محور دوران الأرض حول نفسها وتباين مسار الأرض حول الشمس، من حيث بعدها عن الشمس أو قربها منها.

وهناك عوامل طبيعية أخرى أسهمت في التغير المناخي، مثل سقوط أجرام سماوية على سطح الأرض أدت إلى إطلاق أغبرة كثيفة في الجو حجبت أشعة الشمس وأدت إلى هبوط معدل درجة الحرارة. وربما يكون قد أدى اصطدام النيازك بالأرض إلى اشتعال الغابات وانتشار الحرائق، وكذلك انتشار السخام في الجو ليحجب أشعة الشمس عن الأرض ويسهم في خفض درجة حرارة الغلاف الحيوي المحيط بها.

ومثال ذلك بركان تمبورا (Tambora) في إندونيسيا الذي انفجر عام 1815 وأدى إلى مقتل 71000 نسمة ونجمت عنه تغيرات مناخية في العالم، حيث لم تشهد له البشرية مثيلاً في العصور الحديثة، إذ حجب سخام البركان أشعة الشمس لمدة سنتين فانقضى صيف عام 1816 على العالم بطقس بارد، إذ يقال إن الانتقال من الربيع إلى الخريف تم مباشرة من دون العبور بفصل الصيف في تلك السنة.



بركان تمبورا (Tambora) في إندونيسيا الذي انفجر عام 1815

ومثال ذلك أيضاً ثوران بركن بيناتوبو (Pinatubo) في الفلبين خلال شهر حزيران 1991، الذي استمر ينفث الحمم لغاية شهر آذار عام 1992، حيث أثر ذلك على معدل درجة حرارة الغلاف الجوي، إذ انخفضت قليلاً لفترة وجيزة.

كما تتعرض الأرض بين فينة وأخرى إلى حرائق طبيعية بفعل الصواعق، على سبيل المثال، فتحترق الغابات وتطلق الغازات الدفيئة والمواد العالقة في الجو، التي بدورها تحجب أشعة الشمس أيضاً وتسهم في خفض معدل درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض؛ ناهيك بتقلص الرقعة الخضراء الناجم عن الاحتراق أو ارتطام النيازك أو انفجار البراكين التي تسهم في امتصاص سطح الأرض لكميات أكبر من الموجات الحرارية لأشعة الشمس، فضلاً عن انجرافات التربة الناجمة عن الأمطار الغزيرة والتي تؤدي إلى نقص المساحة الخضراء على الكوكب برمته وبالتالي خفض كميات ثاني أكسيد الكربون التي يستهلكها النبات، الأمر الذي يسهم في استفحال ظاهرة الانحباس الحراري.

ولكن، بعد انقضاء الحوادث الطبيعية، ما تلبث أن تعود درجة حرارة الأرض لترتفع من جديد بعد استقرار الأوضاع وترسب الأغبرة والسخام؛ إذ تؤدي الغازات التي تكون قد انطلقت في الجو إلى امتصاص الموجات الحرارية من الأشعة الشمسية، كما تغدو الأراضي الجرداء الموشحة بالسواد أعظم قدرة على امتصاص الموجات الحرارية من أشعة الشمس الساقطة عليها، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع معدل درجة حرارة الأرض من جديد.

ولكن هذه الظواهر الطبيعية تقابلها ردة فعل طبيعية من جانب الأرض، إذ تقوم الطبيعة نفسها بترميم الأضرار التي لحقتها، فتنمو الغابات من جديد على أنقاض الحرائق أو ثوران البراكين وموجات الزلازل والتسونامي أو الدمار الإعصاري العنيف، ويساعدها في تحقيق ذلك مخلفات الحرائق والنيازك والبراكين الثائرة التي تزودها بما تحتاج إليه من غذاء غني بالمعادن والنيتروجين وما إلى ذلك.

هذا في ما يتعلق بالطبيعة التي تقوم بترميم الأضرار البيئية بقواها الذاتية، ولكن هل تستطيع الأرض ترميم وإصلاح الأضرار التي أحدثها الإنسان في ثوراته الصناعية المتتالية خلال القرنين الأخيرين؟

صحيح أن الإنسان أحدث تغييرات في البيئة الطبيعية عبر تاريخه القديم أيضاً، حين اتخذ المستوطنات الدائمة مقراً له وأقام السدود والمشاريع الزراعية والمائية والرعوية وبنى السفن وصنع الأسلحة، ولكن التكنولوجيا التي توافرت لديه كانت محدودة وبدائية مقارنة بتلك التي هي بحوزتنا اليوم، لذا، فإن التغيرات الأهم في البيئة بدأت تظهر إرهاصاتها منذ الثورة العلمية الكبرى في القرن السابع عشر؛ عندما بدأ الإنسان يكتشف قوانين الطبيعة وشرع يحلم بالسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لخدمته ورفاهيته.

وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر هيأت الاكتشافات والاختراعات العلمية مراكز مهمة في أوروبا كي تدخل عصر الثورة الصناعية الأولى، التي قامت على الفحم الحجري والخشب بأنواعه، حيث تسبب احتراق وقود قطارات سكة الحديد والمحرك البخاري الذي اخترعه جيمس واط في تلويث الهواء؛ وتعمـقت الثـورة الصـناعية الأولى بالثـورة الثـانية، الــتي اعتمدت على الصُّــلب، والكهرباء، والبترول، والمحرك ذي الاحتراق الداخلي. وساعدت الأخيرة على إنضاج الرأسمالية الاحتكارية، الأمر الذي أخذ يُعمـق من أزمة التلوث في الهواء والماء وعلى الأرض وما ينبت منها، وبات يقض مضجع الإنسان المعاصر ويهدد الكرة الأرضية بالدمار.

لم تكن الثورة الصناعية التي حدثت في القرن التاسع عشر مفيدة سوى للغرب الاستعماري، فيما أدت إلى زيادة إفقار الدول الفقيرة أصلاً وذلك نتيجة نهب المواد الخام من تلك الدول وتحويلها إلى مزارع لإنتاج المواد الخام لصناعاتها، كالقطن في مصر(19)؛ كذلك، كان أثر الثورة الصناعية المتقدمة على العالم كبيراً، فقد بات واضحاً حجم الضرر الذي لحق بالكرة الأرضية نتيجة التلوث الذي نجم عن الصناعات شديدة التلويث للبيئة، بفعل احتراق الفحم الحجري والوقود الأحفوري (النفط ومشتقاته) وإنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة التقليدية، كالوقود الأحفوري، والتوسع في الزراعة، والإفراط في استخدام السماد والمبيدات، وأيضاً التوسع في تربية المواشي على حساب الغابات.
Page 10
تباين محتوى جو الأرض من غاز ثاني أكسيد الكربون

ويتضح من الشكل الأخير، وفي الجزء العلوي منه تحديداً، كيف بدأ محتوى الهواء من غاز ثاني أكسيد الكربون يرتفع منذ انطلاقة الثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر، ويتضح كذلك كيف غدا هذا الارتفاع شديداً في العقود الأخيرة من القرن العشرين. بالمقابل، فإن الأرض لم تتعرض إلى هذه التغيرات منذ نحو نصف مليون عام، كما يتضح من الجزء السفلي من الشكل الأخير؛ ففترات البرودة والدفء كانت تتناوب بانتظام فيما مضى من عصور على كرتنا الأرضية. وبناءً عليه، فإن تكيف الأرض مع هذا التغير المناخي غير المسبوق سوف يكون صعباً للغاية.

وهكذا أصبحنا نقف أمام ظاهرة الانحباس الحراري المعاصرة التي تختلف في مفاصلها الأساسية عن فترات الدفء المناخي التي تعرضت لها الأرض في حقب سالفة، حيث يُعزى اليوم للغازات الدفيئة التي ينتجها الإنسان المعاصر ارتفاع درجة الحرارة في القرنين الماضيين، بينما كانت أسبابها في الماضي طبيعية ناجمة عن شدة الإشعاع الشمسي أو تغير مسار الأرض واقترابها من الشمس، أو بفعل بعض الحوادث الطبيعية والكوارث العالمية، كانفجارات البراكين أو احتراق الغابات أو سقوط نيازك.

أخذت درجة حرارة الأرض ترتفع في القرن التاسع عشر بفعل التصنيع الكثيف واتساع الرقع الزراعية على حساب الغابات وانتشار مزارع المواشي وما إلى ذلك، فكان واضحاً أن معدل درجة حرارة الأرض قد ارتفع في القرن التاسع عشر نسبة إلى القرن الذي سبقه؛ وكان واضحاً بالقياس التجريبي أيضاً أن القرن العشرين كان أكثر سخونة مما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر. ويتوقع أن تستمر حرارة الأرض في الارتفاع في العقود القادمة ما لم يتم اتخاذ إجراءَات حازمة بهذا الشأن.

يؤدي ارتفاع درجة حرارة الأرض بفعل ظاهرة الانحباس الحراري الناجمة عن إطلاق نشاطات الإنسان غازات عديدة، كثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز وبعض مركبات الكلوروفلوروكربون، إلى أضرار عظيمة بالبيئة العالمية؛ من هذه الأضرار ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات وغرق الشواطئ بفعل ذوبان الثلوج، كما ينجم عن اشتداد درجة الحرارة تغيرات مناخية وتملح في التربة نتيجة الجفاف أو الاستغلال المفرط للأرض، ونحو ذلك من أضرار عظيمة سوف نناقشها فيما بعد في هذا الكتاب.



Annual Greenhouse Gas Emissions by Sector

ويظهر في الشكل الأخير مساهمة نشاطات الإنسان المختلفة في إنتاج الغازات الدفيئة التالية:-

غاز ثاني أكسيد الكربون: 29.5% منه ينجم عن محطات توليد الكهرباء بالوقود الأحفوري، 20.6% النشاطات الصناعية، 19.2% قطاع النقل، 12.9% الاستخدامات السكنية والتجارية، 9.1% استخدامات الأراضي وحرق الوقود الأحفوري، 8.4% متنوعات.

أما غاز الميثان فينتج عن النشاطات التالية: 40% النشاطات الزراعية، 29.6% إنتاج الوقود الأحفوري وتوزيعه، 18.1% الفضلات ومعالجتها.

أما غاز أكسيد النيتروز فينجم عن النشاطات الإنسانية الآتية: 62% النشاطات الزراعية، 26% استخدامات الأراضي وحرق الوقود الحيوي، 5.9% النشاطات الصناعية.

ويؤدي تزايد عدد السكان وارتباطه بنمط الإنتاج الاستهلاكي، وتعاظم التصنيع والزراعة وتربية المواشي والعبث بالطبيعة واشتداد الحروب وتطور الصناعات العسكرية والتكنولوجية الأخرى وصناعة الوقود العضوي من المحاصيل الزراعية ونحو ذلك، إلى تدمير الموائل الطبيعية بغرض توسيع الرقع الزراعية والرعوية، وحرق بقايا الزراعة، واستخدام الأدوية والأسمدة الكيميائية، وإنتاج اللحوم ومشتقات الألبان من مزارع الحيوانات بسرعة كبيرة تفوق معدلات نموها الطبيعي، وتطوير الغذاء المعدل جينياً، وتغيير أنماط غذاء المزارع المنتجة للـحوم(20)، وبغرض التعدين وبيع الأخشاب والتدمير العبثي للكثير منها بفعل الحرائق للاستحواذ على الأراضي وعلى الأخشاب كمصدر وقود للتدفئة وللطهو، وبخاصة في الدول الفقيرة. هذه النشاطات كلها تثبت تميز ظاهرة الانحباس الحراري المعاصرة عما سبقها من فترات دفء مناخي تاريخية، كما أنها تثبت خطورتها على مستقبل الكرة الأرضية.

وإذا ما أضفنا إلى مساهمات الإنسان التي ذكرناها سابقاً الكوارث الطبيعية، مثل الأعاصير وثورة البراكين والزلازل وموجات التسونامي، وإذا ما أضفنا التغيرات المناخية الناجمة عن تلوث البيئة كاشتداد الأعاصير وزيادة عددها وارتفاع منسوب مياه البحار وزيادة حمضية مياه البحار وموت الحيود المرجانية وما إلى ذلك، فإننا لا نفاجأ عندما نسمع عن انقراض تام لأنواع بيولوجية في كل يوم، وذلك نتيجة الأوضاع البيئية البائسة الحالية. بل يذهب بعض العلماء إلى القول إن نحو نصف التنوع الحيوي في الطبيعة سوف يندثر مع حلول نهاية القرن الحادي والعشرين، وذلك إذا تواصل تدمير البيئة على النحو الذي هو عليه اليوم(21).

ولا نفاجأ كذلك عندما نسمع عن ظاهرة الدفء الحراري (Global Warming) والانحباس الحراري وظاهرة البيت الزجاجي (Green-house effect)، وارتفاع درجة حرارة الأرض وما ينجم عن ذلك من ذوبان للجليد في القطبين، وارتفاع منسوب مياه البحار وغمر الكثير من السواحل وتملح مياه الشرب، فضلاً عن ظاهرة تآكل طبقة الأوزون التي باتت تسمح للأشعة فوق البنفسجية (UV) الضارة بالدخول إلى جو الكرة الأرضية، وأثر ذلك على انقراض الكثير من أنواع الحياة الدقيقة على الأرض وتقلص أعداد بعضها الآخر، فضلاً عن ضررها الصحي بالإنسان والحيوان والنبات من حيث النمو والتكاثر والعبث بالصفات الوراثية.

إن انحسار الرقعة الخضراء وتعمق الصحاري واندياحها يزيد من نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات الدفيئة، ويساهم في استفحال ظاهرة الانحباس الحراري بوصفها ظاهرة البيت الزجاجي التي صنعناها بممارساتنا الشريرة غير المسبوقة في تاريخ البشرية (أنظر زيادة كمية ثاني أكسيد الكربون في القرنين الأخيرين في الشكل الآتي).