Page 1
الجزء الاول
جميع عقائد الغرب والعقائد الحسنة تدخل هذا الرهان على البيان: أنّ الرمز قد يُشير لعمق المعنى، أنّ الرمز قد يُستبدل بمعنى، وأنّ شيئًا ما يضمن هذا الاستبدال... الربّ بالطبع. لكن ماذا لو أنّ الربّ نفسَه يمكن محاكاتُه، يمكن اختزاله في الرموز التي تُكوِّن العقيدة؟ لصارت حينئذٍ المنظومة كلُّها بلا وزن، لم تعد في حدّ ذاتها أيّ شيء سوى زيفٍ عملاق... ليست فقط غير حقيقية، بل زيف، ويستحيل استبدالها بشيءٍ حقيقي. هي تتبدّل بنفسها في دائرة محكمة بلا مَرجعٍ أو محيط.
(جين بودريّار)
بالقطع، يمكنُ لأيّ كائنٍ كان أن يبدوَ على غير ما هو عليه في حدِّ ذاته.
(مارتن هيدجر)
الجزء الأوّل
لا شيءَ حَسنٌ أو سيِّئ، الفكرُ هو ما يجعلُ الشيءَ حسنًا أو سيِّئًا. ليس هذا فحسب، بل لا شيءَ موجودٌ أصلًا إلّا إذا أوجده الفكرُ.
صمويل باتلر
واحد
لَدَيكِ الآنَ خيارٌ واحد
أنتِ... أتدلَّى من نافذة مكتبي أدخّن سيجارة خلسة وأحاول قراءة مارجينز)(1) في ضوء نهار الشتاء الكابي حين أسمع ضوضاء لم أسمعها من قبل، حسنًا، سمعت ضوضاء من قبل ـ دشَّ بوم وما إلى ذلك ـ لكنّها الآن تأتي من أسفل وهذا ما لا يُعقل، فلا شيء يمكن أن يأتي من أسفل؛ لأنّني في الطابق الأرضي. لكنّ الأرض ترتجّ وكأنّ شيئًا ما يحاول الاندفاع منها. أتخيّل أمّهات الآخرين ينفضنَ ألحفتَهنّ الريش، أو حتّى الربّ ينفض بساط الزمكان، ثم يخطر لي: يا لَلجحيم إنّه زلزال، أُلقي السيجارة وأركض خارج المكتب تقريبًا في اللّحظة نفسها التي تنطلق فيها أجراس الإنذار.
في العادة لا أجري حين تنطلق أجراس إنذار، من ذا الذي يفعل؟ إذ يكون الأمر هُراءً في الغالب: تدريب أو تجرِبة عملية. توقّفت الهزّة وأنا في طريقي لمدخل المبنى الجانبي، هل أعود لمكتبي؟ لكنّ البقاء في المبنى يستحيل مع هذا الجرس، صوتُه عال جدًّا، ينوح داخل رأسك. أمرُّ بينما أغادر المبنى بلوحة إرشاداتِ السلامة عليها صورٌ لأشخاص مصابين، تتغبّش الصور حين أمُرّ بها: رجل مصاب بآلام الظهر دهمته أيضًا أزمةٌ قلبية ومجموعة أشخاص هُلاميّين يحاولون إفاقته. كان عليّ العام الماضي أن أحضر محاضرة عن إرشادات السلامة، لكنّني لم أذهب.
جميع عقائد الغرب والعقائد الحسنة تدخل هذا الرهان على البيان: أنّ الرمز قد يُشير لعمق المعنى، أنّ الرمز قد يُستبدل بمعنى، وأنّ شيئًا ما يضمن هذا الاستبدال... الربّ بالطبع. لكن ماذا لو أنّ الربّ نفسَه يمكن محاكاتُه، يمكن اختزاله في الرموز التي تُكوِّن العقيدة؟ لصارت حينئذٍ المنظومة كلُّها بلا وزن، لم تعد في حدّ ذاتها أيّ شيء سوى زيفٍ عملاق... ليست فقط غير حقيقية، بل زيف، ويستحيل استبدالها بشيءٍ حقيقي. هي تتبدّل بنفسها في دائرة محكمة بلا مَرجعٍ أو محيط.
(جين بودريّار)
بالقطع، يمكنُ لأيّ كائنٍ كان أن يبدوَ على غير ما هو عليه في حدِّ ذاته.
(مارتن هيدجر)
الجزء الأوّل
لا شيءَ حَسنٌ أو سيِّئ، الفكرُ هو ما يجعلُ الشيءَ حسنًا أو سيِّئًا. ليس هذا فحسب، بل لا شيءَ موجودٌ أصلًا إلّا إذا أوجده الفكرُ.
صمويل باتلر
واحد
لَدَيكِ الآنَ خيارٌ واحد
أنتِ... أتدلَّى من نافذة مكتبي أدخّن سيجارة خلسة وأحاول قراءة مارجينز)(1) في ضوء نهار الشتاء الكابي حين أسمع ضوضاء لم أسمعها من قبل، حسنًا، سمعت ضوضاء من قبل ـ دشَّ بوم وما إلى ذلك ـ لكنّها الآن تأتي من أسفل وهذا ما لا يُعقل، فلا شيء يمكن أن يأتي من أسفل؛ لأنّني في الطابق الأرضي. لكنّ الأرض ترتجّ وكأنّ شيئًا ما يحاول الاندفاع منها. أتخيّل أمّهات الآخرين ينفضنَ ألحفتَهنّ الريش، أو حتّى الربّ ينفض بساط الزمكان، ثم يخطر لي: يا لَلجحيم إنّه زلزال، أُلقي السيجارة وأركض خارج المكتب تقريبًا في اللّحظة نفسها التي تنطلق فيها أجراس الإنذار.
في العادة لا أجري حين تنطلق أجراس إنذار، من ذا الذي يفعل؟ إذ يكون الأمر هُراءً في الغالب: تدريب أو تجرِبة عملية. توقّفت الهزّة وأنا في طريقي لمدخل المبنى الجانبي، هل أعود لمكتبي؟ لكنّ البقاء في المبنى يستحيل مع هذا الجرس، صوتُه عال جدًّا، ينوح داخل رأسك. أمرُّ بينما أغادر المبنى بلوحة إرشاداتِ السلامة عليها صورٌ لأشخاص مصابين، تتغبّش الصور حين أمُرّ بها: رجل مصاب بآلام الظهر دهمته أيضًا أزمةٌ قلبية ومجموعة أشخاص هُلاميّين يحاولون إفاقته. كان عليّ العام الماضي أن أحضر محاضرة عن إرشادات السلامة، لكنّني لم أذهب.
Page 2
أرى حين أفتح الباب الجانبيّ أشخاصًا يغادرون مبنى «راسل» ويمرّون بمبْنانا سيرًا أو ركضًا، يصعدون الدرجات الأسمنتية الرمادية نحو مبنى «نيوتن» والمكتبة. أنعطف يمينًا وأصعد الدرجات الأسمنتية قفزًا، درجتين في كلّ قفزة، السماء رمادية برذاذ كهربي رقيقٍ يعلَق في الهواء كأنّه جمُد داخل إطار. أحيانًا، في نهارات يناير تلك، تقرفص الشمس منخفضة في السماء مثل بوذا برتقالي مُلفَّع في فيلم وثائقيّ عن مغزى الحياة، لكن لا شمس اليوم. أصلُ لحافّةِ الزحام المتجمّع وأتوقّف عن الركض، الجميع ينظرون للشيء نفسه ويشهقون، ويصدرون أصواتًا كتلك التي تصدر عن مشاهدي عرض للألعاب النارية.
إنّه مبنى «نيوتن».
إنّه ينهار.
أفكّر في تلك اللّعبة ـ هل رأيتها مؤخّرًا على مكتب أحدٍ ما؟ ـ تلك التي على هيئة حصان خشبيّ صغير يقف على زِرٍّ حين تضغط عليه ينخّ الحصان على ركبتيه. هكذا يبدو مبنى «نيوتن» الآن، يخرّ منهارًا على ركبتيه لكن بلا اتّزان. ها قد انهار أحد جانبَيه، الآن الآخر، الآن... الآن توقّف، يصدر صريرًا ويتوقّف. تنفتح نافذة بالطابق الثالث على مصراعيها وتسقط منها شاشة حاسوب لتتهشّم على بقايا الفناء الأسمنتيّ بالأسفل، يقترب أربعة رجال بخوذات وسترات فلورسنتية من الفناء المنهار ببطء ثم يأتي رجل آخر يقول لهم شيئًا ما فيبتعدون كلُّهم ثانيةً.
يقف بجواري رجلان ببذلتين رماديتين.
«مشهد مكرّر(2)»، يقول أحدهما للآخر.
أنظرُ حولي بحثًا عن أحدٍ ما أعرفه، أجد ماري روبنسون مديرة القسم تتحدّث إلى ليزا هوبس، لا يوجد غيرهما الكثير من قسم إنجليزي. لكن ها هو ماكس ترومان يقف وحده يدخّن سيجارة، سيكون على علم بما يجري.
«مرحبًا آرييل»، يغمغم حين يراني قادمة وأقف بجانبه.
ماكس يغمغم دائمًا؛ ليس خَجلًا، بل بالأحرى كمن يخبرك بما عليك دفعه له مقابل تخليصك من ألدِّ أعدائك، أو تجهيز حصان للسّبق، هل يتقبّلني؟ لا أعتقد أنّه يثق بي، ولِمَ يفعل؟ بالنسبة له أنا صغيرة وحديثة العهد نسبيًّا في القسم وفي الغالب أبدو طموحة، حتّى وإن لم أكن كذلك، لي أيضًا شَعرٌ أحمر طويل ويقولون إنّني أبدو مخيفة (بسبب شعري؟ لسبب آخر؟) ومن لا يراني مخيفة يراني «مراوغة» أو «غريبة الأطوار»، قال لي أحد رفاق السكن السابقين ذات مرّة إنّه لا يحبّذ فكرة أن يُترك وحده معي على جزيرة منعزلة، لكنّه لم يقل لماذا.
«مرحبًا ماكس» أقول، ثم أضيف: «واو».
«في الغالب لم تسمعي عن النفق، أليس كذلك؟».
أهزّ رأسي، فيقول مشيرًا بعينيه لأسفل: «يوجد نفق سكّة حديد يمتدّ بالأسفل هنا»... يسحب نفسًا من سيجارته لكنّه ينزعها حين يجد أنّها انتهت ويشير بها حول الحرم مضيفًا: «يمتدّ أسفل راسل من هنا، وأسفل نيوتن من هنا، ويصل، أو كان يصل، بين المدينة والضفّة، لم يُستخدم منذ مئة سنة أو ما يقرب، وهذه هي المرّة الثانية التي ينهار فيها ويأخذ معه نيوتن، كان عليهم ردمه بالأسمنت في المرّة الماضية».
أنظر حيثُ أشار ماكس ويبدأ ذهني فورًا في رسم خطوط مستقيمة تربط نيوتن براسل، أتخيّل النفق تحتها فأجد أنّه أيًّا كانت الطريقة التي ترسم بها الخطّ، فلا بدّ أن يمرّ دائمًا بقسم الدراسات الإنجليزية والأمريكية.
«على الأقلّ الجميع بخير»، يقول. «فقد رأى عمّال الصيانة شقًّا في الحائط وأخلَوا المبنى تمامًا هذا الصباح».
ترتجف ليزا. «لا أصدّق ما يحدث»، تقول وهي تنظر لأعلى مبنى نيوتن. أظلمت السماء الرمادية وبدأ المطر ينهمر بغزارة. يبدو مبنى نيوتن غريبًا بدون أضوائه، كأنّه عقب سيجارة أطفأه أحدهم.
«ولا أنا». أقول.
لثلاث دقائق أو أربعٍ تالية نقف جميعًا صامتين نحدّق في المبنى ثم يجول بيننا رجل بميكروفون كبير يخبرنا أنّ علينا العودةَ لمنازلنا مباشرة دون أن نعود لمكاتبنا. أشعر برغبة في البكاء، ثمّة شيءٌ ما في الأسمنت المتهدّم حزين للغاية.
لا يعنيني الآخرون، لكنّ عودتي للمنزل ليست بتلك السهولة، فليس لديَّ سوى نسخة واحدة من مفتاح شقّتي هي التي في المكتب وكذلك معطفي ووشاحي وقفّازي وقبّعتي وحقيبة الظهر.
إنّه مبنى «نيوتن».
إنّه ينهار.
أفكّر في تلك اللّعبة ـ هل رأيتها مؤخّرًا على مكتب أحدٍ ما؟ ـ تلك التي على هيئة حصان خشبيّ صغير يقف على زِرٍّ حين تضغط عليه ينخّ الحصان على ركبتيه. هكذا يبدو مبنى «نيوتن» الآن، يخرّ منهارًا على ركبتيه لكن بلا اتّزان. ها قد انهار أحد جانبَيه، الآن الآخر، الآن... الآن توقّف، يصدر صريرًا ويتوقّف. تنفتح نافذة بالطابق الثالث على مصراعيها وتسقط منها شاشة حاسوب لتتهشّم على بقايا الفناء الأسمنتيّ بالأسفل، يقترب أربعة رجال بخوذات وسترات فلورسنتية من الفناء المنهار ببطء ثم يأتي رجل آخر يقول لهم شيئًا ما فيبتعدون كلُّهم ثانيةً.
يقف بجواري رجلان ببذلتين رماديتين.
«مشهد مكرّر(2)»، يقول أحدهما للآخر.
أنظرُ حولي بحثًا عن أحدٍ ما أعرفه، أجد ماري روبنسون مديرة القسم تتحدّث إلى ليزا هوبس، لا يوجد غيرهما الكثير من قسم إنجليزي. لكن ها هو ماكس ترومان يقف وحده يدخّن سيجارة، سيكون على علم بما يجري.
«مرحبًا آرييل»، يغمغم حين يراني قادمة وأقف بجانبه.
ماكس يغمغم دائمًا؛ ليس خَجلًا، بل بالأحرى كمن يخبرك بما عليك دفعه له مقابل تخليصك من ألدِّ أعدائك، أو تجهيز حصان للسّبق، هل يتقبّلني؟ لا أعتقد أنّه يثق بي، ولِمَ يفعل؟ بالنسبة له أنا صغيرة وحديثة العهد نسبيًّا في القسم وفي الغالب أبدو طموحة، حتّى وإن لم أكن كذلك، لي أيضًا شَعرٌ أحمر طويل ويقولون إنّني أبدو مخيفة (بسبب شعري؟ لسبب آخر؟) ومن لا يراني مخيفة يراني «مراوغة» أو «غريبة الأطوار»، قال لي أحد رفاق السكن السابقين ذات مرّة إنّه لا يحبّذ فكرة أن يُترك وحده معي على جزيرة منعزلة، لكنّه لم يقل لماذا.
«مرحبًا ماكس» أقول، ثم أضيف: «واو».
«في الغالب لم تسمعي عن النفق، أليس كذلك؟».
أهزّ رأسي، فيقول مشيرًا بعينيه لأسفل: «يوجد نفق سكّة حديد يمتدّ بالأسفل هنا»... يسحب نفسًا من سيجارته لكنّه ينزعها حين يجد أنّها انتهت ويشير بها حول الحرم مضيفًا: «يمتدّ أسفل راسل من هنا، وأسفل نيوتن من هنا، ويصل، أو كان يصل، بين المدينة والضفّة، لم يُستخدم منذ مئة سنة أو ما يقرب، وهذه هي المرّة الثانية التي ينهار فيها ويأخذ معه نيوتن، كان عليهم ردمه بالأسمنت في المرّة الماضية».
أنظر حيثُ أشار ماكس ويبدأ ذهني فورًا في رسم خطوط مستقيمة تربط نيوتن براسل، أتخيّل النفق تحتها فأجد أنّه أيًّا كانت الطريقة التي ترسم بها الخطّ، فلا بدّ أن يمرّ دائمًا بقسم الدراسات الإنجليزية والأمريكية.
«على الأقلّ الجميع بخير»، يقول. «فقد رأى عمّال الصيانة شقًّا في الحائط وأخلَوا المبنى تمامًا هذا الصباح».
ترتجف ليزا. «لا أصدّق ما يحدث»، تقول وهي تنظر لأعلى مبنى نيوتن. أظلمت السماء الرمادية وبدأ المطر ينهمر بغزارة. يبدو مبنى نيوتن غريبًا بدون أضوائه، كأنّه عقب سيجارة أطفأه أحدهم.
«ولا أنا». أقول.
لثلاث دقائق أو أربعٍ تالية نقف جميعًا صامتين نحدّق في المبنى ثم يجول بيننا رجل بميكروفون كبير يخبرنا أنّ علينا العودةَ لمنازلنا مباشرة دون أن نعود لمكاتبنا. أشعر برغبة في البكاء، ثمّة شيءٌ ما في الأسمنت المتهدّم حزين للغاية.
لا يعنيني الآخرون، لكنّ عودتي للمنزل ليست بتلك السهولة، فليس لديَّ سوى نسخة واحدة من مفتاح شقّتي هي التي في المكتب وكذلك معطفي ووشاحي وقفّازي وقبّعتي وحقيبة الظهر.
Page 3
يمنع الحارس المرور من المدخل الرئيسي للمبنى، فأهبط الدرجات وأسلك الطريق الجانبي. اسمي ليس مكتوبًا على باب مكتبي. مكتوب عليه فقط اسم صاحبه الرسمي، بروفيسور سول بيرلوم. قابلت بيرلوم مرّتين فقط قبل مجيئي هنا: في مؤتمر بجرينيتش، والمقابلة الرسمية التي أجراها معي. ثم اختفى بعد أسبوع واحد من مجيئي. أذكر أنّي دخلت المكتب صباح يوم خميس ولاحظت أنّه مختلف. بدايةً كانت الستائر مسدلة والنافذة مغلقة: بيرلوم يغلق نافذته في نهاية كلّ يوم، لكنّ أيًّا منّا لم يقرَب الستائر الرمادية النحيلة البشعة، ممّا أبقى على رائحة دُخَان السجائر. كنت أتوقّع حضوره يومها حوالَي الساعة العاشرة، لكنّه لم يأتِ. بحلول الاثنين التالي بدأت أسأل عنه الآخرين فقالوا إنّهم لا يعلمون شيئًا، وعند نقطة ما، تولّى أحدهم محاضراته. لا أعرف هل تدور نميمة في القسم حول هذا الأمر أم لا ـ فلا أحد ينمُّ معي ـ لكن على ما يبدو أنّهم يفترضون أنّني أتابع إعداد رسالة الدكتوراه الخاصّة بي وأنّ وجوده ليس بذي أهمّية كبيرة لي. إنّه السبب الرئيسي لمجيئي هنا بالطبع: فهو الوحيد في العالم الذي قام ببحوث جادّة حول أحد اهتماماتي الرئيسية، كاتب القرن التاسع عشر توماس إي لوماس. بدون بيرلوم لست واثقة حقًّا من سبب وجودي هنا. وبالفعل أشعر بشيءٍ ما يتعلّق باختفائه؛ ليس افتقادًا على وجه الدقّة، لكنّه شيءٌ ما.
سيّارتي في ساحة انتظار السيّارات التابعة لمبنى نيوتن. لا أُدهش إطلاقًا حين أصل هناك وأجد عدّة رجال بخوذات ثقيلة يطلبون من الناس أن يتركوا سيّاراتهم في مكانها وأن يعودوا سيرًا على الأقدام أو بالحافلة. أحاول مناقشتهم ـ فأقول إنّني يسعدني أن أجازف؛ لأنّ مبنى نيوتن لن يُعيد المشهد مرّة أخرى ببطءٍ لينهار مجدّدًا في اتّجاهٍ مختلف تمامًا ـ لكنّهم كانوا في غاية السعادة وهم يخبرونني أن أغرُبَ عن وجوههم، وأن أعود إلى المنزل سيرًا على الأقدام أو بالحافلة كالآخرين، في النهاية أتوجّه لمحطّة الأتوبيس. ما زال يناير في بداياته لكنّ بعض زهور النرجس البرّي وقطرات اللبن شقّت طريقها عبر الأرض بالفعل واصطفّت في صفوف صغيرة مندّاةً على جانبَي الممشى. محطّة الأتوبيس قابضة للنفس: طابور من بَشَرٍ يبدو عليهم البرد والهشاشة مثل صفوف الزهرات، فأقرّر أن أسير.
ظنِّي أنّ ثمّة طريقًا مختصرًا للمدينة عبر الغابة، لكنّي لا أعلم من أين، أسلك المسار الذي كنت سأقود فيه السيارة حتّى أغادر الحرم فقط، يستمرّ ذهني في استعادة مشهد انهيار المبنى حتّى أتنبّه أنّ ذاكرتي تحتفظ بأشياء لم تحدث أساسًا فأقلع تمامًا عن التفكير في هذا. ثم أفكّر في نفق السكّة الحديد، سبب وجوده هنا مفهوم: فالحرم مشيّد بصفة عامّة على قمّة ربوة عالية ومن المنطقيّ أن يكون المرور بها من أسفلها وليس من أعلاها. قال ماكس إنّ النفق لم يُستخدم منذ أكثر من مئة عام تقريبًا، من يعلم كيف كان الحال منذ مئة عام، ليس حال الجامعة بالطبع، تلك شُيِّدت في الستينيات. الجوّ بارد جدًّا. هل أكان من الأفضل أن أنتظر الحافلة؟ لكن لم يمرّ بي أتوبيس أثناء سيري. أصل للطريق الرئيسية للمدينة وأصابعي متجمّدة داخل القفّازات، أتحقّق من الطرق المتفرِّعة يمينًا؛ بحثًا عن طريق مختصر. على الطريق الأوّل لافتةُ (ممنوع الدخول)، أجزاء منها ملطَّخة بفضلات طيور النورس؛ الطريق الأخرى تبدو أفضل حالًا، إلى يسارها بيوت بشرفات من الطوب الأحمر، أسلكها.
ظننتُ أنّه طريق سكنيّ، لكن سرعان ما اختفت بيوت الطوب الأحمر وظهر متنزّهٌ صغير به أرجوحتان وزلّاقة تُركوا ليصدءوا تحت الظلال القاتمة لتشابُك فروع شجرة بلوط جرداء. خلف المتنزّه حانةٌ بجوارها صفٌّ صغير من المتاجر. متجرٌ خيريٌّ بهيئةٍ حزينة، مغلق الآن، ومصفِّف شعر حريميّ من ذلك النوع الذي يصبغ الخُصلات الزرقاء ويقدّم خصم خمسين بالمئة أيّام الاثنين. ثمّة أيضًا كشك جرائد، ومتجر حيوانات أليفة ثم ـ آها ـ متجر للكتب المستعملة. وما زال مفتوحًا. أشعر أنّني تجمّدت من البرد. فأدخل.
الجوّ دافئ بالداخل ورائحة خفيفة لملمِّع أثاث. على الباب جرس صغير يظلّ يصلصل لثلاث ثوانٍ على الأقلّ بعد أن أغلق الباب. تأتي شابّة من خلف أرفف كتبٍ ضخمة في يدها علبة ملمِّع أثاث وفوطة صفراء. تبتسم باقتضاب وتخبرني أنّ المكان سيغلق خلال عشر دقائق لكن لا بأس من أن أتجوّل قليلًا. ثم تجلس وتأخذ في نقر شيءٍ ما على لوحة مفاتيح أمامها متّصلة بجهاز كمبيوتر على الطاولة.
«ألديك فهرس إلكتروني للكتب الموجودة هنا»؟ أسألها.
تتوقّف عن الكتابة وترفع بصرها لي. «نعم، لكنّي لا أعرف كيفيّة استخدامه، أنا فقط في محلِّ صديقتي. عذرًا».
«آه. لا بأس».
«عمّ تبحثين؟».
«لا يهمّ».
«لا، أخبريني ربّما أتذكّر مروري به أثناء التلميع».
«مم. حسنًا إذن، يوجد كاتب يُدعى توماس إي لوماس، هل لديكم أي من كُتبه؟» دائمًا أسأل هذا السؤال في متاجر الكتب المستعملة. ونادرًا ما يوجد شيءٌ منها، والحقيقة أنّ لديَّ أغلب كُتبه بالفعل، لكنّي أظلّ أُكرِّر السؤال؛ أملًا في نسخة أفضل أو أقدم أو بمقدّمة مختلفة أو غلاف خارجي أنظف.
«ارر...». تقطب جبينها قائلة: «كأنّ الاسم مألوف قليلًا».
سيّارتي في ساحة انتظار السيّارات التابعة لمبنى نيوتن. لا أُدهش إطلاقًا حين أصل هناك وأجد عدّة رجال بخوذات ثقيلة يطلبون من الناس أن يتركوا سيّاراتهم في مكانها وأن يعودوا سيرًا على الأقدام أو بالحافلة. أحاول مناقشتهم ـ فأقول إنّني يسعدني أن أجازف؛ لأنّ مبنى نيوتن لن يُعيد المشهد مرّة أخرى ببطءٍ لينهار مجدّدًا في اتّجاهٍ مختلف تمامًا ـ لكنّهم كانوا في غاية السعادة وهم يخبرونني أن أغرُبَ عن وجوههم، وأن أعود إلى المنزل سيرًا على الأقدام أو بالحافلة كالآخرين، في النهاية أتوجّه لمحطّة الأتوبيس. ما زال يناير في بداياته لكنّ بعض زهور النرجس البرّي وقطرات اللبن شقّت طريقها عبر الأرض بالفعل واصطفّت في صفوف صغيرة مندّاةً على جانبَي الممشى. محطّة الأتوبيس قابضة للنفس: طابور من بَشَرٍ يبدو عليهم البرد والهشاشة مثل صفوف الزهرات، فأقرّر أن أسير.
ظنِّي أنّ ثمّة طريقًا مختصرًا للمدينة عبر الغابة، لكنّي لا أعلم من أين، أسلك المسار الذي كنت سأقود فيه السيارة حتّى أغادر الحرم فقط، يستمرّ ذهني في استعادة مشهد انهيار المبنى حتّى أتنبّه أنّ ذاكرتي تحتفظ بأشياء لم تحدث أساسًا فأقلع تمامًا عن التفكير في هذا. ثم أفكّر في نفق السكّة الحديد، سبب وجوده هنا مفهوم: فالحرم مشيّد بصفة عامّة على قمّة ربوة عالية ومن المنطقيّ أن يكون المرور بها من أسفلها وليس من أعلاها. قال ماكس إنّ النفق لم يُستخدم منذ أكثر من مئة عام تقريبًا، من يعلم كيف كان الحال منذ مئة عام، ليس حال الجامعة بالطبع، تلك شُيِّدت في الستينيات. الجوّ بارد جدًّا. هل أكان من الأفضل أن أنتظر الحافلة؟ لكن لم يمرّ بي أتوبيس أثناء سيري. أصل للطريق الرئيسية للمدينة وأصابعي متجمّدة داخل القفّازات، أتحقّق من الطرق المتفرِّعة يمينًا؛ بحثًا عن طريق مختصر. على الطريق الأوّل لافتةُ (ممنوع الدخول)، أجزاء منها ملطَّخة بفضلات طيور النورس؛ الطريق الأخرى تبدو أفضل حالًا، إلى يسارها بيوت بشرفات من الطوب الأحمر، أسلكها.
ظننتُ أنّه طريق سكنيّ، لكن سرعان ما اختفت بيوت الطوب الأحمر وظهر متنزّهٌ صغير به أرجوحتان وزلّاقة تُركوا ليصدءوا تحت الظلال القاتمة لتشابُك فروع شجرة بلوط جرداء. خلف المتنزّه حانةٌ بجوارها صفٌّ صغير من المتاجر. متجرٌ خيريٌّ بهيئةٍ حزينة، مغلق الآن، ومصفِّف شعر حريميّ من ذلك النوع الذي يصبغ الخُصلات الزرقاء ويقدّم خصم خمسين بالمئة أيّام الاثنين. ثمّة أيضًا كشك جرائد، ومتجر حيوانات أليفة ثم ـ آها ـ متجر للكتب المستعملة. وما زال مفتوحًا. أشعر أنّني تجمّدت من البرد. فأدخل.
الجوّ دافئ بالداخل ورائحة خفيفة لملمِّع أثاث. على الباب جرس صغير يظلّ يصلصل لثلاث ثوانٍ على الأقلّ بعد أن أغلق الباب. تأتي شابّة من خلف أرفف كتبٍ ضخمة في يدها علبة ملمِّع أثاث وفوطة صفراء. تبتسم باقتضاب وتخبرني أنّ المكان سيغلق خلال عشر دقائق لكن لا بأس من أن أتجوّل قليلًا. ثم تجلس وتأخذ في نقر شيءٍ ما على لوحة مفاتيح أمامها متّصلة بجهاز كمبيوتر على الطاولة.
«ألديك فهرس إلكتروني للكتب الموجودة هنا»؟ أسألها.
تتوقّف عن الكتابة وترفع بصرها لي. «نعم، لكنّي لا أعرف كيفيّة استخدامه، أنا فقط في محلِّ صديقتي. عذرًا».
«آه. لا بأس».
«عمّ تبحثين؟».
«لا يهمّ».
«لا، أخبريني ربّما أتذكّر مروري به أثناء التلميع».
«مم. حسنًا إذن، يوجد كاتب يُدعى توماس إي لوماس، هل لديكم أي من كُتبه؟» دائمًا أسأل هذا السؤال في متاجر الكتب المستعملة. ونادرًا ما يوجد شيءٌ منها، والحقيقة أنّ لديَّ أغلب كُتبه بالفعل، لكنّي أظلّ أُكرِّر السؤال؛ أملًا في نسخة أفضل أو أقدم أو بمقدّمة مختلفة أو غلاف خارجي أنظف.
«ارر...». تقطب جبينها قائلة: «كأنّ الاسم مألوف قليلًا».
Page 4
«لعلّك مررت بشيءٍ ما بعنوان التفاحة في الحديقة، عمله الأكثر شهرة، لكنّ الأعمال الأخرى ليست متوفّرة، كان يكتب في الفترة من منتصف القرن التاسع عشر حتّى آخره، لكنّه لم يحظَ بالشهرة التي يستحقّها...».
«التفاحة في الحديقة. لا، لم يكن ذلك ما رأيته»، تقول. ثم تضيف «انتظري». وتستدير لخزانة الكُتب الضخمة في الخلف. لام، لوم، لوماس... لا. لا يوجد شيء هنا» ثم تردف: «عفوًا، لا أعلم في أيّ فئةٍ يضعونه، هل هو روائي؟
ـ «بعض أعماله روائية»، أجيب.
ـ «لكنّ له، أيضًا، كتابًا عن تجارِب الفكر، وأشعارًا، ومقالاتٍ في الحكم، وعدّة كتبٍ علمية، وروايةً بعنوان نهاية السيِّد واي، إحدى أندر الروايات...».
ـ «نهاية السيِّد واي، تلك هي». تقول بحماسة.
ـ «انتظري».
ثمّ تذهب وتصعد سلّمًا في الخلف قبل أن أستطيع إخبارها بأنّها بالتأكيد مخطئة، يستحيل حقًّا تخيُّل أنّ لديها نسخةً من الرواية هنا. أضحِّي بكلّ ما أملك مقابل نسخة من نهاية السيِّد واي، آخر أعمال لوماس وأكثرها غموضًا. لا أعلم بأيّ رواية أخرى اختلط عليها الأمر، لكنّ من السخف الاعتقاد بأنّها لديها، لا يوجد اسم هذه الرواية في فهارس أيّ مكتبة ولا أحد لديه نسخة منها، فنسختُها الوحيدة في خزانة بنك بألمانيا. لكنّ حدسي يخبرني أنّ سول بيرلوم رأى نسخة منها من قبل، لستُ متأكِّدة. معروف أنّ «نهاية السيِّد واي» تتبعها لعنةٌ ما، ومع أنّني بالطبع لا أؤمن بتلك الأمور لكنّ بعضهم يعتقدون فعلًا أنّك إن قرأتها...تَمُت.
ـ «نعم، ها هي»، تقول الفتاة وهي تهبط السلّم وفي يدها صندوق كرتون صغير، «أهذا ما تبحثين عنه؟».
تضع الصندوق على منضدة الاستقبال.
أنظر لما بداخله. ثم ـ فجأة يتوقّف تنفُّسي ـ ها هو: كتاب صغير بغلاف مقوّى مكسوّ بقماش كريمي وعلى الغلاف والكعب حروف بنّيّة، في حالة ممتازة تقريبًا ما عدا الغلاف الواقي. لكنّ هذا مستحيل. أفتح الغلاف، وأقرأ صفحة العنوان ومعلومات النشر. ياه، خراء. هذه نسخة من نهاية السيِّد واي، ماذا أفعل الآن بحقِّ الجحيم؟
ـ «كم ثمنها؟» أسأل بحرص، وبصوت صغير بحجم الدبوس.
«نعم، تلك هي المشكلة». تقول وهي تدير الصندوق. «فصاحبة المكتبة تحصل على صناديق كهذا من مزادٍ في المدينة على ما أظنّ، ولمّا كانت وضعتهم بالأعلى، فهذا يعني أنّهم لم يُثمَّنوا بعد». تبتسم وتضيف: «ربّما لم يكن عليَّ أن أريكِ الصندوق من الأصل. هل يمكنك أن تأتي مرّة أخرى غدًا حين تكون هي هنا؟»
ـ «ليس مؤكّدًا...». أبدأ القول، «لكن...».
تمرق الأفكار في ذهني كالأشعّة الكونية. هل أخبرها أنّي لست من هنا وأطلب أن تتّصل بصاحبة المحلّ الآن؟ لا. واضح أنّ صاحبة المحلّ لا تعلم أنّ الكتاب هنا . ولا أريد المجازفة بأن تكون قد سمعت عنه وترفض بيعه لي... أو تطلب مقابله آلاف الجنيهات. ماذا أقول لأجعلها تعطيني الكتاب؟ تمرّ عدّة ثوانٍ. ثمّ يبدو أنّ الفتاة تلتقط سمّاعة التليفون الموجود على المنضد. «سأتّصل بها» تقول. «لأعرف ماذا أفعل».
بينما تنتظر بدء الاتصال أنظر في محتويات الصندوق، غير معقول، فيه كتبٌ أخرى للوماس وبضع ترجمات لدريدا(3) ليست لديّ، وكذلك ما يبدو أنّه الطبعة الأولى من أيوريكا(4) لإدجار آلان بُو(5)، كيف آلت تلك الأعمال لصندوق واحد معًا؟ لا أتخيّل أن يربط أحد بينها ما لم يكن يعمل على بحث مشابهٍ لرسالة الدكتوراه التي أعمل عليها. هل يعقل أنّ أحدًا آخر مهتمّ بالموضوع نفسه؟ غير وارد، خاصّة وقد استغنى عن الكتب. كأنّني أنظر لساعة باليه(6). كأنّ أحدهم وضع الكتب معًا في الصندوق فقط لجذب انتباهي.
«نعم»، تقول الفتاة لصديقتها. «صندوق صغير. بالأعلى. نعم، من تلك الكومة في الحمام. مم... يبدو خليط من جديد وقديم، بعض القديم بالٍ وسَقْط متاع. أغلفة ورقية على ما أظنّ...». تنظر في الصندوق وتُخرج منه كتابين لدريدا. أومئ لها برأسي. «نعم، خليط حقيقي. ياه، فعلًا؟ عظيم. نعم. خمسين جنيهًا؟ حقًّا؟ هذا كثير. حسنًا، سأسألها. نعم. معذرة. حسنًا، أراك لاحقًا».
تضع السماعة وتبتسم لي. «حسنًا»، تقول. «أخبار جيّدة وأخبار سيّئة. الجيّدة أنّه بإمكانك شراء الصندوق كلّه إن شئتِ، والأخبار السيّئة أنّه لا يمكنني أن أبيعك منه كتبًا منفصلة، إمّا كلّه أو لا شيء حقًّا، سام تقول إنّها هي من اشترت الصندوق من مزاد، وصاحبة المحلّ نفسها لم تره حتّى الآن. وقالت ـ كما هو واضح ـ أن ليس لديها مساحة على الأرفف لمزيد من الكتب... والسيّئة أنّ الصندوق كلّه سيكلفك خمسين جنيهًا، لذلك...».
ـ «سآخذه...»، أقول.
«حقًّا؟ أتنفقين هذا القدر على صندوق كتب؟». تبتسم وترفع كتفيها. «حسنًا، لا بأس، أعتقد أنّ هذا بخمسين جنيهًا إذن، من فضلك».
ترتعش يدي وأنا أُخرج محفظة النقود من حقيبتي، أسحب ثلاث ورقات من فئة العشرة جنيهات وورقة من فئة العشرين وأمدّ لها يدي. لا أتوقّف عند هاتف أنّ هذا تقريبًا كلّ ما تبقّى لي في الحياة وأنّي هكذا لن آكل للأسابيع الثلاثة المقبلة. لكنِّي لا يهمّني شيءٌ حقًّا سوى أن أخرج من المكتبة بـ«نهاية السيِّد واي» قبل أن يدرك أحد أو يتذكّر فيحاول إيقافي. قلبي يدقّ بشكلٍ مستحيل. هل سأنهار وأموت بالصدمة قبل حتّى أن أقرأ السطور الأولى من الكتاب؟ خراء، خراء، خراء.
ـ «رائع، شكرًا، عذرًا لارتفاع السعر»، تقول لي الفتاة.
ـ «لا بأس»، أتدبّر أن أجيبها. «فأنا بطبيعة الحال في حاجة لكثير من هذه الكتب في رسالة الدكتوراه التي أعمل عليها».
أضع نهاية السيِّد واي في حقيبتي، أمان، ثم أحمل الصندوق وأخرج من المكتبة. أحتضن الصندوق وأسير للمنزل في الظلام، البرد يلسع عيني، عاجزة تمامًا عن فهم ما حدث توًّا.
«التفاحة في الحديقة. لا، لم يكن ذلك ما رأيته»، تقول. ثم تضيف «انتظري». وتستدير لخزانة الكُتب الضخمة في الخلف. لام، لوم، لوماس... لا. لا يوجد شيء هنا» ثم تردف: «عفوًا، لا أعلم في أيّ فئةٍ يضعونه، هل هو روائي؟
ـ «بعض أعماله روائية»، أجيب.
ـ «لكنّ له، أيضًا، كتابًا عن تجارِب الفكر، وأشعارًا، ومقالاتٍ في الحكم، وعدّة كتبٍ علمية، وروايةً بعنوان نهاية السيِّد واي، إحدى أندر الروايات...».
ـ «نهاية السيِّد واي، تلك هي». تقول بحماسة.
ـ «انتظري».
ثمّ تذهب وتصعد سلّمًا في الخلف قبل أن أستطيع إخبارها بأنّها بالتأكيد مخطئة، يستحيل حقًّا تخيُّل أنّ لديها نسخةً من الرواية هنا. أضحِّي بكلّ ما أملك مقابل نسخة من نهاية السيِّد واي، آخر أعمال لوماس وأكثرها غموضًا. لا أعلم بأيّ رواية أخرى اختلط عليها الأمر، لكنّ من السخف الاعتقاد بأنّها لديها، لا يوجد اسم هذه الرواية في فهارس أيّ مكتبة ولا أحد لديه نسخة منها، فنسختُها الوحيدة في خزانة بنك بألمانيا. لكنّ حدسي يخبرني أنّ سول بيرلوم رأى نسخة منها من قبل، لستُ متأكِّدة. معروف أنّ «نهاية السيِّد واي» تتبعها لعنةٌ ما، ومع أنّني بالطبع لا أؤمن بتلك الأمور لكنّ بعضهم يعتقدون فعلًا أنّك إن قرأتها...تَمُت.
ـ «نعم، ها هي»، تقول الفتاة وهي تهبط السلّم وفي يدها صندوق كرتون صغير، «أهذا ما تبحثين عنه؟».
تضع الصندوق على منضدة الاستقبال.
أنظر لما بداخله. ثم ـ فجأة يتوقّف تنفُّسي ـ ها هو: كتاب صغير بغلاف مقوّى مكسوّ بقماش كريمي وعلى الغلاف والكعب حروف بنّيّة، في حالة ممتازة تقريبًا ما عدا الغلاف الواقي. لكنّ هذا مستحيل. أفتح الغلاف، وأقرأ صفحة العنوان ومعلومات النشر. ياه، خراء. هذه نسخة من نهاية السيِّد واي، ماذا أفعل الآن بحقِّ الجحيم؟
ـ «كم ثمنها؟» أسأل بحرص، وبصوت صغير بحجم الدبوس.
«نعم، تلك هي المشكلة». تقول وهي تدير الصندوق. «فصاحبة المكتبة تحصل على صناديق كهذا من مزادٍ في المدينة على ما أظنّ، ولمّا كانت وضعتهم بالأعلى، فهذا يعني أنّهم لم يُثمَّنوا بعد». تبتسم وتضيف: «ربّما لم يكن عليَّ أن أريكِ الصندوق من الأصل. هل يمكنك أن تأتي مرّة أخرى غدًا حين تكون هي هنا؟»
ـ «ليس مؤكّدًا...». أبدأ القول، «لكن...».
تمرق الأفكار في ذهني كالأشعّة الكونية. هل أخبرها أنّي لست من هنا وأطلب أن تتّصل بصاحبة المحلّ الآن؟ لا. واضح أنّ صاحبة المحلّ لا تعلم أنّ الكتاب هنا . ولا أريد المجازفة بأن تكون قد سمعت عنه وترفض بيعه لي... أو تطلب مقابله آلاف الجنيهات. ماذا أقول لأجعلها تعطيني الكتاب؟ تمرّ عدّة ثوانٍ. ثمّ يبدو أنّ الفتاة تلتقط سمّاعة التليفون الموجود على المنضد. «سأتّصل بها» تقول. «لأعرف ماذا أفعل».
بينما تنتظر بدء الاتصال أنظر في محتويات الصندوق، غير معقول، فيه كتبٌ أخرى للوماس وبضع ترجمات لدريدا(3) ليست لديّ، وكذلك ما يبدو أنّه الطبعة الأولى من أيوريكا(4) لإدجار آلان بُو(5)، كيف آلت تلك الأعمال لصندوق واحد معًا؟ لا أتخيّل أن يربط أحد بينها ما لم يكن يعمل على بحث مشابهٍ لرسالة الدكتوراه التي أعمل عليها. هل يعقل أنّ أحدًا آخر مهتمّ بالموضوع نفسه؟ غير وارد، خاصّة وقد استغنى عن الكتب. كأنّني أنظر لساعة باليه(6). كأنّ أحدهم وضع الكتب معًا في الصندوق فقط لجذب انتباهي.
«نعم»، تقول الفتاة لصديقتها. «صندوق صغير. بالأعلى. نعم، من تلك الكومة في الحمام. مم... يبدو خليط من جديد وقديم، بعض القديم بالٍ وسَقْط متاع. أغلفة ورقية على ما أظنّ...». تنظر في الصندوق وتُخرج منه كتابين لدريدا. أومئ لها برأسي. «نعم، خليط حقيقي. ياه، فعلًا؟ عظيم. نعم. خمسين جنيهًا؟ حقًّا؟ هذا كثير. حسنًا، سأسألها. نعم. معذرة. حسنًا، أراك لاحقًا».
تضع السماعة وتبتسم لي. «حسنًا»، تقول. «أخبار جيّدة وأخبار سيّئة. الجيّدة أنّه بإمكانك شراء الصندوق كلّه إن شئتِ، والأخبار السيّئة أنّه لا يمكنني أن أبيعك منه كتبًا منفصلة، إمّا كلّه أو لا شيء حقًّا، سام تقول إنّها هي من اشترت الصندوق من مزاد، وصاحبة المحلّ نفسها لم تره حتّى الآن. وقالت ـ كما هو واضح ـ أن ليس لديها مساحة على الأرفف لمزيد من الكتب... والسيّئة أنّ الصندوق كلّه سيكلفك خمسين جنيهًا، لذلك...».
ـ «سآخذه...»، أقول.
«حقًّا؟ أتنفقين هذا القدر على صندوق كتب؟». تبتسم وترفع كتفيها. «حسنًا، لا بأس، أعتقد أنّ هذا بخمسين جنيهًا إذن، من فضلك».
ترتعش يدي وأنا أُخرج محفظة النقود من حقيبتي، أسحب ثلاث ورقات من فئة العشرة جنيهات وورقة من فئة العشرين وأمدّ لها يدي. لا أتوقّف عند هاتف أنّ هذا تقريبًا كلّ ما تبقّى لي في الحياة وأنّي هكذا لن آكل للأسابيع الثلاثة المقبلة. لكنِّي لا يهمّني شيءٌ حقًّا سوى أن أخرج من المكتبة بـ«نهاية السيِّد واي» قبل أن يدرك أحد أو يتذكّر فيحاول إيقافي. قلبي يدقّ بشكلٍ مستحيل. هل سأنهار وأموت بالصدمة قبل حتّى أن أقرأ السطور الأولى من الكتاب؟ خراء، خراء، خراء.
ـ «رائع، شكرًا، عذرًا لارتفاع السعر»، تقول لي الفتاة.
ـ «لا بأس»، أتدبّر أن أجيبها. «فأنا بطبيعة الحال في حاجة لكثير من هذه الكتب في رسالة الدكتوراه التي أعمل عليها».
أضع نهاية السيِّد واي في حقيبتي، أمان، ثم أحمل الصندوق وأخرج من المكتبة. أحتضن الصندوق وأسير للمنزل في الظلام، البرد يلسع عيني، عاجزة تمامًا عن فهم ما حدث توًّا.
Page 5
اثنان
أصلُ شقّتي حوالَي الخامسة والنصف تقريبًا. بدأت معظم المتاجر في الشارع تُغلق أبوابها، لكنّ كشك الجرائد على الجانب المقابل يتألّق بأشخاص توقّفوا في طريقهم للمنزل لشراء الجريدة أو علبة سجائر. ما زال مطعم البيتزا أسفل شقّتي مظلمًا، لكنّي أعرف أنّ لويجي صاحبه في مكان ما بالداخل يجهّز عمله ليفتح المطعم أبوابه في تمام الساعة السابعة. محلّ الملابس الفاخرة الواقع بجواره أضواؤه مطفأة، لكنّ ثمّة ضوءًا ناعمًا يأتي من أعلاه حيث مقهى باراديس الذي لا يغلق حتّى السادسة. يقعقع خلف المتاجر قطار يسير ببطء على قضبان جافّة عجوز وتومض أضواؤه في تقاطع نهاية الطريق.
الممشى الأسمنتي المؤدّي لسلالم البوّابة الأمامية بارد كالعادة، ومظلم. لا توجد درّاجة، لم يعد وولفجانج ـ جاري ـ لمنزله بعد. لا أعرف كيف يتدفّأ في شقّته (ظنّي أنّ كمّيات البراندي الهائلة التي يشربها في الغالب تساعده)، لكنّ البرد في شقّتي شقاء لا يُحتمل. لا أعلم متى بُنيت الشقّتان، كلٌّ منهما واسعة جدًّا وبسقف عالٍ، ورواق طويل يتردّد فيه صدى الصوت. ستكونان رائعتين بالتدفئة المركزية لكنّ صاحب المنزل لن يفعل هذا. قبل أن أخلع معطفي أضع صندوق الكتب وحقيبتي على طاولة المطبخ البلوط الكبيرة وأضيء النور ثم أجرّ المدفأة الكهربائية من غرفة النوم وأصلها بالكهرباء، أراقب قضيبيها المعدنيين يحمرّان ببلادة (يبدوان لي دائمًا كأنّهما يعتذران) ثم أشعل كلّ عيون الموقد، وأغلق باب المطبخ، حينذاك فقط أخلع ملابسي.
أرتجف، لكن ليس بردًا فقط، أُخرج نهاية السيِّد واي من الحقيبة وأضعها على الطاولة بحرص. لسبب ما يبدو من الخطأ وضعها هناك بجوار صندوق الكتب وكوب قهوة الصباح. أضع الصندوق بعيدًا والكوب في الحوض. الآن، الكتاب وحده على الطاولة. أمسكه وأمرّر يدي عليه لأتحسّس برودة القماش الكريمي للغلاف المقوّى، أديره وأتحسّس غلافه الخلفي، كأنّه قد يختلف عن الأمامي، ثم أضعه ثانية، نبضي كدقّات آلة كاتبة. أملًا ماكينة الإكسبريسو الصغيرة وأضعها على أحد عيون الموقد المشتعلة، ثم أصبّ نصف كأس من زجاجة البراندي التي أعطاها لي وولفجانج وأشربه على جرعتين.
ريثما تغلي القهوة، أتحقّق من مصائد الفئران. كلانا أنا وولفجانج تسلّلت الفئران إلى شقّتينا، هو يقترح جلب قطّة، وأنا لديّ تلك المصائد التي لا تقتل الفئران، بل تحتجزها فقط لفترة زمنية في مستطيل بلاستيكي صغير حتّى آتي وأطلق سراحها. لا أظنّ أنّ هذا الأمر يفلح إذ إنّني لا أكاد أطلق سراحها في الخارج حتّى تعود فورًا للداخل، ومع ذلك لا يمكنني قتلها. اليوم يوجد ثلاثة فئران تبدو ضَجِرةً وحانقة في سجونها الشفّافة الصغيرة، آخذها لأسفل وأطلق سراحها في الباحة. لم أكن لأمانع من وجود فئران في الشقّة لكنّها تأكل كلّ شيء حقًّا، وذات مرّة عبر فأرٌ على وجهي وأنا في الفراش.
حين أعود لأعلى آخذ أربع ثمرات بطاطس من حامل الخضراوات وأغسلها بسرعة ثم أرشّ عليها ملحًا وأضعها في الفرن على نار هادئة. هذا ما أستطيع طبخه الآن، ولست جائعة أساسًا. كنبتي في المطبخ، فلا مبرّر معقول لوضعها في غرفة الجلوس الخاوية حيث لا تدفئة. وهكذا حين تمتلئ الغرفة بالبخار ورائحة البطاطس المخبوزة أخلع حذائي أخيرًا وأستلقي على الكنبة بقهوتي وعلبة سجائر الجنسنج ونهاية السيِّد واي. أقرأ السطور الأولى من المقدّمة، سرًّا أولًا، ثم جهرًا، ويقعقع قطار آخر بالخارج...
«قد تبدو الأحداث التالية للقارئ محض خيال أو حتّى حلم خُطّ بعد الصحو، في تلك اللحظات المحمومة حين يظلّ المرء تحت تأثير تلك الحيل السحرية التي تتولّد في الذهن فور إغماض العين».
لا أموت. لكنّي لم أتوقّع أن أموت حقًّا. كيف لكتاب أن تتبعه لعنة على أيّة حال؟ الكلمات نفسها ـ التي لم أستوعبها من أول مرّة ـ تبدو ببساطة معجزة. فقط لكونها هنا ولم تزل هنا مطبوعة بخطّ أسود على صفحات خشنة صفّرها الزمن، هذا ما يدهشني. ليس بإمكاني تخيّل الأيادي الأخرى التي لامست هذه الصفحة، أو العيون التي رأتها. صدر عام 1893، ثم ماذا حدث؟ هل قرأه أحد بالفعل؟ كان لوماس قد أمسى كاتبًا منعزلًا حقًّا حين كتب نهاية السيِّد واي. كان قد اشتهر فترةً في ستينيات القرن وعرف الناس اسمه، لكنّهم فقدوا اهتمامهم به واعتبروه مجنونًا أو ممسوسًا حين ذهب ذات مرّة حيث كان تشارلز داروين(7) يتلقّى ما كان يدعوه «علاجه المائي» في يوركشاير ووجّه له سبابًا وقحًا عن الصدفيّات ثم لكمه في وجهه. كان ذلك عام 1859، وبدا بعدها أنّه يميل أكثر من أيّ وقت مضى لأنشطة أكثر سرِّية مثل زيارة وسطاء روحانيّين، واستكشاف الأحداث الغامضة، وصار بالفعل أحد رعاة مستشفى لندن الملكيّ للطبّ البديل، وبعد عام 1880 تقريبًا بدا أنّه توقّف عن النشر، ثم كتب نهاية السيِّد واي ومات يوم صدورها بعد أن مات جميع من كان عليهم التعامل مع النصّ (الناشر والمحرّر والمنضد). من هنا جاءت شائعة «اللّعنة».
أصلُ شقّتي حوالَي الخامسة والنصف تقريبًا. بدأت معظم المتاجر في الشارع تُغلق أبوابها، لكنّ كشك الجرائد على الجانب المقابل يتألّق بأشخاص توقّفوا في طريقهم للمنزل لشراء الجريدة أو علبة سجائر. ما زال مطعم البيتزا أسفل شقّتي مظلمًا، لكنّي أعرف أنّ لويجي صاحبه في مكان ما بالداخل يجهّز عمله ليفتح المطعم أبوابه في تمام الساعة السابعة. محلّ الملابس الفاخرة الواقع بجواره أضواؤه مطفأة، لكنّ ثمّة ضوءًا ناعمًا يأتي من أعلاه حيث مقهى باراديس الذي لا يغلق حتّى السادسة. يقعقع خلف المتاجر قطار يسير ببطء على قضبان جافّة عجوز وتومض أضواؤه في تقاطع نهاية الطريق.
الممشى الأسمنتي المؤدّي لسلالم البوّابة الأمامية بارد كالعادة، ومظلم. لا توجد درّاجة، لم يعد وولفجانج ـ جاري ـ لمنزله بعد. لا أعرف كيف يتدفّأ في شقّته (ظنّي أنّ كمّيات البراندي الهائلة التي يشربها في الغالب تساعده)، لكنّ البرد في شقّتي شقاء لا يُحتمل. لا أعلم متى بُنيت الشقّتان، كلٌّ منهما واسعة جدًّا وبسقف عالٍ، ورواق طويل يتردّد فيه صدى الصوت. ستكونان رائعتين بالتدفئة المركزية لكنّ صاحب المنزل لن يفعل هذا. قبل أن أخلع معطفي أضع صندوق الكتب وحقيبتي على طاولة المطبخ البلوط الكبيرة وأضيء النور ثم أجرّ المدفأة الكهربائية من غرفة النوم وأصلها بالكهرباء، أراقب قضيبيها المعدنيين يحمرّان ببلادة (يبدوان لي دائمًا كأنّهما يعتذران) ثم أشعل كلّ عيون الموقد، وأغلق باب المطبخ، حينذاك فقط أخلع ملابسي.
أرتجف، لكن ليس بردًا فقط، أُخرج نهاية السيِّد واي من الحقيبة وأضعها على الطاولة بحرص. لسبب ما يبدو من الخطأ وضعها هناك بجوار صندوق الكتب وكوب قهوة الصباح. أضع الصندوق بعيدًا والكوب في الحوض. الآن، الكتاب وحده على الطاولة. أمسكه وأمرّر يدي عليه لأتحسّس برودة القماش الكريمي للغلاف المقوّى، أديره وأتحسّس غلافه الخلفي، كأنّه قد يختلف عن الأمامي، ثم أضعه ثانية، نبضي كدقّات آلة كاتبة. أملًا ماكينة الإكسبريسو الصغيرة وأضعها على أحد عيون الموقد المشتعلة، ثم أصبّ نصف كأس من زجاجة البراندي التي أعطاها لي وولفجانج وأشربه على جرعتين.
ريثما تغلي القهوة، أتحقّق من مصائد الفئران. كلانا أنا وولفجانج تسلّلت الفئران إلى شقّتينا، هو يقترح جلب قطّة، وأنا لديّ تلك المصائد التي لا تقتل الفئران، بل تحتجزها فقط لفترة زمنية في مستطيل بلاستيكي صغير حتّى آتي وأطلق سراحها. لا أظنّ أنّ هذا الأمر يفلح إذ إنّني لا أكاد أطلق سراحها في الخارج حتّى تعود فورًا للداخل، ومع ذلك لا يمكنني قتلها. اليوم يوجد ثلاثة فئران تبدو ضَجِرةً وحانقة في سجونها الشفّافة الصغيرة، آخذها لأسفل وأطلق سراحها في الباحة. لم أكن لأمانع من وجود فئران في الشقّة لكنّها تأكل كلّ شيء حقًّا، وذات مرّة عبر فأرٌ على وجهي وأنا في الفراش.
حين أعود لأعلى آخذ أربع ثمرات بطاطس من حامل الخضراوات وأغسلها بسرعة ثم أرشّ عليها ملحًا وأضعها في الفرن على نار هادئة. هذا ما أستطيع طبخه الآن، ولست جائعة أساسًا. كنبتي في المطبخ، فلا مبرّر معقول لوضعها في غرفة الجلوس الخاوية حيث لا تدفئة. وهكذا حين تمتلئ الغرفة بالبخار ورائحة البطاطس المخبوزة أخلع حذائي أخيرًا وأستلقي على الكنبة بقهوتي وعلبة سجائر الجنسنج ونهاية السيِّد واي. أقرأ السطور الأولى من المقدّمة، سرًّا أولًا، ثم جهرًا، ويقعقع قطار آخر بالخارج...
«قد تبدو الأحداث التالية للقارئ محض خيال أو حتّى حلم خُطّ بعد الصحو، في تلك اللحظات المحمومة حين يظلّ المرء تحت تأثير تلك الحيل السحرية التي تتولّد في الذهن فور إغماض العين».
لا أموت. لكنّي لم أتوقّع أن أموت حقًّا. كيف لكتاب أن تتبعه لعنة على أيّة حال؟ الكلمات نفسها ـ التي لم أستوعبها من أول مرّة ـ تبدو ببساطة معجزة. فقط لكونها هنا ولم تزل هنا مطبوعة بخطّ أسود على صفحات خشنة صفّرها الزمن، هذا ما يدهشني. ليس بإمكاني تخيّل الأيادي الأخرى التي لامست هذه الصفحة، أو العيون التي رأتها. صدر عام 1893، ثم ماذا حدث؟ هل قرأه أحد بالفعل؟ كان لوماس قد أمسى كاتبًا منعزلًا حقًّا حين كتب نهاية السيِّد واي. كان قد اشتهر فترةً في ستينيات القرن وعرف الناس اسمه، لكنّهم فقدوا اهتمامهم به واعتبروه مجنونًا أو ممسوسًا حين ذهب ذات مرّة حيث كان تشارلز داروين(7) يتلقّى ما كان يدعوه «علاجه المائي» في يوركشاير ووجّه له سبابًا وقحًا عن الصدفيّات ثم لكمه في وجهه. كان ذلك عام 1859، وبدا بعدها أنّه يميل أكثر من أيّ وقت مضى لأنشطة أكثر سرِّية مثل زيارة وسطاء روحانيّين، واستكشاف الأحداث الغامضة، وصار بالفعل أحد رعاة مستشفى لندن الملكيّ للطبّ البديل، وبعد عام 1880 تقريبًا بدا أنّه توقّف عن النشر، ثم كتب نهاية السيِّد واي ومات يوم صدورها بعد أن مات جميع من كان عليهم التعامل مع النصّ (الناشر والمحرّر والمنضد). من هنا جاءت شائعة «اللّعنة».
Page 6
لكنّ لعلّ لها أسبابًا أخرى، حيث كان لوماس خارجًا عن المألوف بتفضيله لعالِم الأحياء الثوري لامار(8) (الذي يقول إنّ الكائنات الحيّة تورِّثُ سلالاتها الصفات المكتسبة بالتعلّم) على داروين (الذي ينفي ذلك)، في وقت كان الجميع حتّى صمويل باتلر(9) ـ الذي وُصف بأنّه «أعظم مُرجف في القرن التاسع» ـ يميلون لفكرة أنّنا جميعًا، حقًّا، مخلوقات داروينية متبدّلة. كتب لوماس خطابات للتايمز ينتقد فيها ليس فقط معاصروه، بل كافّة أعلام تاريخ الفكر بمن فيهم أرسطو(10) وبيكون(11). كان مولعًا بفكرة وجود بُعد مكاني رابع وكتب عنه قصصًا غيبية عديدة أزعجت، لسببٍ ما، هؤلاء الذين لا يعتقدون في وجود بُعد آخر، فكان ردّه عليهم: «لكنّها مجرّد قصص!» برغم علم الجميع أنّه يستخدم قصصه أساسًا كوسيلة لتوضيح أفكاره الفلسفية المتعلّق أغلبها بطبيعة الفكر وتطوّره، لا سيّما الفكر العلمي، كان كثيرًا أيضًا ما يصف أعماله الروائية بأنّها «تجارب فكرية».
إحدى قصصه الأكثر إمتاعًا بعنوان «الغرفة الزرقاء» تحكي عن فيلسوفَين دُعيا لحفل في أحد القصور، وبطريقة ما ضلّا طريقهما فيه وهما ذاهبان للعب البلياردو مع مضيفهما وانتهى بهما الأمر إلى غرفة زرقاء في الجناح (المزعوم أنّه) مسكون بالأشباح. للغرفة بابان في جداريها الجنوبي والشمالي وسلم حلزوني في وسطها. يرى أحدهما أن يصعدا السلّم، ويرى الآخر أن يغادرا من أحد البابين. لا يتّفقان على شيء حتّى ينتهي بهما الجدل إلى مسألة وجود الأشباح. يرى أحدهما أنّه لا داعي للخوف لأنّه لا يوجد شيء يُدعى أشباح، ويوافقه الآخر أنّه لا داعي للخوف لأنّه لم يسبق له ورأى شبحًا قطّ لذلك فالأشباح لا وجود لها. متّفقان على أنّه لا يوجد أشباح ومتحمّسان لأنّهما اتّفقا على شيء، يغادر الفيلسوفان الغرفة من الباب الذي دخلا منه في محاولة للرجوع أدراجهما للحفلة. لكن بدا أنّ الجناح الأزرق بالقصر مصمّم بطريقة غير معهودة، إذ وجدا حين خرجا من الغرفة دهليزًا يفضي لسلّم حلزوني حين هبطاه وجدا نفسيهما مرّة أخرى في الغرفة الزرقاء، وحين جرّبا الباب الآخر حدث لهما الشيء نفسه، لكنّهما حين صعدا السلّم الحلزوني، بالطبع وجدا أحد البابين، أيّما طريق يسلكانها يؤول بهما الأمر للغرفة الزرقاء.
يوجد القليل من الأبحاث الأكاديمية عن لوماس بوصفه شخصية تاريخية، وعشر دراسات تقريبًا عن روايته التفاحة في الحديقة. وليس له سيرة ذاتية. في تسعينيات القرن العشرين نسب إليه باحثون من أنصار نظرية الكوير(12) بكاليفورنيا، أو بالأحرى نسبوا ليوميّاته ـ التي قد تجد فيها من بين أشياء أخرى ـ سونيتات إيروتيكية مثلية عن بعض شخصيّات شكسبير الذكورية. لا أعرف ماذا حدث للباحثين المثليّين الآن، لعلّهم فقدوا اهتمامهم بلوماس، الأغلبية تفقد اهتمامها به، وعلى حدّ علمي لا يوجد تقريبًا شيءٌ مكتوب عن نهاية السيِّد واي، كلّ ما كُتب عنها كتبه سول بيرلوم.
منذ ثمانية أشهرٍ ناقش سول بيرلوم بحثًا بعنوان «لعنة السيِّد واي» في مؤتمر بجرينيتش أمام حضور اقتصر على أربعة أفراد من بينهم أنا، لم يكن بيرلوم قد قرأ نهاية السيِّد واي لكنّه ناقش بدلًا من هذا الزعم بمسألة «اللعنة». كانّ صوته جافًّا مطحونًا. واقفًا بانحناءة طفيفة غير منفّرة، تحدث عن اللعنة بوصفها جرثومة وأعمال لوماس بوصفها جسد كائن حيّ هاجمته تلك الجرثومة وقدره ربّما أن يصير إلى زوال. ناقش أيضًا مسألة المعلومات التي تتعفّن لقلّة تداولها، وختم كلامه بأنّ كتاب لوماس أصابته اللعنة فعلًا، ليس بغيابه، وإنّما بآراء الراغبين في إنكاره.
بعد المحاضرة تمّ ترتيب حفل استقبال في القاعة المرسومة والتي كانت مزدحمة بمتابعي عالِم معروف كان يلقي محاضرة في نفس توقيت محاضرة بيرلوم وكان يستقبل المعجبين في القاعة السفلى الكبيرة أسفل صورة لكوبرنيكوس(13). كنت قد فكرت أن أستمع لمحاضرته لكنّي سررت باختياري بيرلوم بدلًا منه. الآخرون من مستمعي بيرلوم لم يحضروا الحفل ـ رجلان يبدوان كمفتّشي ضرائب سوى أنّهما أشقران، وامرأة في عقدها السادس لها شعر رمادي بخُصلة وردية ـ وهكذا بدأت أنا وبيرلوم بالنبيذ الأحمر، ثملنا سريعًا ونحن مختبئون في ركنٍ ناءٍ بالقاعة العليا. كان يرتدي معطفًا طويلًا من الصوف الرمادي تحته قميص وسروال أسودان. لا أتذكّر ماذا كنت أرتدي.
«هل ستقرؤها إذن»؟ سألته، أقصد بالطبع نهاية السيِّد واي.
«بالتأكيد»، قال مبتسمًا ابتسامته الغريبة. «وأنت؟».
«قطعًا، خاصّة بعد هذا».
«جيّد». قال.
لم يبدُ على بيرلوم أنّه يعرف أحدًا ممّن في القاعة السفلى، ولا أنا، ولم يحاول أيّ منّا مغادرة الرُّكن والاختلاط بالآخرين: عن نفسي لست ماهرة في هذا وكثيرًا ما أُزعج الآخرين دون قصد، وعن بيرلوم لا أعرف ماذا كانت حجّته ـ لعلّه لم يكن قد انزعج منّي بعد ـ انتابني طوال الوقت الذي قضيته في القاعة المرسومة شعور طفيف بأنّني قطعة في صندوق شوكولاتة كبير وسط كلّ تلك التشكيلات البنية والكريمية والذهبية والحمراء في لوحات ضخمة بدت كما لو كانت تذوب من حولي. لعلّنا ـ أنا وبيرلوم ـ كنّا الحشو الداخلي الصلب الذي لا يرغب فيه أحد، إذ لم يأتِ للقاعة العليا أحد غيرنا طوال الوقت الذي قضيناه هناك.
«لا أصدق عدم حضور المزيد من الجمهور لحديثك». قلت.
«لا أحد يعلم بوجود لوماس»، قال. «معتاد».
«ظنّي أيضًا أنّك كنت مقابل السيِّد مشهور». قلت.
ابتسم بيرلوم مجيبًا: «جيم لاهيري، لعلّه هو الآخر لم يسمع بلوماس قطّ».
«نعم» أوافقه. لقد قرأت كتابه الأكثر مبيعًا في العلوم العامّة عن نهاية الزمان وأعرف أنّه حتّى وإن كان سمع بلوماس فلم يكن ليتّفق معه. للعلوم العامّة في هذا الزمن أن تزعم أشياء جامحة للغاية، ومع ذلك لم يزل الغيب خارج نطاقها، وكذلك لامار. يمكنك أن تزعم بوجود عدد ما يحلو لك من أبعاد طالما لا يتضمّن أيٌّ منها أشباحًا أو تخاطُرًا أو شيئًا يكدر صفو تشارلز داروين، أو يحبّه هتلر (بعيدًا عن تشارلز داروين).
أخذ «بيرلوم» زجاجة النبيذ وأعاد ملء كأسينا ثم عقد حاجبيه وهو ينظر لي قائلًا: «لماذا أنتِ هنا إذن؟ طالبة؟ إن كنتِ تعملين على لوماس كنت بطبيعة الحال سأعرفك».
إحدى قصصه الأكثر إمتاعًا بعنوان «الغرفة الزرقاء» تحكي عن فيلسوفَين دُعيا لحفل في أحد القصور، وبطريقة ما ضلّا طريقهما فيه وهما ذاهبان للعب البلياردو مع مضيفهما وانتهى بهما الأمر إلى غرفة زرقاء في الجناح (المزعوم أنّه) مسكون بالأشباح. للغرفة بابان في جداريها الجنوبي والشمالي وسلم حلزوني في وسطها. يرى أحدهما أن يصعدا السلّم، ويرى الآخر أن يغادرا من أحد البابين. لا يتّفقان على شيء حتّى ينتهي بهما الجدل إلى مسألة وجود الأشباح. يرى أحدهما أنّه لا داعي للخوف لأنّه لا يوجد شيء يُدعى أشباح، ويوافقه الآخر أنّه لا داعي للخوف لأنّه لم يسبق له ورأى شبحًا قطّ لذلك فالأشباح لا وجود لها. متّفقان على أنّه لا يوجد أشباح ومتحمّسان لأنّهما اتّفقا على شيء، يغادر الفيلسوفان الغرفة من الباب الذي دخلا منه في محاولة للرجوع أدراجهما للحفلة. لكن بدا أنّ الجناح الأزرق بالقصر مصمّم بطريقة غير معهودة، إذ وجدا حين خرجا من الغرفة دهليزًا يفضي لسلّم حلزوني حين هبطاه وجدا نفسيهما مرّة أخرى في الغرفة الزرقاء، وحين جرّبا الباب الآخر حدث لهما الشيء نفسه، لكنّهما حين صعدا السلّم الحلزوني، بالطبع وجدا أحد البابين، أيّما طريق يسلكانها يؤول بهما الأمر للغرفة الزرقاء.
يوجد القليل من الأبحاث الأكاديمية عن لوماس بوصفه شخصية تاريخية، وعشر دراسات تقريبًا عن روايته التفاحة في الحديقة. وليس له سيرة ذاتية. في تسعينيات القرن العشرين نسب إليه باحثون من أنصار نظرية الكوير(12) بكاليفورنيا، أو بالأحرى نسبوا ليوميّاته ـ التي قد تجد فيها من بين أشياء أخرى ـ سونيتات إيروتيكية مثلية عن بعض شخصيّات شكسبير الذكورية. لا أعرف ماذا حدث للباحثين المثليّين الآن، لعلّهم فقدوا اهتمامهم بلوماس، الأغلبية تفقد اهتمامها به، وعلى حدّ علمي لا يوجد تقريبًا شيءٌ مكتوب عن نهاية السيِّد واي، كلّ ما كُتب عنها كتبه سول بيرلوم.
منذ ثمانية أشهرٍ ناقش سول بيرلوم بحثًا بعنوان «لعنة السيِّد واي» في مؤتمر بجرينيتش أمام حضور اقتصر على أربعة أفراد من بينهم أنا، لم يكن بيرلوم قد قرأ نهاية السيِّد واي لكنّه ناقش بدلًا من هذا الزعم بمسألة «اللعنة». كانّ صوته جافًّا مطحونًا. واقفًا بانحناءة طفيفة غير منفّرة، تحدث عن اللعنة بوصفها جرثومة وأعمال لوماس بوصفها جسد كائن حيّ هاجمته تلك الجرثومة وقدره ربّما أن يصير إلى زوال. ناقش أيضًا مسألة المعلومات التي تتعفّن لقلّة تداولها، وختم كلامه بأنّ كتاب لوماس أصابته اللعنة فعلًا، ليس بغيابه، وإنّما بآراء الراغبين في إنكاره.
بعد المحاضرة تمّ ترتيب حفل استقبال في القاعة المرسومة والتي كانت مزدحمة بمتابعي عالِم معروف كان يلقي محاضرة في نفس توقيت محاضرة بيرلوم وكان يستقبل المعجبين في القاعة السفلى الكبيرة أسفل صورة لكوبرنيكوس(13). كنت قد فكرت أن أستمع لمحاضرته لكنّي سررت باختياري بيرلوم بدلًا منه. الآخرون من مستمعي بيرلوم لم يحضروا الحفل ـ رجلان يبدوان كمفتّشي ضرائب سوى أنّهما أشقران، وامرأة في عقدها السادس لها شعر رمادي بخُصلة وردية ـ وهكذا بدأت أنا وبيرلوم بالنبيذ الأحمر، ثملنا سريعًا ونحن مختبئون في ركنٍ ناءٍ بالقاعة العليا. كان يرتدي معطفًا طويلًا من الصوف الرمادي تحته قميص وسروال أسودان. لا أتذكّر ماذا كنت أرتدي.
«هل ستقرؤها إذن»؟ سألته، أقصد بالطبع نهاية السيِّد واي.
«بالتأكيد»، قال مبتسمًا ابتسامته الغريبة. «وأنت؟».
«قطعًا، خاصّة بعد هذا».
«جيّد». قال.
لم يبدُ على بيرلوم أنّه يعرف أحدًا ممّن في القاعة السفلى، ولا أنا، ولم يحاول أيّ منّا مغادرة الرُّكن والاختلاط بالآخرين: عن نفسي لست ماهرة في هذا وكثيرًا ما أُزعج الآخرين دون قصد، وعن بيرلوم لا أعرف ماذا كانت حجّته ـ لعلّه لم يكن قد انزعج منّي بعد ـ انتابني طوال الوقت الذي قضيته في القاعة المرسومة شعور طفيف بأنّني قطعة في صندوق شوكولاتة كبير وسط كلّ تلك التشكيلات البنية والكريمية والذهبية والحمراء في لوحات ضخمة بدت كما لو كانت تذوب من حولي. لعلّنا ـ أنا وبيرلوم ـ كنّا الحشو الداخلي الصلب الذي لا يرغب فيه أحد، إذ لم يأتِ للقاعة العليا أحد غيرنا طوال الوقت الذي قضيناه هناك.
«لا أصدق عدم حضور المزيد من الجمهور لحديثك». قلت.
«لا أحد يعلم بوجود لوماس»، قال. «معتاد».
«ظنّي أيضًا أنّك كنت مقابل السيِّد مشهور». قلت.
ابتسم بيرلوم مجيبًا: «جيم لاهيري، لعلّه هو الآخر لم يسمع بلوماس قطّ».
«نعم» أوافقه. لقد قرأت كتابه الأكثر مبيعًا في العلوم العامّة عن نهاية الزمان وأعرف أنّه حتّى وإن كان سمع بلوماس فلم يكن ليتّفق معه. للعلوم العامّة في هذا الزمن أن تزعم أشياء جامحة للغاية، ومع ذلك لم يزل الغيب خارج نطاقها، وكذلك لامار. يمكنك أن تزعم بوجود عدد ما يحلو لك من أبعاد طالما لا يتضمّن أيٌّ منها أشباحًا أو تخاطُرًا أو شيئًا يكدر صفو تشارلز داروين، أو يحبّه هتلر (بعيدًا عن تشارلز داروين).
أخذ «بيرلوم» زجاجة النبيذ وأعاد ملء كأسينا ثم عقد حاجبيه وهو ينظر لي قائلًا: «لماذا أنتِ هنا إذن؟ طالبة؟ إن كنتِ تعملين على لوماس كنت بطبيعة الحال سأعرفك».
Page 7
«لا. لا أعمل على لوماس». قلت. «بل أكتب مقالات لمجلّة تُدعى سموك [دخان]. في الغالب لم تسمع بها. وقد أكتب عن لوماس لاحقًا، لكنّي لا أعتبر ذلك بمثابة «العمل عليه» بالمعنى الذي تقصده». أصمت لكن «بيرلوم» لا يقول شيئًا. فأضيف: «مع ذلك يجدر الكتابة عنه، ولو قليلًا، فأعماله آسرة حقًّا. أقصد حتّى بدون الجدل المثار حوله وحول مسألة اللعنة، ما زال مذهلًا».
«حقًّا». قال بيرلوم. «لذلك أعمل على سيرته». نظر بعد أن قال كلمة سيرته للأرض ثم رفع نظره للسقف المرسوم أعلى رأسينا، لا بدّ أنّني كنت عاقدة حاجبي أو شيء كهذا لأنّه حين عاد ينظر لي ابتسم ابتسامة اعتذارية ملتوية. وقال: «أنا أكره السِّيَر».
ضحكت. «ولماذا إذن تكتب سيرة؟»
رفع كتفيه مجيبًا: «أسرني لوماس، ويبدو أنّ الطريقة الوحيدة للكتابة عن أعماله هي بكتابة سيرته، فقد تجد قبولًا، إذ تسري حاليًا هوجة النبش في قبور شُذّاذ الآفاق ممّن عاشوا في القرن التاسع عشر، كذلك قد يكون المقابل المادّي جيّدًا. والقسم في حاجة لبعض التمويل، وأنا كذلك في حاجة لبعض التمويل اللعين».
«القسم؟»
«قسم الدراسات الإنجليزية والأمريكية». ثم ذكر اسم الجامعة.
«وهل بدأت كتابتها؟» أسأله.
يومئ قائلًا: «نعم، ولسوء الحظّ لا يهمّني فيها حقًّا سوى تفصيلة واحدة».
«اللكمة؟». أخمّن وأنا أفكّر في داروين وأتخيّل، لا أعرف لماذا، أصوات طرطشة ماء عالية عند سقوطه إثر لكمة لوماس.
«لا». أجاب وتطلع للسقف مجدّدًا ثم أضاف: «هل قرأتِ شيئًا لصامويل باتلر؟».
«آه. نعم». أومئ «إنّه هو من دلّني لقراءة لوماس. كان ثمّة إشارة له في مفكّرات باتلر».
«هل قرأت مفكّرات باتلر؟».
«نعم. وأحببت كلّ شيء عن هاملت المصنوع من الحلوى».
الحقيقة أنّ ما أحببتِه في «باتلر» هو نفس ما أحببته في لوماس: الخروج عن المألوف والأفكار الألمعيّة. ألمعيّة «باتلر» تكمن في مسألة الوعي، إذ يرى أنّه لمّا كنّا نحن قد تطوّرنا من مادّة نباتية عضوية، فلا بدّ أن وعينا قد تطوّر عند نقطة ما من لا شيء. وإن كان وعينا قد تطوّر هكذا من لا شيء، فلماذا لا يحدث ذلك للآلات؟ قرأت هذا قبل أسبوعين فقط.
«هاملت الحلوى؟». قال «بيرلوم».
«نعم، تلك الحلوى التي كانوا يبيعونها في لندن، حلوى صغيرة على هيئة هاملت يحمل جمجمة مغموسة في السكر. أليس شيئًا رائعًا؟».
ضحك بيرلوم وقال: «أراهن أنّ باتلر هلك من الضحك على هذا».
«نعم. لهذا أحبّه، أحبّ عبثه».
«الأرجح إذن أنكِ تعرفين الشائعات عنه هو ولوماس؟».
«لا. أيّ شائعات؟».
«أنّهما كانا حبيبين، أو على الأقلّ كان لوماس متيّمًا بباتلر».
«لم يكن لدي فكرة عن ذلك»، أقول ثم أبتسم سائلة: «وهل يهمّ هذا؟».
«لا أظنّ، لكنّه يتعلّق بالتفصلية التي تهمّني أكثر من أيّ شيء».
«والتي هي».
«هل قرأتِ مؤلّفة الأوديسة؟».
«لا». أهزّ رأسي وأسأل: «مؤلّفة؟».
«اقرئيها، يزعم باتلر أنّ من كتب الأوديسة امرأة. ألمعيّ ملعون». مرّر يده في شعره وأردف: «نشر معها ترجمته للأوديسة، وأرفق بعض الصور الفوتوغرافية الأبيض × أسود كان قد التقطها لبعض العملات القديمة والمناظر الطبيعية الواردة في الأوديسة. أحدها، المفترض أنّها للخليج الذي سبح إليه عوليس، يقف على البُعد في خلفيّتها رجل وكلب. يخرج باتلر عن عادته في مقدّمة الكتاب ليعتذر عن ذلك قائلًا إنّه ليس واردًا أنّهما كانا هناك حقًّا وأنّهما لم يظهرا إلّا وهو يعالج النسخة السلبية.
«واو»، علّقت وأنا لا أعرف إلى أين يؤدّي ذلك. «و...».
«هذا الرجل هو لوماس، أنا واثق من ذلك».
«وكيف هذا؟».
«حقًّا». قال بيرلوم. «لذلك أعمل على سيرته». نظر بعد أن قال كلمة سيرته للأرض ثم رفع نظره للسقف المرسوم أعلى رأسينا، لا بدّ أنّني كنت عاقدة حاجبي أو شيء كهذا لأنّه حين عاد ينظر لي ابتسم ابتسامة اعتذارية ملتوية. وقال: «أنا أكره السِّيَر».
ضحكت. «ولماذا إذن تكتب سيرة؟»
رفع كتفيه مجيبًا: «أسرني لوماس، ويبدو أنّ الطريقة الوحيدة للكتابة عن أعماله هي بكتابة سيرته، فقد تجد قبولًا، إذ تسري حاليًا هوجة النبش في قبور شُذّاذ الآفاق ممّن عاشوا في القرن التاسع عشر، كذلك قد يكون المقابل المادّي جيّدًا. والقسم في حاجة لبعض التمويل، وأنا كذلك في حاجة لبعض التمويل اللعين».
«القسم؟»
«قسم الدراسات الإنجليزية والأمريكية». ثم ذكر اسم الجامعة.
«وهل بدأت كتابتها؟» أسأله.
يومئ قائلًا: «نعم، ولسوء الحظّ لا يهمّني فيها حقًّا سوى تفصيلة واحدة».
«اللكمة؟». أخمّن وأنا أفكّر في داروين وأتخيّل، لا أعرف لماذا، أصوات طرطشة ماء عالية عند سقوطه إثر لكمة لوماس.
«لا». أجاب وتطلع للسقف مجدّدًا ثم أضاف: «هل قرأتِ شيئًا لصامويل باتلر؟».
«آه. نعم». أومئ «إنّه هو من دلّني لقراءة لوماس. كان ثمّة إشارة له في مفكّرات باتلر».
«هل قرأت مفكّرات باتلر؟».
«نعم. وأحببت كلّ شيء عن هاملت المصنوع من الحلوى».
الحقيقة أنّ ما أحببتِه في «باتلر» هو نفس ما أحببته في لوماس: الخروج عن المألوف والأفكار الألمعيّة. ألمعيّة «باتلر» تكمن في مسألة الوعي، إذ يرى أنّه لمّا كنّا نحن قد تطوّرنا من مادّة نباتية عضوية، فلا بدّ أن وعينا قد تطوّر عند نقطة ما من لا شيء. وإن كان وعينا قد تطوّر هكذا من لا شيء، فلماذا لا يحدث ذلك للآلات؟ قرأت هذا قبل أسبوعين فقط.
«هاملت الحلوى؟». قال «بيرلوم».
«نعم، تلك الحلوى التي كانوا يبيعونها في لندن، حلوى صغيرة على هيئة هاملت يحمل جمجمة مغموسة في السكر. أليس شيئًا رائعًا؟».
ضحك بيرلوم وقال: «أراهن أنّ باتلر هلك من الضحك على هذا».
«نعم. لهذا أحبّه، أحبّ عبثه».
«الأرجح إذن أنكِ تعرفين الشائعات عنه هو ولوماس؟».
«لا. أيّ شائعات؟».
«أنّهما كانا حبيبين، أو على الأقلّ كان لوماس متيّمًا بباتلر».
«لم يكن لدي فكرة عن ذلك»، أقول ثم أبتسم سائلة: «وهل يهمّ هذا؟».
«لا أظنّ، لكنّه يتعلّق بالتفصلية التي تهمّني أكثر من أيّ شيء».
«والتي هي».
«هل قرأتِ مؤلّفة الأوديسة؟».
«لا». أهزّ رأسي وأسأل: «مؤلّفة؟».
«اقرئيها، يزعم باتلر أنّ من كتب الأوديسة امرأة. ألمعيّ ملعون». مرّر يده في شعره وأردف: «نشر معها ترجمته للأوديسة، وأرفق بعض الصور الفوتوغرافية الأبيض × أسود كان قد التقطها لبعض العملات القديمة والمناظر الطبيعية الواردة في الأوديسة. أحدها، المفترض أنّها للخليج الذي سبح إليه عوليس، يقف على البُعد في خلفيّتها رجل وكلب. يخرج باتلر عن عادته في مقدّمة الكتاب ليعتذر عن ذلك قائلًا إنّه ليس واردًا أنّهما كانا هناك حقًّا وأنّهما لم يظهرا إلّا وهو يعالج النسخة السلبية.
«واو»، علّقت وأنا لا أعرف إلى أين يؤدّي ذلك. «و...».
«هذا الرجل هو لوماس، أنا واثق من ذلك».
«وكيف هذا؟».
Page 8
«لا أعرف. لا أعرف حتّى هل سافرا معًا أم لا. لكنّ طريقة ظهوره في الصورة دون أن يكون مرئيًّا من قبل. لا يمكنك التحقّق من الشخص جيّدًا لتقولي من هو لكن... ماذا لو كان لوماس؟ ماذا لو كان شبحه حتّى؟ إنّما قبل أن يموت؟ لعلّي ثملت قليلًا. معذرة. مع ذلك كان لدى لوماس كلب، اسمه إيراسموس».
عندئذٍ حرّك بيرلوم رأسه بتشنّج كأنّه يحاول إخراج ماء من إحدى أذنيه، وقطّب حاجبيه كمن يفكّر في أمر عسير، ثم رسم تعبيرًا آخر على وجهه كأنّ الأمر ليس مهمًّا على كلّ حال. ثم رفع حاجبًا وابتسم، وسار إلى الطاولة ليجلب زجاجة نبيذ أخرى. بينما يجلبها، ألقيت نظرة على اللوحة الضخمة المرسومة على الجدار خلفه، كانت منظرًا لما يبدو أنّه ملك يهبط من الجنّة على درجات مفروشة ببساط أحمر. بدت الدرجات كأنّها جزء من القاعة أكثر منها جزء من اللوحة، كما لو كان بوسع الأشخاص في اللوحة استخدامها للهبوط إلى الواقع، إلى الحاضر.
«لوماس قد يقودك للجنون قليلًا». قال بيرلوم حين عاد.
«مع ذلك أحبّ فكرة الصورة». قلت. «تذكّرني بقصّته تلك «الداجوروتايب»(14).
«أقرأتِها»؟
أومئ «نعم. إنّها المفضّلة لديّ على ما أظنّ».
«وكيف لعمري تحصّلتِ عليها؟
«من الإي باي(15)، كانت في مجموعة قصصية. لديّ تقريبًا كافّة ما كتب لوماس ما عدا نهاية السيِّد واي، عثرت على الكثير منها في مواقع الكتب المستعملة».
«وكلّ هذا من أجل مقالة مجلّة؟».
«نعم، الأمر معي مكثَّف للغاية. لمدّة شهر أعيش وأتنفّس مثلًا بصامويل باتلر ثم أجد منه وصلة تأخذني للقطعة التالية. العمود بعنوان تداعٍ حرّ، بدأ منذ ثلاث سنوات بالانفجار العظيم(16)».
يضحك بيرلوم ويسأل: «وإلام أدّى ذلك؟».
«لخواصّ الهيدروجين، سرعة الضوء، النسبية، ميكانيكا الكمّ، نظرية الاحتمالية، قطّة شرودينجر(17)، الدالّة الموجية، الضوء، الأثير الكوني ـ الذي أؤثره شخصيًّا ـ التجربة، المفارقة...».
«أنت عالِمة إذن؟ أتفهمين كلّ هذه الأشياء؟».
ضحكت وقلت: «يا إلهي، لا، بالقطع لا، أتمنّى ذلك، ربّما لم يكن عليّ أن أبدأ بالانفجار العظيم، لكنّي قمت بهذا فحدث ذاك. عند نقطة ما انتقلت من الذكاء الاصطناعي إلى باتلر، وها أنا الآن مع لوماس. وبينما أعمل عليه ربّما أقرّر الوصلة التي سأتتبّعها فيما بعد لآتي بالكتب المتعلّقة بها، في الواقع قد أكتب شيئًا عن تاريخ التصوير الفوتوغرافي انطلاقًا من قصّة «الداجوروتايب». أو أنطلق منها للبُعد الرابع، وكتاب زولنر(18) ذاك برغم أنّ هذا سيعيدُني للعلوم مرّة أخرى».
في «الداجوروتايب» يستيقظ رجل ليجد نسخة طبق الأصل من منزله في متنزّه عام على الطريق وقد تجمّع حولها حشد كبير من الناس. من أين أتى هذا المنزل؟ على الفور يتّهم الحشد الرجل بأنّه فقد عقله وبنى، بين عشيّة وضحاها، نسخة طبق الأصل من منزله في المتنزّه العامّ. يُذكّر الرجل الناس بأنّ ما يقولونه مستحيل، من بوسعه بناء منزل بكامله بين عشية وضحاها؟ كما أنّ منزل المتنزّه لا يبدو جديدًا، بل هو في الواقع نسخة طبق الأصل من المنزل «الحقيقي»، بالسحجات نفسها على ألواح الباب والكشطات نفسها على مطرقته النحاسية. الفرق الوحيد بينهما أنّ مفاتيحه لا تعمل، بدا أنّ شيئًا ما يسدّ ثقب المفتاح. يحاول الرجل في بادئ الأمر تجاهل منزل المتنزّه، لكنّ الأمر سرعان ما يعصف بحياته فيجد نفسه مضطرًا لمحاولة معرفة مصدره. يفقد بسببه وظيفته كمدرّس، وتهرب خطيبته مع شخص آخر، كذلك تتدخّل الشرطة في الأمر وتوجّه له اتّهامات بشتّى أنواع الجرائم. للمنزل بعض الخواصّ الغريبة أيضًا، أهمُّها أن لا أحدَ يمكنه دخوله. يمكن رؤية ما بداخله من نوافذه ـ منضدة، آنية زهور، مكتب، بيانو ـ لكنّهم لم يستطيعوا كسر النافذة أو تحطيم الباب، وقف لهم المنزل ككيانٍ صلدٍ لا فراغ بداخله.
وذات يوم حين يُمسي الرجل على حافّة الجنون، يأتي لمنزله الحقيقي رجل عجوز غامض يحمل صندوق أدوات. يخبره هذا الرجل أنّه سمع بمأزقه وأنّ لديه تفسيرًا لما يحدث. يُخرج العجوز محفظة مطويّة مبطّنة بالمخمل، ويبدأ في شرح ما هو الداجوروتايب وكيف يعمل. يتبرّم الرجل في بادئ الأمر، فالجميع يعلم كيف تعمل الداجوروتايب! فيقدّم الزائر فرضيّته المستحيلة: إذا كان بإمكاننا نحن البشر، الكائنات ثلاثية الأبعاد، أن نخلق نسخةً ذات بُعدين من الأشياء المحيطة بنا، فهل يستحيل تمامًا التفكير في كائنات رباعيّة الأبعاد بإمكانها أن تقدّم نسخًا ثلاثيّة الأبعاد باستخدام كاميرا داجوروتايب؟
عندئذٍ حرّك بيرلوم رأسه بتشنّج كأنّه يحاول إخراج ماء من إحدى أذنيه، وقطّب حاجبيه كمن يفكّر في أمر عسير، ثم رسم تعبيرًا آخر على وجهه كأنّ الأمر ليس مهمًّا على كلّ حال. ثم رفع حاجبًا وابتسم، وسار إلى الطاولة ليجلب زجاجة نبيذ أخرى. بينما يجلبها، ألقيت نظرة على اللوحة الضخمة المرسومة على الجدار خلفه، كانت منظرًا لما يبدو أنّه ملك يهبط من الجنّة على درجات مفروشة ببساط أحمر. بدت الدرجات كأنّها جزء من القاعة أكثر منها جزء من اللوحة، كما لو كان بوسع الأشخاص في اللوحة استخدامها للهبوط إلى الواقع، إلى الحاضر.
«لوماس قد يقودك للجنون قليلًا». قال بيرلوم حين عاد.
«مع ذلك أحبّ فكرة الصورة». قلت. «تذكّرني بقصّته تلك «الداجوروتايب»(14).
«أقرأتِها»؟
أومئ «نعم. إنّها المفضّلة لديّ على ما أظنّ».
«وكيف لعمري تحصّلتِ عليها؟
«من الإي باي(15)، كانت في مجموعة قصصية. لديّ تقريبًا كافّة ما كتب لوماس ما عدا نهاية السيِّد واي، عثرت على الكثير منها في مواقع الكتب المستعملة».
«وكلّ هذا من أجل مقالة مجلّة؟».
«نعم، الأمر معي مكثَّف للغاية. لمدّة شهر أعيش وأتنفّس مثلًا بصامويل باتلر ثم أجد منه وصلة تأخذني للقطعة التالية. العمود بعنوان تداعٍ حرّ، بدأ منذ ثلاث سنوات بالانفجار العظيم(16)».
يضحك بيرلوم ويسأل: «وإلام أدّى ذلك؟».
«لخواصّ الهيدروجين، سرعة الضوء، النسبية، ميكانيكا الكمّ، نظرية الاحتمالية، قطّة شرودينجر(17)، الدالّة الموجية، الضوء، الأثير الكوني ـ الذي أؤثره شخصيًّا ـ التجربة، المفارقة...».
«أنت عالِمة إذن؟ أتفهمين كلّ هذه الأشياء؟».
ضحكت وقلت: «يا إلهي، لا، بالقطع لا، أتمنّى ذلك، ربّما لم يكن عليّ أن أبدأ بالانفجار العظيم، لكنّي قمت بهذا فحدث ذاك. عند نقطة ما انتقلت من الذكاء الاصطناعي إلى باتلر، وها أنا الآن مع لوماس. وبينما أعمل عليه ربّما أقرّر الوصلة التي سأتتبّعها فيما بعد لآتي بالكتب المتعلّقة بها، في الواقع قد أكتب شيئًا عن تاريخ التصوير الفوتوغرافي انطلاقًا من قصّة «الداجوروتايب». أو أنطلق منها للبُعد الرابع، وكتاب زولنر(18) ذاك برغم أنّ هذا سيعيدُني للعلوم مرّة أخرى».
في «الداجوروتايب» يستيقظ رجل ليجد نسخة طبق الأصل من منزله في متنزّه عام على الطريق وقد تجمّع حولها حشد كبير من الناس. من أين أتى هذا المنزل؟ على الفور يتّهم الحشد الرجل بأنّه فقد عقله وبنى، بين عشيّة وضحاها، نسخة طبق الأصل من منزله في المتنزّه العامّ. يُذكّر الرجل الناس بأنّ ما يقولونه مستحيل، من بوسعه بناء منزل بكامله بين عشية وضحاها؟ كما أنّ منزل المتنزّه لا يبدو جديدًا، بل هو في الواقع نسخة طبق الأصل من المنزل «الحقيقي»، بالسحجات نفسها على ألواح الباب والكشطات نفسها على مطرقته النحاسية. الفرق الوحيد بينهما أنّ مفاتيحه لا تعمل، بدا أنّ شيئًا ما يسدّ ثقب المفتاح. يحاول الرجل في بادئ الأمر تجاهل منزل المتنزّه، لكنّ الأمر سرعان ما يعصف بحياته فيجد نفسه مضطرًا لمحاولة معرفة مصدره. يفقد بسببه وظيفته كمدرّس، وتهرب خطيبته مع شخص آخر، كذلك تتدخّل الشرطة في الأمر وتوجّه له اتّهامات بشتّى أنواع الجرائم. للمنزل بعض الخواصّ الغريبة أيضًا، أهمُّها أن لا أحدَ يمكنه دخوله. يمكن رؤية ما بداخله من نوافذه ـ منضدة، آنية زهور، مكتب، بيانو ـ لكنّهم لم يستطيعوا كسر النافذة أو تحطيم الباب، وقف لهم المنزل ككيانٍ صلدٍ لا فراغ بداخله.
وذات يوم حين يُمسي الرجل على حافّة الجنون، يأتي لمنزله الحقيقي رجل عجوز غامض يحمل صندوق أدوات. يخبره هذا الرجل أنّه سمع بمأزقه وأنّ لديه تفسيرًا لما يحدث. يُخرج العجوز محفظة مطويّة مبطّنة بالمخمل، ويبدأ في شرح ما هو الداجوروتايب وكيف يعمل. يتبرّم الرجل في بادئ الأمر، فالجميع يعلم كيف تعمل الداجوروتايب! فيقدّم الزائر فرضيّته المستحيلة: إذا كان بإمكاننا نحن البشر، الكائنات ثلاثية الأبعاد، أن نخلق نسخةً ذات بُعدين من الأشياء المحيطة بنا، فهل يستحيل تمامًا التفكير في كائنات رباعيّة الأبعاد بإمكانها أن تقدّم نسخًا ثلاثيّة الأبعاد باستخدام كاميرا داجوروتايب؟
Page 9
يغضب الرجل، ويقذف بالمصوّر خارج منزله، ويفكّر بأنّه لا بدّ من وجود تفسير آخر، لكنّه فقط لا يستطيع التوصُّل له، ثم يصل في النهاية إلى أنّ زائره قد يكون على حقّ، فيبحث عن بطاقة عمله ويقرّر زيارته في الحال. حين تقوده الخادمة داخل منزل المصوّر يجد شيئًا غريبًا للغاية، كان المصوّر يقف في حجرة الاستقبال ممسكًا بآلة داجوروتايب، لكنّه ليس هو حقيقةً بل نسخة منه بلا حياة.
«أتعلمين ما أحبّه في قصّة الداجوروتايب؟». قال بيرلوم.
«ماذا؟».
«النهاية غير المحدّدة، أنّ الرجل لا يجد الحلّ أبدًا».
حتّى تلك اللّحظة لم يكن بالقاعة المرسومة موسيقى، فقط ضجيج الأصوات والضحكات وأصداؤها في أرجاء القاعة الفسيحة، وعلى ما يبدو أنّ أحدهم تذكّر أنّه يجب تشغيل موسيقى ما، فأخذت النغمات الثقيلة لديكسيت دومينوز(19) هاندل(20) تتسارع في جوّ القاعة يليها المقطع الأول للكورس يتدافع بعضه فوق بعضٍ: ديكسيت دومينوز... دومينو ميو... سيدي... آ ... ديكستري... مي [قال الربّ لربِّ اجلس في يدي اليمنى حت].
«إذن»، قال بيرلوم رافعًا صوته فوق صوت الموسيقى، «هل كلّ وقتك لتلك المجلّة؟».
«لا. أكتب مقالة شهرية فقط».
«أهذا كلّ ما تقومين به؟».
«حاليًا. نعم».
«وهل يكفيكِ للعيش».
«بالكاد. المجلّة تسير على نحو جيّد، وبمقدوري دفع إيجار الشقة وثمن القليل من أكياس العدس كلّ شهر. وبالطبع، بعض الكتب أيضًا».
بدأت المجلّة خطواتها الأولى برئاسة تحرير تلك المرأة التي قابلتها في الجامعة، وحظيت الآن بصفقة توزيع مجانًا في جميع محلّات الموسيقى الكبرى في البلاد. مع قدر لا بأس به من الإعلانات ومشرف فني لا يستخدم الصمغ للصق الطبقات أثناء الجمع.
«وماذا درستِ في الجامعة؟ ليس العلوم على ما أظنّ» .
«لا. أدب وفلسفة إنجليزيّان. لكنّني أفكّر بجدِّية في العودة مجدّدًا لدراسة العلوم. الفيزياء النظرية على الأرجح». وشرحت له كيف أودّ فهم أمور مثل النسبية، وقطّة شرودينجر، وكيف أرغب في محاولة استعادة الأثير العجوز الغالي. أظنّ أنّني كنت ثملة قليلًا فهرفت لفترة عن الأثير الكوني. كان لدى بيرلوم بعض علم به ـ تكشّف أنّه المشرف على الدراسات العليا في آداب وعلوم القرن التاسع عشر بالجامعة ـ ومع ذلك ظللت أهذي عن روعة أنّه لأزمنة طويلة ظلّ الناس لا يفهمون كيف يمكن للضوء أن ينتقل عبر الفراغ، بينما لا يمكن للصوت (يمكنك أن ترى الجرس في الفراغ لكن لا يمكنك سماع دقّاته). كانوا في القرن التاسع عشر يعتقدون أنّ الضوء ينتقل عبر شيء لا مرئي هو الأثير الكوني. وفي 1887 عزم ألبرت مايكلسون وإدوارد مورلي على إثبات وجود الأثير، لكنّهما اضطرا في النهاية للإقرار بعدم وجوده. وبالطبع لم أتذكّر وأنا أحكي لبيرلوم تاريخ التجربة أو اسميّ العالِمَين، لكن تذكّرت وصف مايكلسون لموضوع تجربته الضائع حين قال «الأثير العجوز الغالي، المهجور الآن، مع أنّني ما زلت بصفة شخصيّة أتشبّث به قليلًا». تحمّست قليلًا وأنا أتحدّث عن مدى شاعرية الفيزياء النظرية، وكذلك عن هوسي بالمؤسّسات خاصّة تلك التي بها مكتبات كبيرة.
حينها قاطعني بيرلوم قائلًا: «لا تفعلي هذا. ضاجعي الفيزياء النظرية، تعالي أعدّي رسالة دكتوراه عندي. أظنّ أنّك لم تُعدّي الدكتوراه بالفعل؟».
كانت طريقته في قولها. ضاجعي الفيزياء النظرية.
«عن ماذا أعدّها؟». قلت.
«ماذا يثير اهتمامك؟».
ضحكت. «كلّ شيء؟» ورفعت كتفي. «أظنّ أنّ هذه هي مشكلتي. أرغب في معرفة كلّ شيء». لا بدّ أنّي كنت ثملة لأعترف بهذا. على الأقلّ لم أتمادَ في القول وأقرّ أنّ بوُدّي أن أعرف كلّ شيء ليزيد احتمال عثوري على شيءٍ ما أؤمن به.
«هيّا»، قال بيرلوم. «ما هو شيؤك؟»
«شيئي؟».
ارتشف جرعة نبيذ وأضاف: «نعم».
«لا أظنّ أنّي أعرفه حتّى الآن. هذا هو الهدف من عمود المجلّة. التداعي الحرّ، فأنا جيّدة في هذا».
«أي أنكِ بدأتِ بالانفجار العظيم، وشققت طريقك عبر العلوم حتّى وصلتِ للوماس. لا بدّ أنّ هناك حلقة وصل في كلّ ما كتبتِ عنه».
رشفت من نبيذي. «أفكار لوماس عن البعد الرابع ممتعة بشكل خاصّ. أعني أنّه لم يقم باستباق نظرية خيطية بالتحديد، بل...».
«ما النظرية الخيطية؟».
رفعت كتفي. «لا تسألني، لهذا أريد أن أدرس الفيزياء النظرية، على الأقلّ هذا ما أظنّه».
«أتعلمين ما أحبّه في قصّة الداجوروتايب؟». قال بيرلوم.
«ماذا؟».
«النهاية غير المحدّدة، أنّ الرجل لا يجد الحلّ أبدًا».
حتّى تلك اللّحظة لم يكن بالقاعة المرسومة موسيقى، فقط ضجيج الأصوات والضحكات وأصداؤها في أرجاء القاعة الفسيحة، وعلى ما يبدو أنّ أحدهم تذكّر أنّه يجب تشغيل موسيقى ما، فأخذت النغمات الثقيلة لديكسيت دومينوز(19) هاندل(20) تتسارع في جوّ القاعة يليها المقطع الأول للكورس يتدافع بعضه فوق بعضٍ: ديكسيت دومينوز... دومينو ميو... سيدي... آ ... ديكستري... مي [قال الربّ لربِّ اجلس في يدي اليمنى حت].
«إذن»، قال بيرلوم رافعًا صوته فوق صوت الموسيقى، «هل كلّ وقتك لتلك المجلّة؟».
«لا. أكتب مقالة شهرية فقط».
«أهذا كلّ ما تقومين به؟».
«حاليًا. نعم».
«وهل يكفيكِ للعيش».
«بالكاد. المجلّة تسير على نحو جيّد، وبمقدوري دفع إيجار الشقة وثمن القليل من أكياس العدس كلّ شهر. وبالطبع، بعض الكتب أيضًا».
بدأت المجلّة خطواتها الأولى برئاسة تحرير تلك المرأة التي قابلتها في الجامعة، وحظيت الآن بصفقة توزيع مجانًا في جميع محلّات الموسيقى الكبرى في البلاد. مع قدر لا بأس به من الإعلانات ومشرف فني لا يستخدم الصمغ للصق الطبقات أثناء الجمع.
«وماذا درستِ في الجامعة؟ ليس العلوم على ما أظنّ» .
«لا. أدب وفلسفة إنجليزيّان. لكنّني أفكّر بجدِّية في العودة مجدّدًا لدراسة العلوم. الفيزياء النظرية على الأرجح». وشرحت له كيف أودّ فهم أمور مثل النسبية، وقطّة شرودينجر، وكيف أرغب في محاولة استعادة الأثير العجوز الغالي. أظنّ أنّني كنت ثملة قليلًا فهرفت لفترة عن الأثير الكوني. كان لدى بيرلوم بعض علم به ـ تكشّف أنّه المشرف على الدراسات العليا في آداب وعلوم القرن التاسع عشر بالجامعة ـ ومع ذلك ظللت أهذي عن روعة أنّه لأزمنة طويلة ظلّ الناس لا يفهمون كيف يمكن للضوء أن ينتقل عبر الفراغ، بينما لا يمكن للصوت (يمكنك أن ترى الجرس في الفراغ لكن لا يمكنك سماع دقّاته). كانوا في القرن التاسع عشر يعتقدون أنّ الضوء ينتقل عبر شيء لا مرئي هو الأثير الكوني. وفي 1887 عزم ألبرت مايكلسون وإدوارد مورلي على إثبات وجود الأثير، لكنّهما اضطرا في النهاية للإقرار بعدم وجوده. وبالطبع لم أتذكّر وأنا أحكي لبيرلوم تاريخ التجربة أو اسميّ العالِمَين، لكن تذكّرت وصف مايكلسون لموضوع تجربته الضائع حين قال «الأثير العجوز الغالي، المهجور الآن، مع أنّني ما زلت بصفة شخصيّة أتشبّث به قليلًا». تحمّست قليلًا وأنا أتحدّث عن مدى شاعرية الفيزياء النظرية، وكذلك عن هوسي بالمؤسّسات خاصّة تلك التي بها مكتبات كبيرة.
حينها قاطعني بيرلوم قائلًا: «لا تفعلي هذا. ضاجعي الفيزياء النظرية، تعالي أعدّي رسالة دكتوراه عندي. أظنّ أنّك لم تُعدّي الدكتوراه بالفعل؟».
كانت طريقته في قولها. ضاجعي الفيزياء النظرية.
«عن ماذا أعدّها؟». قلت.
«ماذا يثير اهتمامك؟».
ضحكت. «كلّ شيء؟» ورفعت كتفي. «أظنّ أنّ هذه هي مشكلتي. أرغب في معرفة كلّ شيء». لا بدّ أنّي كنت ثملة لأعترف بهذا. على الأقلّ لم أتمادَ في القول وأقرّ أنّ بوُدّي أن أعرف كلّ شيء ليزيد احتمال عثوري على شيءٍ ما أؤمن به.
«هيّا»، قال بيرلوم. «ما هو شيؤك؟»
«شيئي؟».
ارتشف جرعة نبيذ وأضاف: «نعم».
«لا أظنّ أنّي أعرفه حتّى الآن. هذا هو الهدف من عمود المجلّة. التداعي الحرّ، فأنا جيّدة في هذا».
«أي أنكِ بدأتِ بالانفجار العظيم، وشققت طريقك عبر العلوم حتّى وصلتِ للوماس. لا بدّ أنّ هناك حلقة وصل في كلّ ما كتبتِ عنه».
رشفت من نبيذي. «أفكار لوماس عن البعد الرابع ممتعة بشكل خاصّ. أعني أنّه لم يقم باستباق نظرية خيطية بالتحديد، بل...».
«ما النظرية الخيطية؟».
رفعت كتفي. «لا تسألني، لهذا أريد أن أدرس الفيزياء النظرية، على الأقلّ هذا ما أظنّه».
Page 10
ضحك بيرلوم. «بحقِّ الشيطان. هيّا، أوجدي الصلة».
فكّرت للحظات. «ظنِّي أنّ كلّ ما كتبت عنه يتعلّق أغلبه بشكل ما أو بآخر بالتجارب الذهنية، أو «بتجارب الفِكر»، كما يسمّيها لوماس».
«عظيم، ثم؟».
«ممم. لا أعرف. لكنّي معجبة جدًّا بالطريقة التي يمكن بها التحدّث عن العلوم دون استخدام الرياضيات بالضرورة، بل المجازات بدلًا منها. هكذا كنت أتناول كلّ مقالاتي. ففي كلّ واحدة من تلك الأفكار والنظريات تجد دائمًا حدوتة صغيرة تسير معها».
«مثير. أعطيني مثالًا».
«حسنًا، قطّة شرودينجر بالطبع. بوسع الجميع أن يفهموا أنّ قطّةً في صندوق لا يمكن أن تكون حيّة وميّتة في الوقت نفسه، بينما لا يكاد أحد يستوعب المبدأ نفسه لو عبّرنا عنه بالرياضيات. ثم هناك قطارات آينشتاين. يبدو أنّ كلّ أفكار آينشتاين في النسبية يمكن تفسيرها بمنطق القطارات. أحبّ هذا جدًّا. وما زال البشر حتّى الآن كلّما أرادوا فهم البعد الرابع يعودون للأرض المسطحة(21) التي كُتبت في عام ما من القرن التاسع عشر. وظنّي أنّ بإمكانك النظر لباتلر على هذا النحو أيضًا. إريهون(22) في الأصل تجربة فكرية يُقصد بها استنباط أفكار عن المجتمع والآلات».
«اكتبي مقترحًا إذن. أعدّي رسالة دكتوراه عن تجارب الفكر تلك: سيسرّني جدًّا أن أشرف على بحث كهذا. انظري في المزيد من الروايات والشعر، نصيحتي أن تلقي نظرة على توماس هاردي وتينيسون أيضًا. وراعي ألّا تنجرّ في بالأمر بعيدًا، ضعي حدًّا زمنيًّا أو نوعًا ما من الحدود. لا تسردي تاريخ التجارب الفكرية منذ بدء الخليقة، بل قولي مثلًا منذ 1895 حتّى 1939 أو ما يقرب. ابدئي بداروين واختمي بـ... لا أعرف، القنبلة الذرية».
«أو قطّة شرودينجر. أعتقد أنّها كانت في الثلاثينيات، القنبلة واقعية جدًّا، أقصد أنّها النقطة التي أصبحت فيها التجارب الفكرية أمرًا واقعًا حقًّا».
«ربّما». مسح بيرلوم بيده على لحيته النابتة. «حسنًا، على كلّ حال، ما رأيك؟ في تقديري أنّ بإمكاننا تسجيلك بسهولة شديدة، هل لديك دبلومة؟»
«نعم».
«رائع، هيّا إذن. قد أوكل إليك ببعض التدريس كذلك، إن شئتِ».
«هل أنت جادّ؟».
«جادّ». وأعطاني بطاقته. مكتوب عليها اسمه بحروف سميكة ثم: أستاذ في الأدب الإنجليزي.
وهكذا كتبت المقترح وأُغرمت بالفكرة. لكن بعد ذلك... لا أدري. حين ذهبت لأبدأ العمل بدا كأنّ بيرلوم قد فقد حماسه للوماس. قُبِل مقترحي بالطبع ـ عن دراسة لغة تجارب الفكر وتكوينها منذ زونوميا(23) وحتى قطّة شرودينجر ـ وكان كلّ شيء يسير جيّدًا معه حتّى ذكّرته بلوماس، توقّف حينها عن النظر لي مباشرة وشخص ببصره لخارج النافذة، نافذتي أنا الآن، ولم يقل شيئًا. أردت أن أضاحكه قليلًا حول محادثتنا في المؤتمر، فقلت شيئًا مثل: «حسنًا، هل نزلت اللعنة بآخرين؟». فنظر لي وقال: «انسيَ هذا البحث، اتّفقنا؟ دعي لوماس لما بعد». ونصحني بأن أبدأ بالتركيز على التجارب الفكرية الحقيقية كقطّة شرودينجر ونسبيّة آينشتاين والأرض المسطّحة لإدوين. وأقنعني أيضًا أن أدع زونوميا، كتاب جَد تشارلز داروين عن التطوّر، وأن أبدأ من بعد ذلك، عام 1859 حين صدر أصل الأنواع. ذكّرني أيضًا أن أنظر في المزيد من الشعر. لم يكن لديّ فكرة عمّا طرأ عليه لكنّني سايرته، وبعدها بأسبوع كان قد اختفى.
وها أنا ذا بلا إشراف كتجربة بلا مُلاحظ. طبق فطر فليمنج(24) ربّما، أو دالّة موجية لم تتهاو بعد... وماذا أفعل؟ أقرأ لوماس. أقرأ نهاية السيِّد واي، من أجل الربّ. ضاجع نفسك يا بيرلوم.
فكّرت للحظات. «ظنِّي أنّ كلّ ما كتبت عنه يتعلّق أغلبه بشكل ما أو بآخر بالتجارب الذهنية، أو «بتجارب الفِكر»، كما يسمّيها لوماس».
«عظيم، ثم؟».
«ممم. لا أعرف. لكنّي معجبة جدًّا بالطريقة التي يمكن بها التحدّث عن العلوم دون استخدام الرياضيات بالضرورة، بل المجازات بدلًا منها. هكذا كنت أتناول كلّ مقالاتي. ففي كلّ واحدة من تلك الأفكار والنظريات تجد دائمًا حدوتة صغيرة تسير معها».
«مثير. أعطيني مثالًا».
«حسنًا، قطّة شرودينجر بالطبع. بوسع الجميع أن يفهموا أنّ قطّةً في صندوق لا يمكن أن تكون حيّة وميّتة في الوقت نفسه، بينما لا يكاد أحد يستوعب المبدأ نفسه لو عبّرنا عنه بالرياضيات. ثم هناك قطارات آينشتاين. يبدو أنّ كلّ أفكار آينشتاين في النسبية يمكن تفسيرها بمنطق القطارات. أحبّ هذا جدًّا. وما زال البشر حتّى الآن كلّما أرادوا فهم البعد الرابع يعودون للأرض المسطحة(21) التي كُتبت في عام ما من القرن التاسع عشر. وظنّي أنّ بإمكانك النظر لباتلر على هذا النحو أيضًا. إريهون(22) في الأصل تجربة فكرية يُقصد بها استنباط أفكار عن المجتمع والآلات».
«اكتبي مقترحًا إذن. أعدّي رسالة دكتوراه عن تجارب الفكر تلك: سيسرّني جدًّا أن أشرف على بحث كهذا. انظري في المزيد من الروايات والشعر، نصيحتي أن تلقي نظرة على توماس هاردي وتينيسون أيضًا. وراعي ألّا تنجرّ في بالأمر بعيدًا، ضعي حدًّا زمنيًّا أو نوعًا ما من الحدود. لا تسردي تاريخ التجارب الفكرية منذ بدء الخليقة، بل قولي مثلًا منذ 1895 حتّى 1939 أو ما يقرب. ابدئي بداروين واختمي بـ... لا أعرف، القنبلة الذرية».
«أو قطّة شرودينجر. أعتقد أنّها كانت في الثلاثينيات، القنبلة واقعية جدًّا، أقصد أنّها النقطة التي أصبحت فيها التجارب الفكرية أمرًا واقعًا حقًّا».
«ربّما». مسح بيرلوم بيده على لحيته النابتة. «حسنًا، على كلّ حال، ما رأيك؟ في تقديري أنّ بإمكاننا تسجيلك بسهولة شديدة، هل لديك دبلومة؟»
«نعم».
«رائع، هيّا إذن. قد أوكل إليك ببعض التدريس كذلك، إن شئتِ».
«هل أنت جادّ؟».
«جادّ». وأعطاني بطاقته. مكتوب عليها اسمه بحروف سميكة ثم: أستاذ في الأدب الإنجليزي.
وهكذا كتبت المقترح وأُغرمت بالفكرة. لكن بعد ذلك... لا أدري. حين ذهبت لأبدأ العمل بدا كأنّ بيرلوم قد فقد حماسه للوماس. قُبِل مقترحي بالطبع ـ عن دراسة لغة تجارب الفكر وتكوينها منذ زونوميا(23) وحتى قطّة شرودينجر ـ وكان كلّ شيء يسير جيّدًا معه حتّى ذكّرته بلوماس، توقّف حينها عن النظر لي مباشرة وشخص ببصره لخارج النافذة، نافذتي أنا الآن، ولم يقل شيئًا. أردت أن أضاحكه قليلًا حول محادثتنا في المؤتمر، فقلت شيئًا مثل: «حسنًا، هل نزلت اللعنة بآخرين؟». فنظر لي وقال: «انسيَ هذا البحث، اتّفقنا؟ دعي لوماس لما بعد». ونصحني بأن أبدأ بالتركيز على التجارب الفكرية الحقيقية كقطّة شرودينجر ونسبيّة آينشتاين والأرض المسطّحة لإدوين. وأقنعني أيضًا أن أدع زونوميا، كتاب جَد تشارلز داروين عن التطوّر، وأن أبدأ من بعد ذلك، عام 1859 حين صدر أصل الأنواع. ذكّرني أيضًا أن أنظر في المزيد من الشعر. لم يكن لديّ فكرة عمّا طرأ عليه لكنّني سايرته، وبعدها بأسبوع كان قد اختفى.
وها أنا ذا بلا إشراف كتجربة بلا مُلاحظ. طبق فطر فليمنج(24) ربّما، أو دالّة موجية لم تتهاو بعد... وماذا أفعل؟ أقرأ لوماس. أقرأ نهاية السيِّد واي، من أجل الربّ. ضاجع نفسك يا بيرلوم.