eKtab
EN ع
نقد الشاعر فى مدرسة الديوان
Read free sample

نقد الشاعر فى مدرسة الديوان

by د. احمد يوسف علي

Page 1

المقدمة

هذا البحث رصد للحوار النقدي حول ابن الرومي، دفع إليه غموض جوانب هذا الحوار النقدي القديم، على الرغم من ثراء الحوار النقدي القديم حول شعراء عديدين أمثال أبي نواس، والبحتري، وأبي تمام، وابن المعتز، والمتنبي وغيرهم. إن الحوار النقدي القديم الذي دار حول ابن الرومي يحتاج إلى من يستوضحه ويستجليه، فيوفي جوانب النقص، ويوضح ما غمض من جوانب هذا الحوار بالقياس إلى ما حدث من حوار حول شعراء آخرين. لذا كان غموض جوانب الحوار النقدي القديم دافعاً قويا للحوار النقدي الحديث حول ابن الرومي، وهو حوار نشأت بداياته مع مطلع القرن العشرين، مع نشوء الوعي بالتراث وإعادة قراءته وصياغته على هدى من مبادئ النهضة الفكرية الحديثة التى حمل لواءها روادها ابتداء من رفاعة الطهطاوي ومرور بأحمد لطفي السيد، وطه حسين، والعقاد، وهيكل، وأحمد أمين، واستمراراً بتوفيق الحكيم وما تلاه من أجيال إلى الآن.

وقد اهتم هذا البحث بمستويين من مستويات هذا الحوار: الأول ما كتبه مجموعة من الكتاب الذين عاشوا أجواء هذه النهضة في بداية القرن العشرين، وتمثلوا مبادئها، وأفكارها، فكانت علامات هداية فيما قرءوا من التراث، وفيما كتبوا عنه وقد مثل ابن الرومي لهؤلاء الكتاب ظاهرة متميزة من الشعراء العرب والمسلمين في تراثنا كله، ورأوا أن هذا التميز مردود إلى أنه الشاعر الذي استمع إلى صوت وجدانه، أكثر مما استمع إلى أصوات الآخرين، في زمن كان الشاعر يصغى فيه أولاً إلى أصوات الآخرين أكثر مما يصغى إلى صوت وجدانه، وكان هؤلاء الكتاب متطلعين إلى البحث عن النموذج الفردي الذي يدعم لهم مواقفهم الذاتية والثقافية في حاضرهم، لذا كان ابن الرومي شاعرهم الذي توحد معهم، أو توحدوا معه، على الرغم من أن هؤلاء الكتاب لم تكن لتضمهم مدرسة، أو تيار، له رؤية فكرية وجمالية، وموقف اجتماعي، بل كانوا فرادى يحركهم الشوق إلى استطلاع تراثهم للكشف عما هو جوهري فيه، من أجل أن يتجاوزوا به ومعه هوة التخلف الثقافي والاجتماعي في واقعهم، وأن يحقق لهم هذا التجاوز تحقيق ذواتهم وخلاصهم وخلاص الوطن من أزمته السياسية في الحرية، وفي وجود المحتل الأوروبي. لذا شئنا أن نسمى هذا المستوى من الحوار "حوار بلا ضفاف" تعددت فيه الأصوات، وتباينت فيه المداخل وتوحدت فيه المنطلقات الوجدانية والفكرية على السواء. ولقد لمسنا أصوات هذا الحوار على صفحات الدوريات العربية التى صدرت في القاهرة وحلب ولبنان، وبعض الكتب المتفرقة. إن ما ميز هذا المستوى من الحوار تعدد أصواته، دون أسوار مذهبية أو مدرسية تحكمها، فكانت هذه الأصوات حرة، كل الحرية، في نظرها للشاعر وللعصر، ولم يكن يجذب كلا منها إلى الآخر إلا توحد المنطلق الوجداني الفكري الذي فرضته مبادئ النهضة الفكرية من ضرورة العودة إلى القديم لاكتشاف أصالته وفرديته ونموذجيته.

أما المستوى الثاني من الحوار، فكان مستوى محكوماً بفكره الجمالي، والفلسفي ومشاركاً أصيلاً في صنع النهضة الفكرية الثقافية الحديثة. وكان هذا المستوى بحكم فكره الجمالي والفلسفي يتطلع إلى التراث بوصفه ركيزة أساسية من الركائز التى تدعم موقفه الاجتماعي ورؤيته الجمالية والفلسفية. وقد مثل هذا المستوى مدرسة الديوان أو جماعة الديوان وهم العقاد وشكري والمازني. فلم تكن هذه الجماعة حينما تناولت قضية التراث – بريئة في تناولها من تأثير فكرها على أنظارها، ولم يكن التراث بالنسبة لها مجرد حقل علمي يشبعون به هواياتهم العقلية، بل كان مجالاً خصباً يزود هذه الجماعة بكل الأدلة والنماذج التى تثبت صدق مبادئهم وأفكارهم، وصدق دعواتهم ومواقفهم من القديم والجديد في واقعهم الثقافي.

Page 2

لذلك كان ابن الرومي – على الرغم من اتساع التراث الشعري وثرائه – أول شاعر نال اهتمام هذه الجماعة، وأول شاعر تحققت في شخصيته، وفي شعره، أفكار هذه الجماعة وأول شاعر أثمر المنهج النفسي الذي نهجت هذه الجماعة أداة للبحث العلمي – ثمرته ولأن هذه المدرسة نهضت على الفلسفة الفردية التى ترى الفرد محور الكون والوجود، وأسست مفهوماً للأدب تمثل في أنه صياغة وجدانية لوقع الوجود وأشيائه على ذات الشاعر أو الأديب، فإنها قد اهتمت بدرس شخصية الأديب أو المفكر بوصفه عبقرياً تتجلى في آثاره عبقريته، وتتبدى ملامحها العقلية والنفسية والمادية، وأسست مفهوماً للعبقرية ينهض على أن الإنسان العبقري إنسان فرد متميز منطقه فوق منطق عصره، وتراث أمته ولغتها، ومن ثم فهو صانع التاريخ، وكما أن آثاره تدل عليه فإنه يدل على عصره وتاريخه، وقد دفعها هذا المفهوم إلى بلورة موقفها من التاريخ في نقطتين: التاريخ بوصفه تاريخ أفراد، ونماذج، وتقاليد وخصائص. والتاريخ بوصفه نتاجاً لعبقريات، ومن ثم فإنه يأتي – في مجال الترجمة الباطنية للعبقري – وراء السياق النفسي للإنسان العبقري، فإذا وافق التاريخ ما تدل عليه آثار العبقري فإنه صادق، وإذا ما تناقضا، فإن ما تدل عليه هذه الآثار هو الصادق.

وقد تجلت كل هذه المبادئ الفكرية والجمالية في حوار جماعة الديوان مع ابن الرومي الذي جسد أزمة أعلام هذه الجماعة، وهي أزمة نفسية ذات انعكاسات اجتماعية وفكرية، وهم أيضا، بادلوه حباً بحب، إذ بعثوه من جديد وكأنه، بل هو بالفعل، الشاعر الوحيد في تراث الإنسانية على حد تعبير العقاد والمازني.

وقد تجلت أصوات الحوار النقدي عند هذه الجماعة بين ضفاف أفكارها ومبادئها، ومن ثم فإنها قد امتازت من المستوى الأول الذي كان حواراً نقدياً بلا ضفاف وامتازت أيضاً من هذا المستوى بأن أصوات حوارها قد تبدت علي صفحات دوريات مثل الرسالة والثقافة، وعلى صفحات كتب بعينها عند العقاد والمازني هي "حصاد الهشيم" و "ابن الرومي حياته من شعره" وإشارات متفرقة في كتب أخرى للعقاد.

وكان طبيعياً أن يقف البحث عند أهم القضايا التى أثارها المستوى الأول على الرغم من أن كُتّابه لم يصدروا عن فكر موحد، مستعيناً بالمقارنة والتحليل والتفسير للوصول إلى مقدار التباين والتناظر الذي أثاره كتُّاب هذا المستوى، والذي حركهم في الوقت نفسه بغية وضعهم في إطار فكري يوحد، ويبرز ما قد يحدث من اختلاف ولذلك قسمنا هؤلاء الكُتّاب إلى مجموعات ثلاث: كل مجموعة ثلاثة من الكتاب الذين اشتركوا في تناول قضية أساسية تتصل بشعر ابن الرومي أو بشخصيته. والملاحظ أن المجموعة الثالثة تميزت من الآخرين بأن كُتّابها كتبوا كتباً مستقلة عن الشاعر صدرت عن منهج تاريخي.

أما المستوى الثاني: فإن تناولنا له، لم ينفصل عن طبيعة تناولنا للمستوى الأول من الحوار النقدي حول الشاعر، ونقصد بذلك أن المقارنة والتحليل والتفسير كانت أدوات منهجية تحكمت في تناول كل من المستويين، غير أن المستوى الثاني وهو – جماعة الديون – كان أكثر خصوبة، وأوسع عرضا للقضايا والمسائل التى اتصلت بالشاعر بوصفه عبقرية ذات علاقة بالتاريخ، وبشعره بوصفه نمطاً شعرياً متفرداً عند هذه الجماعة، تجلت فيه كل ملامح الوجدان الفردي، والتعبير عن الشخصية، وبأسباب هذا التفرد والفردية في شخصية الشاعر أو في شعره، فقد رد أعلام جماعة الديوان هذه الأسباب إلى وراثة عرقية كما لمحوا آثار عبقرية الشاعر في قدراته على التصوير والتشخيص، والتصوير الهزلي خاصة، ومن ثم فإن التوسع في العرض والثراء في الحوار، كانا أمرين ضروريين عند جماعة الديوان التى رأت أن هذا الشاعر وشعره، قد حققا أفكارها، لذلك وقفنا عند هذه القضايا والمسائل وقفات مستقلة مقارنين ومحللين ومفسرين، ولم يكن ليستبين لنا كل هذا إلا بفهم موقف هذه الجماعة من التاريخ ومفهومها للتاريخ الأدبي، والتراث الشعري.

وبعد هذا التوضيح، فإنه يبدو للقارئ أن هذا البحث قد جاء في جزأين جسدا طبيعة ما دار حول الشاعر من حوار نقدي: الجزء الأول هو "حوار نقدي بلا ضفاف" والجزء الثاني هو "حوار نقدي بين ضفاف" ربط بينهما أنهما صدرا عن فكر النهضة النقدية سواء الإحيائي أو الرومانسي. وأن هذا الفكر كان يمثل إطاراً عاماً من الثقافة التى تحدد توجهات الحركة نحو التراث ونحو الذات (الحاضر) ونحو الآخر (الغرب). وأن هذين الجزأين ينطلقان من الإيمان بثراء حقيقة تاريخية ومادية هي الشاعر وشعره اللذان دار حولهما هذا الحوار.

ولا يخفي على القارئ أننا لم نتناول ما كتب عن الشاعر في تراث طه حسين النقدي والتاريخي، لأننا رأينا أن طه حسين ومدرسته، يمثل منهجاً مستقلاً في التناول والمعالجة آثرنا أن نبقيه هو وآخرين لدراسة مستقلة. كما يجب الإشارة إلى أن هناك عدداً من الرسائل الجامعية تعرضت في إطار موضوعها لنقد الشاعر مثل "شعر السخرية" في العصر العباسي عام 1974، جامعة القاهرة، و "التشبيه في القرون الأربعة الهجرية" عام 1966 و "الوصف في الشعر العربي" عام 1968. بالإضافة إلى ما كتبه كُتّاب تاريخ الأدب العربي، وما كتبه أنيس المقدسي، وهو عشرون صفحة في كتابه "أمراء الشعر في العصر العباسي"، وما كتبه محمد عبد المنعم خفاجي عن "التشبه في شعر ابن المعتز وابن الرومي" فإن كل هذه المادة النقدية والتاريخية نأمل – إن شاء الله – أن نقف عندها في درس مستقل، ونسأله تعالى العون والتوفيق.

Page 3

طرح القضية

اهتم النقد الأدبي القديم – في مسيرته الكبرى – بعدد من الشعراء العرب المسلمين، وتبلور هذا الاهتمام في مؤلفات نقدية مثلت ما أثاره إبداع هؤلاء الشعراء من قضايا نقدية جديدة بناء علي ما طرحه الإبداع من قيم مستحدثة وأصيلة علي مستوي التشكيل الشعري، أو مستوي الموقف الفكري للشاعر، وهو موقف صاغ رؤيته للإنسان والكون والمطلق. وقد نشأ هذا الاهتمام نتيجة للتناقض الذي حدث بين معايير النقد الثابتة نسبياً، وقيم الإبداع الشعري المتحركة حركة أسرع نسبياً من معايير النقد. لذا نشأ الصدام وتبلورت الحركات النقدية حول أسماء شعراء: كبشار وأبي نواس، وأبي تمام، والبحتري والمتنبي وأبي العلاء المعري الذي مثل القمة الأخيرة في منحني تطور الشعر العباسي.

ولا يخفي علي الدارسين، جوانب هذه الحركات النقدية، حول هؤلاء الشعراء كما لا يخفي علي أحد منهم، المؤلفات النقدية التي أفرزتها هذه الحركات، وارتبطت في كثير من الأحيان بأسماء شعراء معينين. وعلي الرغم من أن ابن الرومي كان يمثل – ومازال – صوتاً فردياً متميزاً في منظومة هؤلاء الشعراء المعدودين، وعلي الرغم من أن شعره، يعد استجابة جمالية وفكرية لمنعطف من منعطفات تطور القصيدة العربية العباسية نحو الارتباط بالنثر وخاصة الرسالة، ونحو الارتباط بكل ما هو شعبي وفردي من المضامين في عصره، فإن حركة نقدية ما – في زمنه – مع نضوج معايير النقد فيه – لم تقف عنده، أو تهتم به، أو تلفت بنحو ما من الأنحاء، إلي ما يثيره شعره من قضايا في الأسلوب، أو التقاليد الشعرية، أو في التصوير الشعري، أو في موسيقي الشعر، بل امتد هذا التجاهل – إن جاز هذا التعبير – إلي إسقاط ذكر الشاعر من مؤلفات كتبت خصيصاً عن الشعراء المحدثين وأزمة الشعر المحدث إزاء ما سماه النقاد القدماء بنفاد المعاني والإتيان بالجديد. ومن ذلك مثلاً "طبقات الشعراء" لابن المعتز – معاصر ابن الرومي – الذي ذكر من الشعراء المحدثين من ذكر، ولم يشر إلي ابن الرومي ومنه أيضاً، ابن طباطبا العلوي في "عيار الشعر" المتوفى عام 322هـ بينما توفى ابن الرومي عام 283هـ مما يحتمل معه أن يكون الناقد قد لحق الشاعر قبل موته، أو التقي بديوانه، أو ببعض شعره بعد وفاته فقد اهتم ابن طباطبا بإيجاد الوسائل الفنية التي تساعد الشاعر المحدث علي الخروج من أزمته وهي وسائل أقرب إلى الخداع والتلفيق ومع ذلك يظل الشاعر محتفظاً بصدقه، ولم يبد منه أدني اهتمام بابن الرومي بينما التفت إلي البحتري، ولئن كان النقد – في زمنه – قد تجاهله، فإن مؤرخا كبيراً مثل الأصفهاني – علي اتساع كتاب "الأغاني" قد أغفله إغفالاً تاماً.

وإن كنا هنا لا نهتم بالبحث عن الأسباب التي أدت إلي تجاهل هذا الشاعر وإسقاطه فإن الأمر اللافت للذهن أن ظناً ساد كتابات الدارسين مؤداه أن النقد الأدبي القديم قد اتخذ الموقف نفسه في القرون الرابع والخامس والسادس، في المشرق والمغرب الإسلاميين وما تلاها من قرون، فلم يهتم احد بالشاعر، ولم يلفت شعره نظر أحد من المتذوقين أو النقاد المعروفين.

Page 4

فابن الرومي لم يقف عنده أحد من القدماء وقفة خاصة به وبشعره، كما حدث لأبي نواس مثلاً، أو للبحتري وأبي تمام، أو للمتنبي. وإنما اتخذ اهتمام النقاد به شكلاً آخر تمثل في أن كل ناقد وقف عند ملمح ما من الملامح اللافتة للنظر في شعره وذلك في إطار الموضوع أو القضية التي يعالجها الكاتب أو المؤلف، فقد وقف عنده عبد العزيز الجرجاني في إطار اهتمامه "بالوساطة بين المتنبي وخصومه" فقارن بين صياغته وصياغة المتنبي وراعه طول قصيدته، ولئن كانت وقفته هذه وقفة سريعة، فإن ناقداً فذا كعبد القاهر الجرجاني وقف عنده وقفات متعددة إزاء صوره ومعانيه وبلاغة أساليبه في إطار موضوعي كتابيه "أسرار البلاغة" و "دلائل الإعجاز" وتوازى معه ناقدان مغربيان هما ابن رشيق القيرواني في "العمدة" وحازم القرطاجني في "منهاج البلغاء" وتواصلت خطي المسيرة، وإن كانت خطي تحتاج إلي من يتتبعها بأناة وصبر وأفق متسع يستجيب لطبيعة التأليف العلمي القديم التي لم تكن تعرف الموضوع الواحد، بل الإلمام من كل شئ بطرف واعتبار الشعر ديوان العرب، والشعراء حاملي لواء المعرفة والحكمة، من هنا قد نجد نقداً في كتاب فقهي، أو كتاب تاريخي أو جغرافي، وقد أنجزت هذا البحث في كتاب "ابن الرومي:الصوت والصدى في النقد القديم".

وإذا كانت صورة ابن الرومي في النقد القديم احتاجت إلي من يستوضحها، ويجمع أجزاءها وينفي ما أصابه من إغفال وتجاهل، ويبحث عن الأسباب الجمالية والفكرية لهذا التجاهل، فإن النقد الحديث – مع بداية النهضة – كان نقداً تواقاً للتواصل مع القديم إذ آمن رواد هذه النهضة بأن "الإحياء الفني الحق هو الكشف عن الجوهري في الموروث"(1).

وتنوعت دوائر الحوار مع هذا الموروث للكشف عن هذا الجوهري في النقد والإبداع والفكر، وكان النمو الاجتماعي للطبقة الوسطي في مصر، وما صاحبها من فكر فلسفي دعم دور الفرد معتزاً بفرديته وذاتيته التي "يتحقق بها فردية الإنسان المتميزة من غيره"(2).

كما كان الاتصال بالفكر الأجنبي، والقراءات الدائمة في مجالاته العقلية والوجدانية، وخاصة الشعر والنقد الأدبي الرومانسيين، كان كل ذلك يمثل الأساس الفكري والاجتماعي والجمالي الذي نهضت عليه دوائر هذا الحوار مع الموروث، كما كان هو نفسه، بمثابة معايير اكتشاف ذوات الشعراء الكبار، باعتبار هذا الاكتشاف حلقة مكملة ومدعمة للفكر النقدي الجديد في حواره مع الحاضر من جهة، ومع الآخر (الغرب) من جهة أخرى. لذلك اتجه طه حسين مثلاً إلي صوت متميز هو أبو العلاء كما اتجه إلي ابن خلدون بوصفه ممثلاً العقل العربي المبتكر والفعال، وكانت هذه الدراسات ثمرة من ثمار المنهج الحديث الذي أرسته الجامعة المصرية، كما كانت ثمرة من ثمار توجيهات أستاذه لطفي السيد(3).

وفي هذا الإطار الاجتماعي والحضاري من فكر النهضة الحديثة في مصر، كان طبيعياً أن يكون اكتشاف ابن الرومي والتركيز علي جدته وأصالته، وفرديته، ثمرة من ثمار هذا الفكر الذي صار سنداً قوياً لاكتشاف ذوات شعرية أخرى من التراث مثل الشريف الرضي, أبي نواس والمتنبي وغيرهم(4).

وإذا كان الناقد القديم قد استوقفه ملمح من ملامح البناء الشعري عند ابن الرومي فأشار إليه إشارة سريعة وعارضة جاءت في إطار موضوعه الأصلي، فإن ناقد النهضة النقدية الحديثة، قد وقف عند جزئيات مماثلة، وقفات أعمق وأطول، عكست ما ينتابه من شعور شديد بالنقص في حاضر متخلف، وما يعتمل في داخله من رغبة قوية لتجاوز هذا النقص وصنع حاضر جديد، فقد كانت وقفته تلك "تقوم علي أساس موقف انفعالي ذي شقين: الرغبة في الهروب من حاضر مخز إلي ماض مجيد، والرغبة في تغيير الحاضر بمحاولة إحياء الماضي"(5).

Page 5

مجموعات الكتاب

المجموعة الأولي

ويمكن أن نتبين صدق ما نقول من خلال هذه الدراسات المبكرة في دوريات صدرت في سوريا، وفي مصر، ونقصد دوريات: الحديث، والأديب، والرسالة والمقتطف، وما واكب هذه الدوريات من كتب تناولت ابن الرومي وفنه الشعري، وهي إما كتب تناولت هذا الشاعر فقط، وإما كتب تناولته مع غيره من الشعراء العباسيين المتميزين. وبالنسبة للدوريات، نجد لحفني غالي دراسة بعنوان "فلسفة السخر بين أبي العلاء وابن الرومي وأنا تول فرانس" ودلالة العنوان دلالة حضارية إذ تحمل مقارنة بين إطارين حضاريين: الحضارة العربية القديمة في العصور الوسطي ويمثلها أبو العلاء وابن الرومي، والحضارة الغربية المعاصرة ويمثلها أناتول فرانس، والكاتب يستدعي هذين الشاعرين العربيين مدفوعاً برغبته في تجاوز الهوة السحيقة بين الماضي المشرق والحاضر المتخلف من ناحية وبين التفوق الحضاري الغربي من ناحية أخرى، فيري أنك "لو بحثت في آداب الأمم لما وجدت هذه الصفة أكثر توفراً منها في أبي العلاء المعري وابن الرومي في آدابنا العربية، وأناتول فرانس وفولتير في الآداب الفرنسية"(6).

فهنا ملمح من ملامح التشابه بين ماض مجيد، وحضارة معاصرة متفوقة وليس بين الحاضر وهذه الحضارة، وهذان الشاعران يمثلان هذا الملمح كما يمثله أناتول فرانس وفولتير ولعل دلالة الانفعال واضحة في حكم حفني غالي، وهو حكم تعميمي. إذ أن صفة السخرية لا تتوفر إلا في هذين الأدبين دون آداب الأمم الأخرى. لذلك فأن "سخرية أناتول فرانس كسخر أبي العلاء سخر العراف المتأمل الذي درس كل رأي ولم يظفر بالحقيقة"(7).

ولئن كان سخر أبي العلاء وأناتول فرانس سخرا متشابها في أنه "سخر العارف المتأمل" الذي يبتغي الظفر بالحقيقة، فإن الكاتب يري أن ابن الرومي يمتاز منهما بأن سخريته، هي سخرية الفنان، وأبعد ما تكون عن الفلسفة وهي تعد بحق سخرية الفنان إذ تتناول الصور والأشكال"(8) إنها سخرية التصوير الناتجة عن إدراك الخيال للمتناقضات في الواقع النفسي أو المادي، ولذلك فهي علي حد قول الكاتب "لا شأن لها بما في أعمال البشر وما في الحياة من مواطن كثيرة للسخر"(9) بمعناه العقلي، ومن ثم فإن ما يهمنا في هذه الدراسة هو الموقف الانفعالي وراءها والزاوية التي قدم منها الكاتب ابن الرومي، فقد قدمه مقرونا بشخصين يغلب عليهما الاشتغال بالفكر والعقل، ليتمايز ابن الرومي منهما، بما عنده من خيال الشاعر المبتكر الذي يختلف تقديمه للأشياء عن تقديم المفكر أو الفيلسوف. بما يمتلك من أدوات التصوير فإذا كان الناقد القديم كعبد القاهر الجرجاني في حديثه عن التشبيه، قد توقف مرات عديدة معلقاً ومحللاً لأبيات عديدة من شعر ابن الرومي مستحسناً لها(10).

فإن الناقد الحديث قد توقف عند التصوير في شعر ابن الرومي بوصفه أهم أدوات الشاعر، مقارنا بما عند المفكر من أدوات إدراك الأشياء وتقديمها.

وإن كان حفني غالي قد انتهت به المقارنة بين أبي العلاء وابن الرومي من ناحية وبين أناتول فرانس من ناحية أخرى في فن السخرية، إلي تمايز ابن الرومي بسخريته القائمة علي التصوير الفني وإلي المقابلة بينه وبين المفكر، فإن كمال حريري قد اهتم بتعميق هذه الخاصية في شعر ابن الرومي لا من خلال المقابلة بينه وبين المفكر، بل من خلال المشابهة بين فن الشعر وفن الرسم، وذلك في دراسته عن "الألوان والصور في شعر ابن الرومي وهي دراسة تفترض أن الحقيقة هي مبتغي الرسام، كما هي مبتغي الشاعر، وأن كلا منهما يتوسل بما لديه من وسائل في تصوير هذه الحقيقة، ومن ثم فإن الدارس يتساءل: أي الرجلين كان ابن الرومي: الشاعر أم الرسام؟ "كلا الفنانين ممثل للحقيقة إلا أن الراسم يصوغها شكولاً وألواناً، والشاعر ينقلها شعوراً ووجداناً.. فأي الرجلين كان ابن الرومي؟(11).

وبالطبع فإن التساؤل مدار المعرفة، ويحاول كمال حريري أن يبرهن علي معرفته بما لمسه من خصائص التصوير عند ابن الرومي، وقدرته علي استخدام الألوان وتقديم الأشكال، في ظل أداة رمزية مجردة هي اللغة، ويتناغم مع اجتهاد كمال حريري(12). في بحثه، بحث آخر، تواكبا علي صفحات الرسالة، وقد نشر هذا البحث عام 1934م عن "الصورة والتصور والتصوير" "للأستاذ الحوماني صاحب مجلة العروبة"(13).

Page 6

وهو يقوم علي التفرقة بين مدلول كل من هذه الكلمات ودورها في تقديم الجمال في الشعر أو الفن "الرسم" ومن ثم فهو يلتقي بقصده، مع مسعى كمال الحريري حينما عقد مقارنة بين الرسام والشاعر من خلال شعر ابن الرومي وتنهض هذه التفرقة في قول الأستاذ الحوماني "علي أن هناك في حيز الشعر صورة وتصوراً، وتصويراً، ولكل منها نصيب من الجمال في الحياة، مناط الجمال في كل منها إنما هو الفن فالصورة إحدى ظواهر الطبيعة وهي إما حقيقة أو خيال، والتصور مرور الفكر بهذه الحقائق يتصفح صورها، والتصوير إبراز هذه الصور إلي الخارج بشكل فني"(14).

إن تحديد موطن الجمال ومصدره هو الذي يلح علي تفكير الأستاذ الحوماني، لذلك فإنه يري أن الصورة هي المادة الأولي التي يدور عليها عمل التصور، وعمل التصوير. والصورة هنا بمعني الشكل في حالته الأولي قبل أن يتدخل فيه عمل الإنسان مفكراً أو فناناً(15). ومن هنا تأتي التفرقة بين التصور والتصوير من طريقة التعامل مع الصورة بوصفها شكلاً أولياً خالياً من الجمال الفنى إن أداة التصور الفكر وأما أداة التصوير فهي الخيال واللغة، لذا فإن الجمال لا يكمن في الصورة، ولا في التصور، وإنما يكمن الجمال في التصوير، ومن ثم فإن الحوماني، وكمال حريري يلتقيان حول علاقة الشعر بالتصوير أو الأشكال، ويقف الحوماني وقفة متأنية عند تصوير الأشكال في شعر ابن الرومي، وتشغله صورة الأحدب مع قبحه، لكن هذه الصورة إذا صارت تصويراً لم تعد قبيحة "فإذا وصف الشاعر قبيحاً فأبدع في تصويره، فقد صور لك جمال الفن" وأن الشاعر قد يصور قبيحاً في الحياة فلا يخرجه عن كونه شاعراً فيما صور"(16).

مدار الجمال إذن في التصوير والجمال هو مدار الفنون، كل فن وما يتوسل به من أدوات، والأصح أن هؤلاء – حفني غالي – كمال حريري – الحوماني – يتجاوزون بفن الشعر عند ابن الرومي حدوده ليلتقي بفن آخر هو الرسم، أداته تختلف عن اللغة لدي الشاعر ومن ثم يظل السؤال معلقاً عندهم، جميعاً، وهو كيف تهيأ لابن الرومي أن يوسع من إمكانات أداته فتستوعب أداة فن الرسم؟ والحقيقة أنه يبدو لي أن هؤلاء الثلاثة، قد حاول كل منهم الإجابة عن هذا التساؤل في ظل حدود بحثه، وما أدركه من شعر ابن الرومي، فحفني غالي عندما أشار إلي أن السخرية عند ابن الرومي تتمايز من سخرية أناتول فرانس وأبي العلاء بأنها سخرية الفنان المهتم بالصورة والأشكال، كان يشير إلي قضية تناول الشيء الواحد عند المفكر والفنان وهذا ما جعل الشاعر عنده بعيداً عن المفكر وعمله التجريدي، وقريباً من الرسام المصور، وأن جمالها جمال نسبي، وكذلك قبحها، وأن "الشاعر يمتاز من غيره بتصور هذا الخفي ثم لا يكون فناناً حتي يصوره فالرسام إنما يصور لك المرأة الجميلة حتي كأنك تري شخصها، والشاعر إنما يصفها لك حتي كأنك تلمس روحها، إنما يصور ذلك، وصف هذا، وكلاهما شاعر فنان"(17).

وإن كان الرسام يركز علي الملامح المادية للجمال – كما يبدو من كلامه – بينما يركز الشاعر علي الملامح الخفية أو الصورة الباطنة فيجسدها، وكأنها والملامح المادية للجمال سواء بسواء أمام بصيرة المتلقي. ومن ثم يلتقي عند الحوماني الشاعر والرسام في ابن الرومي لأنه حينما صور الأحدب لم يكن يصور شكله أو يصفه فقط، بل كان يصور الملامح الخفية لهذه الصورة. غير أن من الواضح أن يقظة حواس الشاعر تلعب دوراً أصيلاً في تكوين صوره الشعرية، وأن نشاط هذه الحواس أو خمولها يتوقف عليه اقتراب الشاعر بفنه الشعري من مجال فن آخر كالرسم أو بعده عنه، وهذا لم يشر إليه حفني غالي أو الحوماني وأشار إليه كمال حريري، بل اعتبر نشاط الحواس ويقظتها عند ابن الرومي المدخل الحقيقي للعلاقة التي أقامها بين الشاعر والرسام، وهي نفسها المعبر الرئيسي الذي عبر عليه ابن الرومي بفنه الشعري اللغوي إلي الرسم وهو فن الألوان والأشكال. ومن ثم فإن كمال حريري كان أكثر من زميليه توفيقاً في الإجابة عن التساؤل السابق عن تجاوز فن الشعر مجاله عند ابن الرومي إلي فن الرسم، ويبدو ذلك من قوله "وجملة القول في شعره – أي ابن الرومي – أنه كانت تعرض الصورة أيا كان نوعها، فلا يصورها بحاسة واحدة وإنما يوكل بها حواسه كلها فترسم عينه أشكالها وألوانها وأضواءها وظلالها ولمحاتها، وتنظم أذنه صوتها وجرسها، وينقل الأنف عرفها وريحانها، واللمس وقعها وأثرها، أي أن جميع حواسه تنهض في تصوير هذه الصورة حتي تبرزها موفورة الحظ من الحياة. وفي هذه الأبيات يصف شمس الأصيل وهى تجنح عن روضة غنى عن الشرح:

وقد رنقت شمس الأصيل ونفّضت

***

على الأفق الغربى ورسا مزعزعا

ولاحظت النوار وهى مريضة

***

وقد وضعت خداً على الأرض أضرعا

وقد ضربت في خضرة الروض صفرة

***

من الشمس فاخضر اخضراراً مشعشعا

وأذكى نسيم الروض ريعان ظله

***

وغنى مغنى الطير فيه فسجعا

وغرد ربعى الذباب خلاله

***

كما حثحث النشوان صنجا مشرعا

ولئن حفل شعر أبى تمام والبحترى بالكنايات الظريفة والاستعارات الطريفة، فابن الرومى في الشعر التصويرى الملون نسيج وحده(18) ومن حقه بناء علي ما تقدم "أن يكون شاعر المصورين ومصور الشعراء" بلغة كمال الحريرى.

Page 7
المجموعة الثانية
 
وإن كان هؤلاء الكتاب الثلاثة – حفني غالي – كمال حريري – الحوماني – قد اهتموا بقضية التصوير في شعر ابن الرومي وتطرقوا إلي عقد المقارنة بين الشاعر والمفكر والشاعر والرسام كما رأينا، وأن هؤلاء كان يحركهم موقف عاطفي انفعالي إزاء واقعهم المتخلف وماضيهم المجيد، وتفوق الفكر الغربي والعلم، فإن هناك مجموعة أخرى أخذ اهتمامها بابن الرمي الشاعر اتجاهاً آخر غير اكتشاف التفوق الجمالي والشعري في شعره، أولها ما نجده في اهتمام ناقد مثقف هو فخري أبو السعود، إذ شغل بما ظنه أدخل في باب الأدب المقارن منه بالمقارنة، فكتب مجموعة دراسات متوالية في الرسالة عام 1936م تناول فيها موضوعات عديدة في الأدبين العربي والإنجليزي علي وجه المقارنة مثل: الفكاهة، وأسباب النباهة والخمول، والخرافة، وأثر الفنون، والنقد، والخيال والوصف والمعني والأسلوب ومن هذه الموضوعات، موضوع: الطبيعة في الأدبين العربي والإنجليزي وهو بلا شك، مأخوذ بالأدب الإنجليزي والغربي عموماً، وتؤرقه مظاهر التخلف عن هذه الآداب في آدابنا سواء منها القديم أو الحديث. ومما يؤرقه أن "الطبيعة نالت لدي أدباء الإنجليز في أغلب عصورها هذه المكانة التي هي بها جديرة"(19).
 
وأنها "لم تنل هذه الرعاية، ولم تنل هذه المكانة في الأدب العربي، ففي العربية لا ريب أوصاف طبيعية بالغة غاية الجودة، لكنها قليلة إذا قيست بنظائرها الإنجليزية"(20).
 
ويعي فخري أبو السعود، بالطبع ما قدمه ابن المعتز، وابن حمديس، وابن خفاجة وغيرهم في هذا المجال "لكن كثيراً من أشعارهم يتسم بالفتور، وتنقصه حرارة الهيام بالطبيعة والامتزاج بروحها"(21) على حد وصفه.
 
ومن ثم فإنه يتجه لتعليل أسباب هذه الظاهرة من وجهة نظره، ويقف في هذا السياق عند ابن الرومي وما كان قد أتيح من شعره: ليصفه بأنه "شاعر فرد" ويركز علي هذا الجانب من تفرده وهو تصوير الطبيعة "فالعربية تكاد تقفر من الوصف الطبيعي السامي المقصود لذاته لولا شاعر فرد هو ابن الرومي الذي تنطق أشعاره بحب للطبيعة عميق، وانجذاب لسحرها لا يدافع، ونظر في محاسنها وأغوارها نافذ. وقد أنشأ لوصف مختلف مظاهرها قصائد كثيرة أودعها خير ما في العربية من وصف الجنان والفلوات، والأصائل والأسحار والغيم والمطر، والطير والوحش، وشعوره في كل هذا يضارع أسمي ما في الشعر الإنجليزي"(22).
 
فابن الرومي – عند فخري أبو السعود – هو شاعر الطبيعة الفرد في العربية وآدابها، لكنه لم يعلل هذه الصفة الغالبة عند ابن الرومي، فلم يردها إلي موروث سبق الشاعر أو إلي مؤثرات حضارية في عصره أو إلي صفة بعيدة كالنسب الرومي مثلاً. لكنه عموماً اكتفي بتسجيل هذه اللمحة اللافتة في وصف ابن الرومي، ولم ينس عواطفه – كناقد عربي مصري منتم إلي هذا التراث الذي يفتش فيه عن إمارات التفوق – فدفعته أمارة التفوق عند ابن الرومي إلي الربط بينها وبين "أسمي ما في الشعر الإنجليزي" مما يؤكد أن الناقد لم يكن ينظر إلي التراث بعين خالصة بل كانت عينه لا يفارقها الإحساس بتفوق الآخر "الغرب" وتأخر الحاضر عن الماضي وعن الآخر.
 
إن هموم هذا الحاضر كانت دافعاً قوياً ومازالت للنظر في الماضي ومن ذلك أن محمود الشرقاوي الذي كتب عن "فتنة الزنج ورثاء البصرة في شعر ابن الرومي" تذكر قصيدة رثاء البصرة هذه في جو مماثل لما حل بالبصرة من خراب، وذلك أثناء الحرب العالمية الثانية "في هذا الوقت الذي نسمع فيه ونقرأ أنباء ذلك الخراب الذي يصيب المدائن العظيمة من هذه الحرب، وذلك العذاب الذي يصب علي الآمنين ينزل عليهم من السماء، ذكرت قصيدة من عيون الشعر وعجائبه قالها ابن الرومي في حال تشبه هذه الحال، هي قصيدة رثاء البصرة"(23).
 
إن المماثلة هنا هي المبرر الحقيقي لاستدعاء الماضي في الحاضر، لكن ما الذي يجعل استدعاء قصيدة مثل هذه أجدي من استدعاء عظة أو خطبة أخرى تحمل رثاء لمصير البشرية المجهول في الحرب والدمار؟ إن الكاتب لم يغب عن وعيه ووجدانه أن الحرب العالمية الثانية قد حلت بالبشرية بعد أن قطعت شوطاً ضخماً جداً من التعقل وتهذيب الإنسان ومع ذلك فإنه لم يكن مانعاً لوقوع الخراب والدمار في كل مظهر من مظاهر تقدم العقل البشري هذه الدراما البشرية الدائمة، قد حدثت نفسها بالبصرة التي كانت معقل العلم والأدب والحضارة في العالم الوسيط، فقد هاجمها الزنج ودمروا كل مظاهر الحضارة، وتغلب منطق الخراب علي منطق العقل والعمران، وقد التقط ابن الرومي هذا الخيط الإنساني الرفيع المشترك في تاريخ الإنسان كله وصوره، فرثي، لكنه لم يرث، فرداً بذاته، بل رثي مدينة، وهو في الحقيقة يرثي موت العقل، وفقدان الحضارة، فأصبحت قصيدته صورة حالة في كل عصر تحدث فيه هذه الدراما البشرية التي حدثت إبان الحرب العالمية الثانية، وإبان خراب البصرة، بهجوم الزنج عليها لذلك يعتقد الكاتب أن ما يبقي من أحداث البصرة هو "تلك الصورة البارعة القوية الصادقة عن وصف ما حل بالبصرة وأهلها علي يد الزنج"(24).
 
ومن ثم فإن محمود الشرقاوي إذا كان قد توقف – لداع أو لآخر – أمام هذه القصيدة من شعر ابن الرمي – إنما قد توقف عند ما هو عام مشترك في شعر ابن الرومي، ولم يقف عند الجزئي العابر، وبالتالي فكأنه يبرز لنا ابن الرومي، ذا طابع إنساني عام في نظرته إلي الحضارة والإنسان ومصيره ومن ثم فإن كان الآخر "الغرب" قد أحرز سبقا وتفوقاً في مجالات عديدة. فإن استدعاء ابن الرومي بهذه الصورة، يمثل من جانب الكاتب، احتجاجاً علي هذه الحرب وعلامة سبق عند رمز من رموز هذا الماضي. إذ يصف قصيدته بأنها "من غرائب الشعر العربى وضوح بيان ورقة تصوير وإعجاب خيال وصدق عاطفة، وهى من بدائع الشعر العربى كله" ويلفت نظره قدرة ابن الرومى علي تصوير "مشهد خرائب البصرة وقصورها التى أضحت تلالا ومشهد تلك الأيدى والأرجل مبعثرة فيها قد نبذت بينهن أفلاق هام. ومشهد تلك الهام ملقاة خاشعة باكية قد بدا منها الثغر وبرزت النواجذ ولكن لا ابتسام" ويختم رؤيته إلى ابن الرومى بإشارته إلى قدرة الشعر على التأثير والتحريض ".... كان ابن الرومى في تحريضه للناس وتهييجه لهم ماكراً عارماً شديد التأثير. ويكاد شعره في ذلك يدفعنا نحن الآن إلى الثورة والهياج".
 
أما ثالث هذه المجموعة، فهو كامل كيلانى، الذي أرقه كثيراً أن يتجاهل أبو الفرج الأصفهاني ابن الرومي في كتاب "الأغاني" ومقالته في هذا الموضوع عنوانها سؤال "كيف أغفل صاحب الأغاني ابن الرومي؟" ويغلب علي هذه المقالة انفعال الكاتب بحادث الإغفال والإعجاب الواضح بابن الرومي "فإذا أغفل أبو الفرج التنويه بشاعر فحل كابن الرومي، فهل نجد من يحتج له بهذا العذر؟ وأية دهشة تتملكنا، حين نجيل البصر في هذه الأسفار الضخمة.. فنري مؤلفها – الذي أغفل ابن الرمي – قد استطرد أكثر من ألف مرة إلي من يستحق الذكر ومن لا يستحقه والتنويه بشعراء – إن أجللناهم مرة – نزهنا ابن الرومي عن أن يوضع معهم في ميزان أو يقاس إليهم بمقياس ورأيناهم إلي جانبه أقزاماً أمام عملاق"(25).
 
ويتتبع الكاتب كيف أن أبا الفرج أساء إلي ابن الرومي وإن لم يقصد، ثم يحاول توضيح الأسباب التي وقفت وراء هذا التجاهل.
 
وتحمس كامل كيلاني لابن الرومي، وإقدامه علي الدفاع عنه، أمر له سببه الواضح المعروف، فالكاتب من المعجبين بالعقاد الذي ارتبط به ذكر ابن الرومي، والعقاد هو الذي قدم للمختارات التي نشرها كامل كيلاني من شعر ابن الرومي. وفي هذا التقديم يذكر العقاد أن ابن الرومي ظل خامل الذكر "حتي كشف عن مكانه قراء الشعر الأفرنجي في العصر الحديث لأنهم وجدوا فيه شاعراً من طراز أولئك الشعراء الذين يقرأون لهم في اللغات الغربية"(26).
 
وكامل كيلاني واحد من أنصار هذا المذهب من الشعر كما يصفه العقاد نفسه(27).
 
ويمثل له ابن الرومي واحداً من كبار الشعراء الذين يتساوون مع من يقرأ لهم من الشعراء في اللغات الغربية.
 
 
Page 8

المجموعة الثالثة

وتواصلت مع هذه الأبحاث المنشورة في دوريات عربية مجموعة كتب عن ابن الرومي الشاعر، ونقصد هنا بالتواصل، التواصل الزمني، فهذه الأبحاث المنشورة في الدوريات نشرت في عقد الثلاثينيات، وأوائل الأربعينيات، وتواصلت معها هذه المجموعة من الكتب التي التفتت إلي الشاعر ابن الرومي، ومن هذه الكتب ما كتبه المستشرق "جست روفون" بعنوان "ابن الرومي حياته وشعره" الذي ترجمه الأستاذ الدكتور حسين نصار، ويهتم هذا بشعر ابن الرومي لا بوصفه نصاً أدبياً ذا ملامح أسلوبية أو شعرية، بل بوصفه، وثيقة تاريخية، يتحاور معها من أجل هدفين: الأول: البحث عن الشخصيات التي عاصرت ابن الرومي واتصل بها وتفاعل معها سلباً وإيجاباً، وورد لها ذكر أو إشارة في شعره، الثاني: التأكد من صحة النص الشعري من خلال ما يدل عليه زمنياً أو اجتماعياً في حواره مع هذه الشخصيات. ومن ثم فإن هذا الكتاب يعد خطوة مهمة في توثيق شعر ابن الرومي وتحقيقه، علي الرغم من صغر حجمه نسبياً، ويبدو أن هذا الكتاب كان الباعث وراء اهتمام الدكتور حسين نصار بتحقيق شعر ابن الرومي وجمعه علي النحو الذي قدمه أوائل السبعينات.

ويلتقي مع هذا الكتاب كتاب آخر نشره عمر فروخ عام 1942م(28) وهو كما يصفه صاحبه، يقع في اثنتين وثلاثين صفحة، وهو علي الأحرى كتيب، حاولنا البحث عنه بكل الوسائل، وفي كل المظان المتيسرة في مصر ولبنان، ولم نعثر عليه، وعثرنا في مجلة الأديب علي مساجلة بين العقاد وعمر فروخ حول ما كتبه العقاد عن ابن الرومي، وفي دفاع المؤلف نفسه، أشار إلي دراسته تلك بقوله "في عام 1942 أصدرت دراسة صغيرة عن ابن الرومي تقع في اثنتين وثلاثين صفحة، ذلك لأن الحرب العالمية الثانية كانت وما تزال ترد أيدي الكتاب في غير مواضيع الدعاية عن التبسط والاسترسال، وقد كنت رأيت نفراً يزعمون أن للنسب اليوناني اليد الطولي في عبقرية ابن الرومي، فكتبت في صدر دراستي هذه الكلمة"(29).

ويبدو أن الكاتب كان مدفوعاً إلي دراسته تلك بدافع الدفاع عن نسب ابن الرومي، وجعل عبقريته مردودة إلي الأصل اليوناني، لا إلي الأصل العربي والحضارة العربية وثقافتها عامة، وسوف نلتقي بهذه الوجهة من النظر في موضعها. ويعتقد أن هذه الدراسة لم تهتم بالنص الشعري، بل اهتمت بما حوله من ظروف تاريخية واجتماعية أو بما يدل عليه هذا النص من ظروف مختلفة لأن المنهج التاريخي عند طه حسين والمنهج النفسي الذي سار علي هدية العقاد، كانا هما المنهجان السائدان في هذه الفترة.

ومما يؤكد هذا الاعتقاد عندنا أن كتابا صدر عام 1960 في طبعته الأولي لعلي شلق عن ابن الرومي "ابن الرومي في الصورة والوجود"، يسير في خطي الأعلام السابقين: طه حسين – العقاد، المازني – عبد الرحمن شكري، ويهتدي بالمنهج النفسي الانطباعي مع بعض الظلال التاريخية. فالكاتب يعتقد أن هؤلاء الأعلام حينما كتبوا عن ابن الرومي "إنما يصورون حاجاتهم، ويدرسون الحيوات في نفوسهم متطورة بهم أو بابن الرومي وابن هانئ"(30).

ويستعين بمقولات المنهج النفسي في تقديم صورة ابن الرومي المأخوذة من دلالات نصه الشعري فهو "شاعر مهووس، منهوم، ناقم، ومن كانت هذه حاله فهو لابد أنه كثير التحدث عن نفسه، يعيش بغرائزه أكثر مما يعيش بعقله، ويحافظ علي نهم الطفل فيه، وإن كان ذلك الطفل يفقد نعمة الطفولة وحلاوتها(31).

والكاتب – باعتماده هذا المنهج – يتكئ علي النص الشعري لمعرفة صورة الشاعر بملامحها المادية والنفسية، مستعيناً بما قدمته مدرسة التحليل النفسي من عقد نفسية تفسر الخلل البادي علي الأعصاب، والسلوك فإذا ما أظهر ابن الرومي تخوفه من الماء فإن مرد ذلك عند أنصار هذا المنهج – إلي عقد ترسخت في وجدان طفولته، يذكر منظر الماء بها، فتهيج أعصابه ويخاف. وإذا أخفق ابن الرومي في علاقاته الاجتماعية، فإن مرد ذلك عندهم إلي نرجسيته وسوء ظنه بالناس، وشعر ابن الرومي – في كل هذا، يقوم عند الكاتب – بدور الشاهد أو الوثيقة النفسية علي صاحبه. ومادام النص الشعري عنده ذا وظيفة نفسية، فإن هم الكاتب الأكبر أن يبحث عن الصدق، والتجربة بوصفهما معيارين للقيمة، وينتهي في ضوء منهجه إلي أن "الحقيقة الصميمة هي أن أقوال ابن الرومي هي حياته وأفعاله، غير متزيد فيها ولا متنقص منها. وحياته لا لبس فيها ولا تناقض. والذي يظهر من أقواله فهو مختلف بالنسبة إلي الأقوال ذاتها بالنسبة إلي الآخرين. إذ أنها في نفس الوقت صادقة لأنها منبعثة من نفس لها حالة لم تكذب في التحدث عن ملابساتها"(32).

ولم ينفض الكاتب يده من معطيات العصر العباسي الثاني في دراسته، وهي معطيات ثقافية وسياسية وعقائدية كما قدمها، لكنه حينما ذكرها لم يعتمدها أساساً لتفسير الظاهرة موضوع البحث وهي ابن الرومي في الصورة والوجود كما حددها لنفسه، وصارت هذه المعطيات مجرد مجموعة من المقولات التي ترسم الإطار العام حتي تعرف أنك تقرأ عن شاعر كان يعيش في القرن الثالث الهجري لا القرن العشرين. واعتمد علي معطيات أخري بدلاً منها وجعلها أساساً لتفسير موضوعه، وهي معطيات المنهج النفسي التي جعلها قالباً مفروضاً علي شعر ابن الرومي الذي أصبح بدوره في يد الكاتب دالاً علي حالات نفسية.

ومن الملاحظ علي هذه الكتب الثلاثة للمؤلفين – جست روفون – عمر فروخ – علي شلق، أنها دارت تقريباً علي شعر ابن الرومي بوصفه وثيقة دالة لا بوصفه نصاً أدبياً ذا ملامح محددة. وأنها إما انطلقت من المنهج التاريخي التوثيقى كما حدث عند المستشرق وإما من المنهج النفسي كما حدث في دراسة علي شلق مثلاً. وأنها لم تتناول أحداً غيره، بل صار ابن الرومي هو موضوع الكتاب. وهذا علي العكس مما فعله بطرس البستاني في كتابه (أدباء العرب – الجزء الثاني) الذي تناول فيه مجموعة من الأدباء العرب الكبار المشاهير، من بينهم ابن الرومي الذي أخذ من الكتاب ما يقرب من عشرين صفحة. وقد نظر بطرس إلي ابن الرومي نظرة تعتمد علي أن المؤرخين القدماء بخسوا حق الشاعر فلم يجمعوا أخباره "فكان الشاعر أحرص منهم علي ذلك، فجاء شعره تاريخاً صادقاً لحياته، وصورة ناطقة بأخلاقه وصفاته"(33).

ومن ثم اعتمد بطرس البستاني علي شعر ابن الرومي في دراسة أخلاقه وحبه للحياة وأغراض شعره وتوقف عند وحدة الموضوع في قصائده وعدها من مميزاته ورأي أنها تقوم علي الصلة المعنوية التي تربط أجزاء قصيدته "وتمتاز قصائده علي طولها بقربها من وحدة الموضوع، فهي وإن تعددت أغراضها أحياناً، لا تخلو من الصلة المعنوية التي تربط أجزاءها بعضها ببعض. ولابن الرومي شعر كثير نظم في غرض واحد"(34).

ورد بطرس البستاني هذه السمة من سمات شعر ابن الرومي، كما رد اتساق أفكاره، ودقة معانيه، وتصويره الساخر إلي أصله الأعجمي بطريقة غير قاطعة إذ يقول: "ولعل أصله الأعجمي كان له يد في طول نفسه، وميله إلي وحدة الموضوع، كما كان له يد في اتساق أفكاره، ودقة معانيه، وإحاطته بهنات الأمور وخروجه إلي أغراض جديدة كوصف الأخلاق والعادات، وتصوير الأشخاص تصويراً سخرياً مضحكاً"(35).

غير أن الكاتب لم يوضح كيف أثر هذا الأصل الأعجمي في العالم الشعري عند ابن الرومي، ولم يلتفت إلي تأثير معطيات الحضارة العربية الإسلامية التي يعيش في ظلها الشاعر الذي لم يعد له من أصله الأعجمي إلا ذكريات تلح عليه حين الفخر أو التنابذ بالألقاب بين الناس.

Page 9

الإطار العام للمجموعات

تبين لنا من العرض السابق للدراسات التي تناولت ابن الرومي منذ مطلع القرن العشرين حتي عام 1960، أنها دراسات تباينت زوايا النظر فيها إلي ابن الرومي، واتفقت كلها في الدافع الذي وجهها إلي زمن ابن الرومي الشاعر، أي أنها كان يحركها موقف فكري ووجداني واحد هو البحث في التراث عن رموز تدعم وتلبي الحاجات الفكرية والجمالية الجديدة والناشئة في الواقع الاجتماعي، وتنفي الإحساس بتخلف الواقع الحاضر إزاء التفوق الواضح من قبل الطرف الآخر (الغرب) الذي يتفوق علمياً ويقهر هذا الواقع عسكرياً آنذاك. وذلك بالكشف عن أفضل ما في ماضي هذه الأمة بغض النظر عن كون شاعر كابن الرومي يتنازعه الأصل الأعجمي أو غيره إنه شاعر عاش وتكون عقلاً ووجداناً وسلوكاً بمعطيات الحضارة العربية الإسلامية، وهي معطيات قامت علي تمثل ثقافات الحضارات السابقة وهضمها، وأكسبتها خصوصيتها، وتمثل ابن الرومي هذه المعطيات في شعره وأكسبها خصوصية المبدع وتفرده. وهذا بعينه ما جعل أنظار هؤلاء الكتاب والدارسين علي تفرقهم وتباينهم، تتجه إليه، وإلي أمثاله من الرموز.

كما تتفق هذه الدراسات جميعاً في أنها لم تقرأ شعر ابن الرومي الذي ظل معظمه مجهولاً في مصادره حتي تحقيق الديوان كاملاً ونشره تباعاً ابتداء من عام 1970 فما قرأه هؤلاء الكتاب من شعر ابن الرومي إن هو إلا مختارات معظمها غير ثابت النسب ثبوتاً قطعياً إلي ابن الرومي، كما أنها – كأية مختارات – تخضع لذوق الذي يقدمها، فيحذف ما يشاء ويعدل، ويوجه منها ما يشاء وفق قيم الزمان السائدة. فأقدم نص نشر لابن الرومي وعرفه الناس آنذاك هو الذي تولي تقديمه الشيخ محمد سليم شريف عام 1917 تحت مسمي "ديوان ابن الرومي في جزأين إلي حرف "خ"". ونشر في مصر. معني هذا أن بقية شعره – وهو الأغلب لم يقدم، وأن الكتاب من الشام سوريا ولبنان علي وجه التحديد ربما لم يكن قد تيسر لهم الاطلاع علي عمل الشيخ محمد سليم شريف. فبطرس البستاني وهو شامي، يذكر أن "شعره بقي متفرقاً في كتب الأدب حتي قام بعض الأدباء في مصر فعنوا بطبعه ونشره وعني بدراسته جماعة منهم عباس محمود العقاد فإنه وضع كتاباً خاصاً به"(36).

وإذا كانت مختارات كامل كيلاني – وهي ثلاثة أجزاء – والتي قدم لها العقاد، ويصفها المازني بأن عدد أبياتها "قريب من سبعة آلاف بيت... وأنها مجموعة حيثما اتفق، ومسرودة علي غير نسق مفهوم، ونظام معلوم، ولم تكن وراءها فكرة ظاهرة أو غرض يطالعك سوي حشد طائفة من الشعر"(37).

قد نشرت عام 1924م، وكتاب العقاد – الذي أشار إليه البستاني – عن ابن الرومي قد نشر عام 1931م. فإن المرجح، بل الأكيد أن العقاد لم يكن يعرف من شعر ابن الرومي سوي ما قدمه كامل كيلاني، والشيخ محمد سليم شريف، كما أن من الأكيد أيضاً، أن كل من كتبوا عن ابن الرومي – وهم شاميون – سوريون ولبنانيون – ومصريون، لم يعرفوا من شعره علي الأكثر إلا ما نشره كامل كيلاني عام 1924م.

ودلالة هذا الاتفاق بين هذه الدراسات، أنها قد تحدد نظرها بما هو معروف عن الشاعر من شعره، وبما هو معروف عنه من أفكار ذاعت علي أقلام المشاهير من الكتاب أمثال العقاد والمازني وشكري وهؤلاء سنقف عندهم وقفة خاصة. وإذا كانت هذه الدراسات قد اتفقت حول الإلمام بما هو معروف من شعر الشاعر، فإن ما هو معروف من أخبار الشاعر لم يكن أيضاً كاملاً، ولا معروفاً كله، لأن أغلب المصادر التي تناثرت فيها أخبار الشاعر – علي قلتها – لم تكن قد عرفت وحققت علي الوجه الصحيح. ومن ثم فإن هذه الدراسات لم يتعرض أحدها للكتابة علي وجه مفصل عن حياة الشاعر وأخباره واكتفت كل الكتب التي تناولته بما هو منتشر في كتاب العقاد أو دراسة المازني الذي يصف مؤرخي ابن الرومي بأنهم "لم يستقصوا أخباره، ولا توخوا الإحاطة بها"(38).

ويصف مذهبهم في تقديم ما هو غير صالح من أخباره بأنه "مذهب أشبه بالعمليات الحسابية منه بالتحليل الأخلاقي"(39).

وتتفق هذه الدراسات – علي تباين زوايا النظر – في نظراتها إلي النص الشعري لدي ابن الرومي. فهي لم تقف عنده لتتعرف علي عناصره اللغوية التشكيلية، بل وقفت عنده ليكون مصدرها الذي لم يتوفر في كتب المؤرخين كما فعل "جست روفون" أو ليكون شاهداً علي نفس الشاعر ومزاجه وأحواله. أو ليكون شاهداً علي العصور والمجتمع، أو ليكون دالاً علي قدرة من قدرات الشاعر الذاتية، كالتصوير الساخر، فقد رصدوه علي أنه قدرة ذاتية في الشاعر لم تتوفر لغيره أو في تراثه، لذلك ردوها إلي أصله الأعجمي، ولم يرصدوه علي أنه خاصية جوهرية في لغته الشعرية، لذلك صار النص الشعري مفارقاً لذاته وطبيعته عند أصحاب هذه الدراسات ومنها دراسة العقاد والمازني وشكري كما سنري – وتحققت هذه المفارقة في النص بدلالته علي المجتمع والتاريخ. لا علي قضايا أو خواص تشكيلية، لذلك لم يعد هذا النص – عندهم – مجالاً للقراءة الشعرية والبحث عن صفة الشعرية فيه، بل صار مجالاً لقراءة "تاريخ الفكر والثقافة والمجتمع"(40).

ويتفق أصحاب هذه الدراسات المتفرقة عن ابن الرومي في أنهم لا تضمهم مدرسة فكرية جمالية أو تيار نقدي واحد فهم جميعاً لا ينتمون لإحدى المدارس النقدية المعروفة – مدرسة الإحياء أو الديوان أو غيرهما، ومن ثم لا تحكمهم، ولا تحكم توجهاتهم أطر فكرية معينة، ولا معايير نقدية موحدة. ومن شأن هذا أن تتباعد دراساتهم حول الشاعر الواحد – كابن الرومي – أضعاف ما تتقارب. ولكن أصحاب هذه الدراسات اتفقت دراساتهم حول هذا الشاعر علي النحو الذي قدمنا في نقاط محددة. والسر في ذلك أن فكر النهضة النقدية سواء الإحيائي أو الرومانسي علي اختلاف مشاربه – كان يمثل إطاراً عاماً من الثقافة التي تحدد توجهات الحركة نحو التراث، ونحو الذات (الحاضر) ونحو الآخر "الغرب" وقد تبلور هذا الإطار في كتابات الرواد الأوائل فيما يخص الشعر حول مفهومه ودوره، وشخصية الشاعر، فهيكل يري أن الشعر "ظاهرة نفسية لقائله يشدو به حين تفيض نفسه بإحساس من الإحساسات، أو بمعني من المعاني لا تستطيع أن تكتمه"(41).

ومن ثم فالشعر مرآة صادقة علي حد قول العقاد، والشاعر رجل ذو تجربة عاطفية عميقة، وله موقفه الفردي من الوجود أو فلسفته في الحياة. وهو – باختصار – الرجل الحساس"(42).

هذا الإطار من الفكر الجمالي هو الذي حدد توجهات هؤلاء الكتاب نحو من يختارون من شعراء التراث علي كثرتهم، كما حدد لهم معايير هذا الاختيار.

Page 10

الوعي بالشاعر داخل الفكر النقدي لمدرسة الديوان

ولكن هل لم يكتب عن ابن الرومي إلا هؤلاء في ظل الإطار العام؟ بالطبع هذا غير صحيح، فقد ارتبط ابن الرومي بأعلام مدرسة الديوان، وارتبط هؤلاء به، فلم يكن مصادفة أن يجتمع هؤلاء – العقاد – شكري – المازني – علي شاعر واحد، فيكتبون عنه، وكأنهم يصنعون له بعثاً جديداً وحياة لم يعشها، فالمازني – وهو أسبق الثلاثة كتابة عن ابن الرومي – يجمع ما كتبه عنه وينشره عام 1924 في "حصاد الهشيم" للمرة الأولي، وكأنه يري فيه ذاته، وفي أزمته مع عصره أزمته فيحدث بينهما توحد عجيب ، فالمازني الذي تجاوز واقعه المتخلف بعقله المثقف لا يعيش هذا الواقع، فيحتج عليه ويدينه بالنقد اللاذع مرة والسخرية منه مرات، والمازني نفسه، هو المنتمي وجدانياً إلي هموم هذا الواقع، ومن ثم يحدث له تصادم بين وعيه بذاته المثقفة، ووعيه بما هو خارج عنها. هذا التشخيص الذي نراه في "إبراهيم الكاتب" هو نفسه الذي يسوقه المازني لتحديد أزمة ابن الرومي ومن ثم يقع التوحد العجيب بينهما. يقول "إن ابن الرومي يعرف قدر نفسه ولا يخفي عليه مكانه من الفضل والاستحقاق، وإن إحساسه بثقل القيود المحيطة به.. قد أبرز "أنا" في شعره وفي حياته إلي المكان الأول من الواعية. إن الذاتية إنما يبررها إدراك حدودها والتصادم بما هو خارج عنها"(43).

والعقاد الذي عرف باهتمامه بالشخصيات – في كل ما كتب – قد "تناول أنماطاً مختلفة من الشخصية، وترجم لهذه الأنماط كلها"(44). يكون ابن الرومي عنده أول شخصية يكتب عنها كتاباً مستقلاً، فلو تأملت من كتب عنهم من الشخصيات لوجدتهم متباينين حقاً، ولو تأملت تواريخ نشر كل كتاب يتناول إحدى هذه الشخصيات تناولاً مفرداً، لوجدت ابن الرومي قد حظي بأول كتاب يقدمه العقاد عن شخصية. فقد نشره عام 1931. وينطبق الأمر نفسه علي عبد الرحمن شكري الذي ابتدأ درسه شعراء العصر العباسي، كالبحتري – والمتنبي – والشريف الرضي – ومهيار – بدراسة ابن الرومي وتقديمه ولم يحتر في كيفية تقديمه واحداً من هؤلاء مثلما احتار في كيفية تقديم ابن الرومي، فقد كان من السهل عليه أن يلمح كل شاعر من هؤلاء صفة تكون مفتاح درسه إلا حينما تناول ابن الرومي الذي جمع – في نظره – صفات هؤلاء وتفرد بينهم يقول شكري: "... أما ابن الرومي فإننا قد أدركنا في أول الأمر حيرة في اختيار صفة واحدة له، فهو كأنه خباز المعاني. ولكن لعل أصدق وصف يوصف به ابن الرومي هو أن يوصف بالمصور أو الرسام أو النقاش"(45).

ويتميز هؤلاء الأعلام – في كتابتهم عن ابن الرومي وغيره من الشعراء المتفردين مثله بأن كتابتهم لا تصدر فقط عن فكر النهضة النقدية الذي كان يمثل إطاراً عاماً من الثقافة التي حددت مرتكزات التواصل مع الحاضر وفهمه، واكتشاف الماضي لتدعيم هذا الحاضر والقدرة علي حوار الطرف الآخر (الغرب) بل كان هؤلاء الأعلام الثلاثة – كما نعلم جميعاً – أصحاب مدرسة نقدية جديدة، وأصحاب رؤية أدبية بوصفهم مبدعين ونقاداً في آن واحد. ونهضت مدرستهم علي أساس اجتماعي هو ازدياد دور الطبقة الوسطي في الحركة السياسية والاقتصادية، كما نهض الجانب الفكري لهذه الممارسة علي ما استمده من فكر هذه الطبقة، وهو فكر صاغه أحمد لطفي السيد ويستند إلي سند نظري من الفلسفة الليبرالية "التي تقدس الذات الفردية ومن مفهومها عن الحرية الفردية"(46).

فالفلسفة الليبرالية تؤكد علي الحرية الفردية بوصفها حرية الاختيار وتري أنها الميزة التي تتفاضل بها الموجودات "ولن تتحقق حرية الاختيار إلا لمن يستطيع أن يتسامي علي من دونه من المرجوحين"(47).

فالعقاد – مثلا – يري أن الذاتية هي الغاية من الرقي ويعتقد أن "الوجود هو الانتقال من وجود بغير ذات إلي وجود له ذات أو إلي وجود يعلم ذاته ويشعر بجوهره"(48).

ولذا كان العقاد – (أكثر من زميليه شكري والمازني) – من تلك الشخصيات الكبيرة التي يصعب عليها دائماً أن تنسي نفسها"(49).