Page 1
1· خاصّة الإسلام:
فلسفيّاً، الحقائق متعدّدة الأطراف والمصادر والمواضع؛ هي علميّاً واحدة الطَّرف المصدر (من العقل إلى التجربة والفعل أو الجدوى التطبيقية)· أما دينيّاً، فالحقائق موضوعة فوق الفلسفة والعلم، موضوعة في مكان آخر، وموجّهة لكل الأطراف، لكنْ من طرفٍ واحد· وكلُّ طرف واحد، يرى نفسه في مرآةِ ذاته، خاصاً، من دون آخر، أو آخرين، فيدعوهم تارةً (عامّة) وتارة (أميِّين)· وأصعبُ الأبحاث في عصرنا يقعُ في المجال الديني، القدسيّ المصدَر (الذي ليس كمثله شيء في الإسلام)، أو المقدّس في تعريف الدين نفسه، واستطراداً في تعريف أهل الدين لأنفسهم· ونحنُ في علم الاجتماع الديني، نبحث عن منطق العلم الديني، فنكتشفُ أنّه منطقٌ خاصٌ بأهله الذين يركبون حقائق وعيهم من عدَّة مصادر، بعضها إلهي، ومعظمها إنساني؛ وأقلّها تاريخي وأكثرها اعتقادي؛ ولا يدرون بعد أنها حقائق سوسيولوجية، تقعُ بين التاريخي والاعتقادي، لا فوق الفلسفة والعلم، ولا فوق المعرفة والسياسة· هذه المشكلة المنهجيّة، نجدُها في كل الأديان النبويّة، الرسوليّة والإمامية، خصوصاً بعد انقطاع النبوّة واندراج الدين في التاريخ (كسياسة) وفي الثقافة (كمعرفة) وفي المجتمع (كمُختبر عام (لكل الحقائق)· وهي تتحوّل إلى إشكاليّة أو قضيّة، تعني البحث العلميَّ، بقدر ما يدَّعي كل طرف ديني أنَّه مالك حقيقةٍ بنصٍّ إلهي، وأنّه هو وحده الخاص، المُميَّز· ··· شيء خُصصتُ به من دونهم وحدي ، هكذا يظهر في الثقافة منطقُ أهل الخاصة مقابل واقع المجتمع العام (أهل العامّة)· والفرَضيّة الكبرى التي تشغلنا في هذا المبحث العلمي، هي : هل في الإسلام خاصّة وعامّة؟ وهل أهل الخاصّة أو الشيعة في لبنان والمشرق العربي، بدأوا منذ منتصف القرن العشرين وحتى آخره، بإعادة النظر في أدائهم الديني - السياسي؟ أم أنهم مازالوا يعتبرون أنفسهم خاصة الإسلام، وأنهم هم بيضةُ الإسلام، وعندهم جوهر الدين، بل هُم الدّين، وإن كانوا ملّة أو مذهباً أو طائفةً في عالم الإسلام الأكبر؟في سوسيولوجيا الإسلام، يمكنُ التفريق بين دين هو من الله (وحيٌ يُوحى لنبيٍّ مصطفىً)، وبين ملّةٍ تستجيبُ لدعوة النبيّ المُرسل، وبين مذهبٍ تذهبُ إليه أطرافٌ من أهل الدّين والملّة معاً، فتؤلف في ما بينها حزباً أو شيعةً، فرقةً أو مسلكاً خاصاً، يعتقدُ أصحابهُ أنّهم الأخصُّ والأوفرُ علماً وفهماً للدّين العام، دون الآخرين من الدين نفسه، وترجيحاً، من عموم الديانات الأخرى، النبوية وغير النبويّة· وبذلك، يحدثُ سوسيولوجياً وأنثروبولوجياً، رفعُ كلِّ مذهبٍ إلى ما فوق الملّة والدّين، على الرغم من تأكيد أهل المذهب المدروس (الشيعة، مثلاً) أنّهم مسلمون، وإسلاميّون بالدرجة الأولى· وفي مستوى آخر، تتقابل اجتماعياً هذه الثلاثية (الدين/ الملّة/ المذهب)، مع ثلاثيّة النصوص الدينية :
أ) ما كانَ من الله للنبيّ، لفظاً ومعنى، فهو نصّ ديني، وهو مقدَّس (القرآن)؛
ب) وما كان من الله للنبيّ، معنىً لا لفظاً، فهو حديث قدسي (نص ديني متمّم للكتاب)؛
ج) وما كان من النبي للناس في موضوع الدين، فهو حديث نبويّ (نص ديني متمّم للنبوة، للسيرة النبوية والصحابة أو الجماعة)·
وهنا نضيف : ما كان من النبيّ للنّاس في موضوع الدّنيا (المكان الوجودي، حيث يكون النبيُّ بشراً مثل باقي البشر، ويكون البشرُ أنفسهم في جلباب الدُّنيا وأمورها، بمعزل عن القدسيّ والدينيّ)، يراه البعضُ علماً أو فكراً عادياً، ويراه آخرون مقدّساً، غير عادي، إذ كلُّ ما يصدر عن النبيّ، في دعواهم، هو نبويّ، لاعتقادهم بأنَّ النبوَّة واحدة، وتامة ودائمة، من الولادة إلى الوفاة؛ وأن النبيَّ واحد لا يتجزّأ ولا يُفهم على مستويات وبتحليلاتٍ أو تأويلاتٍ شتّى· هذا البُعد الرابع لشخصيّة النبيّ هو البُعد التاريخي - السوسيولوجي، الذي يسكتُ عنه المتديّنون العامون، ينفخ في بوقه العلمانيّون السيئون، الهادفون إلى نفي الدين ونقض الإسلام وكل ما يتّصل به، أكثر من السعي العلمي إلى درس الإسلام كما هو، وفهمه، واكتشاف منطقه السوسيولوجي وقواعد حراكه وتطوّره· فيما العلمانيّون العلميّون، الذين ينظرون إلى كل ظاهرة بعلم، دونَ أي هدف آخر، يدرسونَ الظاهرة الإسلامية في كل مصادرها ومستويات تحقّقها الاجتماعي في تاريخٍ ما· والواقع أن ما شهده العالم الإسلامي هو العلمانيّة السيئة، الإيديولوجية، غير الفلسفية ولا العلميّة، في أخطر أشكالها كالعلمانية التركية العسكرية، الرامية الى إلغاء الإسلام في الدولة والمجتمع، والإيديولوجيّات القوميّة المكتسبة التي تعودُ بتاريخ لبنان والمشرق العربي، إلى ما قبل الإسلام، وكأن هذا الدين لم يحدثْ، ولم يستبطن تاريخ الجماعات في هذه المنطقة الدينية بامتياز؛ ناهيك بالإيديولوجيّات الشيوعيّة، الوافدة من مجتمع صناعي، قسّم العمل الاجتماعي ووزّع السلطة بين الناس، على خلافٍ ما هو الحال عندنا في مجتمعات زراعية - رعوية، قبائلية وطوائفية، تتخالطُ فيها الأعراقُ والدياناتُ والمذاهبُ والأحزابُ الحديثة· وتبقى العلمانيّة العلميّة، السوسيولوجيّة في منهجها، والأنثربولوجيّة في أغراضها، مُستَبعدةً في عالمٍ يسهلُ فيه التحويلُ السريع للعلميّ إلى إيديولوجي، بلا عكس· هنا العلمُ الصّارمُ مطرود، مُطارد ومُسْتبعد باستمرار، كأنّه عدوٌ آخر، يصادقُه بعضهم لاحتوائه أو لتحويره وزرعه في وادٍ غيرِ ذي زَرْعٍ ولا ماء!
والحال، وصلنا في النصف الأخير من القرن العشرين إلى تشويهٍ سوسيولوجي خطير، حيثُ جرى إيديولوجياً قلبُ القبائل والعائلات إلى أمم وشعوب وجماعات مالكة أو حاكمة؛ وجرى في المقابل قلبُ المذاهب أو الطوائف إلى ديانات، فرُفِعَ رجالُ الدّين من بين الخاصة إلى مراتب أهل السلطة على العامّة· ولا يظنُّ أهل الخاصة، من الشيعة وسواهم، أنّ مذهبهم ليس ديناً، وأنّه غير مُرشح، مع الاسلام ونبيّه وكتابه وإلهه الأوحد للارتفاع إلى مرتبة دين، بأي معنىً من معاني الدين، وإنْ زُيّن لخاصة كل دين أنّهم، اجتماعياً، مُميَّزون، مُتمايزون من سواهم، فهم كما يقال، خاصّة رُتبة أو درجة، لا خاصّة دين - خصوصاً وأن الإسلام يؤاخي بين المؤمنين كافّةً، بلا درجاتٍ إلاّ في التقوى· ولكن، عند فرضيّة التقوى هذه، تعودُ المذاهبُ - الطوائفُ إلى تجديد خطابها الديني، ورفعه مواربةً أو مباشرةً، إلى مرتبة دين خاص· هذا الحال تستوي فيه اليهودية والنصرانية والإسلامية، عندنا في لبنان وفلسطين وعموم المشرق العربي، خصوصاً عندما يتحوّل أهل مذهب أو طائفة إلى أكثرية اجتماعية (حاكمة أو ساعية إلى الحكم)، أو إلى قوة اجتماعية فاعلة، وحاكمة، ولو من موقع أقلية قبليّة، طائفية أو حتى عائلية· فلا يتصوّر أهلُ الخاصة أن تقواهم ليست وقفاً عليهم وحدهم، وأنّها موجودة أيضاً لدى آخرين، كما هو حال الأمور الأخرى، كالدين والعلم والمال، والسلطة والسلاح، وغير ذلك· فمشكلة الخاصة أنها تستبعدُ فعلياً الآخرين، الذين لا يشاركونها في اعتقاديّتها الخاصّة بها؛ وأنّها تحوّل الميزة الاعتقادية (الخصيصة أو الخصوصية) إلى امتيازٍ للذات على كلّ آخر، حتى داخل المذهب نفسه (فيجري التمايزُ، مثلاً، بين العادي - المرحوم، المغفور له - وبين المقدّس، قُدّس سرُّه؛ وكذلك بين العاميّ في مذهبه الذي يعبرُ دُنياه بلا ظلّ، فيما الخاص يُدعى له بدوام ظلّه، الخ·)· وفي هذين المستويين، يُطلب من جمهور الخاصة أو المذهب، رفع الاعتقادي إلى سياسي أو سياسة، مدموغة بنصٍ إلهي، سَرعان ما ينعكس في وصف سياسة أهل الخاصة بأنها (إلهيّة) و (دينية) أي (مقدّسة)· وهنا يلفتنا السيد محمد حسين فضل الله، في حديثٍ تلفزيوني، إلى أنَّ الدين مقدّس، وأن رجال الدين غير مقدسين، وأن أفكارهم المبثوثة بين الناس هي أفكار عادية، خاضعة للنقد والنقض الخ· والسيد فضلُ الله ليس علمانيّاً ولا فيلسوفاً بعيداً عن رؤية العالم بعلم· هو شيعيّ يضعُ الإسلام فوق التشيّع، وفوق كل خاصة وعامّة· وعنده أن الإسلام هو الأصل الديني لكل المؤمنين به، وأنّ كل ما نتج عنه في تاريخيته، هو فرع، وفصل، ونتاج تطوّر؛ وعليه،· فلا معنى لكلامٍ على مذاهب مسلمين، من دون الإسلام عينه، وهو لا ينفي التمذهبات في الاسلام، ولا يطردها من خطابه الديني- السياسي أو التاريخي، ولا يدعو إلى تجاوزها أو دمجها أو إلغائها، بقدر ما يدعو إلى رؤيتها، كما هي، من داخل الإسلام - قولوا: نحن مسلمون ···· وأضيفوا إلى هذه الهوية ما شئتم من مذاهب، لكن حذار من قلب المذاهب إلى ديانات بديلة، أو بعيدة من الإسلام· فكيف إذا تحوّلت المذاهبُ نفسها إلى أحزابٍ أو أسبابٍ جديدة لجلب الدُّنيا إلى الحكام - الملوك والرؤساء؟ هذه الإشكاليّة المعرفيّة، تشغلُ اليوم عموم المسلمين والإسلاميين، وليس الشّيعة وحدهم، مع إصرارهم على إسلامهم، وعلى أنّهم (خاصّة الإسلام) بلا منازع إيديولوجي، وسط صراعٍ سوسيولوجي ظاهر، على التمكن من المكان، وبلوغ المكانة التي تدّعيها لنفسها كل خاصّة دينية·
Page 2
2· مَنْ همُ الشيعة، يا أبي ؟
في لبنان والمشرق العربي، وُلدنا ونشأنا تحت بُرج العروبة وقضاياها؛ وأُتيحت لجيلنا المولود في الحرب العالميّة الثانية، قراءة القرآن، وممارسة الطقوس أو الشعائر الإسلامية (الشيعيّة) مع جهل عام أو تجاهل للأديان الأخرى، مع ادّعاء اجتماعي بالتسامح والتعايش معها، من دون معرفتها علميّاً، وخصوصاً من دون الاعتراف بها، كما هي، علناً وبلا تقّية أو دبلوماسية مفروضة· واعتقد جيلُنا الشيعي أن الإسلام، ما بين الأربعينات والسبعينات من القرن العشرين، بات في حداثةٍ قوامُها العروبة التوحيدية والتحريرية، الثورية والتقدميّة؛ وأنّه، في خيالنا الإيديولوجي، بات وراءنا تماماً، لا فينا ولا حولنا· وطبعاً، لم يخْطُر ببال جيلنا أن الإسلام (الشيعي) هو أمامنا، ينتظرنا بقوّة، من وراء علمنا الحديث أو سياستنا التحديثيّة· هكذا، عشنا على حافّة الإسلام ومذاهبه، كما عشنا على هامش علمانيّة سيئة، كانت تراهنُ على تخطي الثوابت الاجتماعية (القبائل، العائلات، الطوائف والمذاهب الخ) بحزبياتٍ جديدةٍ وحديثةٍ، تتصرَّفُ وكأن التغيّر الاجتماعي المؤاتي للحداثة قد حدث فعلاً، بدعوى الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي، أو بدعوى مكافحة الصهيونية في فلسطين المحتلة، أو بدعوى التضامن العربي ودعوة العرب إلى التوحّد في أمة/ دولة· ولم يكنْ عند جيلنا مشكلة هوية، ولا مشكلة انتماء للحاضر· فشيعةُ لبنان والمشرق العربي هم عموماً من العرب - كالآخرين من أهل الإسلام والديانات الأخرى، باستثناء بعض الشيعة من الأكراد والأتراك والفُرس الخ· كنا نعتقد أنّ العروبة هويّة كافية، مرتبطة بالأرض والشعب ولغته وثقافته··· وديانته إلى درجةٍ أقلّ· وكنا نرى آنذاك، أن المذهب (أو الطائفة) هو غير الطبقة أو الدرجة الاجتماعية؛ وأنّه متّصل عُمقيّاً بالتركيب الاجتماعي - التاريخي للمنطقة بأسرها؛ وأنّه ثابتٌ اجتماعي، يتطوّر، ويتغيّر ببطء شديد في مجتمع زراعي شبه راكد ومُغلق، خلافاً للثابت الطبقي، الأكثر ديناميكيةً وانفتاحاً على صراع الطبقات في العالم؛ ناهيك بتناسينا الروابط السوسيولوجية بين أهل المذهب الواحد في العالم نفسه· ذاك أن المذهب ذو فُتحتين كبيرتين: فُتحة من داخل المذهب على أهله في كل بلد، مع خطاب عقيدي خاص ومكتوم إجمالاً؛ وفُتحة ثانية للمذهب على أهله في البلدان الأخرى (شيعة لبنان والعراق وإيران والجزيرة العربية الخ)؛ مع وجود فُتحة ثالثة، يقتضيها التبادلُ الاجتماعي مع أهل المذاهب الأخرى، الإسلامية وغير الإسلامية، في مجتمعاتٍ مسكونةٍ بالتنوّع حتى الاختلاف والانقسام الاجتماعي - السياسي· وبما أنَّ جيلنا أُتيحت له فُرص التعلّم في الداخل وفي الخارج معاً (العربي والأجنبي)، فقد رأيناهُ ينطلق من النتائج الاجتماعية للانقسام - كنقيض لمطلب الوحدة -، دون التعمّق في تاريخية هذه النتائج، ولا في أصولها الدينية - السياسية البحتة· صفوةُ التجربة أن الرومانسيّة القومية رافقتها رومانسيّة علميّة، وثورية غير تطورية في العمق؛ وأننا أسأنا فهم ما ندعوه، اليوم، بالرومانسية المذهبيّة أو الطائفيّة· فَرُحنا نعتقدُ أننا كلّنا - هكذا كلّنا، بلا تدقيق - منْ نهرٍ واحد، وأنّ الخلاف المذهبي، في دائرتيه السنّية والشيعيّة، هو مجرّد خلاف سياسيّ، لا خلاف اعتقادي عميق، في المصدر أو المرجعية، وفي الإطار الاجتماعي المرجعي لذاكرة الناس ومعارفهم وسلوكاتهم· فكان الظنُّ بأن العروبة هي الحلُّ، وقابله ظنٌّ آخر بأن الإسلام هو الحل، وأنَّ كل أهل مذهب يظنّون، بدورهم، أنهم هم، لا سواهم، وسيلةُ الحلّ· وأغوانا السلسبيلُ العلمي، بعد السلسبيل الدينيّ، بالبحث عن حلول لمشاكل بلداننا المشرقيّة، لا من خلال صراع طويل، ولا عبر الانتقال من مجتمع شبه أمّي وزراعيّ، إلى مجتمع علمي وصناعي، بل من خلال حلولٍ أنتجتها لنفسها مجتمعات أخرى، عبر تطوّرها الذاتي في العالم· فكانت غزوةُ الحداثة المحبَّبة لدى جيلنا في كل شيء، بديلاً نفسياً أو خيالياً، في تغيير بُلدانٍ ومجتمعاتٍ لم تحدثْ فيها الحداثةُ العامة، بل حدثت فيها حداثتنا نحن، الخاصّة، والغريبة، والمناضلة معاً·
Page 3
هكذا عشنا حداثتنا الخاصة، كما عاش أهلُ المذاهب والطوائف، خاصّة اعتقاداتهم الحيّة فيهم وحولنا· لقد وقع، إذاً، تغيّرٌ ما· فولدت عندنا جماعة جديدة، جماعة الحداثة في الثقافة والعلم والسياسة؛ وبقي المجتمع والدولة على هامش ولادتنا ومعرفتنا ونظرتنا إلى عالمنا المعاصر، هذا إنْ لم يتصدّيا معاً لجماعة الحداثة (أو الطائفةالجديدة) غير المُعترف بها، ولا المرغوب فيها، إلا عند الحاجة والإجراء الاقتضائي (حداثة الطب أو حداثة الجامعة، مثلاً)· ونحنُ بدورنا، نسينا في حداثتنا الخاصة، حقوق الآخرين بذاكرتهم المذهبيّة· وكان أولادي يدرسون في (الليسية ناسيونال) - وهي مدرسة علمية وعلمانية -؛ ولم يذهبوا مثل أولاد جيلنا إلى كتاتيب قرآنية، وإلى ممارسات دينية، كما ذهبنا في عصرنا· وبين حق النسيان الذي اعتمدناه، وحق الذاكرة الذي حافظ عليه أصحاب المذاهب الموروثة والمأثورة في مجتمعنا، تلقّى جيلنا الصدمة من داخله، من داخل مجتمعه، فضلاً عن دولته (خصوصاً في لبنان)· صار الدّينُ خارج المدارس الحديثة، الرسمية والعلمانية الخاصة· وحين وقعت علينا الحروب في لبنان، رأينا الأمبريالية والصهيونية وراء أشباحها؛ ولم نرَ أحداً من أهل المذاهب والطوائف، وهو يحمل سلاحه دفاعاً عن أمن مجتمع طائفي أو مذهبي موضوع فوق أمن الوطن والدولة، اللّذين كنا ننتمي إليهما بثقافتنا، ولا يعبآن بنا في ثقافتهما ولا حتى في سياستهما· وما حدث عندنا في لبنان علناً، حدث في مجتمعات المشرق العربي سراً، وبتكتّم شديد على مذهبيّات الحاكمين، وبصرف للنظر عن حقوق المحكومين في استذكار تاريخهم المسكوت عنه، واستيعاء واقعهم المُغيَّب عن الفهم العلمي الدقيق - حتى في أسفار المستعربين وبعض المستشرقين· النّاس كما هم في مكانهم، هذه الإشكالية السوسيولوجية لم تجد بعدُ طريقها إلى منهجية البحث العلمي ومنطقه الاستكشافي الصارم، كما حدث عند غيرنا من أمم العقول والعلم والتحضّر في سياق التطور الوضعيّ· هنا، القهْر العلميّ للعلماءِ الحديثين ذو أقنعةٍ وانحرافاتٍ معيارية (يفوتنا إحصاؤها في هذا المبحث)؛ ولكنَّ المشاكل السوسيولوجية المطلوب درسها بعلم وبعلمانيّة نظيفة من الإيديولوجيا عموماً، ومن الديماغوجيا أو الغوغائية المعرفيّة خصوصاً، لا تزالُ قائمةً في مجتمعاتنا، ولا تزال صارمةً الرّقابة المانعة لدرسها - ومنها رقابة المكبوت، المقهور حتى السكوت عن حاله، ورقابة الحاكم الخائف على حكمه من وعي محكوميه لواقع حالهم، كما هو، بلا مخاتلةٍ تملأُ الإعلام الرسمي وغير الرسميّ حتى الثّمالة، وبلا درس أو نقد، حتى من داخل الجامعات العلميّة، إلاّ ما ندرَ!
في هذا الواقع الاجتماعي المكبوت، رفع جيلُنا الحرية والديمقراطية والاشتراكية أو العدالة الاجتماعية، إلى عالم المُثل الجديدة· وبدأتُ المعركةُ الفكريّة ولمّا تنْته· فمنذ السبعينات، يواجه جيلنا مأساة التراجع القَسْري من العلم والعلمانيّة العلميّة الصارمة، إلى الأمّية المزدوجة - الألفبائية والمعرفيّة -، ويواجهُنا جيلُ أولادنا بحقّه في المعرفة العلمية، وفي الذاكرة القويمة لتاريخه بكل أبعاده وتكويناته· وكنْا في غفلةٍ عن هذا الحقّ إلى أن صدمتنا الحربُ بما نسينا، وذقْنا وعلمنا، ولم نتعلّم منهُ كفايةً: صدمتنا بسؤالِ أولادنا: من نحنُ ومنْ أنتم؟ ولم يكنْ السؤالُ عادياً، هادئاً، في ظروف آمنة سياسياً، ومؤاتية علمياً· فقد امتدتْ الحروبُ الصغيرة إلى كل بيروت، حيّاً حيّاً، وبيتاً بيتاً، وتمذهبت العاصمةُ التي كانت تتّسع للجميع· وكان أولادي الستة في مدرسة الليسيه ناسيونال، في منطقة رأس النبع، الخط الفاصل بين مواطني الأمس، ومتقاتلي اليوم· وعلى إيقاع الحرب، بكل رصاصها وقذائفها وصواريخها، وبكل بشاعاتها وضحاياها، كان علينا البحث عن أولادنا تحت النّار· وكانت الدّهشة التي تغمرُنا هي أن نبقى بين الأحياء وسطَ موْتٍ عميق كالخندق الذي تحوّلتْ إليه بيروت· أما الدّهشة الأخرى، فقد جاءتني إبْان الحرب من ابنتي الكبرى لينا، وهي تروي لنا ما حدثَ في رأس النّبع، وكيف ظهر هناك المسلّحون الشيعة (لا المسلمون الشيعة)، إلى أن سألتني: مَنْ هم الشّيعة، يا أبي؟ كان فرحي باستنقاذ أولادي من المدرسة التي تحوّلت إلى جبهة مواجهة بين أخوة الأمس، قد انقلب إلى شعورٍ بالحُزنِ على جيلنا، وعلى جيل أولادنا الذين ربّيناهم على هوية جامعة، فاذا بهم يُعادون قسْراً، الى السؤال عن هويّة المذهب· وقبل أن أملأ ذاكرتها بحقّها، وأنْ أجيبها بلا تقية· نحن شيعة، يا ابنتي!، تساءلتُ : هل قصَّرْتُ أو أخطأتُ في تحديث عائلتي، وعائلات كثيرة، أم أنني أصبتُ في ما فعلتُ، فخنتُ مذهبيّتي لمصلحة إنسانيتي وتقدّميتي وعلميّتي وعروبتي وإسلاميّتي العلميّة ؟
في هذا الواقع الاجتماعي المكبوت، رفع جيلُنا الحرية والديمقراطية والاشتراكية أو العدالة الاجتماعية، إلى عالم المُثل الجديدة· وبدأتُ المعركةُ الفكريّة ولمّا تنْته· فمنذ السبعينات، يواجه جيلنا مأساة التراجع القَسْري من العلم والعلمانيّة العلميّة الصارمة، إلى الأمّية المزدوجة - الألفبائية والمعرفيّة -، ويواجهُنا جيلُ أولادنا بحقّه في المعرفة العلمية، وفي الذاكرة القويمة لتاريخه بكل أبعاده وتكويناته· وكنْا في غفلةٍ عن هذا الحقّ إلى أن صدمتنا الحربُ بما نسينا، وذقْنا وعلمنا، ولم نتعلّم منهُ كفايةً: صدمتنا بسؤالِ أولادنا: من نحنُ ومنْ أنتم؟ ولم يكنْ السؤالُ عادياً، هادئاً، في ظروف آمنة سياسياً، ومؤاتية علمياً· فقد امتدتْ الحروبُ الصغيرة إلى كل بيروت، حيّاً حيّاً، وبيتاً بيتاً، وتمذهبت العاصمةُ التي كانت تتّسع للجميع· وكان أولادي الستة في مدرسة الليسيه ناسيونال، في منطقة رأس النبع، الخط الفاصل بين مواطني الأمس، ومتقاتلي اليوم· وعلى إيقاع الحرب، بكل رصاصها وقذائفها وصواريخها، وبكل بشاعاتها وضحاياها، كان علينا البحث عن أولادنا تحت النّار· وكانت الدّهشة التي تغمرُنا هي أن نبقى بين الأحياء وسطَ موْتٍ عميق كالخندق الذي تحوّلتْ إليه بيروت· أما الدّهشة الأخرى، فقد جاءتني إبْان الحرب من ابنتي الكبرى لينا، وهي تروي لنا ما حدثَ في رأس النّبع، وكيف ظهر هناك المسلّحون الشيعة (لا المسلمون الشيعة)، إلى أن سألتني: مَنْ هم الشّيعة، يا أبي؟ كان فرحي باستنقاذ أولادي من المدرسة التي تحوّلت إلى جبهة مواجهة بين أخوة الأمس، قد انقلب إلى شعورٍ بالحُزنِ على جيلنا، وعلى جيل أولادنا الذين ربّيناهم على هوية جامعة، فاذا بهم يُعادون قسْراً، الى السؤال عن هويّة المذهب· وقبل أن أملأ ذاكرتها بحقّها، وأنْ أجيبها بلا تقية· نحن شيعة، يا ابنتي!، تساءلتُ : هل قصَّرْتُ أو أخطأتُ في تحديث عائلتي، وعائلات كثيرة، أم أنني أصبتُ في ما فعلتُ، فخنتُ مذهبيّتي لمصلحة إنسانيتي وتقدّميتي وعلميّتي وعروبتي وإسلاميّتي العلميّة ؟
Page 4
3· الشيعة نتاجُ الإسلام في تطوّره وتحضّره :
التشيّع في تمظهره الاجتماعي، وولاداته التاريخيّة على مراحل، هو وجهة نظر داخل الإسلام، ووجهة نظر إلى الإسلام ذاته· وبين الوُجهةِ والنّظر، يستمرّ التّطوُّر التاريخي بلا انتظار، إلاّ في محطّات التحضّر الاجتماعي· وفي سياق التحضّر الاجتماعي للمشرق العربي، آلَ الأمرُ إلى تجديد المذاهب وتحديثها، وإعادة تسييسها وتزويدها بمعظم أدواتِ الصراع حول السلطة في المجتمع والدولة· ولطالما جرى تجاهلُ التشيّع بوصفه ظاهرةً اجتماعيةً (متموضعة في عدّة أقطار عربيّة (لبنان - سورية - العراق - الكويت - البحرين - دُبي - اليمن والسعودية الخ)، وإسلامية وعالميّة· هذه الظاهرة لم تُدرس في كليّتها، كما هي، في مكانها وركائزها، في ثوابتها وتحوّلاتها، وفي صلتها أو صلاتها بالمذاهب الأخرى، إلاّ من زاوية إيديولوجية· لكأنَّ الشيعة والآخرين ما زالوا فوق التاريخ، ينسجون بخيالهم الاعتقادي سديماً لأنفسهم وللآخرين، ويعيدون تشكيلَ ما هو متشكّل فعلاً في المجتمع، متناسين العلاقة بين المتشكّل واللا متشكّل، آملين وهميّاً بعودة الكلّ الى الواحد، وبانفتاح العولمة الإسلامية على العولمة الغربية، عبر مضائق المذاهب والطوائف التي يتحصّنون في حصونها الإيديولوجية، فيما قطاراتُ الحداثة الاجتماعية والتكنولوجية، الإعلامية والعلمية والاقتصاديّة، تمخرُ بلدانهم دون أن تجد لنفسها محطّةً واحدةً، ثابتةً في أيٍّ منها · فهل يمكنُ لأيّ مذهب ديني أو سياسي - ديني أن يأمل بعولمة ذاتيّة من دون تعولمه العضوي أو مشاركته الفعّالة في تجديد العولمة الإسلامية السالفة، ومن ضمنها العولمة الشيعيّة المنشودة ضْمناً في اللامتشكّل الإسلامي، المفروض أنّه حرّ، مفتوح، مُتاح أو مباح للجميع، فيما الواقع السوسيولوجي مناقضٌ لكل هذا الظنّ الاعتقادي، الذي تساوق في لبنان ومشرقه العربي، مع ظنّين آثمين آخرين: ظنّ التكفير في مستوى الرأي، وظنّ التخوين في مستوى السياسة أو الممارسة الاجتماعيّة للرأي المختلف، وهكذا، باجتماع الظنون، يضطردُ المظْنُونُ (Le cru) ويسودُ بلا هوادة على المفهوم أو المعلوم (Le Su)؛ وينتشرُ هذا الواقعُ الظنّي، بلا حدود، حتى ليعتقد أهل الظنون أنهم هُم وحدهم (أهل العلوم)، ما دام شاغلُهُم هو المجهولُ، لا الممكنُ علمهُ وفهمُه وتوظيفُه في إصلاح دُنياهم· ذاك أنَّ المجتمع الديني، النبويّ، والإماميّ الشيعي خصوصاً، يضع الدنيا وراءه، والدّينَ أمامه سوسيولوجياً، طالما نحن مشغولون عنها بديننا، أو بمذهبنا أو بتفاصيل سلوكنا الديني؟ وبالطبع، لا تأتي الإجابة من داخل هذه المساءلة، بل تأتي من خارجها، من الآخرين، الذين لم تتمكّن مجتمعاتنا بعدُ من إنتاج نظام للشراكة التاريخية معهم· إنَّ في لكم دينكم ولي دينِ مُفاصلةً تاريخيّةً ودنيوية أيضاً· وكذلك في أقوال خاصّة المذاهب المكرَّسة اجتماعياً في إسلام اليوم: (لكم مذاهبكم أو طوائفكم، ولي مذهبي أو طائفتي)! وما حدثَ هو أنَّ ما عجزت عنه إيديولوجيّات القرن العشرين، السياسية والعلمية والدينية، تدَّعي تجاوزه علومٌ بحتة وإنسانية، وتراهنُ على فرضِهِ واقعاً جديداً في الألفيَّة الثالثة· فهل يتقبّل الشيعة هذه الفرضيّة العلمية، وهم ينتظرون عالميّتهم الخاصة بهم، مع ظهور إمامهم المهدي، الثاني عشر والأخير؟ أم تُراهم مقبلون على إندماج جديد في العالم العربي (بعروبتهم) وفي العالم الإسلامي (بإسلاميّتهم المناضلة)؟ وفوق ذلك ، هل لهذا التقبّل وذاك القبول صلة ما، سوسيولوجيّة، بالتحوّل العالمي المتواصل الحدوث، بلا حدودٍ معروفة سلفاً؟ إنها أسئلةً كبرى تتجاوز جيلنا وجيل أولادنا، الذين شهدوا تعاقب السياسي، والديني على السلطة في المشرق العربي والعالم الإسلامي، ولم يشهدوا تعاقب العلمي والديني في المجتمع، كما حدث في أوروبا وأميركا وشرق آسيا· وبما أنَّ رقّاص العولمة يؤشر، منذ الآن على تعاقب العلمي والسياسي في جانبٍ من العالم المعاصر، فإنّ رقّاص المذاهب الإسلامية ما زال يؤشر، في الخطاب الإسلامي العام، على تعاقب الديني والسياسي، وعلى اعتبار الدين (المذهب ضمناً) هو التاريخ والسياسة··· وكل شيء ··· حتى العلوم نفسها· وعليه، نكتشفُ أن الساعة المذهبيَّة (الدينية أصلاً وفصلاً) تنبضُ في اتجاه مغاير لاتجاه السّاعة العلمية، ولو تظاهر حاملوها باستعمال أدواتها، بلا تخوّف· فالخوف يكمنُ في المكان العربي، في مسرح الظلال المذهبيّة، وإنْ غطّاها سيّد قُطب ومحمد باقر الصدر وسواهما بـ ظلال القرآن أو ظلال الإسلام· لم يتوضّح بعد، في بلادنا مدى استغناء المذهبيّ أو الدينيّ عن العلميّ، بقدر ما تحدّد في أماكن أخرى من العالم، مدى استغناء العلمي عن سواه، ما عدا السياسي كحاكم ومموِّل، كمُدافعٍ ومتاجر، الخ· والحال، مع تحديث التعليم وتطور البحوث العلميّة، واقتحام العولمة للمجتمعات المُغلقة، وفتحها بالعلم والإعلام، كما بالتكنولوجيا والثقافات واللغات والأسواق، ما هو نصيبُ المذاهب الإسلامية (ومن ضمنها مذهب التشيّع الإسلامي، بكل ألوانه، الإماميّة الإثني عشرية، والإمامية الزيدية، والعلوية والدرزية (التوحيدية)، وكل ما ينتسب ولو من بعيد إلى هذا المذهب الاعتراضيّ الأصيل)، وما هو حظّها الفعلي في الحفاظ على ذاتيّتها أو هويتها بانغلاقٍ، بل بتهرّب من التطوّر الذي يحرّكه محرّك الحياة، والذي يتموضعُ باستمرار عبر مزيد من التحضّر العلمي العالمي، على حساب التصحُّر المذهبي، الذي يراهنُ أهله على قلبهِ سياسةً ولو لأجلٍ معيّن؟
Page 5
قلتُ لجيلي، لابنتي ولأولادي : ما ذنبُنا إن تطوّرنا وعشنا عصرنا، كما هو، وبقي آخرون كثيرون في بلادنا يؤثرون التحجّر على التطور، والتمذهب على التعولم، والواحد على الكل؟ ها نحنُ في مشرق عربيّ، يقطنهُ الشيعة المسلمون، كآخرين في الإسلام وفي العالم، كآخرين متباعدين عن بعضهم، وعن غيرهم من المذاهب الأخرى، حيثُ يراهنُ كلُّ محليّ على عولمة محليّته، لا بتطويرها، بل بحجبها وتحجيبها، لحمايتها من الخطر المُقيم في داخلها، وعلى حدود انتشارها المكاني، وفي مجال توطّنها العالمي· وبعد، لماذا هذا البحث السوسيولوجي عن شيعة لبنان والمشرق العربي، لماذا هذا الافتراض الفلسفي بالنَّظر إلى الشيعة كآخرين في الإسلام، مما قد يوحي أننا نتبنّى منهجاً غير علمي، منهجاً إيديولوجياً، عروبياً أو إسلامياً مختلفاً؟ هل نسعى للبرهان مثلاً على أن الشيعة في مكانهم العربيّ لا يختلفون عن أقرانهم لا من حيث الوطنية والعروبة والإسلامية؛ ولكنَّ أقرانهم الآخرين هم الذين اعتادوا تاريخياً على التعامل معهم كآخرين؛ واعتادوا جغرافياً على التفاصل، فيما الجميعُ يدعو إلى التواصل في دول المشرق العربي الحديثة جسداً، الهرمة روحاً ونظاماً سياسياً؟ بكلام آخر، نتساءل : أليس الشيعة العرب، شيعة الشام والعراق والجزيرة، هم مواطنون صالحون، بذاتهم، على خصوصيّة مذهبهم في الإسلام؛ وهم مواطنون منفتحون على العلم والمعرفة، وجادّون في تحضّرهم على أرضهم، وفي الدفاع عنها، حتى وإنْ تركهم أبناء وطنهم، يقاومون الاحتلال الإسرائيلي، مثلاً، كأنهم آخرون في مواجهة آخرين - يتعاملُ البعض معهم، ويعترف البعض الآخر بهم، فيما لا ينقطع الصراع ولا التفاوض معهم أيضاً تارةً(كأعداء) وتارة (كأصدقاء) للغد؟ وفوق ذلك، هل لدُن الشيعة ما يدعو إلى الخوف منهم، لا الخوف عليهم من أعداء الإسلام والعروبة معاً، وهم في مواقعهم الاجتماعية العربية جماعات وطنيّة، مستقلّة عن بعضها، ولكنّها متواصلة ومتّصلة كما هو حال أصحاب المذاهب الأخرى، في نطاق العالمين العربي والإسلامي، وفي نطاق العولمة الغربية؟ وأبعد من ذلك، نقول بوضوح وشفافية، هل في سلوك شيعة المشرق العربي، ما يضرّ بالعلاقات العربية - الإيرانية، مثلاً، لإن إيران الإسلامية الشيعيّة تقدّم نفسها مرجعية(ثوريّة) للشيعة وللمسلمين في العالم؟
سبق أن شدّدنا، في هذه المداخل، على أن المذاهب والديانات متواصلة في عالمنا، كما كان الحال دائماً؛ وأنَّ ما تفعله المذاهبُ الأخرى، لا يفعل شيعةُ العرب أكثر منه، بل يلازمُهم الحذرُ والتخوّفُ الكامنُ، من الطّعن في إسلامهم تارةً، وفي وطنيّتهم أو عروبتهم تارة أخرى، فيما الخطاب الإسلامي الشيعي العام يدعوهم إلى أن يكونوا مواطنين حيث همُ في أوطانهم، منفتحين ومتعايشين مع الآخرين، حتّى حينَ لا تكون معاملتُهم السياسيّة من طرف السلطات القائمة، متناسبةً مع مواقعهم الاجتماعية ومع أدوارهم الحضارية والعلمية والأدبية والسياسية· إن محاكمة السياسي للديني وللمذهبي خصوصاً، في المشرق العربي، هي التي أنتجت المذهبيَّ الهادفَ إلى محاكمة السياسي، وإلى ممانعته ومقاومته، وحتى محاربته بسلاحه نفسه· ولقد حاولنا في كتابنا (العقل في الإسلام) الكشف العلمي عن هذه المحاكمة، ذات المنطق الفاسد؛ ووصفنا بعض النقاد الإيديولوجيين (في مجلة الناقد، 1996) بقوله :(هنا تظهر شيعيّة خليل أحمد خليل)، وهو كاتب شيعي شيوعي، منعته إيديولوجيّته بالتحديد من رؤية علمية الكاتب، الذي وصفه آخرون لإهانته بأنَّ علاقته بالشيعة، هي كعلاقة الفارابي - وكنا لتاريخه لا نعلم أن الفارابي هو من الشيعة الإسماعيلية، ولكننا رددنا بقولنا شفهياً للناقد الديني : (إنْ كان هذا الكلام بقصد الإهانة، فهذه من المدائح الجميلة التي سمعناها في حياتنا)! ونحن لم ندع علماً وفلسفةً، بمستوى معلّمنا الفارابي، ولم نتعامل مع فلسفته وعلمه إلاّ كمعلّم عالم، لا كمذهبيّ آخر· وهذا الكلام عن الذات والآخرين من الشّيعة، يُحيلنا بدوره إلى عُمق المشكلة التي نتصدّى لها في هذا الكتاب، الذي رأينا من الضرورة وضعه لكشف الالتباس الحاصل بين شيعة المشرق العربي أنفسهم، وبينهم كجماعة واحدة - مُفترضة - وبين حاكميهم الموحّدين نسبيّاً كجماعة سياسية، شبه متّفقة على النظرة الموروثة، والمعروفة، إلى شيعة العرب، كآخرين، هامشيين أو مهمّشين، حتى عندما يدحرون الاحتلال الصهيوني وحدهم على أرض جنوب لبنان، فتقع المصالحة أو جمع الشّمل في مستوى الوجدان الجماعي، وتبقى الأمور كما هي في مستوى الخوف بل الحذر السياسي من هؤلاء الشيعة الذين شاركوا الأمّة وأحزابها الأشد محافظةً والأشد تطرّفاً وانفتاحاً، ولم يُعترف بهم كجماعة ذات حق في المشاركة الوطنية بالسلطة، لا لأنهم شيعة وحسب، كما يظنّ بعض الشيعة أنفسهم، بل لأنّ المشاركة نفسها غير متوافرة عموماً إلاّ نادراً (لبنان - سورية - الكويت، مثلاً) ولأن حق التنوّع والاختلاف، لم يجد بعد تعبيره الديمقراطي في أنظمة الواحد العربي الذي يكرّر نفسه، ويحوّل كلّ اختلاف إلى خلافٍ، يسعى لحلّه بالعنف، حيث يمكنُ اللطفُ والحوارُ والاستواءُ في كلام العقل· فمن مأثور الشيعة أن حقّهم في الذاكرة التراجيدية، منذ مأساة الكوفة وكربلاء (المعبد الإلهي) حتى مآسيهم في القرن العشرين، كان لأجل حقهم في الحياة، لا في البكاء فقط على ما حدث لهم ولأئمتهم ومناضليهم· فكيف يُطلب منهم حق النسيان وهم مسكونون بهذه الذاكرة التراجيدية بلا انقطاع؟ إنَّ الجماعات الدينية، والمذهبيّة الأقليّة خصوصاً، لا تستطيعُ أن تنسى نفسها، وإنْ فعل بعض أفرادها هذه الفعلة؛ وهي لا تستطيع التواصل مع الآخرين بحرية، إلاّ حين تُتاح الحرية· فنحنُ كأفرادٍ تناسينا، مع العروبة والحداثة، انغلاقنا المفروض، وانفتحنا على العلم والعصر، باحثين عن حقّنا في الحياة - وظلّ جدارُ السياسة قائماً، مع ذلك، بين أهل البيت الواحد في كل دولة من دول المشرق العربي· ومن خلف الجدار السياسي، نرى الشيعة واجهةً، سرعان ما يجري تحويلها، وتحويلهم هم أنفسهم، إلى مواجهةٍ مع الداخل، حين لا تكون المواجهة مع الخارج (لبنان واسرائيل؛ العراق وإيران؛ وعموماً الشيعة والأصوليّات الإسلامية السياسية في مصر والجزيرة العربية الخ)· وعليه، تعيش الجماعات الشيعية العربية على قلق مُزدوج : قلق من الآخرين الذين يرون في التوحّد الشيعي لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي خطراً على مذاهبهم أو طوائفهم؛ وقلقاً من الآخرين، في الخارج، الذين اخترعوا بدعة (الإرهاب الإسلامي)، ثم بدعة (الإرهاب الشيعيّ) والذين تناغم معهم، وحذا حذوهم، بعض الحاكمين العرب· وبين قلقين على الواقع والمصير، يتساءل شيعة لبنان والمشرق العربي : ما مستقبلنا في الألفيّة الثالثة؟ وهل ستُتاح لنا فرص جديدة للإندماج على إيقاع إسلامي أو عربي مختلف عمّا حدث لنا في النصف الثاني من القرن العشرين؟ إن مسألة الاندماج في المشرق العربي تتجاوز الشيعة، كجماعة دينية، ولكنّها تبدو حادّة بنحو خاص، وخطرةً، كلّما دار البحثُ عن قضية الشيعة العرب، الذين لا عيبَ في عروبتهم ولا ثقافتهم ولا سياستهم، سوى التعصّب المذهبيّ الذي يدمغ بدمغته كل مذاهب هذه المنطقة، التي لمّا تخرج من ماضيها الانقسامي إلى استراتيجية تجدُّدٍ وتحضُّرٍ، تفتحُ باب التطور أمام الجميع لاندماج حضاري في مجتمع مستقلّ عن الخارج، منفتح على بعضه من الداخل، وقابل لتداول السلطة بين أجياله·
سبق أن شدّدنا، في هذه المداخل، على أن المذاهب والديانات متواصلة في عالمنا، كما كان الحال دائماً؛ وأنَّ ما تفعله المذاهبُ الأخرى، لا يفعل شيعةُ العرب أكثر منه، بل يلازمُهم الحذرُ والتخوّفُ الكامنُ، من الطّعن في إسلامهم تارةً، وفي وطنيّتهم أو عروبتهم تارة أخرى، فيما الخطاب الإسلامي الشيعي العام يدعوهم إلى أن يكونوا مواطنين حيث همُ في أوطانهم، منفتحين ومتعايشين مع الآخرين، حتّى حينَ لا تكون معاملتُهم السياسيّة من طرف السلطات القائمة، متناسبةً مع مواقعهم الاجتماعية ومع أدوارهم الحضارية والعلمية والأدبية والسياسية· إن محاكمة السياسي للديني وللمذهبي خصوصاً، في المشرق العربي، هي التي أنتجت المذهبيَّ الهادفَ إلى محاكمة السياسي، وإلى ممانعته ومقاومته، وحتى محاربته بسلاحه نفسه· ولقد حاولنا في كتابنا (العقل في الإسلام) الكشف العلمي عن هذه المحاكمة، ذات المنطق الفاسد؛ ووصفنا بعض النقاد الإيديولوجيين (في مجلة الناقد، 1996) بقوله :(هنا تظهر شيعيّة خليل أحمد خليل)، وهو كاتب شيعي شيوعي، منعته إيديولوجيّته بالتحديد من رؤية علمية الكاتب، الذي وصفه آخرون لإهانته بأنَّ علاقته بالشيعة، هي كعلاقة الفارابي - وكنا لتاريخه لا نعلم أن الفارابي هو من الشيعة الإسماعيلية، ولكننا رددنا بقولنا شفهياً للناقد الديني : (إنْ كان هذا الكلام بقصد الإهانة، فهذه من المدائح الجميلة التي سمعناها في حياتنا)! ونحن لم ندع علماً وفلسفةً، بمستوى معلّمنا الفارابي، ولم نتعامل مع فلسفته وعلمه إلاّ كمعلّم عالم، لا كمذهبيّ آخر· وهذا الكلام عن الذات والآخرين من الشّيعة، يُحيلنا بدوره إلى عُمق المشكلة التي نتصدّى لها في هذا الكتاب، الذي رأينا من الضرورة وضعه لكشف الالتباس الحاصل بين شيعة المشرق العربي أنفسهم، وبينهم كجماعة واحدة - مُفترضة - وبين حاكميهم الموحّدين نسبيّاً كجماعة سياسية، شبه متّفقة على النظرة الموروثة، والمعروفة، إلى شيعة العرب، كآخرين، هامشيين أو مهمّشين، حتى عندما يدحرون الاحتلال الصهيوني وحدهم على أرض جنوب لبنان، فتقع المصالحة أو جمع الشّمل في مستوى الوجدان الجماعي، وتبقى الأمور كما هي في مستوى الخوف بل الحذر السياسي من هؤلاء الشيعة الذين شاركوا الأمّة وأحزابها الأشد محافظةً والأشد تطرّفاً وانفتاحاً، ولم يُعترف بهم كجماعة ذات حق في المشاركة الوطنية بالسلطة، لا لأنهم شيعة وحسب، كما يظنّ بعض الشيعة أنفسهم، بل لأنّ المشاركة نفسها غير متوافرة عموماً إلاّ نادراً (لبنان - سورية - الكويت، مثلاً) ولأن حق التنوّع والاختلاف، لم يجد بعد تعبيره الديمقراطي في أنظمة الواحد العربي الذي يكرّر نفسه، ويحوّل كلّ اختلاف إلى خلافٍ، يسعى لحلّه بالعنف، حيث يمكنُ اللطفُ والحوارُ والاستواءُ في كلام العقل· فمن مأثور الشيعة أن حقّهم في الذاكرة التراجيدية، منذ مأساة الكوفة وكربلاء (المعبد الإلهي) حتى مآسيهم في القرن العشرين، كان لأجل حقهم في الحياة، لا في البكاء فقط على ما حدث لهم ولأئمتهم ومناضليهم· فكيف يُطلب منهم حق النسيان وهم مسكونون بهذه الذاكرة التراجيدية بلا انقطاع؟ إنَّ الجماعات الدينية، والمذهبيّة الأقليّة خصوصاً، لا تستطيعُ أن تنسى نفسها، وإنْ فعل بعض أفرادها هذه الفعلة؛ وهي لا تستطيع التواصل مع الآخرين بحرية، إلاّ حين تُتاح الحرية· فنحنُ كأفرادٍ تناسينا، مع العروبة والحداثة، انغلاقنا المفروض، وانفتحنا على العلم والعصر، باحثين عن حقّنا في الحياة - وظلّ جدارُ السياسة قائماً، مع ذلك، بين أهل البيت الواحد في كل دولة من دول المشرق العربي· ومن خلف الجدار السياسي، نرى الشيعة واجهةً، سرعان ما يجري تحويلها، وتحويلهم هم أنفسهم، إلى مواجهةٍ مع الداخل، حين لا تكون المواجهة مع الخارج (لبنان واسرائيل؛ العراق وإيران؛ وعموماً الشيعة والأصوليّات الإسلامية السياسية في مصر والجزيرة العربية الخ)· وعليه، تعيش الجماعات الشيعية العربية على قلق مُزدوج : قلق من الآخرين الذين يرون في التوحّد الشيعي لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي خطراً على مذاهبهم أو طوائفهم؛ وقلقاً من الآخرين، في الخارج، الذين اخترعوا بدعة (الإرهاب الإسلامي)، ثم بدعة (الإرهاب الشيعيّ) والذين تناغم معهم، وحذا حذوهم، بعض الحاكمين العرب· وبين قلقين على الواقع والمصير، يتساءل شيعة لبنان والمشرق العربي : ما مستقبلنا في الألفيّة الثالثة؟ وهل ستُتاح لنا فرص جديدة للإندماج على إيقاع إسلامي أو عربي مختلف عمّا حدث لنا في النصف الثاني من القرن العشرين؟ إن مسألة الاندماج في المشرق العربي تتجاوز الشيعة، كجماعة دينية، ولكنّها تبدو حادّة بنحو خاص، وخطرةً، كلّما دار البحثُ عن قضية الشيعة العرب، الذين لا عيبَ في عروبتهم ولا ثقافتهم ولا سياستهم، سوى التعصّب المذهبيّ الذي يدمغ بدمغته كل مذاهب هذه المنطقة، التي لمّا تخرج من ماضيها الانقسامي إلى استراتيجية تجدُّدٍ وتحضُّرٍ، تفتحُ باب التطور أمام الجميع لاندماج حضاري في مجتمع مستقلّ عن الخارج، منفتح على بعضه من الداخل، وقابل لتداول السلطة بين أجياله·
Page 6
II· إستراتيجيّةُ وجودٍ وبقاء :(جدليّاتُ الأرضِ والعلم والعقيدة)
في الاعتقاد الشيعي أن التشيّع ولد مرّتين : ولادة إسلاميّة (نبويّة) في مكّة والمدينة، كانت كامنةً في عهد النبيّ، وكان الوصيُّ عليٌٌّ رمزها الديني والعلمي؛ ثم صارت ظاهرةً بعد النبيّ، وكانت (خلافة) عليّ المنشودة إطارها المرجعي والاستقطابي داخل الجماعات الإسلاميّة الأولى؛ وولادة سياسية (صراعية/مأساوية) في الكوفة وكربلاء (العراق)، قوامُها اغتيال الإمام عليّ بعد حروب على السلطة (حرب الجمل - حرب النهروين مع الخوارج - حرب صفّين مع معاوية)، والاغتيال الجماعي لآل الحسين بن علي في الطفّ (كربلاء)· وبقدر ماكان القتلُ يعني الإلغاء الجسدي للآخر، وإخراجه من المكان الأرضي وزمانه الحيوي إلى باطن الأرض، كان يعني أيضاً استبعاد الآخر ونفيه وجعل أرضه مواتاً مثله· ومن المعروف أنّ صراع الشيعة على المكان بدأ في المدينة المنوّرة، وتمثّل في الذاكرة الشيعيّة في مأساة أبي ذر الغفاري، الرفيق الإماميّ، الذي عاش غربة المكان في زمان الإمام الأوّل، فنفاه الخليفةُ عثمانُ بن عفّان إلى بلاد الشام (سورية ولبنان) حيث يعتقدُ الشيعة أنّه وطَّنَ مذهبهم بين السكّان الذين احتكّ بهم؛ ثم نفاه إلى الصحراء (الربذة) حيث قضى غريباً وشهيداً، وشاهداً على لا مكان الشيعة فوق الأرض أو تحت الشمس· من هاتين الولادتين جاء التعاقب عند الشيعة لوسيلتي الدّعوة السرية أو التقّية، والدعوة العلنية أو الثورة· وبين التقيّة والثورة، سعى الشيعة الأوائل على ندرتهم أو قلّتهم، إلى الانتقال من كون الإنسان هو إمكان الزّمان، إلى جعله إمكان المكان؛ وحصَّنوا مسعاهم برمزية دينية كثيفة : رمزية الإمام القتيل، المظلوم، الشهيد المقدَّس في مكانه (مزاره)، ورمزيّة الإمام الحيّ المتواصل، الظاهر والباطن (انتظار الخفيّ: الإمام المهدي)· وعلى هذه الرمزية المقدّسة، أسّس الشيعةُ نظامهم العقيدي وبنوا فلسفةً دينية داخل الإسلام (نهج البلاغة للإمام علي؛ أدعية الإمام زين العابدين، السجّاد، شاهد كربلاء؛ هفْت أو جفْر الإمام جعفر الصادق؛ بحار الأنوار، أي أحاديث الأئمة الاثني عشر، التي جمعها أجيال من الرّواة، وجرى نشرها في بيروت، في 110 مجلدات، للمجلسي··· الخ)· وفوق ذلك، دافع الشيعة عن مكانهم (أو مجال عليّ، كما سمّاه هشام جعيط في كتاب الفتنة، مقابل مجال معاوية، أو السلطة) وقاتلوا طويلاً للحفاظ عليه في وجه كل قوّة محلية أو خارجية؛ فاعتبروا أنّ مكانتهم في المجتمع تتوقفُ على مكانهم أو أرضهم؛ وهكذا نشأت لديهم استراتيجية وجود وبقاء، غير معلنة دائماً؛ ولكنّها استراتيجيّة قائمة سوسيولوجياً على ثلاثة ثوابت: ثابت الأرض، ثابت العلم، ثابت العقيدة· ومن البداهة القول إنَّ التشيّع المولود عربياً وإسلامياً، في مجال جغرافيّ محصور، ومحاصَر، قد بحَثَ لنفسه عن أماكن أخرى في أرض الله الواسعة (غرباً وشرقاً: الدولة الفاطمية العربية في المغرب ومصر؛ والدولة الصفوية الفارسيّة في إيران، القائمة حتى الآن، وفي إطار جمهوري)؛ ولكنَّه لم يتمكّن في المجال العربي من التأسس في مكانٍ واحدٍ، جامع· وكذلك حال التشيّع في العالم الإسلامي (باستثناء إيران، حيث لا تخفى المركزية الشيعيّة الغالبة)· فهل هذا الواقع الشيعي الراهن يسمح بالافتراض أنَّ الشتات الشيعي على مدى الخارطة الدينية العربية، لا حظَّ له في تكوين مجتمع شيعي عربي، يمكن تتويجه بدولة، كما هو حال المذاهب الإسلامية السنية العربية؟ لا شكّ أنَّ التوزع الإسلامي الشيعي - (بمعناه الواسع، معنى مجال عليّ، الشامل للإثني عشرية والزيدية والعلوية والدرزية، الخ) - على واجهاتِ المشرق العربي يجعل الشيعة عُرضةً، وضحيَّةً دائمةً للمواجهات الداخلية والخارجية معاً، وأنَّ التكاثر السكاني الشيعي لن يحول، قريباً، دون بقائهم أقلية(مذهبيّة) فوق خارطة المذاهب الإسلامية العربية، ودون بقائهم أقلية (سياسية) في حال الانتقال العربي من الوراثة الاستبدادية إلى التعاقب الديمقراطي على السلطة· وهذا - ربّما - ما جعل شيعة العرب - وهم عرب أقحاح بمعظمهم - يتماهون بالعروبة كهويّة، دون التنازل عن هوية وجودهم، ضمانة لاستمرار بقائهم في أرضهم· إن أرض الله الواسعة ضاقَتْ عليهم مراراً في التاريخ المأسوي لعقيدتهم، وأطبقت عليهم في النصف الثاني من القرن العشرين (محنة جنوب لبنان مع الاحتلال الإسرائيلي؛ ومحنة جنوب العراق وشيعة العراق في خلال حرْبي الخليج الأولى والثانية، مع إيران، ومع أميركا وحلفائها)· ولئن كان شيعةُ لبنان قد حرّروا أرضهم الوطنية بالمقاومة، المدعومة علناً من سورية الأسديّة، ومن إيران الخمينيّة، فإنّ صراع البقاء الشيعي على الأرض والسلطة ما زال قائماً، خصوصاً بعد ما صار الشيعة الطائفة الأولى في لبنان (وهم كذلك في العراق والبحرين)· وإذا كان شيعة لبنان والكويت والعراق يشاركون في السلطة بأشكال متفاوتة؛ فإنَّ عروبة شيعة سورية العلويين (الذين أفتى الإمام موسى الصدر، سنة 1972، بأنهم شيعة إثنا عشريون) مكّنتهم من قيادة الحكم في دمشق، منذ 1970 وحتى اليوم؛ فيما شيعةُ دبي والبحرين والسعودية واليمن يشكونَ من اغترابهم أو نفيهم السياسي في بلادهم· وكذلك حال الأقلية الشيعية في فلسطين!هذه الصورة الواجهية لشيعة المشرق لا تكفي لفهم صورتهم السوسيولوجية· إذْ إنّ الآخرين يعتبرونهم، في مجتمعاتهم، آخرين، لا لزوم لمذهبهم، ولا راهنيّة لقضيّتهم، ولا مستقبل لوجودهم كجماعة مذهبية فاعلة، موحَّدة وحاكمة في مجال مشترك· ويراهن الشيعة على اعتقادهم بأنهم هم أهل الحق وأهل الأرض الإسلاميّة، وأنَّ مذهبهم هو مذهب العدل والتوحيد والعودة إلى المجتمع النبويّ ودولتهِ المُفتقدةِ عربيّاً، والمتبلورة إيرانياً· ولا يُخفي شيعة المشرق العربي علاقاتهم الودية مع إيران (حيث مقام الغريب، الإمام عليّ الرضا في مشهد، ومقام السيدة فاطمة في قم) ومع سورية (حيث مقام السيّدة زينب في دمشق)· والشّيعة العرب وغير العرب يزورون هذه المقامات دورياً وسنوياً، كما يحجّون إلى مكة والمدينة؛ مؤكّدين من خلال الزيارة مواصلةَ ارتباطهم بالرمزية الإمامية المقدّسة، ولكن دون التحاقٍ بسياسة بلاد الزيارات (ومنها العراق، حيث مقامات معظم أئمة الشيعة في النجف الأشرف وبغداد)· ولا وهم أنّ في الزيارة الشيعيّة أداءً اجتماعياً، يمكنُ تلقيحه أو تطعيمه عقائدياً، وتوظيفه سياسياً عند الاقتضاء· فيما الذي بين شيعة العرب وشيعة العالم من ترابط سوسيولوجيّ وانثروبولوجيّ، ما زال محكوماً بتباعد الأمكنة، واختلاف الأنظمة، وانتقال المركزية أو المرجعية الإسلامية الشيعية من النجف إلى طهران حيث وليُّ الفقيه، ومزار الإمام الخميني· فهل يحتاج شيعة العرب إلى مرجعية دينية خاصة، وسط هذا التنافس الشديد على المرجعية السياسية بين دمشق وبغداد والرّياض، التنافس غير البعيد أبداً عن مرجعية القاهرة ومركزية مصر في كل العالم العربي؟ وهل قيام المرجعية الدينية الشيعية في طهران يزيد من التماسك الشيعي داخل المشرق العربي، ويُقلِّل من فرص انصهارهم أو اندماجهم في مجتمعاتهم المشتّتة ودولها المتصارعة حتى تحت سقف التضامن العربي، أو حتى الإسلامي؟
Page 7
1· البحثُ عن أرض :
على غرار كل الجماعاتِ الدينية، يجمع الشيعةُ في استراتيجية وجودهم وبقائهم بين منطقين: منطق علم النفس (إعرف نفسك من خلال إمامك) ومنطق علم الاجتماع (إعرف مكانك من خلال جماعتك الإمامية)· وبما أنّ تأسيس كل دين أو ملّة أو مذهب يحتاج إلى أرض، فإنَّ المؤمنين بالله يعتبرون أرضَهُ أرضَهُمْ؛ فلا يرون مسافةً فاصلة بين النبوّة وأرضها، ولا بين الإمامة ومجالها· وكما تسبقُ الفكرة المؤسِّسةُ لدينٍ جديد، أو لمذهب ديني أو سياسي، واقعةَ التوطّن الاجتماعي للجماعة الاعتقادية، فإن فكرة الأرض البشرية، المعمورة الصالحة لهذا الدين أو المذهب، تتساوقُ دوماً مع عقيدةٍ ما· وكما هاجر النبيُّ وصحبهُ من مكّة إلى المدينة، هاجر شيعةٌ من المدينة إلى العراق، وما برحوا يهاجرون - حين لا يهجَّرون - بحثاً عن أرضٍ لعقيدتهم ولتمكّنهم السياسي من مكانهم الاجتماعي - الحضاري· هنا ترتدي(أرضُ فدَك) رمزيّة المكان المأخوذ أو المستلبِ عُنوةً في الخطاب الإسلامي الشيعي، وترفعها مع الصراع على السلطة، إلى مرتبة الشمول :(كل الأرض فدَك)· وفدك قطعة الأرض الممنوحة من النبيّ لابنته فاطمة، أُخذت منها بعد وفاته، بدعوى أنَّ الأنبياء يرثون النبوات ولا يورّثون الأراضي· والتوريث عند الشيعة، كما عند سواهم، من الأمور القطعية، التي لا جدال فيها، حتى جعلِهم المرأة الوارثة تقطعُ الإرث وحدها، تطبيقاًِ لعدالة اجتماعية، مُفتقدة في مذاهب أخرىَ· أما اعتبارهم كل أرض كربلاء فهو ينمُّ عن خصوصية فلسفتهم المكانيّة أو نظرتهم إلى المجال الحيوي، الأرض المناسبة لتكرار عاشوراء (كل يومٍ عاشوراء: أي يوم الله والثورة والدم!، تكرارها بالذاكرة والذكرى في المجالس العزائية (الحسينيّات)، وتكرارهها بالممارسة الاحتفالية (مشهديات اليوم العاشر أو مقتل الإمام الحسين سنة 61 هـ) وبالممانعات العقيدية، حين لا تُتاح لهم فُرص الاعتراض الاجتماعي السياسي، أي بلوغ السلطة بوسائل القوّة والصراع الطبيعي· وبين تسالم الذاكرة وتغالب الجماعات، يجمع الشيعة بين أرضهم الفعلية وأرضهم الرمزية (المقدّسة عندهم)، فيواصلون البحث عن أرضٍ اجتماعية تمكّنهم من السياسة في الدولة· وما عُرف باسم الإقطاع الديني، شهدته المجتمعات أو الجماعاتُ الشيعيّةُ حيثما وجدت· فالإقطاع الشيعي ليس علامةً فاردةً في مُحيّا الإقطاعات العربية العسكرية الإسلامية، القديمة والحديثة· ولا هو واقعة سوسيولوجية تستدعي الاستحياء من درس تاريخها· فالإقطاع أو الاقتطاع ظاهرة شرقية، ساميّة، مارستها الأديان وانبياؤها وجيوشها، على أساس منح الامتيازات للمقاتلين، وللوجهاء والأعيان - من رؤساء القبائل وزعماء العوائل أو العائلات المُفتقرة إلى الأرض، أي المال والرزق بالمعاني الإسلامية - القرآنية الواسعة - وحتى للشطّار والعيّارين في العصر العباسي، وللخدم والجواري والمماليك، وللأزلام والقبضايات والسماسرة في كل عصر وجيل· فمسألةُ إمتلاك الأرض في المشرق العربي تؤشّر على سلطة الفرد في مُلكيّته، وسلطة الجماعة (مجال القبيلة: مجالُ نفوذها) وسلطة الأمة (دولة الوطن أو المجتمع بأسره)· ومسألة البحث في الاستعمال الشيعي الاجتماعي للأرض، تتخطّى التوقّف الاعتقادي عند رمزية المكان المقدَّس (على محوريّته وأهميته المركزية)، إلى النظر في توزيع الأراضي والثّروات بين الشيعة، وهل هم يطبّقون في مجالهم فلسفة العدل الإلهي والاجتماعي التي اقترنوا بها؟ أم أنهم وضعوا هذا المبدأ في حقيبتهم الاعتقادية، وانساقوا كسواهم وراءَ الأنظمة السياسية الاقتصادية القائمة؟ بالطبع هذه مسألة مُركّبة، يختلط فيها الحقّ الشرعي (الخمس والزكاة وحق السادة وحق الإمام الخ) بحقوق الناس وممثلي الدين من العامة·وللبحث عن التوظيفات الشيعية للأرض، يلزم رجوع الباحثين إلى تجارب الشيعة حين حكموا علناً (دولة القرامطة في البحرين، دولة الحمدانيين في حلب، دولة الفاطميين في مصر، إمارة الدروز في جبل لبنان، وولاية جبل عامل (جنوب لبنان حالياً)؛ وحين ظلّوا محكومين، مظلومين من آخرين، وظالمين لآخرين في جماعتهم· وهذه ا لتوظيفاتُ التاريخية لا تدخلُ في نطاق بحثنا المخصّص لشيعة لبنان والمشرق العربي في النصف الثاني من القرن العشرين؛ ولكنّنا نلفت منذ الآن إلى أنَّ الفلسفة الشيعيّة تخلو من فلسفة اقتصادية للأرض، خاصّة بهم دون باقي المسلمين، كما يخلو الفكر الإسلامي عموماً من علم اقتصادي مميَّز وفارد بين علوم الاقتصادات المعاصرة - وإن حاول محمّد باقر الصدر نقداً للأيديولوجيتين الرأسمالية والشيوعية، تسويغاً لما دعاهُ (اقتصادنا)، دون مساهمةٍ تُذْكر له على صعيد العلم الاقتصادي البحْت؛ إذ لا يكفي رفض الأيديولوجيا الاقتصادية لدى طرفٍ ما، لإثبات إيديولوجيا اقتصادية أخرى، قائمة في الوهم، لا في العلم·
Page 8
تجاه الأرض، التي يعيش الشيعة العرب على أطرافها أو في أريافها، بعيداً من المدن الكبرى ومراكز السلطة والقرار، يشعر عامّة الشيعة بالفقر والحرمان والمظلوميّة والاضطهاد أو النسيان· وكما تنسى المُدُنُ الكبرى أريافها وفقراءها، يحاول الشيعةُ الانتقال من الأرياف إلى المدن، ومن المدن إلى السلطة قدر المُستطاع· فعَوْدتُهم تذكير للسلطة بوجودهم وبصراعهم لأجل بقائهم، على الرغم من الترييف والتهميش والتخلف الذي تعاني منه كل أرياف المشرق العربي، على اختلاف مذاهب ساكنيها· وهجرتُهم إلى الخارج تكونُ تخفيفاً لضغطهم السكاني وتأجيلاً لدورهم السّياسي· وفي الحالين، حين العودة من المدينة إلى الريف، أو من المغترب إلى مسقط الرأس، يسعى الشيعة إلى ابتياع الأراضي وإعمارها واستثمارها، توسيعاً لمجالهم الاجتماعي وترسيخاً لنفوذهم السياسي، ومن الخطأ درسُ تجربة الرئيس حافظ الأسد (2000 - 1970) في سوريّة على أنها تجربة حزبية ضيّقة، أو أنها تجربة شيعية (علوية) في الحكم، دون التنبّه للرابط العدالي بين أفكار حزب البعث وأفكار الريفيين السوريين من علويّين وسواهم· فالمشكلة الشيعيّة العامة تحدثُ في الأرياف، ولا بد لعلماء الاجتماع الريفيّ من مساهمات علميّة دقيقة وناقدة في الكشف عن هذا المجال الاجتماعي المُهمل سياسياً وعلمياً في آن· وما تُهمله السياسة، لا يجوز للعلم إغفاله، بل عليه تشخيصُ مواجعه، وتحديدُ مظالمه (النمو اللامتكافىء بين المدينة والريف، لا بين السنة والشّيعة، أو بين السلطة والمعارضة، وحسب، كما يُشاع)· أما لماذا انحصرت الجماعاتُ الشّيعيّة في أطراف ريفية، جبلية أو صحراوية، وضاقت عليهم المدنُ الكبرى، على سواحل البحر المتوسط وبحرالعرب والخليج العربي، واستبعدتهمُ العواصمُ، فهي مسألة مرتبطةٌ، أصلاً وفصْلاً، بمسألة الصراع الجيوستراتيجي على أرض السلطة، التي فقدها شيعةُ العرب بعد اغتيال إمامهم في الكوفة، وما زالوا يحاولون السعي لامتلاك أراضٍ مناسبة لتكاثرهم الديموغرافي، دون لهوٍ عن ثوابتهم الاعتقادية· والأرضُ - كما هو معلوم - تُؤخذ بالمال، حين لا تُؤخذُ بسيف السلطة· وبما أنَّ سيف السلطة انكسر في أياديهم إبّان الحكم العثماني وطيلة المراحل الاستعمارية المعروفة، فإنَّ بقاءهم في أرضهم كان من القضايا المثيرة لتجديد وعيهم المذهبيّ المُميّز، فقد طرد الاحتلال الصهيوني بعض شيعة لبنان من عدة قرى (طربيخا، صلحا، هونين الخ)، فلجأوا إلى الداخل مواطنين بلا هوية لبنانية، حتى التسعينات وصدور مرسوم التجنّس، ولم يبق لهم في فلسطين المحتلة سوى ذكرٍ رمزي - فيما بقي دروز فلسطين في الجليل، كما مكث دروز الجولان في أرضهم المحتلّة منذ
5/6/1967، دون تنازل عن عروبتهم وهويتهم العربية السورية· كذلك هُجِّر كثيرٌ من الشيعة العلويين من لواء الإسكندون، بتواطؤ بين الانتداب الفرنسي والدولة التركية الكماليّة· وما حدث في لبنان وفلسطين وسورية لهؤلاء المنتمين إلى مجال عليّ، حدث لهم في مجالات الخليج والعراق، حيث أبعدوا منهجياً عن منابع النفط ومراكر السلطة ومدن الاستقطاب الاجتماعي· فهل يبقى الشيعة ريفيين، صحراويّين، منبوذين في ربَذات ثائرهم النموذجي أبي ذرّ الغفاري، ومحكومين بآليّة كربلائيَّة كُلّما تفاقمَ الظلمُ الاجتماعي أو الاضطهاد السياسي في أماكن منابذهم المَفْروضة؟ أم أن تجدُّد المشرق العربي، وتطوُّره - بعد تطويقه الراهن - سيقدِّم للشيعة العرب، ولكل مواطنيهم الآخرين في الأرياف، حلولاً بديلة، كالانفتاح والتواصل والتنوّع بقبول الآخر لا بنفيه، والاندماج الاجتماعي والسياسي في أنظمةٍ أكثر عدالةً؟
الراسخون في الأض، بواقعها ورموزها، بسكّانها الموزّعين في نشاطاتهم الاقتصادية بين الرّعي والزراعة والتجارة والثقافة (شعرُ المأساة، مثلاً، الذي يتغلّب على الشاعرية الشيعية عموماً) هم أيضاً من الراسخين في العلم الديني وغير الديني، الذين يحاولون التعويض بالعلم عمّا خسروه في مجال الأرض والسلطة· فهل توسّع أمامهم فُرصُ العلم والتكافؤ في المنافسات على فُرص العمل والوظائف في المجتمع والدولة بقدْر ما تتوسَّع الأرضُ أمام تكاثرهم الزاحف من الصحارى والأرياف إلى المدن والعواصم في المشرق العربي؟
5/6/1967، دون تنازل عن عروبتهم وهويتهم العربية السورية· كذلك هُجِّر كثيرٌ من الشيعة العلويين من لواء الإسكندون، بتواطؤ بين الانتداب الفرنسي والدولة التركية الكماليّة· وما حدث في لبنان وفلسطين وسورية لهؤلاء المنتمين إلى مجال عليّ، حدث لهم في مجالات الخليج والعراق، حيث أبعدوا منهجياً عن منابع النفط ومراكر السلطة ومدن الاستقطاب الاجتماعي· فهل يبقى الشيعة ريفيين، صحراويّين، منبوذين في ربَذات ثائرهم النموذجي أبي ذرّ الغفاري، ومحكومين بآليّة كربلائيَّة كُلّما تفاقمَ الظلمُ الاجتماعي أو الاضطهاد السياسي في أماكن منابذهم المَفْروضة؟ أم أن تجدُّد المشرق العربي، وتطوُّره - بعد تطويقه الراهن - سيقدِّم للشيعة العرب، ولكل مواطنيهم الآخرين في الأرياف، حلولاً بديلة، كالانفتاح والتواصل والتنوّع بقبول الآخر لا بنفيه، والاندماج الاجتماعي والسياسي في أنظمةٍ أكثر عدالةً؟
الراسخون في الأض، بواقعها ورموزها، بسكّانها الموزّعين في نشاطاتهم الاقتصادية بين الرّعي والزراعة والتجارة والثقافة (شعرُ المأساة، مثلاً، الذي يتغلّب على الشاعرية الشيعية عموماً) هم أيضاً من الراسخين في العلم الديني وغير الديني، الذين يحاولون التعويض بالعلم عمّا خسروه في مجال الأرض والسلطة· فهل توسّع أمامهم فُرصُ العلم والتكافؤ في المنافسات على فُرص العمل والوظائف في المجتمع والدولة بقدْر ما تتوسَّع الأرضُ أمام تكاثرهم الزاحف من الصحارى والأرياف إلى المدن والعواصم في المشرق العربي؟
Page 9
2· بابُ العلم :
مصادر العلم الديني عند المسلمين واحدة (القرآن والسّنة أو الأحاديث القدسية والنبوية)، لكنَّ الشيعة يضيفون إليها (علم الإمامة) وأحاديث الأئمة· على هذا الصعيد، تمتدُّ سلسلة الراسخين في العلم، بما يتناقضُ مع السلسلة المقابلة، سلسلة الراسخين في الأرض والسلطة· ويعقدُ الشّيعةُ نصّاً بين النبوّة والإمامة، فيعدلون السلسلة الشُّهوديّة، حيث يأتي الوصيُّ في الشهادة الشيعية، بعد النبيّ، وبنصٍ إلهي - في اعتقادهم - لا باختيار بشَريّ، إلاّ من داخل السلسلة الإمامية المعصومة، أي المحميّة إلهياً من الزّلل، والمنزّهة تالياً عن الخطأ العاديّ· فالإمام الأوّل قام بينهم إماماً، بأمر إلهي - نبويّ، على النَّاس كافةً· ولما تخلّى عنه أهل الإسلام الخلافيّ، تشيّع له، والاه آخرون، هم شيعته المعجبون بتديّنه وبمنهجه الإسلامي، وبعلمه (النبي مدينة العلم - وعليّ بابها)، وحكمته وعدالته وقضائه وأخلاقه وأدبه، الخ وبقيّة الأئمة توراثوا الإمامة بوصيّة علنية من السَّلف للخلَفِ· فكانَ حصْرُ للإمامة على مراحل:حصر الإمامة بعد عليّ، في ولديه من فاطمة - الحسن والحسين - بلا منازع، لولا ظاهرة الكيسانية، أتباع محمد بن علي (أمه الحنفية) ·
حصر الإمامة بعد الحسين في أولاده حتى الثاني عشر، مع اختلافات، أبرزها:
خلاف الزيدية (اليمن) ، وتمسكهم بزيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب·
خلاف الإسماعيليّة (سورية وسواها) وتمسكهم باسماعيل بن جعفر·
خلاف بعد غياب الإمام المهدي، وتجديد للخلاف، باجتهاد ولاية الفقيه (إيران) وتجارب الإمامين الخُميني والخامنئي، مع سكوتٍ شيعي عربيّ، أو رفضٍ مُبْهم، لم يرقيا بالحالة الى السؤال عن عروبة المرجعية الشيعية ومركزيتها في النّجف الأشرف (العراق)·
أما العلم الشيعي المقصود فهو علم الدين والنبوّة والإمامة، علم القرآن والأحاديث النبوية والإمامية، ومنطق اللغة والأحكام والفلسفات، وعلم الرّجال (أو التأريخ) والأخبار وكل ما يتعلّق بالفقاهة (تفسيرات القرآن؛ وسائل الشيعة، منطق الاجتهاد وإثبات التّوحيد والنبوّة والإمامة أو الولاية، الخ)· أما علوم الدُّنيا فلا يختلفُ الشيعة عن باقي إخوانهم في الإسلام، من حيث تقبّلها والإقبال عليها، خصوصاً بعد الإلمام أو الإحاطة بما يلزم من علوم المذهب والدين الأسلامي العام·
ولكنّ هذا لا يعني أن شعار (حب العلم) أو (حب الوطن) (من الإيمان) قد وجد سبيله الى التطبيق السَّهل في المجالات الريفيّة الشيعيّة، التي ما انفكّ معظمها أسير الطرقِ التقليدية في التعليم المدرسي الديني، ورهين عقليّات قروسطيّة مشتركة بين سكان الأرياف العربية من كل المذاهب الإسلامية وغير الإسلامية· وهجرة الشيعة من أرض الريف إلى المدن كانت مقترنة بعاملين :
(البحث عن عمل حديث)، (والبحث عن مدرسة أو جامعة حديثة)، وبالطبع لا يكفي البحثُ عن العمل والعلم، بعد تجربة البحث عن الأرض، لجعل الشيعي المهاجر في وطنه أو المغترب عنه، في وضع ميسور، أو مركزي في المجتمع، ثم في الدولة· فالعقباتُ التهميشيّة التي تواجه الشّيعة في أريافهم، تنتقل معهم - خاصةً مع الجيل الأول من المهاجرين في الداخل - إلى المدن، فتواجههم مشكلة المكان، مشكلة السكنى، حيث يصطدمون بالآخر، من المذهب نفسه، الغني أو الثري، ومن المذاهب الأخرى، ويعانون من قبول الآخرين بهم، كما هم، قبل تجربة التطوُّر والتحضُّر· وعموماً، نجد الشّيعة في أحياء فقيرة من المدن الكبرى أو على هوامشها، التي دعاها الأب لوبريه (تقرير بعثة ايرفد عن لبنان : (1961) بـ (أحزمة البؤس)· وتفيدُنا دراساتُ بعض المدن العربيّة عن تشكّل اجتماعي شيعي في ضواحي المدن، إلى أن يتمكّن الشيعة المتكاثرون من جعل مدينتهم الجديدة ذات أكثرية شيعية (صور، هي المدينة الشيعية الوحيدة على ساحل البحر المتوسط؛ وكذلك حال اللاذقية بالنسبة إلى الشيعة العلويين، ولو بنسب سكانية متفاوتة)؛ ولا كلام على مدن هي في أصلها ذات أغلبيّات شيعية في الخليج والعراق· فمن البحث عن أرض، إلى البحث عن عمل وعلم حديثين، يعاني الشيعة الوافدون إلى المدن من عقدة التحضّر، ومن مصاعب التطور والتكيّف، نظراً لاختلاف تنشئتهم الاجتماعية الريفية عن التنشئة المدنيّة المقابلة·
Page 10
وهم في هجرتهم الداخلية، كما في اغترابهم الخارجي، القسْري عموماً، بدافع الاستبعاد السياسي لهم، وبواقع التخلّف الاجتماعي، الاقتصادي والتربوي الذي يضغط عليهم، لا يحملون في المبدأ مشروع سلطة سياسية، وإن كان مذهبُهم يرمي إلى ذلك قدر المستطاع· فهاجسهم الأوّل هو الخروج من حالة التطويق المفروضة عليهم اجتماعياً، الى حالة التطوير النصفي - نصف مفتوح على الآخر، نصف مغلق أو محجوب عنه· ويتوسّلون لذلك، العمل كيفما أتى، في هوامش التقسيم الاجتماعي للعمل المدني والصناعي والتجاري؛ وتعليم ابنائهم كيفما توفّر لهم الحال، ولو في مدارس آخرين، مع أفضليّة للمدارس الحكومية المجانية، نظراً لحالتهم الاقتصادية ولافتقارهم الاجتماعي· إلى أن يؤسسوا جمعيّاتهم ومنتدياتهم وجوامعهم ومدارسهم ومستوصفاتهم ومستشفياتهم، وحتى جامعاتهم (كما في لبنان) وكما يفعل الآخرون· وهكذا يتوازى الشيعة في انقسامهم الجديد بين سكان ريف متخلّف، وسكان مدن متطورة نسبياً عن الريف المقصود - بصرف النظر عن تخلّف كل بلدان المشرق العربي علمياً، بالمقارنة مع أوروبا وأميركا· وبدلاً من طلب العلم في الصين، (حيث انتشر المسلمون، وصار لهم قرآنهم بالصينية واليابانية وسواهما)، نراهم ينتشرون في بلدان أوروبا الغربية وإفريقيا والأميركيتين وأوستراليا، طلباً للعمل غالباً، وللعلم أحياناً·
ولا بد أن نلاحظ تراجع التعليم الشيعي التقليدي، وتحديثه؛ مع تقصير من علماء الدين أو مشايخ الشيعة وسادتهم عن استرجاع النموذج النبوي في تعليم المسلمين الأوائل، بقصد محو الأمّية الألفبائية بين الشيعة، محواً كاملاً - وهذا ما حاوله الرئيس حافظ الأسد في سورية، وللجميع، من خلال قانون إلزامية التعليم، بأفق الغاء الأمية على أجيال، فيما تمكّنت كوبا الكاستروية من محو أُميّتها في جيل واحد، بنسق آخر، لا صلة له بالنسق الإسلامي أو الشيعي· لهذا السبب الذاتي، ولأسباب موضوعية متعلّقة بسياسات الحكومات العربية تجاه تعليم أريافها، يزرح الشيعةُ تحت وطأة أعلى نسب الأمّية في مجتمعاتهم، فلا يبقى لهم من مدينة العلم، ومن العلم نفسه، سوى الباب الإماميّ· وكما لم يشهد المشرقُ العربي ثورة علمية، موازية لثوراته الاستقلالية، لم تشهد الجماعاتُ الشيعيةُ سوى القليل الضئيل من نتاجات الثورات العلمية الهائلة في النصف الأخير من القرن المنصرم· وفي سياق التنافس الحضري على السلطة من خلال العلم والعمل والمال، يحاول شيعة المشرق العربي تخطّي ما أمكن من عتباتِ فقرهم، التي يعوّضون عنها، في مخيالهم، بزيارات متكرّرة لعتباتهم المقدسة ولأبوابهم العلمية الدينية، المنقطعة الصلة بالمدينة التكنولوجيّة، التي لم يملكوا سوى القليل من مفاتيحها (مفاتيح الغيب - مفاتيح الجنان الخ)· في المدينة، يكتشفُ الشيعة وجوهاً أخرى للأرض، ومعاني جديدة للمكان، الضيق على مجال عليّ وجماعاته· ويدركون بسرعة أن الصراع على السلطة في المدينة هو غير الصراع عليها في الريف، حيث تكتفي كل مجموعة شيعية بسلطانها الضئيل على مجالها الزراعي - الرّعوي الفقير· فالسلطان المخفي في الريف تفضحهُ المدينة الحديثة، التي تدعوه الى المنافسة الديناميكية في مجال جماعته، وفي مجالات مشتركة مع جماعات أخرى، لم يكن على صلة مباشرة بها، في منابذه الريفيّة القديمة· هنا، تختلف عند الشيعة، سوسيولوجيا المكان، وتتغيّر نسبياً معالمُ استراتيجية وجودهم وبقائهم: فالشيعي بلا سلطة، إعتراضيّ ومعارض حكماً· والشيعي المشارك في السلطة، لا بد له من علمٍ حديثٍ، يؤهّله لمنافسة الآخرين - لا في الشعر والفقه والجدال الكلامي، كما كان الحال في الأرياف بين أهل المذاهب، وكما هو الحال بين علماء الأديان ومذاهبها وطوائفها، عبر الخطب والأحاديث والرسائل والكتب، وكل وسائل الاعلام المتاحة، من الركائز الدينية إلى الانترنيت - بل يؤهله للتنافس الحضاري البحْت في العلوم التطبيقية وفي المهارات التقنية، فضلاً عن الآداب والإعلامياء (La Mediologie) والاجتماعيّات والإنسانيّات الخ· هذه الحداثية للتعليم الشيعي العربي، قابلتها أصولية تربوية، تمثّلت في تكاثر رجال الدين، بدافعين : دافع التسهيل الحوزوي، ودافع التوظيف السريع للحوزويين في مجالات الجماعات الشيعية· وهكذا نما جيشٌ من مشايخ الشيعة في لبنان، وفي أقطار عربية أخرى، بتمويلين داخلي وخارجي، هدفه تأطيرُ الدَّعوة والدُّعاة، وانتقادُه جاء من بعض علماء الشيعة (كالسيد علي الأمين، مثلاً)، الذين لاحظوا هبوطاً علمياً في المستوى، فدعوا إلى إجراء كولوكيوم للمشايخ، على غرار ما تفعله الدولة بالنسبة إلى الأطباء المتخرّجين من جامعات خاصة أو أجنبيّة· وبما أنّ الشيعة لا يتلقّون تكوينهم الديني خارج مجالاتهم الاجتماعية الخاصّة بهم، وبما أن دور النجف الأشرف قد تراجع عن وظيفته التأطيرية، لمصلحة جامعة قُم الدينية وسواها في إيران، فإن الشيعة وقد ملأوا مجالاتهم، إسوة بالمذاهب والطوائف الأخرى، وإنْ بتفاوتٍ كبير غالباً، نراهم يمانعون في ترسيم التعليم الديني - كما هو الحال في معظم بلدان المشرق العربي - ولا يمانعون في تطييف أو مذهبة التعليم الرسمي، بأفق تعميم صراع المذاهب في المجتمع، على الدولة ومؤسساتها، وذلك تماشياً مع نقضهم لعلمانية الدولة ونمموذجها الكمالي؛ هذا مع العلم أنّهم لم يشيروا في إعلامهم، إلى منع الحجاب في المدارس السورية، وانتقدوه في فرنسا ومدارسها العلمانية، ورحبوا مع المرحّبين بقرار الرئيس بشّار الأسد، بعودة الحجاب والمتحجّبات إلى المـــدارس عام 2001·
وأمام شيعة المشرق العربي بابان للعلم، مفتوحان ومختلفان : باب مدينة العلم الديني، وباب مدائن العلوم الدنيوية، الآخذة في التكاثر والتوافر على مدى العالم والعولمة· فكيف سيتعامل شيعة المشرق العربي مع الألفية الثالثة، على صعيد العلم والمعرفة الحديثين؟ وهل علمهم الديني مؤهّل للبقاء كمؤشّرٍ على وجودهم المذهبيّ المميَّز؟
ولا بد أن نلاحظ تراجع التعليم الشيعي التقليدي، وتحديثه؛ مع تقصير من علماء الدين أو مشايخ الشيعة وسادتهم عن استرجاع النموذج النبوي في تعليم المسلمين الأوائل، بقصد محو الأمّية الألفبائية بين الشيعة، محواً كاملاً - وهذا ما حاوله الرئيس حافظ الأسد في سورية، وللجميع، من خلال قانون إلزامية التعليم، بأفق الغاء الأمية على أجيال، فيما تمكّنت كوبا الكاستروية من محو أُميّتها في جيل واحد، بنسق آخر، لا صلة له بالنسق الإسلامي أو الشيعي· لهذا السبب الذاتي، ولأسباب موضوعية متعلّقة بسياسات الحكومات العربية تجاه تعليم أريافها، يزرح الشيعةُ تحت وطأة أعلى نسب الأمّية في مجتمعاتهم، فلا يبقى لهم من مدينة العلم، ومن العلم نفسه، سوى الباب الإماميّ· وكما لم يشهد المشرقُ العربي ثورة علمية، موازية لثوراته الاستقلالية، لم تشهد الجماعاتُ الشيعيةُ سوى القليل الضئيل من نتاجات الثورات العلمية الهائلة في النصف الأخير من القرن المنصرم· وفي سياق التنافس الحضري على السلطة من خلال العلم والعمل والمال، يحاول شيعة المشرق العربي تخطّي ما أمكن من عتباتِ فقرهم، التي يعوّضون عنها، في مخيالهم، بزيارات متكرّرة لعتباتهم المقدسة ولأبوابهم العلمية الدينية، المنقطعة الصلة بالمدينة التكنولوجيّة، التي لم يملكوا سوى القليل من مفاتيحها (مفاتيح الغيب - مفاتيح الجنان الخ)· في المدينة، يكتشفُ الشيعة وجوهاً أخرى للأرض، ومعاني جديدة للمكان، الضيق على مجال عليّ وجماعاته· ويدركون بسرعة أن الصراع على السلطة في المدينة هو غير الصراع عليها في الريف، حيث تكتفي كل مجموعة شيعية بسلطانها الضئيل على مجالها الزراعي - الرّعوي الفقير· فالسلطان المخفي في الريف تفضحهُ المدينة الحديثة، التي تدعوه الى المنافسة الديناميكية في مجال جماعته، وفي مجالات مشتركة مع جماعات أخرى، لم يكن على صلة مباشرة بها، في منابذه الريفيّة القديمة· هنا، تختلف عند الشيعة، سوسيولوجيا المكان، وتتغيّر نسبياً معالمُ استراتيجية وجودهم وبقائهم: فالشيعي بلا سلطة، إعتراضيّ ومعارض حكماً· والشيعي المشارك في السلطة، لا بد له من علمٍ حديثٍ، يؤهّله لمنافسة الآخرين - لا في الشعر والفقه والجدال الكلامي، كما كان الحال في الأرياف بين أهل المذاهب، وكما هو الحال بين علماء الأديان ومذاهبها وطوائفها، عبر الخطب والأحاديث والرسائل والكتب، وكل وسائل الاعلام المتاحة، من الركائز الدينية إلى الانترنيت - بل يؤهله للتنافس الحضاري البحْت في العلوم التطبيقية وفي المهارات التقنية، فضلاً عن الآداب والإعلامياء (La Mediologie) والاجتماعيّات والإنسانيّات الخ· هذه الحداثية للتعليم الشيعي العربي، قابلتها أصولية تربوية، تمثّلت في تكاثر رجال الدين، بدافعين : دافع التسهيل الحوزوي، ودافع التوظيف السريع للحوزويين في مجالات الجماعات الشيعية· وهكذا نما جيشٌ من مشايخ الشيعة في لبنان، وفي أقطار عربية أخرى، بتمويلين داخلي وخارجي، هدفه تأطيرُ الدَّعوة والدُّعاة، وانتقادُه جاء من بعض علماء الشيعة (كالسيد علي الأمين، مثلاً)، الذين لاحظوا هبوطاً علمياً في المستوى، فدعوا إلى إجراء كولوكيوم للمشايخ، على غرار ما تفعله الدولة بالنسبة إلى الأطباء المتخرّجين من جامعات خاصة أو أجنبيّة· وبما أنّ الشيعة لا يتلقّون تكوينهم الديني خارج مجالاتهم الاجتماعية الخاصّة بهم، وبما أن دور النجف الأشرف قد تراجع عن وظيفته التأطيرية، لمصلحة جامعة قُم الدينية وسواها في إيران، فإن الشيعة وقد ملأوا مجالاتهم، إسوة بالمذاهب والطوائف الأخرى، وإنْ بتفاوتٍ كبير غالباً، نراهم يمانعون في ترسيم التعليم الديني - كما هو الحال في معظم بلدان المشرق العربي - ولا يمانعون في تطييف أو مذهبة التعليم الرسمي، بأفق تعميم صراع المذاهب في المجتمع، على الدولة ومؤسساتها، وذلك تماشياً مع نقضهم لعلمانية الدولة ونمموذجها الكمالي؛ هذا مع العلم أنّهم لم يشيروا في إعلامهم، إلى منع الحجاب في المدارس السورية، وانتقدوه في فرنسا ومدارسها العلمانية، ورحبوا مع المرحّبين بقرار الرئيس بشّار الأسد، بعودة الحجاب والمتحجّبات إلى المـــدارس عام 2001·
وأمام شيعة المشرق العربي بابان للعلم، مفتوحان ومختلفان : باب مدينة العلم الديني، وباب مدائن العلوم الدنيوية، الآخذة في التكاثر والتوافر على مدى العالم والعولمة· فكيف سيتعامل شيعة المشرق العربي مع الألفية الثالثة، على صعيد العلم والمعرفة الحديثين؟ وهل علمهم الديني مؤهّل للبقاء كمؤشّرٍ على وجودهم المذهبيّ المميَّز؟