مقدمة عامة
في سبيل مقاربة نقدية
لمجتمع المعلومات
جون-بول لافرانس
جرت العادة أنه كلما ظهر مفهوم جديد، سرعان ما يصبح مألوفاً، وينطبق اليوم هذا الأمر على مصطلح "مجتمع المعلومات" الذي صار في صميم النقاشات الراهنة. لكن التحليلات الخاصة بهذا المفهوم انقسمت إلى اتجاهين: الاتجاه الأول يتمثل في الحركة التي تُوصف بأن لديها حالة رهاب من التقنية Technophobe، وتنظر بتشاؤم إلى وصول هذه "الكارثة" بصورة مُباغتة، وفي هذاالتيار وَصَفَ كلٌ من بودريار Baudrillard ومارك غيوم
Marc Guillaume المجتمع الحديث بمصطلحي عدم قابلية التواصل والفوضى الاجتماعية. أما في الاتجاه الآخر المقابل، فنجد العديد من محبـي التقنية Technophiles مثل بيار ليفي Pierre Levy، وينظر هذا التيار المتفائل إلى عالم الانترنت الجديد وفقاً لنظرة ماكلوهان McLuhan التنبؤية بشأن القرية الكونية، حيث يتسنى للمواطنين أخيراً إطلاق العنان لقدراتهم الإبداعية، ويمكن انتقال المعلومة بحرية عبر الشبكات، وتفعيل دور الذكاء الجماعي الخارق الذي قد يقضي على المشاكل الأكثر تعقيداً بفضل العمل التعاوني وعبر عالم المدونات.
وقد تبنينا، في هذا الكتاب، موقفاً أكثر تمحيصاً وأكثر انتقاداً، في محاولة لبناء فكر عقلاني يقوم على الملاحظة التجريبية. وبهذا، يسعى نقدنا للبقاء وفياً لموقف مؤلفي دورية هرمس Hermès الذين سبق لهم مرتين مناقشة عواقب مجتمع المعلومات في العدد 39 (2004): نقد العقل الرقمي Critique de la raison numérique، وفي العدد 45 (2006): شروخ في مجتمع المعرفة Fractures dans la société de la connaissance؛ وللاستفادة أكثر، علاوةً على الموضوعات التي ننشرها لأول مرة في هذا الكتاب، نعيد نشر بعض النصوص التي سبق نشرها في هذين العددين والتي تناقش مسائل هامة مثل الهوة الرقمية، واقتصاد الاتصال والانترنت، والشبكات الاجتماعية وفضاء المدونات، وضرورة تكيف الانترنت مع التنوع الثقافي واللغوي. ولكن قبل كل شيء، لنضع الأمور في نصابها من خلال التأطير التالي لمجتمع المعلومات وتشعباته.
تكون مجتمع المعلومات
وفقاً لتعبير سالي بورش Sally Burch، "هل نعيش في عصر من المتغيرات أم تغير في العصر؟ كيف تُعرِّف التحولات العميقة التي برزت بالتزامن مع الظهور المتسارع للتقنيات الجديدة؟ هل يتعلق الأمر بمرحلة جديدة من مراحل المجتمع الصناعي أو أننا دخلنا في حقبة جديدة؟[1]".
لقد نوقِش هذا السؤال باستفاضة خلال السبعينيات بين علماء الاجتماع الأمريكيين والفرنسيين ومن ضمنهم دانييل بل Daniel Bell وآلان تورين Alain Touraine (بل، 1976، تورين، 1969). وفي نظرهما، كنا بصدد العبور من مجتمع صناعي إلى مجتمع ما بعد صناعي، لأن العناصر المادية (المواد الأولية والمكائن) باتت متوقفة على العناصر اللامادية (المعرفة والمعلومة) في تنظيم المجتمع. وكان الكثير من المفكرين يقفون بالأحرى مع الرأي القائل بأننا كنا نعيش شكلاً جديداً من التصنيع وبحثوا عن مصطلح أكثر خصوصية لوصف مجتمع تَمَلَّكه الاتصال: مجتمع المعلومات أو مجتمع المعرفة كما يقول الانجلوساكسونيون أو مجتمع الشبكات أو مجتمع المعرفة كما تُفضِل منظمة اليونسكو (راجع Durampart, 2009)، أو مجتمع المعارف المُشتركة أو مجتمع الذكاء...
تعاريف مجتمع المعلومات
كُرِّسَ مصطلح مجتمع المعلومات بمثابة مصطلح مُهيمن لأنه تُبنيَّ مباشرةً من قِبل البلدان المتقدمة (الولايات المتحدة الأمريكية، الإتحاد الأوروبـي، اليابان، إلخ)، ومن قِبل معظم الهيئات الدولية: الاتحاد الدولي للاتصالات IUT، مجموعة السبع G7، البنك الدولي، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، ولأنه أيضاً كان وعلى نحو خاص يجمع معظم أصحاب القرار العام والخاص حول رؤية تقنية مركزية ونيوليبرالية تعتبر أن الثورات التكنولوجية هي محركات التنمية. ولنتذكر إطلاق البنية التحتية القومية للمعلومات (NII) التي قُدِمت بصورة عظيمة من قبل إدارة كلينتون في عام 1991، أثناء حكومة نائب الرئيس حينها، آل غور، الذي اقترح أن "يكون في متناول الجميع أجهزة الهاتف، ومحطات التلفزة والشبكات السلكية، والمكتبات وقواعد البيانات التي يمكن استشارتها عن بُعد والانترنت الموصول بالموجات العريضة، المتصلة فيما بينها رقمياً، والموجهة للمنازل والمنشأت العامة؛ بحيث تمثل سوقاً كبيرة للمعلومات وبمثابة "صالة عامة إلكترونية للمواطنين". ومنذ نهاية السبعينيات، كانت فرنسا قد أطلقت أيضاً خطتها لتقنيات معلومات الاتصال، عقب تقرير نورا-مينك[2]Nora-Minc حول حوسبة المجتمع. وهكذا مضت البلدان الصناعية قُدماً في إنشاء الخطوط الإلكترونية السريعة (Superhighways) التي أعلنت عن الالتقاء بين صناعات الاتصالات السلكية واللاسلكية من جهة والمعلوماتية من جهة أخرى.
ومنذ بداية الأمر، حثَّت الهيئات متعددة الأطراف خُطاها للإسراع بتأسيس سوق عالمي مفتوح وتلقائي التنظيم. وقد نُسقت الجهود والمسارات أثناء انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات (SMSI) التي كان من المقرر أن تُعقد في البدء في جنيف تحت رعاية الاتحاد الدولي للاتصالات وضمت الدول والمؤسسات الصناعية والهيئات الدولية. وقد انعقد بالفعل هذا اللقاء الذي يمثل الجماهير والتقنيات الصناعية في جنيف في عام 2003، وفي تونس بعد عامين من هذا التاريخ، حيث التحق شريك رابع وهو المجتمع المدني الذي شمِلَ المنظمات غير الحكومية التنموية والمؤسسات التعليمية ومراكز البحوث ووسائل إعلام المجتمع؛ وقد شرع هؤلاء في طرح التساؤلات حول المنحى التقني الصناعي لمجتمع المعومات وسعوا إلى تقديم رؤية إضافية تتمحور حول الجانب الاجتماعي الثقافي.
مجتمع المعرفة
بدلاً من مجتمع المعلومات، غالباً ما يوظف الانجلوساكسونيون مصطلح "مجتمع المعرفة" (Knowledge Society) (Société du savoir)، في حين أن اليونسكو تفضل عموماً مصطلح "مجتمع المعرفة" (Société de la connaissance)[3]. وفي مقابلة نُشرت في المجلة الفصلية الصادرة عن اليونسكو بلانت ساينس (Planète Science) في عام 2003، أعلن مساعد مدير عام اليونسكو لشؤون الإعلام والاتصال، عبد الواحد خان، أن "مجتمع المعلومات يمثل حجر الزاوية لمجتمعات المعرفة. غير أنه، بالنسبة لي، يرتبط مفهوم "مجتمع المعلومات" بفكرة الابتكار التكنولوجي؛ وبالتالي فإن مفهوم "مجتمعات المعرفة" ينطوي على بُعد التحول الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي والمؤسساتي، بالإضافة إلى منظور تنموي أكثر تنوعاً. وحسب رأيي، فإن مفهوم "مجتمع المعرفة" مُفضل على مفهوم "مجتمع المعلومات"؛ لأنه يكرس مساحة أوسع للتعقيد ولديناميكية التغيرات الجارية".
لكن البعض يفضلون ترجمة التعبير الإنجليزي بـ"مجتمع الذكاء"، إذ أن المعارف تمثل محتويات مُصاغة وموضوعية، في حين تُكتسب المعرفة من الخبرات والممارسات التي غالباً ما تكون بديهية ومعيشية. أما مانويل كاستلز Manuel Castells فيستعمل مصطلح المجتمع المعلوماتي (Société informationnelle) الذي يرى أنه "شكل خاص من أشكال التنظيم الاجتماعي، يصبح فيه إنشاء ومعالجة وبث المعلومة المصادر الأولى للإنتاجية والقُدرة" (Castells, 1998-1999). وتحدث آدما ساماسيكو Adama Samassékou (وكان حينها رئيس مكتب القمة العالمية لمجتمع المعلومات) عن "مجتمع المعلومات المشتركة والمعرفة"، في حين كان يعتقد أنتونيو باسكالي Antonio Pasquali أنه ينبغي إدخال كلمة الاتصال ضمن التسمية، والسبب برأيه يعود إلى أن "كلمة إعلام أو معلومات لها دلالة ضمنية في الأساس على سير الرسائل أُحادية الاتجاه، السببية والمنسقة، في حين أن الاتصال يشير إلى تبادل الرسائل ثُنائية الاتجاه، وبالتالي فهي علائقية وحوارية واجتماعية". وبهذا فإنه يتفق مع أفكار دومينيك فولتون Dominique Wolton التي سنطلع عليها في نهاية هذا الكتاب الأساسي.
غموض مصطلح المعلومات
المعلومات هي كلمة-حقيبة، وهذا ما حقق نجاحها؛ فكل الناس يمكنهم أن يتكيفوا معها، من المهندس وحتى عالم الأحياء، ومن الصحفي وحتى السياسي والصناعي، ومن المشاهد التلفزيوني وحتى الطالب. أليس معظم الناس يشاهدون المعلومات (الأخبار) في المساء قبل الذهاب إلى النوم! وللرد على سؤال: "ما هي المعلومات؟"، بوسع أي طالب كان في المرحلة الإعدادية أن يردد صيغة لاسويل Lasswel المشهورة: من يقول ماذا، لمن، وعبر أي قناة اتصال؟ وهكذا لم يكن يهتم المهندس شانون Shannon الذي صاغ نظرية الإعلام إلا بمرور المُعطى الكمي من النقطة (س) إلى النقطة (ص) بداخل خط تلفوني بهدف توضيح انتقال البث وتقليل سوء الإشارة من التشويش.
وكلٌ قد تخيل، وفقاً لأسلوبه، منافع مجتمع المعلومات. وإذا رجعنا إلى التعريف الذي حدده آلان تورين ودانييل بيل، باعتبار أن الثورة الجديدة قد أتت من رجحان العناصر اللامادية (معلومات ومعارف) على المُعطيات المادية (مواد أولية ومكائن)، فإن غالبية المختصين قد شرعوا في تخيل ما قد يكون مستقبل المجتمع، انطلاقاً من وجهات نظرهم.
في الواقع، اعتقد الممولون والتجار أنه بفضل تحول النقد إلى صيغة غير مادية (اختراع العملة الإلكترونية وبطائق الاعتماد)، قد تتغير قواعد التجارة؛ كإلغاء الوُسطاء والتقارب بين المنتِج والمستهلك (وهو ما أطلقنا عليه صيغة "ب إلى ج" أو التاجر المنتج إلى المستهلك)، وبين المنتجين بعضهم البعض (ب إلى ب، من التاجر إلى التاجر، بفضل أنظمة الشبكات الداخلية الخاصة Intranet والإنتاج في الوقت المناسب)، وبين المستهلكين أنفسهم (ج إلى ج، على غرار eBay ومزادات أخرى)، وبالتالي الوصول إلى السوق العالمية، أي التجارة الإلكترونية. ومع استثناء بعض حالات المعاملات المصرفية (التي سنتحدث عنها لاحقاً) والسياحة وتجارة المنتجات الثقافية مثل الاسطوانات والأفلام والتلفزيون وألعاب الفيديو التي تتحول وبشكل يتزايد يوم بعد آخر إلى منتجات غير مادية، فإن التجارة الإلكترونية لا تشهد إلا تطوراً خفيفاً (2% أو 3% من إجمالي السوق).
ورغم ذلك، وكما يذكر راليه Rallet في موضوعه المُدرج ضمن هذا الكتاب، فإن "الانترنت ليس مجرد الحامل التقني لشبكة عالمية واسعة أفسحت المجال لاقتصاد رقمي، لكنه أيضاً حاضن ومعمل هذا الاقتصاد. ونعني بمصطلح "اقتصاد الانترنت" امتداد الرقمنة إلى مُجمل الأنشطة الاقتصادية وخصوصاً أنشطة التنسيق في الاقتصاد". وبصياغة أخرى، تمثِل المعلومات قيمة بحد ذاتها بمعنى أنها تسمح بتنسيق مجمل عمليات البحث والتنمية والتصور والتحويل والتسويق والتوصيل إلى المنازل والدفع، ويتمثل هذا المبدأ في تقليص، إلى أقصى حد، تنقل المادة والبشر من خلال استخدام المعلومات التي تعتبر إن جاز التعبير بمثابة الدم الذي يسري في هذا الجسد الاجتماعي الذي يشكل المؤسسة.
أما فيما يتعلق بالبحث والتنمية، فمن الضرورة بمكان أن يتركز التأهيل إجمالاً على قدرة الأفراد على العمل عبر الشبكات وعلى استخدام أدوات الذكاء الجماعي. ويُثرى البحث من خلال ضبط قواعد البيانات والمعارف المتوفرة في كل حين وفي كل مكان بفضل أجهزة الحاسوب والشبكات التي تتزايد كفاءتها يوماً بعد آخر. كما بوسع مراكز البحوث في الوقت الراهن أن تنقل موطنها وبوسع الباحثين من ذوي الاختصاصات المتعددة أن يعملوا عن بُعد بفضل شبكات عالية الكفاءة، ويمكنهم وضع نماذج معرفية ومنهجية، مُستلهمة من علوم المعلومات. ففي الطب على سبيل المثال، يُعتبر جسم الإنسان بمثابة نظام واسع لتبادل المعلومات حيث يغدو دور الناقلات العصبية (الخلايا العصبية والمحاور العصبية) والمُعدلات العصبية أمراً أساسياً؛ وما زال البحث جار عن طريقة الأداء الوظيفي في المادة الرمادية أو البيضاء، مع دوراتها القشرية والهرمونية. وبما إن الصحة هي أيضاً مسألة معرفة، فهنالك ثمَّة نماذج متوفرة عن إدارة المعلومات الخاصة بالبيئة، التغذية، الوقاية، الشفاء الذاتي، إلخ.
أما بشأن التأهيل والتعليم، فقد تنبأ عالم الاقتصاد مارك يوري بورات Marc Uri Porat منذ عام 1967 بأن 53% من اليد العاملة الأمريكية ستعمل في "استخدام ومعالجة المعلومات". ومنذ ذلك الحين، ومع التطور الهائل في قطاع الخدمات، نفهم ضرورة إعادة النظر في النموذج التربوي الذي يحتاجه المجتمع! وقد صرح السيد خان في سبتمبر 2008 في اجتماع الشراكة العالمية من أجل المعرفة بأن "العلم يمثل محرك التنمية، أما التكنولوجيا فهي وقودها، وبدون الوقود لا يمكن أن يعمل المحرك، وعليه، يسمح التقدم في مجال تقنيات الاتصال والإعلام بإحداث تغيير نوعي على التعليم والتأهيل في الوقت الراهن".
وقد أدرك الموظفون ورجال السياسة، على طريقتهم، مدى قدرة المعلومة والانترنت على تحويل الديمقراطية من خلال إشراك المواطنين بفضل الاقتراع الالكتروني، وإعلام وتعبئة المواطنين وتحسين الخدمات الشخصية. واليوم صار لدى معظم المصالح والإدارات العامة مواقع انترنت تقدم معلومات للمواطنين لكن القليل منها تفاعلية. ويقوم بعض السياسيين بالرد على البريد الالكتروني الوارد من مواطنيهم، وتستخدم غرف الإعلام السياسية بشكل متزايد أدوات حديثة للحوار، مثل المدونات وتويتر ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى: وهكذا فعل اوباما لإطلاق وتمويل حملته الانتخابية. لكن مهما يكن الأمر، ينبغي ملاحظة أن نسب التصويت تميل إلى الانخفاض وأن المواطنين صاروا غير مباليين على نحو متزايد، أو خاملين...
كيف يحول الرقمي الصناعات الثقافية والإعلامية
لا شك أن عصر مجتمع المعلومات بصدد إجراء عملية تحويل عميقة على الصناعات الثقافية ووسائل الإعلام. ففي العصر الصناعي، يتكافأ البث الجماهيري مع المستوى الوطني؛ أما في عصر الانترنت والهاتف المحمول فقد أصبحت وسائل الإعلام تفاعلية، متعددة الوسائط وتشاركية بفضل رقمنة الرسائل وعولمة الشبكات؛ أي أن الاتصال أصبح فردياً ومُعولماً، وهنا تكمن مفارقة المجتمع الحالي! لقد تغيرت الكثير من الأشياء لكن لم يتحول كل شيء بتأثير المعجزات. ففي هذا العالم، ما زالت نِصْف بلدان المعمورة ترزح تحت حكم حكومات مستبدة، إن لم تكن ديكتاتورية. والأسوأ من ذلك هو أن الهوة الرقمية لا تقتصر فقط على أفريقيا والبلدان النامية، بل إنها ظاهرة وواقع بداخل البلدان الغنية كالولايات المتحدة الإمريكية وكندا أو فرنسا كما يشير إلى هذا الأمر على نحو تفصيلي موضوع كارولين ريزا المنشور في هذا الكتاب حيث ترى أن الهوة الرقمية هي مفارقة جيل الانترنت.
ومهما يكن الحال، فإنه لا محالة من الاعتراف بأنه من السهولة بمكان السيطرة على الأنظمة المركزية كالإذاعة والتلفزيون أكثر من الانترنت الخاص بالمدونات واليوتيوب وتويتر وماي سبيس، هذا باستثناء أن الصين وتونس وآخرين تمكنوا بمهارة من السيطرة على الانترنت وذلك بمساعدة التكنولوجيات الجديدة في المعلومات والاتصالات مثل غوغل! وبرغم كل التعتيمات التي يلجأ إليها البعض، إلا أننا استطعنا تقريبا أن نتابع بشكل مباشر الاعتراض على الانتخابات المزيفة لأحمدي نجاد[4]وتنظيم قوى المعارضة في الهوندوراس، وفي بلدان الشرق، إلخ. ولا غرابة إذن، فعلى الأنظمة السياسية اليوم أن تقلق من الرأي العام؛ إذ يوجد أكثر من 500 قناة تلفزيون فضائية في دول المغرب وحدها، ويخترق الانترنت كل مكان تقريباً في آسيا. فالتكنولوجيات الجديدة في المعلومات والاتصالات، وخصوصاً الشبكة العنكبوتية العالمية التشاركية، لديها القوة الكافية لتحرير أقوال المواطنين والتعبئة ضد الكذب والاضطهاد، كما يوضح هذا الأمر في هذا الكتاب دومينيك كاردون في موضوعه المعنون "دور المواطن في فضاء المدونات". وليست بالقليلة تلك الأمثلة على قلب الأوضاع السياسية بفضل التقنيات الجديدة للمعلومات والاتصالات[5]. ونتذكر ما حدث في إسبانيا حين انتصر المرشح الاشتراكي ثباتيرو Zapatero على المرشح المحافظ أثنار Aznar بفضل استخدام أنصاره للرسائل القصيرة[6]، عندما نسب هذا الأخير هجوم محطة قطارات مدريد إلى جماعة الباسك الانفصالية (11 مارس 2005).
الوجه الآخر للميدالية
يتضح جلياً النـزوع الحالي إلى الإنتاج الفردي أو الإنتاج غير الاحترافي في مجال التقنيات الجديدة للمعلومات والاتصال، ففي الوقت الراهن تتوافر سلسلة متكاملة من أدوات الإنتاج الذاتي (كل واحد يمكنه أن يصبح مُنتجاً، بفضل الهاتف المحمول المُصَوِر، وآلة تصوير الفيديو، وجهاز التسجيل المُصغر، والمدونات، والرسائل القصيرة عبر الهاتف المحمول، إلخ) وهي في متناول الجميع؛ فنحن في عصر صحافة النت أو بالأحرى في عصر الشبكات الاجتماعية التفاعلية (Web 2.0). وعلى سبيل المثال، في المأساة التي وقعت في الجامعة الأمريكية "فيرجينيا للتقنيات"، كانت الصحيفة الطلابية المحلية هي التي بثت في الساعات الأولى معلومات الإنقاذ، بفضل شبكة المدونات والرسائل التلفونية القصيرة واستمرت على نحو خاص في تقديم ومتابعة، دقيقة بعد الأخرى، المعلومات القادمة من الشبكات المعرفية مثل ماي سبيس المنتشر جداً في المجمعات الجامعية؛ ولم تستطع إدارة الجامعة إبلاغ المجتمع المحلي عما كان يحدث إلا بعد ساعتين من سقوط أول قتيل. هذا فضلاً عن أن مرتكب جريمة القتل قد ظهر بنفسه على أحد مواقع الانترنت.
وإذا كان من الممكن التوصل إلى الانتاج الذاتي، فمن الممكن أيضاً أن يتم النشر الذاتي عبر مواقع مثل يوتيوب أو ديليموشن أو فليكر أو فيسبوك أو ماي سبيس، إلخ، وهي وسائل نشر ودية تسمح بإظهار الإنتاجات الكثيرة للمستخدم العادي للانترنت. بيد أن واقع حال هذه الشبكات معقد، ففيها يوجد كل شيء ولا شيء، الحقيقي والمزور، من الجنس ومن السياسة، من الاستعراض ومن التلصص أو الرغبة في متابعة الآخرين، فالاستعراض والتلصص يشكلان وجهين متقابلين، نرى في الشبكة المآثر الفردية الأكثر غرابة، والبعض يصور البعض الآخر نصف عريان، بل أننا قد شهدنا عملية انتحار مباشرة... ففي مجتمع المعلومات، ننتقل من تلفزيون مباشر إلى تلفزيون فوري. فثمة ملايين العيون والآذان تشاهد وتسمع كل شيء، وهناك من يصورون ويبثون أحداث الحياة اليومية؛ فالمعلومة تسافر الآن بسرعة الانترنت وهذا يلخص كل شيء. وهنا نطرح سؤال محوري: من ينظم هذه الثرثرة الإلكترونية؟ ومن يفرق بين الصالح والطالح، بين الصواب والخطأ، بين الغث والسمين، بين المفيد وغير المفيد، بين الإشاعة والحقيقة، بين الترويج والدعاية للأعمال الثقافية؟ فالانترنت أضحى ضجيج العالم ودوامته الصاخبة، لكن الطنين الزائد قد يصيب بالصمم!
ومن رجاحة القول أن هذا المجتمع الموصوف بالمعلومة والمعلومات، ينطوي على خطورة ابتذال الرسالة ونـزع الطابع الرصين للفضاء العام[7]. فالمعلومة ليست الاتصال، كما يؤكد على ذلك دومينيك فولتون في خاتمة هذا الكتاب في موضوعه "مجتمع الاتصال أكثر من مجتمع المعلومات". تتسارع المعلومات، وفي كل مرة تأتي معلومة لتحل محل معلومة أخرى، على غرار سرعة العرض المتواصل لأشرطة الأخبار التي تسير في أسفل شاشات التلفزيون. وكما قال وليام شكسبير: "كثير من الضجيج من أجل لا شيء". ففي تويتر مثلاً، بـ148 حرف أستطيع الإعلان عن الثورة في بلد ما أو عن انفصالي عن رفيقتي أو الإنذار من تسونامي أو نشر خبر بأني استيقظت الساعة الحادية عشرة هذا الصباح. فالثرثرة والنشر المتعلق بالذات يمكن أن تخرج بسهولة ويُسر عبر لوحة مفاتيح الحاسوب!
وفي الوقت الذي يتطور فيه الانترنت، تعاني الصحافة اليومية من انخفاض حاد؛ في أمريكا، صحف عمرها أحياناً 140 سنة تغلق وتهاجر نحو الانترنت أو تُسرِّح عدد كبير من صحفييها. وفي التلفزيون، وهي المفارقة بذاتها، يتكاثر عدد القنوات المتخصصة ويقل عدد القنوات العامة وبالتأكيد متابعوها، وتغادر الإعلانات نحو الانترنت، ويغزو الترويج بمهارة الشبكات الاجتماعية (ونطلق على هذا الإعلانات الفيروسية). والواقع أن وسائل الإعلام تتكيف مع الشبكات من خلال تطوير وتنويع إمكانيات بثها على مختلف الشاشات (شاشة التلفزيون، الحواسيب، هواتف الجيل الثالث، الآيباد)، ولكن في كل مرة تتجزأ أعداد المتابعين، وتشتد حمى القرصنة ويشح تمويل وسائل الإعلام وتختلف عادات المتابعة الاخبارية لا سيما لدى الشباب. فإلى أين نحن ماضون في سياق انحراف مسار وسائل الإعلام؟
معنى الأزمة
من نافلة القول أن كلمة "معلومات" التي نراها في تعبير "مجتمع المعلومات" تحمل العديد من المعاني: لها معنى ثقافي فيما يتعلق بوسائل الإعلام وبالتعليم وباكتساب المعارف وبالتواصل البشري. ومن جانب آخر، تعني المعلومات في مجال يخص الصناعة والتجارة والتمويل "مُعطيات جديدة" واتصال وعملية تبادل المُعطيات الجديدة بهدف زيادة عمليات الصناعة والنقل والتسويق والبيع. وفي حقل العلم، في مجال الاتصالات تحديداً ثمة معنى آخر محايد لكلمة معلومات: ففي تقنيات المعلومات، أي مُعطى هو وصف أولي، غالباً مُشفر، لشيء ما، لصفقة تجارية أو لحدث ما، إلخ. وفي التجارة الإلكترونية، فإن القطاعات الثلاثة التي استفادت أكثر من تطور البيئة الافتراضية للاقتصاد هي بالترتيب العمليات البنكية والسفر والمنتجات الثقافية. وقد تحدثنا آنفاً بإسهاب عن تأثير الرقمنة على الصناعة الثقافية (صحافة، إذاعة وتلفزيون، موسيقى، انترنت، إلخ). ومن جهة أخرى، صار من الأسهل بيع الأحلام وتغيرت الصناعة السياحية كثيراً منذ ظهور الانترنت. ومع ذلك، فإن التحول الأعظم كان في مجال المال، حيث صار الحديث جائزاً عن مسؤولية الأنشطة والخدمات التمويلية في هذه الأزمة الاقتصادية التي نعيشها حالياً، وهي الأكبر منذ حقبة الكساد الكبير.
هنالك بالطبع طرق مختلفة لتأويل الأحداث، بالقول: إنها أزمة الرأسمالية، وإنها نتيجة تحرر الليبرالية الجديدة، والرغبة الجامحة في الكسب وغياب أخلاقيات الوكلاء الاقتصاديين، لكن هل يمكننا أيضاً أن نشرح هذه الظاهرة من خلال العودة إلى مجتمع المعلومات. وبهذا الشأن، كيف ومن يشرح الأزمة؟ في الواقع، من جهة، نجد ظاهرة تجرد النقد من شكله المادي عبر العصور، وحتى وصول الرقمنة المطلقة للمال الذي أصبح قيمة معلوماتية وحسب. ومن الجهة الأخرى، السرعة التي ينتقل بها النقد-المعلومة، عبر شبكات إلكترونية من جميع أنحاء الأرض. وتؤدي هذه الحركة المزدوجة إلى فقدان السيطرة الذي يوّلِد، في المجتمع ولدى الأفراد، ذعراً تنتج عنه أزمات عميقة.
إن حوسبة النقد هي التحول التدريجي للمال إلى قيمة رمزية، فقيمته الافتراضية هي اكتمال لعملية لامادية المقايضة، إلى درجة أن المستهلك والشركة والتاجر والصيرفي لديهم انطباع بأنهم لا يتبادلون سوى المعلومة. ويعمل تدويل المبادلات على نحو يسمح بأن تفلت عملية التنظيم عن رقابة الدول. وقبل ثلاثين عاماً، كان ماكلوهان McLuhan يقول: "تتمثل إحدى التأثيرات الحتمية لتسارع نقل المعلومة وإمكانية ترجمة المال في منح أولئك الذين يستطيعون توقع هذا التحول قبل حدوثه، ببضع ساعات أو بضع سنوات (ويمكننا اليوم أن نضيف أو بضع دقائق) بحسب الحالة، الحظ في الاغتناء[8]".
وتؤدي سرعة انتقال النقد إلى "تأثير تسارع النظام". فليس هنالك ما هو أسهل من إصدار أمر بتغيير رقم من مكان رمزي إلى مكان آخر! وهكذا، نقول إن السندات في البورصة تغير الأيادي التي تمسك بها. فالمال، ليس إلا المعلومة، وهذه المعلومة صارت مجردة ونظرية على نحو فظيع. وبالنسبة لمعظم البشر، إن الشراء عبر بطاقة الائتمان، هي عملية بدون نتيجة، أو على الأقل دون نتيجة فورية: اشترِ، استمتع، ترفّه، سافر، وسترى النتيجة بعد 12 شهراً، 24 شهراً، 48 شهراً، 72 شهراً... فمن أجل الإرضاء الفوري للرغبات، يُؤجّل الدفع إلى وقت لاحق. فالاستهلاك له تأثير كالمُخدر؛ المتعة التي ينتجها سريعة وعابرة. وكان عالم الاقتصاد دانييل كوهين Daniel Cohen يقول: "إحدى مفارقات الوضع الراهن تتعلق بأن معظم البشرية في طور الانتقال بين المدينة والريف، في حين تنفتح أيضاً على مستوى الأرض كافة حدود جديدة، وهي حدود الفضاء الالكتروني الذي تصنعه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات".
فكيف يمكن الخروج من الأزمة؟ هل من خلال إعادة إطلاق الاستهلاك، وبإجبار البنوك (المُفلسة) على تقديم قروض جديدة... إن من السخافة إعادة تشغيل ماكينة الأحلام! فبمجرد زوال العاصفة، مضينا نحو أزمة جديدة تمثلت في الكساد الكبير الذي استمر قرابة عقد من السنين، منذ عام 1929؛ ثم حدثت أزمات في 1973 (الصدمة النفطية الأولى) وأزمة 1980 (الصدمة النفطية الثانية) وأزمة 1991 وأزمة 2004 (أزمة التقنيات الجديدة) و2009 (أزمة الرهن العقاري). ومتى ستكون القادمة؟ وهل يرتبط مصير مجتمع المعلومات بالأزمة الدائمة؟
كان الكاتب ب. فيريليو p.Virilio مغرماً بمفهوم السرعة وكان قد أعلن منذ عشرين سنة عن انهيار البورصة إذ قال: "مضت ثلاثون عاماً ونحن نتعمد إهمال ظاهرة تسارع التاريخ، وهذا التسارع مصدر تكاثر الحوادث الكبرى... فهذه الحوادث ليست صُدف. ونكتفي في اللحظة الراهنة بدراسة انهيار البورصة من الزاوية الاقتصادية أو السياسية، مع نتائجها الاجتماعية. ولكن كيف نُعرِّف حادث البورصة، فيما وراء شكله المباغت؟ وكما هو الحال في كل حدث معاصر، ينبغي الأخذ بالحسبان سلسلة من المتزامنات على المستوى العالمي. مزامنة التقاليد، والأخلاق، والسلوكيات والانفعالات العاطفية أيضاً. فقد عبرنا من شيوعية طبقية إلى عولمة فورية ومتزامنة في التأثيرات والمخاوف. وينطبق نفس الشيء على البورصة. فبعد مرحلة تقنية قصيرة تمثلت في إفلاس بنوك وانهيار سوق الأسهم عبرنا إلى مرحلة "هستيرية" مبالغة في ردود الأفعال. نتحدث عن جنون الأسواق، وردود الأفعال "اللامعقولة"، تقريباً جراء الافتتان بنهاية العالم[9]".
خاتمة
وأخيراً، لنقُل إن معظم الناس متفقون بأننا دخلنا عصر مجتمع المعلومات، حتى وإن لم يكن هناك اتفاق في الآراء حول تعريفه والنتائج الناجمة عنه. فبالنسبة للبعض، تعني المعلومات كل مُعطى وثيق الصلة بجمعها ومعالجتها وتأويلها واستخدامها على النحو الذي يسمح بالقيام بأعمال في مجال التجارة والتنظيم الاقتصادي وتقديم الخدمات الحكومية وفي الإدارة العامة وفي البحث العلمي، إلخ. وبالنسبة للبعض الآخر تعتبر المعلومات قبل كل شيء علم ومعارف متوزعة على جميع قطاعات الأنشطة البشرية وبالتالي من شأنها السماح بإمكانية التواصل بين البشر وتفاهمهم. إلا أننا ما زلنا بعيدين عن الوصول إلى هذه المرحلة من التنمية بسبب وجود هذه الهوة بين "المعلومات الغنية" و"المعلومات الفقيرة"، وهذه الهوة ناتجة عن عوائق اللغة والثقافات وتنوع الأجهزة ومدى توفرها في المنازل وكذا صعوبة فرض معايير مشتركة وعوز التبادلات بين الأفراد والمجتمعات.
وبالتالي فثمة مفارقة واضحة وهي أن صعوبات التواصل ستكون إحدى السمات المميزة لمجتمع المعلومات.