Page 1
تقديم
د. رشيد الخيُّون
بعد استفحال التشدد الدِّيني المذهبي العقائدي الحاد إلى حد سفك الدِّماء وهذا الصخب بالقيم والشعارات التي لو تفحصتها جيداً لوجدت القرن الأول الهجري يضيق بها ذعراً، يأتي ما كتبه خالد السعيد في «من الاستبداد إلى الاستبداد»، وما أولف على شاكلته محاولة حريص ضد فداحة ما يجري تحت غطاء الدِّين وباسم الله بل تأسيس لمفاهيم خارج إطار تاريخ الإسلام الذي يدعون أنهم أوفياء له.
أخذت تلك القوى بلا خجل تستخدم منتجات العقل البشري وسائط لبث تخلفها وإعاقتها للتطور؛ فهي لم تتأخر من المداواة بطب وأدوية الذين تسميهم كفاراً، وتتزاحم على استخدام وسائط النهضة العلمية الهائلة ووسائط نقل إعلامها من عجائب الفيسبوك والتويتر والطبق اللاقط ولم تسأل تلك القوى نفسها عن عوائق وجود أو انطلاق تلك المبتكرات في هذه المنطقة التي تريد لها البقاء خارج الزَّمن؟!
فما قيمة العقل إذا بقى متوسداً القديم وحانياً عليه كلُّ هذا الحنو السِّلبي مع علمنا أنه ليس كلُّ قديم يحظى بهذا بعنايتهم إنما ما وافق مع معوقات التطور والتكيف مع الحضارة العلمية والمدنية. فلو أتيتهم بحديث نبوي شهير لديهم قبل غيرهم: «أنتم أعلم بأمر دنياكمْ»(1) لقالوا: إنه مرتبط بعلة أو زمن قوله! ونجيبهم ولماذا الحديث الذي جعلتموه سوطاً ترفعوه بوجوه النِّساء ليس له مناسبه يعامل بحدود زمنها إنما أخذتموه وغيره بالإطلاق على العموم لا الخصوص؟! وكذلك الحال بالنسبة لآيات الكتاب الكريم جعلتم من آية «السَّيف» (الخامسة من سورة التَّوبة) المرتبطة بسبب نزولها ونسختم بها كلَّ كلمة مسامحة وموادعة وحرية!
جاء في قصة حديث ولاية المرأة: «حدَّثنا عثمان بن الهيثم حدَّثنا عوفٌ عن الحسن عن أبي بكرة قالَ:لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِن ْرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَمَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِل مَعَهُمْ قَال َلَمَّا بَلَغَ رَسُول َاللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بنْتَ كِسْرَى قَالَ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْا مْرَأَةً»؟(2). مع علمنا حسب المؤرخ والإمام في الفقه والتفسير محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) أن هذه الشَّاهة بوران كانت مصلحة ومعمرة (من الاعمار)، واتسم حكمها بالرأفة بقومها وقصة ذلك طويلة.
صاحب الكتاب الذي نصه بين أيدينا خالد السَّعيد من الشَّباب الذين نظروا في ما حولهم وسط بيئة معطاء وأقول معطاء لأن بيئة التشدد تنتج عادة خصمها بقوة مثولها وتأثيراً مضاداً لها بقوة تأثيرها تلك قاعدة معروفة في المواجهة الفعل ورد الفعل. بينما الاعتدال ينتج الضد المعتدل ويؤلف بين مسارات الحياة ذلك في حالة فهم الرِّجال لتبدل الأحوال.
أجد في ما كتبه السَّعيد يندرج في معنى الدِّفاع عن وجوده أقصد متطلبات زمنه وجيله فهو جزء من هذا الوجود لا يمكن لمثله وهو يمتلك القدرة على التعبير من ثقافة ودراية إضافة إلى الدافع والمهمة الملقاة على كاهل جيله السُّكوت والانتظار وما حوله يجف بفتاوى التكفير والتزمت. يجف بوصاية الرِّجال باسم الله ودينه الحنيف على المجتمع.
ذكر السَّعيد في كتابه كيف جرى التعامل مع المخترعين والمكتشفين من الذين لا يخلو بيت متشدد أو منفتح من فوائد إنجازاتهم العلمية على أن هؤلاء يجزون في الدُّنيا وأنهم كفار لا حصة لهم من نعيم الآخرة. أفتى ذلك الشيخ راداً على من ترحم على مخترع درر العصر وجواهره: الآيباد والآي فون ستيف جوبز (ت 2011). فتأملوا كارثة ما يجري.
تعرفت على خالد السَّعيد عبر ما يكتبه في جريدة «الحياة»، وقد استرعى التفاتي لما يكتب من موضوعات مهمة في الصراع الدائر بين مستجدات الحياة ومعقوقات التغلب عليها؛ بين الزَّمن المنطلق كالسَّهم ومحاولة إرجاع مكسوراً إلى كنانته. نعم أنه صراع قديم وفي كلِّ قرن يتقابل المتضادان لكن بقدر ما أن سرعة النهضة منطلقة في مجالات الحياة كافة تحاول تلك القوى تكفيننا ونحن أحياء. لا يقولون هذا فهمنا أو ما توصي به عقولنا إنما يسندون ذلك إلى الله وعندها ينتهي الحوار معهم! فمن له الحق بمجادلة الله؟! ففتوى التكفير جاهزة.
يصدر خالد السَّعيد كتابه وهو موضوعات كان قد نشر جزءاً منها من قبل ويصدرها الآن مهمشة بالمصادر والمراجع فالكتاب غير المقالة وبذلك تكون بيد القارئ مع قيود البحث. أجدها مساهمة واعية ومنتجاً غزير الفائدة باستطراداتها واستشهاداتها.
سيواجه السَّعيد بردود أفعال موافقة ومعارضة لأن العناوين المطروحة تثير الجدل وتنبه إلى أن جهد من تصدى ضد تلازم الاستبداد الدِّيني والسِّياسي من الأولين والمتأخرين لم يذهب هباءً، ذلك التلازم الذي حول مسار حيواتنا مع ما في الزَّمن من نهضات عقلية عملاقة، «من استبداد إلى استبداد»، مثلما يفرزه الآن ما عرف بالربيع العربي بالمنطقة فتبدأ البرلمانات الدِّينية قبل البسملة بفرض قانون فرض الشَّريعة رسمياً.
أذكر بمقولتين في التعاضد بين السياسي والدِّيني وما يحاول السَّعيد نقده وتفكيكه ومواجهته واحدة لنابغة سنّي وأخرى لعلَّامة شيعي. كتب المصلح الشَّيخ عبد الرَّحمن الكواكبي (ت 1902) قائلاً: «تضافرت آراء أكثر العلماء من الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستعباد الديني. والبعض يقول: إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان وأبوهما التغلب والرياسة أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان والمشاكلة بينهما أنهما حاكمان أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب»(3).
ثم كتب المجتهد الشِّيعي الشيخ محمد حسين النَّائيني (ت 1936)، ما لا يختلف عن القول الأول في الاستبداد الدِّيني: «هي شعبة الاستبداد الديني ويعتبر علاج هذه القوة بعد علاج سابقتها من أعسر الأمور وأصعبها وذلك لشدة رسوخها بالأذهان والقلوب أولاً»(4).
بعد هذا أترك القارئ النَّبيه مع ما خطه الكاتب الواعي خالد السَّعيد الذي يحاول كشف هيمنة الارتباط بين الدِّيني والسِّياسي وان لا يتجه المسار من استبداد إلا استبداد في عناوين ونصوص كتبها بحس المواجه المعترض الحريص على نصرة من يرى تبدل الأحوال في تبدل الأزمان ورحم الله صاحب هذه الرُّؤية المتحضرة إمام التَّسامح والسُّهولة أبا حنيفة النُّعمان (150 هـ)، وقيل إنه قضى مقتولاً بتلازم سابق بين السِّياسي والدِّيني.
د. رشيد الخيُّون
بعد استفحال التشدد الدِّيني المذهبي العقائدي الحاد إلى حد سفك الدِّماء وهذا الصخب بالقيم والشعارات التي لو تفحصتها جيداً لوجدت القرن الأول الهجري يضيق بها ذعراً، يأتي ما كتبه خالد السعيد في «من الاستبداد إلى الاستبداد»، وما أولف على شاكلته محاولة حريص ضد فداحة ما يجري تحت غطاء الدِّين وباسم الله بل تأسيس لمفاهيم خارج إطار تاريخ الإسلام الذي يدعون أنهم أوفياء له.
أخذت تلك القوى بلا خجل تستخدم منتجات العقل البشري وسائط لبث تخلفها وإعاقتها للتطور؛ فهي لم تتأخر من المداواة بطب وأدوية الذين تسميهم كفاراً، وتتزاحم على استخدام وسائط النهضة العلمية الهائلة ووسائط نقل إعلامها من عجائب الفيسبوك والتويتر والطبق اللاقط ولم تسأل تلك القوى نفسها عن عوائق وجود أو انطلاق تلك المبتكرات في هذه المنطقة التي تريد لها البقاء خارج الزَّمن؟!
فما قيمة العقل إذا بقى متوسداً القديم وحانياً عليه كلُّ هذا الحنو السِّلبي مع علمنا أنه ليس كلُّ قديم يحظى بهذا بعنايتهم إنما ما وافق مع معوقات التطور والتكيف مع الحضارة العلمية والمدنية. فلو أتيتهم بحديث نبوي شهير لديهم قبل غيرهم: «أنتم أعلم بأمر دنياكمْ»(1) لقالوا: إنه مرتبط بعلة أو زمن قوله! ونجيبهم ولماذا الحديث الذي جعلتموه سوطاً ترفعوه بوجوه النِّساء ليس له مناسبه يعامل بحدود زمنها إنما أخذتموه وغيره بالإطلاق على العموم لا الخصوص؟! وكذلك الحال بالنسبة لآيات الكتاب الكريم جعلتم من آية «السَّيف» (الخامسة من سورة التَّوبة) المرتبطة بسبب نزولها ونسختم بها كلَّ كلمة مسامحة وموادعة وحرية!
جاء في قصة حديث ولاية المرأة: «حدَّثنا عثمان بن الهيثم حدَّثنا عوفٌ عن الحسن عن أبي بكرة قالَ:لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِن ْرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَمَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِل مَعَهُمْ قَال َلَمَّا بَلَغَ رَسُول َاللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بنْتَ كِسْرَى قَالَ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْا مْرَأَةً»؟(2). مع علمنا حسب المؤرخ والإمام في الفقه والتفسير محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) أن هذه الشَّاهة بوران كانت مصلحة ومعمرة (من الاعمار)، واتسم حكمها بالرأفة بقومها وقصة ذلك طويلة.
صاحب الكتاب الذي نصه بين أيدينا خالد السَّعيد من الشَّباب الذين نظروا في ما حولهم وسط بيئة معطاء وأقول معطاء لأن بيئة التشدد تنتج عادة خصمها بقوة مثولها وتأثيراً مضاداً لها بقوة تأثيرها تلك قاعدة معروفة في المواجهة الفعل ورد الفعل. بينما الاعتدال ينتج الضد المعتدل ويؤلف بين مسارات الحياة ذلك في حالة فهم الرِّجال لتبدل الأحوال.
أجد في ما كتبه السَّعيد يندرج في معنى الدِّفاع عن وجوده أقصد متطلبات زمنه وجيله فهو جزء من هذا الوجود لا يمكن لمثله وهو يمتلك القدرة على التعبير من ثقافة ودراية إضافة إلى الدافع والمهمة الملقاة على كاهل جيله السُّكوت والانتظار وما حوله يجف بفتاوى التكفير والتزمت. يجف بوصاية الرِّجال باسم الله ودينه الحنيف على المجتمع.
ذكر السَّعيد في كتابه كيف جرى التعامل مع المخترعين والمكتشفين من الذين لا يخلو بيت متشدد أو منفتح من فوائد إنجازاتهم العلمية على أن هؤلاء يجزون في الدُّنيا وأنهم كفار لا حصة لهم من نعيم الآخرة. أفتى ذلك الشيخ راداً على من ترحم على مخترع درر العصر وجواهره: الآيباد والآي فون ستيف جوبز (ت 2011). فتأملوا كارثة ما يجري.
تعرفت على خالد السَّعيد عبر ما يكتبه في جريدة «الحياة»، وقد استرعى التفاتي لما يكتب من موضوعات مهمة في الصراع الدائر بين مستجدات الحياة ومعقوقات التغلب عليها؛ بين الزَّمن المنطلق كالسَّهم ومحاولة إرجاع مكسوراً إلى كنانته. نعم أنه صراع قديم وفي كلِّ قرن يتقابل المتضادان لكن بقدر ما أن سرعة النهضة منطلقة في مجالات الحياة كافة تحاول تلك القوى تكفيننا ونحن أحياء. لا يقولون هذا فهمنا أو ما توصي به عقولنا إنما يسندون ذلك إلى الله وعندها ينتهي الحوار معهم! فمن له الحق بمجادلة الله؟! ففتوى التكفير جاهزة.
يصدر خالد السَّعيد كتابه وهو موضوعات كان قد نشر جزءاً منها من قبل ويصدرها الآن مهمشة بالمصادر والمراجع فالكتاب غير المقالة وبذلك تكون بيد القارئ مع قيود البحث. أجدها مساهمة واعية ومنتجاً غزير الفائدة باستطراداتها واستشهاداتها.
سيواجه السَّعيد بردود أفعال موافقة ومعارضة لأن العناوين المطروحة تثير الجدل وتنبه إلى أن جهد من تصدى ضد تلازم الاستبداد الدِّيني والسِّياسي من الأولين والمتأخرين لم يذهب هباءً، ذلك التلازم الذي حول مسار حيواتنا مع ما في الزَّمن من نهضات عقلية عملاقة، «من استبداد إلى استبداد»، مثلما يفرزه الآن ما عرف بالربيع العربي بالمنطقة فتبدأ البرلمانات الدِّينية قبل البسملة بفرض قانون فرض الشَّريعة رسمياً.
أذكر بمقولتين في التعاضد بين السياسي والدِّيني وما يحاول السَّعيد نقده وتفكيكه ومواجهته واحدة لنابغة سنّي وأخرى لعلَّامة شيعي. كتب المصلح الشَّيخ عبد الرَّحمن الكواكبي (ت 1902) قائلاً: «تضافرت آراء أكثر العلماء من الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستعباد الديني. والبعض يقول: إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان وأبوهما التغلب والرياسة أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان والمشاكلة بينهما أنهما حاكمان أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب»(3).
ثم كتب المجتهد الشِّيعي الشيخ محمد حسين النَّائيني (ت 1936)، ما لا يختلف عن القول الأول في الاستبداد الدِّيني: «هي شعبة الاستبداد الديني ويعتبر علاج هذه القوة بعد علاج سابقتها من أعسر الأمور وأصعبها وذلك لشدة رسوخها بالأذهان والقلوب أولاً»(4).
بعد هذا أترك القارئ النَّبيه مع ما خطه الكاتب الواعي خالد السَّعيد الذي يحاول كشف هيمنة الارتباط بين الدِّيني والسِّياسي وان لا يتجه المسار من استبداد إلا استبداد في عناوين ونصوص كتبها بحس المواجه المعترض الحريص على نصرة من يرى تبدل الأحوال في تبدل الأزمان ورحم الله صاحب هذه الرُّؤية المتحضرة إمام التَّسامح والسُّهولة أبا حنيفة النُّعمان (150 هـ)، وقيل إنه قضى مقتولاً بتلازم سابق بين السِّياسي والدِّيني.
Page 2
من الاستبداد إلى الاستبداد
البحث عن مانديلا العرب
كتب الأستاذ مشاري الذايدي ذات مرة في جريدة الشرق الأوسط مقالة يدعو فيها المصريين إلى نسيان الأمس وطي صفحة الماضي والتسامي عن الأحقاد والضغائن والتفكير في حاضر البلاد ومستقبلها(5). استحضر الأستاذ مشاري في مقالته تلك «نيلسون مانديلا» كأيقونة معروفة بالمحبة والتسامح. لقد قضمت قضبان السجن من عمر مانديلا ثمانية وعشرين عاماً إلا أن الحقد لم ينخر جدار قلبه. قضى مانديلا أجمل سني عمره محاصراً بالوحدة والجدران الأربعة إلا أن روحه ظلت ترفرف كطائر أبيض في سماء الحرية وخرج إلى الشمس والهواء والحرية وأحضان الملايين السمراء. خرج إلى العالم وفي يده غصن أخضر وفي قلبه حمامة بيضاء. كان بكلمة منه قادراً على أن يحيل البلاد إلى أنهار من الدماء لكنه لم يفعل... كان بإشارة منه قادراً على أن يحيل البلاد إلى جمر ونار حمراء – كما هدّد القذافي في إحدى خطبه الكاريكتورية – لكنه لم يفعل... لم يستسلم لشهوة الانتقام ولم ينسَق وراء أشباح الماضي. حمل مانديلا جنوب أفريقيا بسودها وبيضها إلى آفاق غد جديد قائم على أسس الديموقراطية وقيم التعايش السلمي والتسامح التاريخي.
أتمنى من القلب أن يكون لدينا مانديلاً تونسيّ، وآخر مصري وثالث يمنيّ، وهكذا. أتمنى أن تتحرر الثورات العربية من عبء التاريخ ووزر الماضي، وأن تسمو فوق ركام الأحقاد وعقود الكراهية. لكن هل هذا ممكن الحدوث؟ لا أعتقد ذلك. لقد فعل شباب العرب ما هو صعب وهو الثورة في وجه الطغيان والظلم والفقر والقهر ولكنهم لم ولن يفعلوا ما هو أصعب وهو التسامي فوق الماضي والانخراط في بناء دولة مدنية عصرية تقوم على المساواة والحرية والعدالة. ما جرى ويجري في أماكن متفرقة من العالم العربي هو أقرب ما يكون إلى (انقلاب) شعبي على السلطة الغاشمة وليس بثورة. الثورة هي تأسيس لوعي جديد وقطيعة مع الماضي. إن الثورة الحقيقية هي التي تحرر نفس الضحية من رواسب الماضي وأدرانه قبل أن تحرره من سياط النظام.
كان المهاتما غاندي في رحلة نضاله ضد المستعمر البريطاني يطالب أبناءه من الهنود بألا يسلكوا طريق الدم والعنف في مقاومة المحتل. أراد غاندي أن يحرر النفس البشرية من نوازع الحقد ومكامن العنف قبل أن يحرر التراب الهندي. كان يعلم أن القوة هي أسرع الطرق للخلاص من ربقة الاستعمار ولكنه كان يخشى أن يبقى باب الدم مفتوحاً حتى بعد أن يغادر آخر جندي انجليزي. لقد استطاع غاندي في النهاية من أن يحقق انتصارين رائعين: زرع الحب والتسامح مكان الشر والبغض في النفس الإنسانية ثم أجبر المستعمر على مغادرة البلاد دون أن تتفجر الدماء من هذا وذاك. إن رصد سلوك الانتفاضات العربية يكشف لي أنها تحمل في دواخلها جينات النظم الديكتاتورية التي تعمل على اقتلاعها. أنظر كيف يعنّف مصريو الثورة من لا يتماهى معهم فكراً وسلوكاً. إنهم يلوحون بشعارات الديموقراطية والحرية ولكنهم لا يحتملون سماع صوت خافت ومرتعش لا يذوب وسط الزحام!
المشكلة أنك عندما تقلب صفحات التاريخ بحثاً عن رجل بمواصفات مانديلا فأغلب الظن أنك لن تجد. وكما أن صحارى العرب لا تنبت فيها أزهار الديموقراطية فإنها لا تنبت كذلك رجالاً على شاكلة مانديلا أو غاندي. سأذكرك بقصة محزنة من التاريخ. عندما دان النصر لبني العباس على بني عمومتهم من بني أمية لاحقت سيوف العباسيين فلول بني أمية ففتكت بهم حتى لم يبق منهم إلا عبد الرحمن بن معاوية الذي فرّ إلى الأندلس ليعيد الحياة إلى عظام ملك أجداده. لقد بلغت السادية بالقائد عبدالله بن علي العباسي بعد أن فرغ من قتل الأحياء أن يأمر بنبش قبور خلفاء بني أمية الغابرين. ويقال إنه وجد جسد هشام بن عبد الملك لم يتلاش فأمر بصلبه وجلده ثمانين جلدة ثم أمر بحرقه! وقبل نصف قرن من الزمان انقلبت مجموعة من الضباط على الأسرة المالكة في العراق فدخلوا القصر فجراً، وجمعوا كل من في القصر من رجال ونساء وكبار وصغار وسادة وخدم ثم فتحوا عليهم النار فقتلوهم عن بكرة أبيهم(6)!
أغلب الظن عندي أنه لو كان لدينا مثل مانديلا فسوف يوصم بالضعف والسذاجة وربما لن تطول أيامه في الحكم. إننا رغم كراهيتنا المعلنة للطغاة إلا أننا لا نخفي إعجابنا بهم وترحمنا على أيامهم ولنا في الحجاج وناصر وصدام آية. إن تاريخنا لا يسير إلى الأمام وإنما في حلقة دائرية تعيد انتاج نفسها. لماذا؟ لأنّ العنف يقابل بالعنف والدم يولد الدم. وحتى نتحرك إلى الأمام فنحن بحاجة إلى مانديلا ليقفل دفاتر الماضي ويفتح دفاتر المستقبل.
البحث عن مانديلا العرب
كتب الأستاذ مشاري الذايدي ذات مرة في جريدة الشرق الأوسط مقالة يدعو فيها المصريين إلى نسيان الأمس وطي صفحة الماضي والتسامي عن الأحقاد والضغائن والتفكير في حاضر البلاد ومستقبلها(5). استحضر الأستاذ مشاري في مقالته تلك «نيلسون مانديلا» كأيقونة معروفة بالمحبة والتسامح. لقد قضمت قضبان السجن من عمر مانديلا ثمانية وعشرين عاماً إلا أن الحقد لم ينخر جدار قلبه. قضى مانديلا أجمل سني عمره محاصراً بالوحدة والجدران الأربعة إلا أن روحه ظلت ترفرف كطائر أبيض في سماء الحرية وخرج إلى الشمس والهواء والحرية وأحضان الملايين السمراء. خرج إلى العالم وفي يده غصن أخضر وفي قلبه حمامة بيضاء. كان بكلمة منه قادراً على أن يحيل البلاد إلى أنهار من الدماء لكنه لم يفعل... كان بإشارة منه قادراً على أن يحيل البلاد إلى جمر ونار حمراء – كما هدّد القذافي في إحدى خطبه الكاريكتورية – لكنه لم يفعل... لم يستسلم لشهوة الانتقام ولم ينسَق وراء أشباح الماضي. حمل مانديلا جنوب أفريقيا بسودها وبيضها إلى آفاق غد جديد قائم على أسس الديموقراطية وقيم التعايش السلمي والتسامح التاريخي.
أتمنى من القلب أن يكون لدينا مانديلاً تونسيّ، وآخر مصري وثالث يمنيّ، وهكذا. أتمنى أن تتحرر الثورات العربية من عبء التاريخ ووزر الماضي، وأن تسمو فوق ركام الأحقاد وعقود الكراهية. لكن هل هذا ممكن الحدوث؟ لا أعتقد ذلك. لقد فعل شباب العرب ما هو صعب وهو الثورة في وجه الطغيان والظلم والفقر والقهر ولكنهم لم ولن يفعلوا ما هو أصعب وهو التسامي فوق الماضي والانخراط في بناء دولة مدنية عصرية تقوم على المساواة والحرية والعدالة. ما جرى ويجري في أماكن متفرقة من العالم العربي هو أقرب ما يكون إلى (انقلاب) شعبي على السلطة الغاشمة وليس بثورة. الثورة هي تأسيس لوعي جديد وقطيعة مع الماضي. إن الثورة الحقيقية هي التي تحرر نفس الضحية من رواسب الماضي وأدرانه قبل أن تحرره من سياط النظام.
كان المهاتما غاندي في رحلة نضاله ضد المستعمر البريطاني يطالب أبناءه من الهنود بألا يسلكوا طريق الدم والعنف في مقاومة المحتل. أراد غاندي أن يحرر النفس البشرية من نوازع الحقد ومكامن العنف قبل أن يحرر التراب الهندي. كان يعلم أن القوة هي أسرع الطرق للخلاص من ربقة الاستعمار ولكنه كان يخشى أن يبقى باب الدم مفتوحاً حتى بعد أن يغادر آخر جندي انجليزي. لقد استطاع غاندي في النهاية من أن يحقق انتصارين رائعين: زرع الحب والتسامح مكان الشر والبغض في النفس الإنسانية ثم أجبر المستعمر على مغادرة البلاد دون أن تتفجر الدماء من هذا وذاك. إن رصد سلوك الانتفاضات العربية يكشف لي أنها تحمل في دواخلها جينات النظم الديكتاتورية التي تعمل على اقتلاعها. أنظر كيف يعنّف مصريو الثورة من لا يتماهى معهم فكراً وسلوكاً. إنهم يلوحون بشعارات الديموقراطية والحرية ولكنهم لا يحتملون سماع صوت خافت ومرتعش لا يذوب وسط الزحام!
المشكلة أنك عندما تقلب صفحات التاريخ بحثاً عن رجل بمواصفات مانديلا فأغلب الظن أنك لن تجد. وكما أن صحارى العرب لا تنبت فيها أزهار الديموقراطية فإنها لا تنبت كذلك رجالاً على شاكلة مانديلا أو غاندي. سأذكرك بقصة محزنة من التاريخ. عندما دان النصر لبني العباس على بني عمومتهم من بني أمية لاحقت سيوف العباسيين فلول بني أمية ففتكت بهم حتى لم يبق منهم إلا عبد الرحمن بن معاوية الذي فرّ إلى الأندلس ليعيد الحياة إلى عظام ملك أجداده. لقد بلغت السادية بالقائد عبدالله بن علي العباسي بعد أن فرغ من قتل الأحياء أن يأمر بنبش قبور خلفاء بني أمية الغابرين. ويقال إنه وجد جسد هشام بن عبد الملك لم يتلاش فأمر بصلبه وجلده ثمانين جلدة ثم أمر بحرقه! وقبل نصف قرن من الزمان انقلبت مجموعة من الضباط على الأسرة المالكة في العراق فدخلوا القصر فجراً، وجمعوا كل من في القصر من رجال ونساء وكبار وصغار وسادة وخدم ثم فتحوا عليهم النار فقتلوهم عن بكرة أبيهم(6)!
أغلب الظن عندي أنه لو كان لدينا مثل مانديلا فسوف يوصم بالضعف والسذاجة وربما لن تطول أيامه في الحكم. إننا رغم كراهيتنا المعلنة للطغاة إلا أننا لا نخفي إعجابنا بهم وترحمنا على أيامهم ولنا في الحجاج وناصر وصدام آية. إن تاريخنا لا يسير إلى الأمام وإنما في حلقة دائرية تعيد انتاج نفسها. لماذا؟ لأنّ العنف يقابل بالعنف والدم يولد الدم. وحتى نتحرك إلى الأمام فنحن بحاجة إلى مانديلا ليقفل دفاتر الماضي ويفتح دفاتر المستقبل.
Page 3
لا ضوء في آخر النفق
يقول بلفور صاحب الوعد المشؤوم: «...إن الأمم الغربية فور ظهورها في التاريخ تظهر تباشير القدرة على حكم الذات لأنها تمتلك مزايا خاصة بها ويمكنك أن تنظر إلى تاريخ الشرقيين بأكمله فيما يسمى بشكل عام المشرق دون أن تجد أثراً لحكم الذات على الإطلاق. وكل القرون العظيمة التي مرت على الشرقيين انقضت في ظل الحكم المطلق. وكل إسهاماتهم العظيمة في الحضارة الإنسانية انجزت في ظل هذا النمط من الحكم. فقد خلف فاتح فاتحاً، وتلت سيطرةٌ سيطرةً، غير أنك في دورات القدر والمصير كلها لا ترى أمة واحدة من هذه الأمم تؤسس بدافع من حركتها الذاتية...»(7).
وعندما كان الإسكندر الأكبر يتهيأ لفتح المشرق نصحه أستاذه أرسطو بمعاملة اليونانيين كقادة ومعاملة الشرقيين كعبيد! يقول أرسطو: «إن الرجل الحر لا يستطيع أن يتحمل حكم الطاغية ولهذا فإن الرجل اليوناني لا يطيق الطغيان بل ينفر منه أما الرجل الشرقي فإنه يجده أمراً طبيعياً، فهو نفسه طاغية في بيته يعامل زوجته معاملة العبيد ولهذا لا يدهشه أن يعامله الحاكم هو نفسه معاملة العبيد»(8).
ما رأيك عزيزي القاريء في ما قرأت؟ دع عنك ما تكنه من كراهية لبلفور. ودع عنك ما قد تحمله من ازدراء للفلسفة ولكبيرهم أرسطو. فقط دقق جيداً في كلامهم. ألا ترى وجهك منحوتاً في مرايا كلماتهم؟ تاريخنا القديم يخبرنا أن تلك الأرض كانت دوماً أرضاً للجلادين والمجلودين للفاعلين والمفعول بهم للساديين والمازوخيين. قبل الإسلام عاش البشر في ظل الحاكم «الإله». وبعد الإسلام عاش البشر في ظل الخليفة الذي كان ظل الله الممدود على الأرض. كان الإسلام عند بزوغه ثورة على الظلم والاستبداد. وكان زمنا أبي بكر وعمر مثل شهاب قادم من السماء ليضيء قلب الظلام نوراً. وعندما أنطفأ الشهاب عاد الظلام ليخيم.
ما عدا الإرهاصات الأولى للإسلام وفترات أخرى متقطعة وقصيرة بعمر زهور الصحارى كان الاستبداد جاثماً كالجبال وممتدداً كالقفار. لقد بلغت قابلية الشخصية العربية للاستبداد أقصى مداها عندما رضخ الناس في مصر والشام لحكم المماليك. وتلك سابقة في تاريخ البشر إذ لم يعرف عن أرقاء حكموا أهل البلاد الأحرار! واقرأ معي أشعار أهل البادية. إنهم يعدون العجز عن إلحاق الظلم بالغير مثلبة! ألا يقول الشاعر هاجياً إحدى القبائل:
قبيلتــه لا يغــدرون بـذمـــة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
أو كما قال عمرو بن كلثوم مادحاً قومه:
بغـاة ظالمــون وما ظلمنــــا
ولكنــــا سنبــدأ ظـالمينــا
إن من يتأمل حياة البادية ويقرأ أشعارها ليجد أن لا مكان لمن يدعو إلى العدالة والمساواة والإخاء. ويقول الشاعر الجاهلي متفاخراً بقبيلته:
ونشرب إن وردنا الماء صفواً
ويشرب غيرنــا كدراً وطيناً
يعدد علي الوردي في كتابه «الأخلاق: الضائع من الموارد الخلقية» بعض الأمثلة الشائعة عند البدو. فمن ذلك قولهم (الحلال ما حل باليد) وكذلك (الحق بالسيف والعاجز يريد الشهود). ويكمل الوردي حديثه قائلاً: «...إنهم يقيسون الرجولة الكاملة بقياس الغلبة والاستحواذ. وهم إذ يمدحون رجلاً يقولون عنه إنه (سبع) يأخذ حقه بذراعه ولا يقدر أحد عليه...»(9).
إن شعوباً معجونة بماء الاستبداد والقهر منذ فجر التاريخ لن يكون سهلاً عليها التخلي عن هذا الإرث العريق والذي تتوارثه جيلاً بعد جيل. قبل انفجار الثورات العربية كنت أقول إن الاستبداد جزء من هويتنا وملامحنا. والآن وبعد هذه الانفجارات الثورية المتلاحقة لاأزال مقتنعاً بأن الاستبداد سيبقى جزءاً من هويتنا وملامحنا. لست مع أولئك الذين يحملون الزعماء العرب مسؤولية التخلف والقهر. إن تلك الزعامات هي في النهاية إفرازات لثقافة الاستبداد والتخلف المتغلغلة في نسيج المجتمع. لقد استبدل المصريون استبداد الفرد باستبداد الجماهير. الاستبداد لايزال يسكن تحت جلد تلك الجماهير. أنا لا أصدق دعاوى الحرية و الديموقراطية التي رفعها المصريون في وجه مبارك. لو كانت هناك حرية لسمح الثوار بحرية نقد الثورة دون ترهيب وتخوين. وستبرهن الأيام أن علي صالح لم يكن وحده من أطفأ شمس الحرية. سيذهب صالح وسيأتي آخر من وسط الجماهير يشبهه إلا في الاسم والشكل. هذا الكلام يسري على سوريا وليبيا وكل أرض عربية تندلع فيها نار الثورة. إسقاط الأنظمة السياسية لا يعني سقوط الاستبداد. لماذا؟ لأن الاستبداد والتسلط يسكنان في أعماقنا ويكمنان في تلافيف أرواحنا.
يقول بلفور صاحب الوعد المشؤوم: «...إن الأمم الغربية فور ظهورها في التاريخ تظهر تباشير القدرة على حكم الذات لأنها تمتلك مزايا خاصة بها ويمكنك أن تنظر إلى تاريخ الشرقيين بأكمله فيما يسمى بشكل عام المشرق دون أن تجد أثراً لحكم الذات على الإطلاق. وكل القرون العظيمة التي مرت على الشرقيين انقضت في ظل الحكم المطلق. وكل إسهاماتهم العظيمة في الحضارة الإنسانية انجزت في ظل هذا النمط من الحكم. فقد خلف فاتح فاتحاً، وتلت سيطرةٌ سيطرةً، غير أنك في دورات القدر والمصير كلها لا ترى أمة واحدة من هذه الأمم تؤسس بدافع من حركتها الذاتية...»(7).
وعندما كان الإسكندر الأكبر يتهيأ لفتح المشرق نصحه أستاذه أرسطو بمعاملة اليونانيين كقادة ومعاملة الشرقيين كعبيد! يقول أرسطو: «إن الرجل الحر لا يستطيع أن يتحمل حكم الطاغية ولهذا فإن الرجل اليوناني لا يطيق الطغيان بل ينفر منه أما الرجل الشرقي فإنه يجده أمراً طبيعياً، فهو نفسه طاغية في بيته يعامل زوجته معاملة العبيد ولهذا لا يدهشه أن يعامله الحاكم هو نفسه معاملة العبيد»(8).
ما رأيك عزيزي القاريء في ما قرأت؟ دع عنك ما تكنه من كراهية لبلفور. ودع عنك ما قد تحمله من ازدراء للفلسفة ولكبيرهم أرسطو. فقط دقق جيداً في كلامهم. ألا ترى وجهك منحوتاً في مرايا كلماتهم؟ تاريخنا القديم يخبرنا أن تلك الأرض كانت دوماً أرضاً للجلادين والمجلودين للفاعلين والمفعول بهم للساديين والمازوخيين. قبل الإسلام عاش البشر في ظل الحاكم «الإله». وبعد الإسلام عاش البشر في ظل الخليفة الذي كان ظل الله الممدود على الأرض. كان الإسلام عند بزوغه ثورة على الظلم والاستبداد. وكان زمنا أبي بكر وعمر مثل شهاب قادم من السماء ليضيء قلب الظلام نوراً. وعندما أنطفأ الشهاب عاد الظلام ليخيم.
ما عدا الإرهاصات الأولى للإسلام وفترات أخرى متقطعة وقصيرة بعمر زهور الصحارى كان الاستبداد جاثماً كالجبال وممتدداً كالقفار. لقد بلغت قابلية الشخصية العربية للاستبداد أقصى مداها عندما رضخ الناس في مصر والشام لحكم المماليك. وتلك سابقة في تاريخ البشر إذ لم يعرف عن أرقاء حكموا أهل البلاد الأحرار! واقرأ معي أشعار أهل البادية. إنهم يعدون العجز عن إلحاق الظلم بالغير مثلبة! ألا يقول الشاعر هاجياً إحدى القبائل:
قبيلتــه لا يغــدرون بـذمـــة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
أو كما قال عمرو بن كلثوم مادحاً قومه:
بغـاة ظالمــون وما ظلمنــــا
ولكنــــا سنبــدأ ظـالمينــا
إن من يتأمل حياة البادية ويقرأ أشعارها ليجد أن لا مكان لمن يدعو إلى العدالة والمساواة والإخاء. ويقول الشاعر الجاهلي متفاخراً بقبيلته:
ونشرب إن وردنا الماء صفواً
ويشرب غيرنــا كدراً وطيناً
يعدد علي الوردي في كتابه «الأخلاق: الضائع من الموارد الخلقية» بعض الأمثلة الشائعة عند البدو. فمن ذلك قولهم (الحلال ما حل باليد) وكذلك (الحق بالسيف والعاجز يريد الشهود). ويكمل الوردي حديثه قائلاً: «...إنهم يقيسون الرجولة الكاملة بقياس الغلبة والاستحواذ. وهم إذ يمدحون رجلاً يقولون عنه إنه (سبع) يأخذ حقه بذراعه ولا يقدر أحد عليه...»(9).
إن شعوباً معجونة بماء الاستبداد والقهر منذ فجر التاريخ لن يكون سهلاً عليها التخلي عن هذا الإرث العريق والذي تتوارثه جيلاً بعد جيل. قبل انفجار الثورات العربية كنت أقول إن الاستبداد جزء من هويتنا وملامحنا. والآن وبعد هذه الانفجارات الثورية المتلاحقة لاأزال مقتنعاً بأن الاستبداد سيبقى جزءاً من هويتنا وملامحنا. لست مع أولئك الذين يحملون الزعماء العرب مسؤولية التخلف والقهر. إن تلك الزعامات هي في النهاية إفرازات لثقافة الاستبداد والتخلف المتغلغلة في نسيج المجتمع. لقد استبدل المصريون استبداد الفرد باستبداد الجماهير. الاستبداد لايزال يسكن تحت جلد تلك الجماهير. أنا لا أصدق دعاوى الحرية و الديموقراطية التي رفعها المصريون في وجه مبارك. لو كانت هناك حرية لسمح الثوار بحرية نقد الثورة دون ترهيب وتخوين. وستبرهن الأيام أن علي صالح لم يكن وحده من أطفأ شمس الحرية. سيذهب صالح وسيأتي آخر من وسط الجماهير يشبهه إلا في الاسم والشكل. هذا الكلام يسري على سوريا وليبيا وكل أرض عربية تندلع فيها نار الثورة. إسقاط الأنظمة السياسية لا يعني سقوط الاستبداد. لماذا؟ لأن الاستبداد والتسلط يسكنان في أعماقنا ويكمنان في تلافيف أرواحنا.
Page 4
ثورات العرب:بين حنين الحريات وذاكرة الاستبداد
يقول ممدوح عدوان(10) في كتابه «حيونة الإنسان» إن مجتمعات القمع القامعة والمقموعة تغرس في قلب كل فرد فيها ديكتاتوراً صغيراً. وبحسب المؤلف فإن كل فرد فيها مهما علا صراخه من الألم واشتد بكاؤه من الظلم فإنه سوف يمارس هذا القمع وربما ما هو أقسى منه وأشد فيما لو أمسك بالسوط في يده. إجمالاً، العنف هو ما يطبع علاقة الحاكم بالمحكوم والكبير بالصغير والغني بالفقير والقوي بالضعيف والزوج بالزوجة والأخ بالأخت. إن الموظف المقهور من مديره بالعمل سرعان ما سيتحول إلى قاهر بمجرد دخوله البيت والشرطي الصغير الذي يتلقى بخضوع إهانات رئيسه سرعان ما ستنبت له أنياب عندما يمسك برجل الشارع العادي و«الخضيري» الذي يشكو بمرارة استعلاء «القبيلي» وطبقيته سرعان ما سيسخر بشيء من التعالي والفوقية من بقية فئات قاع المجتمع المسحوقة والمهمّشة!
القمع والتسلط قابعان تحت طبقات الجلد واللحم وكامنان تحت طبقات التاريخ. لم يعرف القمع لأول مرة مع صعود جمال عبد الناصر وصدام حسين وحافظ الأسد وجعفر النميري وبقية المستبدين المعاصرين الأحياء منهم والأموات. الطغيان والتسلط متجذّران في الشخصية العربية منذ القدم واقرأ في سير زياد بن ابيه والحجاج بن يوسف وأبي العباس السفاح وغيرهم لعلك تقتنع. إن من يقلب صفحات الماضي بحيادية الباحث ويتجرد من الميول والأهواء سوف يدهش من كثرة الحروب التي قامت ومن كثرة الرؤوس التي تساقطت ومن غزارة الدماء التي سالت. إن من ينشد العدل في سيرة الأسلاف لن يجد غير نهر متدفق من الدم وليل طويل من الظلم. قامت ممالك قديمة على أنقاض ممالك أقدم رافعة شعارات براقة تبشر بفجر الحرية وبشمس العدالة فلما أمسكت بناصية الحكم سارت في الخلق بالسيف كما كان أسلافهم يصنعون. كان العباسيون يفرشون دروب الناس بالأحلام الملونة ويضيئون الغد بوعود العدل والقسطاس بعد أن حكمهم الأمويون بالظلم والجور فلما قامت دولتهم على أكتاف هؤلاء المخدوعين لحسوا وعودهم وانقلبوا عليهم ليذيقوهم من كؤوس المر والهوان. لقد تعددت الوجوه والأسماء والألوان والتواريخ والاستبداد والقمع واحد لا يتغير ولا يتبدل.
هل يهبط القامعون المستبدون من كوكب بعيد أم يخرجون من باطن الأرض أم تراهم يصنعون في دوائر الغرب السياسية؟ في الحقيقة إنهم يولدون من صلب المجتمع ويخرجون من أحشاء تلك الجماهير الهادرة. لو لم تكن أوطان العرب رحماً دافئاً لاحتضان أجنة الاستبداد ولرعاية القمع لما تفشى فيها العنف وساد فيها الظلم قرناً بعد قرن. إن تلك الجماهير التي تهتف باسم جلادها في النهار وتلعنه في السر سوف يخرج من أوساطها في الغد ديكتاتور آخر يحل مكان سلفه ليسومها سوء العذاب. المشكلة لا تكمن في هوية الحاكم المستبد ولا في ممارساته القمعية والوحشية وإنما في تلك الثقافة التي تنتج العنف وتطيل آماده. المواطن العربي يتمنى الخلاص من جلاده اليوم قبل الغد ولكنه يحمل في داخله إعجاباً مكتوماً بحاكمه المستبد. ألا تتكرر على مسامعك كلمات الترحم على أيام المشنوق صدام حسين – مثلاً – رغم سجله الإجرامي والدموي؟ هل يصح أن نقول إننا مجتمعات «مازوخية» استمرأت القهر والطغيان؟ أعتقد ذلك.
ولكن ماذا عن الثورات العربية اليوم؟ ألا تجد فيها تمرداً على عقود طويلة من الذل والخوف والكبت؟ ألا تلوح هذه الثورات بشعارات الحرية والخلاص من الطغيان؟ قد يبدو هذا صحيحاً نظرياً، ولكن عملياً لا أعتقد أن تلك الثورات ستفرز واقعاً جديداً وتحرر العربي المسحوق من قيود القهر وسجون الظلم. الخلاص الحقيقي من ميراث القمع يستلزم غرساً طويلاً لقيم الحرية والديموقراطية وتدريباً شاقاً على احترام حقوق الإنسان وتفكيكاً بطيئاً لبنى التخلف الصَّدئة. ما جرى كان أشبه بصدفة لم تكن منتظرة. ما جرى هو أن عربة «البوعزيزي» قد أكلتها النار فسقطت منها شرارة في خزان متراكم من القهر والألم لينفجر في تونس ومن ثم لتمتد ألسنة النار هنا وهناك. لا تبدو لي أن تلك الثورات التي تكمم أفواه من ينتقدون سلوكها ستعبر بشعوبها إلى ضفاف جديدة. ولو كانت تلك الثورات تهفو إلى عهد الحرية والقطيعة مع عهود الاستبداد الثقيلة لما صارت جسراً تعبر فوقه جماعات الإسلام السياسي المطبوعة باحتكارها للرأي الواحد ونبذها للديموقراطية حتى وإن تظاهرت بخلاف ذلك!
يقول ممدوح عدوان(10) في كتابه «حيونة الإنسان» إن مجتمعات القمع القامعة والمقموعة تغرس في قلب كل فرد فيها ديكتاتوراً صغيراً. وبحسب المؤلف فإن كل فرد فيها مهما علا صراخه من الألم واشتد بكاؤه من الظلم فإنه سوف يمارس هذا القمع وربما ما هو أقسى منه وأشد فيما لو أمسك بالسوط في يده. إجمالاً، العنف هو ما يطبع علاقة الحاكم بالمحكوم والكبير بالصغير والغني بالفقير والقوي بالضعيف والزوج بالزوجة والأخ بالأخت. إن الموظف المقهور من مديره بالعمل سرعان ما سيتحول إلى قاهر بمجرد دخوله البيت والشرطي الصغير الذي يتلقى بخضوع إهانات رئيسه سرعان ما ستنبت له أنياب عندما يمسك برجل الشارع العادي و«الخضيري» الذي يشكو بمرارة استعلاء «القبيلي» وطبقيته سرعان ما سيسخر بشيء من التعالي والفوقية من بقية فئات قاع المجتمع المسحوقة والمهمّشة!
القمع والتسلط قابعان تحت طبقات الجلد واللحم وكامنان تحت طبقات التاريخ. لم يعرف القمع لأول مرة مع صعود جمال عبد الناصر وصدام حسين وحافظ الأسد وجعفر النميري وبقية المستبدين المعاصرين الأحياء منهم والأموات. الطغيان والتسلط متجذّران في الشخصية العربية منذ القدم واقرأ في سير زياد بن ابيه والحجاج بن يوسف وأبي العباس السفاح وغيرهم لعلك تقتنع. إن من يقلب صفحات الماضي بحيادية الباحث ويتجرد من الميول والأهواء سوف يدهش من كثرة الحروب التي قامت ومن كثرة الرؤوس التي تساقطت ومن غزارة الدماء التي سالت. إن من ينشد العدل في سيرة الأسلاف لن يجد غير نهر متدفق من الدم وليل طويل من الظلم. قامت ممالك قديمة على أنقاض ممالك أقدم رافعة شعارات براقة تبشر بفجر الحرية وبشمس العدالة فلما أمسكت بناصية الحكم سارت في الخلق بالسيف كما كان أسلافهم يصنعون. كان العباسيون يفرشون دروب الناس بالأحلام الملونة ويضيئون الغد بوعود العدل والقسطاس بعد أن حكمهم الأمويون بالظلم والجور فلما قامت دولتهم على أكتاف هؤلاء المخدوعين لحسوا وعودهم وانقلبوا عليهم ليذيقوهم من كؤوس المر والهوان. لقد تعددت الوجوه والأسماء والألوان والتواريخ والاستبداد والقمع واحد لا يتغير ولا يتبدل.
هل يهبط القامعون المستبدون من كوكب بعيد أم يخرجون من باطن الأرض أم تراهم يصنعون في دوائر الغرب السياسية؟ في الحقيقة إنهم يولدون من صلب المجتمع ويخرجون من أحشاء تلك الجماهير الهادرة. لو لم تكن أوطان العرب رحماً دافئاً لاحتضان أجنة الاستبداد ولرعاية القمع لما تفشى فيها العنف وساد فيها الظلم قرناً بعد قرن. إن تلك الجماهير التي تهتف باسم جلادها في النهار وتلعنه في السر سوف يخرج من أوساطها في الغد ديكتاتور آخر يحل مكان سلفه ليسومها سوء العذاب. المشكلة لا تكمن في هوية الحاكم المستبد ولا في ممارساته القمعية والوحشية وإنما في تلك الثقافة التي تنتج العنف وتطيل آماده. المواطن العربي يتمنى الخلاص من جلاده اليوم قبل الغد ولكنه يحمل في داخله إعجاباً مكتوماً بحاكمه المستبد. ألا تتكرر على مسامعك كلمات الترحم على أيام المشنوق صدام حسين – مثلاً – رغم سجله الإجرامي والدموي؟ هل يصح أن نقول إننا مجتمعات «مازوخية» استمرأت القهر والطغيان؟ أعتقد ذلك.
ولكن ماذا عن الثورات العربية اليوم؟ ألا تجد فيها تمرداً على عقود طويلة من الذل والخوف والكبت؟ ألا تلوح هذه الثورات بشعارات الحرية والخلاص من الطغيان؟ قد يبدو هذا صحيحاً نظرياً، ولكن عملياً لا أعتقد أن تلك الثورات ستفرز واقعاً جديداً وتحرر العربي المسحوق من قيود القهر وسجون الظلم. الخلاص الحقيقي من ميراث القمع يستلزم غرساً طويلاً لقيم الحرية والديموقراطية وتدريباً شاقاً على احترام حقوق الإنسان وتفكيكاً بطيئاً لبنى التخلف الصَّدئة. ما جرى كان أشبه بصدفة لم تكن منتظرة. ما جرى هو أن عربة «البوعزيزي» قد أكلتها النار فسقطت منها شرارة في خزان متراكم من القهر والألم لينفجر في تونس ومن ثم لتمتد ألسنة النار هنا وهناك. لا تبدو لي أن تلك الثورات التي تكمم أفواه من ينتقدون سلوكها ستعبر بشعوبها إلى ضفاف جديدة. ولو كانت تلك الثورات تهفو إلى عهد الحرية والقطيعة مع عهود الاستبداد الثقيلة لما صارت جسراً تعبر فوقه جماعات الإسلام السياسي المطبوعة باحتكارها للرأي الواحد ونبذها للديموقراطية حتى وإن تظاهرت بخلاف ذلك!
Page 5
أيها الإخوان.. لقد آن موعد الامتحان
لم يشكل اكتساح الإسلام السياسي لصناديق الاقتراع في المغرب وتونس ومصر والكويت أدنى مفاجأة لي بل إن المفاجأة هي ألا تفوز بها. ولو أن انتخابات مماثلة دارت في بقية الأقطار العربية لطار بها الإسلاميون دون شك. ولعلي لا أغالي في القول لو أن المقتول بن لادن كان حياً، وخاض غمار الانتخابات «الكافرة» التي لا يجدها في كتاب الله وسنة نبيه لقطف زهور الربيع العربي في سلته ولحملته الجماهير عالياً إلى سدة الحكم! فاز الإسلاميون بأصوات الجماهير لأربعة أسباب على الأقل. أولها أن حكومات ما بعد الاستعمار قد فشلت في بناء دولة الرفاه والعدل الاجتماعي وحولت الأوطان إلى سجون بلا قضبان وحكمت العباد بالقمع والاستبداد وصبت ثروات البلاد في جيب الحاكم وعشيرته الأقربين وطبقة المنتفعين. ثانيها أن جماعات الإسلام السياسي تمكنت خلال عقود طويلة من اختراق طبقات المجتمع التحتية ومن ملء الفجوة ما بين الطبقة التحتية والطبقة الحاكمة وذلك من خلال استثمار مداخيلها المالية في تقديم خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية مجانية بغرض تعزيز مكانة الجماعة لدى هذه الفئات المهمشة والمتزايدة باضطراد. وثالثها أن الشعارات الفضفاضة لهذه الجماعات تتماس مع المكبوتات التاريخية الدفينة في صدور الناس وتناغي فيهم أحلام السيادة القديمة والفتوحات العظيمة. ورابعها أن قيادات تلك الجماعات دوماً ما توظف «سدانتها» للدين واحتلالها للجامع وخلطها المتعمد ما بين دور «الكاهن» و«السياسي» في تخويف العوام من غضب الله فيما لو منحوا أصواتهم للأحزاب التي تقف على يسارها من علمانية وليبرالية.
بعد انتصارات الإسلاميين المدوية سيكون شعارهم الأثير «الإسلام هو الحل» على المحك. سنرى كيف سيترجم حواة الدين وهواة السياسة هذا الشعار البراق إلى واقع معاش. سنرى كيف سيتعامل الإسلاميون مع الملفات الشائكة والأمراض المتراكمة التي ورثوها من حكومات الاستبداد الزائلة. الأيام المقبلة سوف تظهر بجلاء كيف سيتعامل الإسلاميون مع ظاهرة الفقر المتزايدة ومشكلة البطالة المتنامية. سنرى كيف سيخرج الإسلاميون من أكمام هذا الشعار دواءً لأمراض القطاعات الصحية ومطهراً لفيروسات الفساد المتفشية ومخرجاً لعقم المناهج التعليمية. من المؤكد أن جماعات الإسلام السياسي تعي في قرارة نفسها أنها لا تستطيع أن تمنح من بئر التجربة التاريخية ما يكفي من حلول سحرية لمعالجة المشاكل العالقة والأمراض المزمنة. التاريخ الممتد عبر قرون مديدة لا يوفر لنا نماذج يمكن الاتكاء عليها في تبرير ادعاءات تلك الجماعات. لا شك أن الإسلام غني بقيم نبيلة وبمفاهيم عظيمة ولكنها لم تحول تاريخياً إلى ممارسات حقيقية إلا في حالات استثنائية لا يمكن الاحتكام إليها والتعويل عليها. من يقرأ التاريخ عارياً دون أن نلبسه ثياب العاطفة ويراه حقيقياً دون أن نصبغه بمساحيق التجميل سيجده ممهوراً بالدم ومفعماً بالحروب والفتن ومخلوطاً بالظلم والتسلط والاستبداد ومسكوناً بالفقر والجوع والجهل.
لقد وظفت جماعات التأسلم شعار «الإسلام هو الحل» لتسويق نفسها ولكنها سوف تفتش عن حلول معاصرة عندما تجد أنها محاصرة بإشكالات الواقع وتعقيداته. فعلى سبيل المثال لا أتصور أن يستبد الجنون بالإخوان في مصر فيغلقون أبواب السياحة في وجوه «الكفار» القادمين من قارات العالم أو أن يقوم السلفيون بنسف الأهرامات وبتحطيم «الأصنام» الفرعونية في المتاحف كما سبقهم مهابيل طالبان أو بفرض «الجزية» على الأقباط الذميين أو بتخيير البهائيين ما بين الإسلام أو السيف.
لا اعتقد أن ثمة تغييراً جوهرياً سيطرأ على أداء السياسات الخارجية للدول التي تصدّر الإسلاميون فيها المشهد السياسي. فجماعة الإخوان على سبيل المثال لن تقدم على الانتحار السياسي بتمزيق اتفاقية كامب ديفيد وإعلان الجهاد المقدس على اسرائيل وإلا فإنها سوف تمحى من الوجود. في اعتقادي أن جماعة الإخوان ومثيلاتها سوف تلتزم بقواعد اللعبة الدولية ولن تفرط بمكتسباتها السياسية بتوريط نفسها في حماقات عسكرية ضد أمريكا واسرائيل. لن تحدث هذه الجماعات انقلاباً هائلاً في المعادلات السياسية الخارجية ولكنها ستصرف أكثر جهوداتها إلى الداخل وستعمل بوتيرة متسارعة على أسلمة المجتمع وستقضم هامش الحريات المحدود أصلاً. إن أبرز الضحايا المرشحين لصعود الإسلام السياسي ليس اسرائيل بل هم ثلاثة: الحرية الفكرية والفنية والأقليات الدينية والمرأة. والخوف كل الخوف أن يدوم هذا الليل فالمتأسلمون ربما يعمدون إلى حرق جسور الديموقراطية التي ساروا فوقها لأنهم سيتذكرون أنها كانت كفراً!
لم يشكل اكتساح الإسلام السياسي لصناديق الاقتراع في المغرب وتونس ومصر والكويت أدنى مفاجأة لي بل إن المفاجأة هي ألا تفوز بها. ولو أن انتخابات مماثلة دارت في بقية الأقطار العربية لطار بها الإسلاميون دون شك. ولعلي لا أغالي في القول لو أن المقتول بن لادن كان حياً، وخاض غمار الانتخابات «الكافرة» التي لا يجدها في كتاب الله وسنة نبيه لقطف زهور الربيع العربي في سلته ولحملته الجماهير عالياً إلى سدة الحكم! فاز الإسلاميون بأصوات الجماهير لأربعة أسباب على الأقل. أولها أن حكومات ما بعد الاستعمار قد فشلت في بناء دولة الرفاه والعدل الاجتماعي وحولت الأوطان إلى سجون بلا قضبان وحكمت العباد بالقمع والاستبداد وصبت ثروات البلاد في جيب الحاكم وعشيرته الأقربين وطبقة المنتفعين. ثانيها أن جماعات الإسلام السياسي تمكنت خلال عقود طويلة من اختراق طبقات المجتمع التحتية ومن ملء الفجوة ما بين الطبقة التحتية والطبقة الحاكمة وذلك من خلال استثمار مداخيلها المالية في تقديم خدمات اجتماعية وصحية وتعليمية مجانية بغرض تعزيز مكانة الجماعة لدى هذه الفئات المهمشة والمتزايدة باضطراد. وثالثها أن الشعارات الفضفاضة لهذه الجماعات تتماس مع المكبوتات التاريخية الدفينة في صدور الناس وتناغي فيهم أحلام السيادة القديمة والفتوحات العظيمة. ورابعها أن قيادات تلك الجماعات دوماً ما توظف «سدانتها» للدين واحتلالها للجامع وخلطها المتعمد ما بين دور «الكاهن» و«السياسي» في تخويف العوام من غضب الله فيما لو منحوا أصواتهم للأحزاب التي تقف على يسارها من علمانية وليبرالية.
بعد انتصارات الإسلاميين المدوية سيكون شعارهم الأثير «الإسلام هو الحل» على المحك. سنرى كيف سيترجم حواة الدين وهواة السياسة هذا الشعار البراق إلى واقع معاش. سنرى كيف سيتعامل الإسلاميون مع الملفات الشائكة والأمراض المتراكمة التي ورثوها من حكومات الاستبداد الزائلة. الأيام المقبلة سوف تظهر بجلاء كيف سيتعامل الإسلاميون مع ظاهرة الفقر المتزايدة ومشكلة البطالة المتنامية. سنرى كيف سيخرج الإسلاميون من أكمام هذا الشعار دواءً لأمراض القطاعات الصحية ومطهراً لفيروسات الفساد المتفشية ومخرجاً لعقم المناهج التعليمية. من المؤكد أن جماعات الإسلام السياسي تعي في قرارة نفسها أنها لا تستطيع أن تمنح من بئر التجربة التاريخية ما يكفي من حلول سحرية لمعالجة المشاكل العالقة والأمراض المزمنة. التاريخ الممتد عبر قرون مديدة لا يوفر لنا نماذج يمكن الاتكاء عليها في تبرير ادعاءات تلك الجماعات. لا شك أن الإسلام غني بقيم نبيلة وبمفاهيم عظيمة ولكنها لم تحول تاريخياً إلى ممارسات حقيقية إلا في حالات استثنائية لا يمكن الاحتكام إليها والتعويل عليها. من يقرأ التاريخ عارياً دون أن نلبسه ثياب العاطفة ويراه حقيقياً دون أن نصبغه بمساحيق التجميل سيجده ممهوراً بالدم ومفعماً بالحروب والفتن ومخلوطاً بالظلم والتسلط والاستبداد ومسكوناً بالفقر والجوع والجهل.
لقد وظفت جماعات التأسلم شعار «الإسلام هو الحل» لتسويق نفسها ولكنها سوف تفتش عن حلول معاصرة عندما تجد أنها محاصرة بإشكالات الواقع وتعقيداته. فعلى سبيل المثال لا أتصور أن يستبد الجنون بالإخوان في مصر فيغلقون أبواب السياحة في وجوه «الكفار» القادمين من قارات العالم أو أن يقوم السلفيون بنسف الأهرامات وبتحطيم «الأصنام» الفرعونية في المتاحف كما سبقهم مهابيل طالبان أو بفرض «الجزية» على الأقباط الذميين أو بتخيير البهائيين ما بين الإسلام أو السيف.
لا اعتقد أن ثمة تغييراً جوهرياً سيطرأ على أداء السياسات الخارجية للدول التي تصدّر الإسلاميون فيها المشهد السياسي. فجماعة الإخوان على سبيل المثال لن تقدم على الانتحار السياسي بتمزيق اتفاقية كامب ديفيد وإعلان الجهاد المقدس على اسرائيل وإلا فإنها سوف تمحى من الوجود. في اعتقادي أن جماعة الإخوان ومثيلاتها سوف تلتزم بقواعد اللعبة الدولية ولن تفرط بمكتسباتها السياسية بتوريط نفسها في حماقات عسكرية ضد أمريكا واسرائيل. لن تحدث هذه الجماعات انقلاباً هائلاً في المعادلات السياسية الخارجية ولكنها ستصرف أكثر جهوداتها إلى الداخل وستعمل بوتيرة متسارعة على أسلمة المجتمع وستقضم هامش الحريات المحدود أصلاً. إن أبرز الضحايا المرشحين لصعود الإسلام السياسي ليس اسرائيل بل هم ثلاثة: الحرية الفكرية والفنية والأقليات الدينية والمرأة. والخوف كل الخوف أن يدوم هذا الليل فالمتأسلمون ربما يعمدون إلى حرق جسور الديموقراطية التي ساروا فوقها لأنهم سيتذكرون أنها كانت كفراً!
Page 6
أقنعة الإخوان
قبل تفجر الانتفاضات العربية سئل عصام العريان أحد قياديي جماعة الإخوان المصرية: هل سيقبل الإخوان بالتعددية الحزبية فيما لو تولى «الإخوان» الحكم في مصر؟ فردَّ: بالطبع سنقبل! وفي سياق متصل لخّص العريان الإتجاهات المعاصرة لجماعته بالقول: «الاتفاق على التعددية السياسية والموقف من المرأة أمور فيها اجتهادات جديدة من جانب الإخوان تتماشى مع المستجدات التي تعيشها الأمة الإسلامية الآن». وبالمثل يرفع محمد السيد حبيب أحد رجالات الإخوان البارزين الشعار التالي: «تبني الدعوة لإنهاء الخصومة بين الحكومات والشعوب من خلال الإصلاح السياسي وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني». تلك مقتطفات اقتبستها من مقالة بعنوان «هل ستستعيد مصر الخلافة الإسلامية؟» للمفكر شاكر النابلسي(11) في كتابه «الإسلام وجراب الحاوي: لماذا حولنا الإسلام إلى حجاب وإرهاب؟».
من كان يصدق أن تخرج مثل تلك الأقوال المنكهة بمذاقات ليبرالية – والعياذ بالله – من أفواه عناصر إخوانية؟ من كان يصدق أن ينقلب التلامذة الصغار على إرث وفكر أساطينهم وشيوخهم الكبار من أمثال حسن البنا والقطبين سيد ومحمد بدلاً من الانقلاب على الحكومات «الجاهلية» المعاصرة؟ هل تغير الإخوان من الداخل حقاً؟ هل تخلى الإخوان عن خرافاتهم وأفكارهم المستحيلة؟ الأيام المقبلة ستبرهن لنا ما إذا كان الإخوان صادقين أم كاذبين. في اعتقادي الخاص الإخوان مضطرون إلى الباس خطابهم قميصاً مفتوح الأزرار وبنطال جينز «ديرتي» بدلاً من الجلباب الأبيض الفضفاض لكي يبدو خطابهم عصرياً وجذاباً. الإخوان بحاجة إلى تملق الغرب وإلى بث إشارات تطمينية للأحزاب الأخرى بأنهم ليسوا كجماعة طالبان وليسوا كملالي طهران. إنهم – وياللعجب – منفتحون على الغرب وثقافته ومؤمنون بحرية العمل الحزبي وبحقوق المرأة.
لا يمل الإخوان ولا بقية جماعات الإسلام السياسي من التغزل بالنموذج التركي الأردغوني. هل ينوي الإخوان حقاً استنبات التجربة التركية على ضفاف النيل؟ لا يمكن للإخوان ولا لغيرهم استيراد النموذج التركي دون استعارة أطره العلمانية ومكوناته الديموقراطية. أتود رؤية وجه الإخوان الحقيقي بلا قناع؟ قبل شهور قليلة استقبل المصريون وأكثرهم من جماعة الإخوان الرئيس التركي أردوغان استقبال الأبطال. في لحظات عفوية وصادقة ساح «المكياج» الليبرالي من شدة الوجد وحرارة الشوق بلقاء «الخليفة التركي». تخلى أنصار الجماعة عند لقائهم بالسلطان العثماني «أردوغان الأول» عن وقارهم الخطابي وعن أحلام «الدولة المدنية» التي كان يبشر بها العريان وإخوانه في النضال الدستوري. رفع شباب الإخوان لافتة كبرى تقول: «مصر وتركيا عاوزنها خلافة إسلامية». حسبوا أن أردوغان هو السلطان سليم الأول قد بعث اليوم من قبره. أصيب الإخوان بلطمة عندما نصحهم أردوغان بتبني العلمانية طريقاً لمصر وبضرورة وقوف الدولة على مسافة متساوية من الأديان والمذاهب وبأهمية احترام حرية الفكر والضمير. أهذا أردوغان التركي أم ساركوزي الفرنسي؟ نزلت كلمات أردوغان كالماء على جمرة الشوق المشتعلة في صدور الإخوان لأيام الباب العالي وعصور الاستبداد التي عفا الزمن عليها(12).
من المتعذر ابتلاع وعود الإخوان دون أن ترتشف أكواباً من الماء. تاريخهم العريض وباعهم الطويل يجعلك تشكك فيما يقولون ألف مرة ومرة. عندما تقرأ كتاباتهم وتسمع أقوالهم تشعر وكأنك تلاحق زئبقاً بلا طائل. لا تقدر أن ترصد لهم موقفاً واحداً حول قضايا شتى مثل الأقليات الدينية وحقوق المرأة والتعددية السياسية وحقوق الإنسان والعلاقات مع الغرب والحريات الفكرية. ذات مرة صرّح مرشدهم «محمد أبو النصر» قائلاً: «الإخوان يرحبون بوجود شيوعي»، ولكن خلفه «مصطفى مشهور» أصر على صد الأبواب في وجوه العلمانيين والشيوعيين لتأمين سلامة المجتمع من العلمانية الضالة والشيوعية المضلة(13). وفي منتصف القرن الماضي حلف البنا أيماناً غليظةً بأن أعمال التفجير والتقتيل لم تقترفها جماعته فقال: «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين». واصلت الجماعة إنكارها لأي صلة لها بجرائم القتل رغم تراكم مئات الاعترافات من الكوادر الإخوانية والتي قيل إنها انتزعت منهم عنوة. وبعد انقضاء عشرات السنين سطّرت زعامات إخوانية في مذكراتهم جرائم جماعتهم في تباه وتفاخر(14) .
صفوة القول: الإخوان متقلبون.. ومتلونون.. ومتموجون... وحربائيون. سيشرب الإخوان في الغد وعودهم الوردية وسيقرمشون شعاراتهم العصرية إذ ليس من السهل على حزب أيديولوجي حتى العظم أن ينسلخ من جلده ويتنازل عن قناعته وفكره. أكثر ما أخشاه أن يكون المصريون كمثل الذي يستجير بالنار من الرمضاء!
قبل تفجر الانتفاضات العربية سئل عصام العريان أحد قياديي جماعة الإخوان المصرية: هل سيقبل الإخوان بالتعددية الحزبية فيما لو تولى «الإخوان» الحكم في مصر؟ فردَّ: بالطبع سنقبل! وفي سياق متصل لخّص العريان الإتجاهات المعاصرة لجماعته بالقول: «الاتفاق على التعددية السياسية والموقف من المرأة أمور فيها اجتهادات جديدة من جانب الإخوان تتماشى مع المستجدات التي تعيشها الأمة الإسلامية الآن». وبالمثل يرفع محمد السيد حبيب أحد رجالات الإخوان البارزين الشعار التالي: «تبني الدعوة لإنهاء الخصومة بين الحكومات والشعوب من خلال الإصلاح السياسي وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني». تلك مقتطفات اقتبستها من مقالة بعنوان «هل ستستعيد مصر الخلافة الإسلامية؟» للمفكر شاكر النابلسي(11) في كتابه «الإسلام وجراب الحاوي: لماذا حولنا الإسلام إلى حجاب وإرهاب؟».
من كان يصدق أن تخرج مثل تلك الأقوال المنكهة بمذاقات ليبرالية – والعياذ بالله – من أفواه عناصر إخوانية؟ من كان يصدق أن ينقلب التلامذة الصغار على إرث وفكر أساطينهم وشيوخهم الكبار من أمثال حسن البنا والقطبين سيد ومحمد بدلاً من الانقلاب على الحكومات «الجاهلية» المعاصرة؟ هل تغير الإخوان من الداخل حقاً؟ هل تخلى الإخوان عن خرافاتهم وأفكارهم المستحيلة؟ الأيام المقبلة ستبرهن لنا ما إذا كان الإخوان صادقين أم كاذبين. في اعتقادي الخاص الإخوان مضطرون إلى الباس خطابهم قميصاً مفتوح الأزرار وبنطال جينز «ديرتي» بدلاً من الجلباب الأبيض الفضفاض لكي يبدو خطابهم عصرياً وجذاباً. الإخوان بحاجة إلى تملق الغرب وإلى بث إشارات تطمينية للأحزاب الأخرى بأنهم ليسوا كجماعة طالبان وليسوا كملالي طهران. إنهم – وياللعجب – منفتحون على الغرب وثقافته ومؤمنون بحرية العمل الحزبي وبحقوق المرأة.
لا يمل الإخوان ولا بقية جماعات الإسلام السياسي من التغزل بالنموذج التركي الأردغوني. هل ينوي الإخوان حقاً استنبات التجربة التركية على ضفاف النيل؟ لا يمكن للإخوان ولا لغيرهم استيراد النموذج التركي دون استعارة أطره العلمانية ومكوناته الديموقراطية. أتود رؤية وجه الإخوان الحقيقي بلا قناع؟ قبل شهور قليلة استقبل المصريون وأكثرهم من جماعة الإخوان الرئيس التركي أردوغان استقبال الأبطال. في لحظات عفوية وصادقة ساح «المكياج» الليبرالي من شدة الوجد وحرارة الشوق بلقاء «الخليفة التركي». تخلى أنصار الجماعة عند لقائهم بالسلطان العثماني «أردوغان الأول» عن وقارهم الخطابي وعن أحلام «الدولة المدنية» التي كان يبشر بها العريان وإخوانه في النضال الدستوري. رفع شباب الإخوان لافتة كبرى تقول: «مصر وتركيا عاوزنها خلافة إسلامية». حسبوا أن أردوغان هو السلطان سليم الأول قد بعث اليوم من قبره. أصيب الإخوان بلطمة عندما نصحهم أردوغان بتبني العلمانية طريقاً لمصر وبضرورة وقوف الدولة على مسافة متساوية من الأديان والمذاهب وبأهمية احترام حرية الفكر والضمير. أهذا أردوغان التركي أم ساركوزي الفرنسي؟ نزلت كلمات أردوغان كالماء على جمرة الشوق المشتعلة في صدور الإخوان لأيام الباب العالي وعصور الاستبداد التي عفا الزمن عليها(12).
من المتعذر ابتلاع وعود الإخوان دون أن ترتشف أكواباً من الماء. تاريخهم العريض وباعهم الطويل يجعلك تشكك فيما يقولون ألف مرة ومرة. عندما تقرأ كتاباتهم وتسمع أقوالهم تشعر وكأنك تلاحق زئبقاً بلا طائل. لا تقدر أن ترصد لهم موقفاً واحداً حول قضايا شتى مثل الأقليات الدينية وحقوق المرأة والتعددية السياسية وحقوق الإنسان والعلاقات مع الغرب والحريات الفكرية. ذات مرة صرّح مرشدهم «محمد أبو النصر» قائلاً: «الإخوان يرحبون بوجود شيوعي»، ولكن خلفه «مصطفى مشهور» أصر على صد الأبواب في وجوه العلمانيين والشيوعيين لتأمين سلامة المجتمع من العلمانية الضالة والشيوعية المضلة(13). وفي منتصف القرن الماضي حلف البنا أيماناً غليظةً بأن أعمال التفجير والتقتيل لم تقترفها جماعته فقال: «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين». واصلت الجماعة إنكارها لأي صلة لها بجرائم القتل رغم تراكم مئات الاعترافات من الكوادر الإخوانية والتي قيل إنها انتزعت منهم عنوة. وبعد انقضاء عشرات السنين سطّرت زعامات إخوانية في مذكراتهم جرائم جماعتهم في تباه وتفاخر(14) .
صفوة القول: الإخوان متقلبون.. ومتلونون.. ومتموجون... وحربائيون. سيشرب الإخوان في الغد وعودهم الوردية وسيقرمشون شعاراتهم العصرية إذ ليس من السهل على حزب أيديولوجي حتى العظم أن ينسلخ من جلده ويتنازل عن قناعته وفكره. أكثر ما أخشاه أن يكون المصريون كمثل الذي يستجير بالنار من الرمضاء!
Page 7
فزاعة!.. من قال فزاعة؟
أكدت تداعيات الزلزال الذي ضرب بعنف كلاً من تونس ومصر وليبيا تهافت نظرية «الفزاعة» وخطلها. لم يعد من المقبول ولا من المعقول أن يقال وجماعات التأسلم تخطف الأنظار وتقطف الأصوات إنهم فزاعة. قبل وأثناء انفجار الانتفاضات العربية كان عدد من الكتّاب والمتابعين يتهمون النظم الديكتاتورية باختلاق أكذوبة الفزاعة الإسلاموية والمتربصة بكراسي الحكم بهدف ضمان تأييد الغرب في الخارج ومن أجل تخويف الأطياف العلمانية والليبرالية في الداخل. لا أفهم لماذا كان هؤلاء الكتّاب يصرون على وصف تلك الجماعات المتحرّقة للإمساك بأزمة السلطة بأنها ليست سوى فزاعة وحديث خرافة! هناك تفسيران على الأقل لرواج مثل تلك القناعات بين أوساط المتابعين والكتّاب. أولهما أن النظم القمعية والمستبدة ظلت تمارس الدجل السياسي والكذب المكشوف ردحاً من الزمن لدرجة أن لا أحد صار يصدقها. وثانيهما أن هناك جهلاً فاضحاً وقصوراً واضحاً بأدبيات التيارات الإسلاموية ومساعيها الحثيثة وطموحاتها التليدة بالجلوس على عروش السلطة.
قلت ذات مرة وقبل إجراء الانتخابات البرلمانية في تونس ومصر والمغرب وفي مقالة بعنوان «ثورات العرب: بين امتحان الحريات ومواصلة الاستبداد»، إنّ التيارات الإسلاموية هي من ستمضي فوق جسر الثورة لنيل صولجان الحكم وتاجه وهذا ما تحقق بالفعل. فاز الإسلاميون رغم أنهم لم يقفزوا إلى داخل عربة الثورة إلا متأخراً، أقول: فاز الإسلاميون لأنهم الأشد تنظيماً والأعظم دهاءً والأكثر قرباً إلى وجدان المواطن البسيط وعقله. نال الإسلاميون أغلبية الأصوات رغم احتقارهم للديموقراطية وكراهيتهم للتعددية الحزبية وميولهم العنفية وضبابية برامجهم الانتخابية. لماذا؟ في تلك المقالة المذكورة قلت إن روح العبودية المشرّشة في عروق تاريخنا هي من تعيد إنتاج الاستبداد. قلت إن نماذج التسلط المعاصرة ما هي إلا طبعات فاخرة لنماذج سادية قديمة لطخت أوراق التاريخ بلون أحمر. لقد انطوت الأيام وتبدلت الوجوه وتغيرت الأسماء لكن الأفكار والسلوكيات والسياسات والعلاقات لاتزال على حالها، لم تتحول ولم تتبدل.
ولكن هل يكفي أن نحيل اكتساحات الإسلاميين لصناديق الانتخابات إلى الإرث الاستبدادي المتجذر في أعماق الشخصية العربية فحسب؟ بالطبع لا. النظم السياسية الديكتاتورية والتوليتارية تتحمل بدورها جزءاً لا يستهان به في تنامي الظاهرة الأصولية. هناك خطأ شائع تتداوله العامة والخاصة وهو أن تلك النظم القمعية والزعامات الاستبدادية أمثال القذافي وصالح ومبارك كانت علمانية الهوية وليبرالية الهوى. الليبرالية والاستبداد ضدان لا يمكن لهما أن يلتقيا. صحيح أن النظم الاستبدادية قد طاردت ونكلت بجماعات الإسلام السياسي ولكنها في الوقت ذاته لم تستثن التيارات العلمانية والليبرالية من بطشها وطغيانها. النظم الاستبدادية رغم قشرتها العلمانية الباهتة كانت تزاحم جماعات الإسلام السياسي على استمالة الشارع في تظاهرها بالتدين وفي مبالغتها باحترام الطقوس الدينية. أدت سياسات النظم السياسية المزايدة على جماعات التأسلم إلى إشاعة أجواء الدروشة الدينية وإلى تعطيل حركة التغريب والتحديث وإلى محاربة التوجهات العقلانية. عندما ارتقى الرئيس السادات سدة الحكم سارع إلى تقريب التيار الإسلاموي بهدف الإجهاز على مناوئيه من الشيوعيين والناصريين فبادر إلى إخراج الإخوان من السجون وإلى إطلاق أيديهم في البلاد. ففي عهده وصل بث البرامج الدينية عام 1977 إلى 33 ساعة أسبوعياً، وتضاعف عدد المساجد الحكومية والأهلية وانتشر الحجاب بين النساء والجلاليب البيضاء بين الرجال وقذفت المطابع بالآلاف المؤلفة من الكتب الدينية والتراثية التي غطت واجهات المكتبات وأرصفة الشوارع(15) .
ماذا بعد؟ لا يكفي اقتلاع الكابوس الجاثم على صدر الوطن حتى تشرق شمس العدل وتهب نسائم الحرية. ما أكثر ثورات العرب والمسلمين التي أطاحت بدول وجاءت بدول ولكن لا الظلم باد ولا العدل ساد. لا قيمة ولا معنى لثورة تستبدل الاستبداد باستبداد والجلاد بجلاد. الثورة على الطاغية تستلزم سلفاً الثورة على الأفكار القائمة والمفاهيم السائدة. لايزال الفكر الأسطوري والجمود العقلي يهيمنان على الساحة منذ إخماد شعلة «جماعة المعتزلة» وتنامي فكر أبي حامد الغزالي النصي والممالئ للسلطة. لايزال العقل العربي يبرر الخنوع وينفر من التفاصيل ويجتر الماضي ويهاب التجديد. لن تكون هناك ثورة حقيقية ما لم يتم تثوير العقل وتحريره من أغلاله. ولن تفلح ثورات العرب ما لم تسمو الحرية الفردية وتنمو الحركة الفكرية. هل نفعل؟ لا أظن ولكن لا أملك إلا أن أتمنى.
أكدت تداعيات الزلزال الذي ضرب بعنف كلاً من تونس ومصر وليبيا تهافت نظرية «الفزاعة» وخطلها. لم يعد من المقبول ولا من المعقول أن يقال وجماعات التأسلم تخطف الأنظار وتقطف الأصوات إنهم فزاعة. قبل وأثناء انفجار الانتفاضات العربية كان عدد من الكتّاب والمتابعين يتهمون النظم الديكتاتورية باختلاق أكذوبة الفزاعة الإسلاموية والمتربصة بكراسي الحكم بهدف ضمان تأييد الغرب في الخارج ومن أجل تخويف الأطياف العلمانية والليبرالية في الداخل. لا أفهم لماذا كان هؤلاء الكتّاب يصرون على وصف تلك الجماعات المتحرّقة للإمساك بأزمة السلطة بأنها ليست سوى فزاعة وحديث خرافة! هناك تفسيران على الأقل لرواج مثل تلك القناعات بين أوساط المتابعين والكتّاب. أولهما أن النظم القمعية والمستبدة ظلت تمارس الدجل السياسي والكذب المكشوف ردحاً من الزمن لدرجة أن لا أحد صار يصدقها. وثانيهما أن هناك جهلاً فاضحاً وقصوراً واضحاً بأدبيات التيارات الإسلاموية ومساعيها الحثيثة وطموحاتها التليدة بالجلوس على عروش السلطة.
قلت ذات مرة وقبل إجراء الانتخابات البرلمانية في تونس ومصر والمغرب وفي مقالة بعنوان «ثورات العرب: بين امتحان الحريات ومواصلة الاستبداد»، إنّ التيارات الإسلاموية هي من ستمضي فوق جسر الثورة لنيل صولجان الحكم وتاجه وهذا ما تحقق بالفعل. فاز الإسلاميون رغم أنهم لم يقفزوا إلى داخل عربة الثورة إلا متأخراً، أقول: فاز الإسلاميون لأنهم الأشد تنظيماً والأعظم دهاءً والأكثر قرباً إلى وجدان المواطن البسيط وعقله. نال الإسلاميون أغلبية الأصوات رغم احتقارهم للديموقراطية وكراهيتهم للتعددية الحزبية وميولهم العنفية وضبابية برامجهم الانتخابية. لماذا؟ في تلك المقالة المذكورة قلت إن روح العبودية المشرّشة في عروق تاريخنا هي من تعيد إنتاج الاستبداد. قلت إن نماذج التسلط المعاصرة ما هي إلا طبعات فاخرة لنماذج سادية قديمة لطخت أوراق التاريخ بلون أحمر. لقد انطوت الأيام وتبدلت الوجوه وتغيرت الأسماء لكن الأفكار والسلوكيات والسياسات والعلاقات لاتزال على حالها، لم تتحول ولم تتبدل.
ولكن هل يكفي أن نحيل اكتساحات الإسلاميين لصناديق الانتخابات إلى الإرث الاستبدادي المتجذر في أعماق الشخصية العربية فحسب؟ بالطبع لا. النظم السياسية الديكتاتورية والتوليتارية تتحمل بدورها جزءاً لا يستهان به في تنامي الظاهرة الأصولية. هناك خطأ شائع تتداوله العامة والخاصة وهو أن تلك النظم القمعية والزعامات الاستبدادية أمثال القذافي وصالح ومبارك كانت علمانية الهوية وليبرالية الهوى. الليبرالية والاستبداد ضدان لا يمكن لهما أن يلتقيا. صحيح أن النظم الاستبدادية قد طاردت ونكلت بجماعات الإسلام السياسي ولكنها في الوقت ذاته لم تستثن التيارات العلمانية والليبرالية من بطشها وطغيانها. النظم الاستبدادية رغم قشرتها العلمانية الباهتة كانت تزاحم جماعات الإسلام السياسي على استمالة الشارع في تظاهرها بالتدين وفي مبالغتها باحترام الطقوس الدينية. أدت سياسات النظم السياسية المزايدة على جماعات التأسلم إلى إشاعة أجواء الدروشة الدينية وإلى تعطيل حركة التغريب والتحديث وإلى محاربة التوجهات العقلانية. عندما ارتقى الرئيس السادات سدة الحكم سارع إلى تقريب التيار الإسلاموي بهدف الإجهاز على مناوئيه من الشيوعيين والناصريين فبادر إلى إخراج الإخوان من السجون وإلى إطلاق أيديهم في البلاد. ففي عهده وصل بث البرامج الدينية عام 1977 إلى 33 ساعة أسبوعياً، وتضاعف عدد المساجد الحكومية والأهلية وانتشر الحجاب بين النساء والجلاليب البيضاء بين الرجال وقذفت المطابع بالآلاف المؤلفة من الكتب الدينية والتراثية التي غطت واجهات المكتبات وأرصفة الشوارع(15) .
ماذا بعد؟ لا يكفي اقتلاع الكابوس الجاثم على صدر الوطن حتى تشرق شمس العدل وتهب نسائم الحرية. ما أكثر ثورات العرب والمسلمين التي أطاحت بدول وجاءت بدول ولكن لا الظلم باد ولا العدل ساد. لا قيمة ولا معنى لثورة تستبدل الاستبداد باستبداد والجلاد بجلاد. الثورة على الطاغية تستلزم سلفاً الثورة على الأفكار القائمة والمفاهيم السائدة. لايزال الفكر الأسطوري والجمود العقلي يهيمنان على الساحة منذ إخماد شعلة «جماعة المعتزلة» وتنامي فكر أبي حامد الغزالي النصي والممالئ للسلطة. لايزال العقل العربي يبرر الخنوع وينفر من التفاصيل ويجتر الماضي ويهاب التجديد. لن تكون هناك ثورة حقيقية ما لم يتم تثوير العقل وتحريره من أغلاله. ولن تفلح ثورات العرب ما لم تسمو الحرية الفردية وتنمو الحركة الفكرية. هل نفعل؟ لا أظن ولكن لا أملك إلا أن أتمنى.
Page 8
العقل العربي:حين تصبح الخرافة عقيدة
مؤامرة.. مؤمرة.. مؤامرة
ليس هناك ما هو أهون على العقل العربي من إحالة خيباته إلى ما يعرف بالمؤامرة. الارتهان لثقافة المؤامرة يشف عن هزال العقل النقدي وهيمنة الأحكام المنمطة والخوف من مواجهة الذات والاستسلام لإغواء الإجابات السهلة. الاعتقاد الجازم والإيمان الصارم بوجود مؤمرات تحاك من وراء الستار ليس إلا تبريراً وهمياً لحالة التقهقر الحضاري والتشرذم السياسي والتدهور الاقتصادي والتراجع العلمي. بكلمات أخرى استفحال الفكر المؤامراتي هو تفسير مريح لتنازل العرب والمسلمين عن مكانتهم الحضارية ومنزلتهم التاريخية لمصلحة خصوم الأمس واليوم. لا يعني ما سلف نفي المؤامرة أو الدفع ببراءة المتآمرين بقدر ما يعني انتقاد الإسراف الدائم في استهلاك واستحلاب نظرية المؤامرة كلما جرت الرياح بما لا تشتهي السفن.
في زمن الثمانينيات الميلادية وأيام الشطط الصحوي كانت هناك قائمة طويلة بالمتآمرين كافة على الأمة وعقيدتها ومقدراتها ووحدتها ولغتها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها وشبابها ونسائها. كانت القائمة تضم دولاً، وأفكاراً، وأيدلوجيات ومنظمات وأفراداً، كمثل أمريكا النصرانية والاتحاد السوفييتي الملحد وفرنسا وبريطانيا والفاتيكان الحاقد والماسونية الخبيثة والعلمانية الماكرة ومنظمة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان. يا له حقاً من خليط عجيب وغريب! كيف استطاع هذا العقل أن يحشر كل الأضداد في صندوق واحد؟! المدهش أن هذا المزيج المتنافر والخليط اللامتجانس كان يدار من وراء الستار بخيوط تحركها أصابع يهودية. فالشيوعية صناعة يهودية والرأسمالية صناعة يهودية وماركس يهودي وفرويد يهودي وداروين يهودي والمؤسسات الإعلامية والمراكز المالية والأستديوهات الفنية بيد اليهود وحتى كرة القدم حيلة يهودية. لطالما تساءلت يومها: لماذا يبتكر اليهود الماركسية ليضربوا بها الرأسمالية التي صنعوها؟ ولماذا يلعب اليهود الكرة طالما هي حيلة لشغل شباب الأمة بتوافه الأمور وصرفهم عن جلائل الأمور؟! كيف لهؤلاء العباقرة أن يقاتلوا أنفسهم بأنفسهم؟! هل كل ما يفعلونه مجرد خدعة منهم؟ جائز! مشكلة هذا الفكر أنه يتجاهل قراءة التفاصيل ويتغافل عن رؤية الألوان والملامح والسمات بين هذا وذاك. إنه يقفز فوق الواقع مباشرة لكي يصل إلى الاستنتاج المحسوم والهدف المرسوم. الكل متآمر.. الكل متواطئ.. والكل حاقد.
أخيراً، قرأت كتاباً هاماً بعنوان «نقد نظرية المؤامرة في تفسير الهزائم القومية والإسلامية» للمؤلف الأردني عثمان العثمان(16). يعتمد الكتاب نظرة موضعية رزينة ورؤية تحليلية رصينة دون أن يسقط في فخ الغوغائية والسطحية أو يتردى في حمأة الشتائم والسخائم في تشخيص هزائم العرب السياسية والعسكرية المذلة خلال القرن المنصرم. من المؤكد أن كتاباً كهذا لن يعجب عشاق نظرية المؤامرة لأنه يستخدم لغة المكاشفة والمصارحة عوضاً عن لغة التخدير والمؤامرة التي ترتاح لها الأذن ويطمئن لها القلب. يفند الكاتب ما تواطأ عليه العامة والخاصة من أن المشروع الصهيوني الاستيطاني كان ثمرة التآمر البريطاني بقدر ما كان نتيجة حتمية للسذاجة السياسية الفاضحة والأخطاء الاستراتيجية الكارثية التي وقع فيها الشريف فيصل بن الحسين. وبالمثل لم تكن مسيرة النضال الفلسطيني الدامي وفضيحة يونيو 1967 ووحشية الغزو الصدامي للكويت في 1990 نتاج مؤمرات امريكية – صهيونية بل جاءت تلك الهزائم المدوية والمتكررة كتتويج لمسلسل البلادة السياسية والأخطاء الاستراتيجية الفادحة التي اقترفتها القيادات الاستبدادية بدءاً بالحاج أمين الحسيني ومروراً بجمال عبد الناصر وانتهاءً بصدام حسين.
لا أحسب أن بواكير نظرية المؤامرة تعود إلى مرحلة الهياج القومي أو ما أعقبها من الزحف الأصولي بل أحسبها تمتد بعيداً إلى زمن الفتنة الكبرى ومقتل الخليفة عثمان بن عفان. يتهم جل المؤرخين ابن سبأ (يهودي من اليمن) بزرع بذور الفتنة وبالتحريض على عثمان وبدس معتقدات فاسدة في صلب الدين. مؤامرة ابن سبأ على الإسلام والمسلمين لاتزال مفاعيلها ممتدة إلى اليوم وربما إلى أن يرث الله الأرض وما عليها! وبعد ابن سبأ بستة قرون جاء الدور على رجل يقال له ابن العلقمي. لايزال اسم ابن العلقمي (وزير الخليفة المستعصم وآخر الخلفاء العباسيين) أيقونة للخيانة والتآمر. كثرة كاثرة تتهمه بمكاتبة هولاكو المغولي وبتحريضه على اجتياح بغداد واسقاط الخلافة السنية وهو اتهام تفوح منه رائحة الطائفية ولكن ليس هذا مجال حديثنا. منذ زمن ابن سبأ إلى ساعة كتابة هذا المقال والأشباح تعبث بحياتنا والمؤمرات تتلاعب بمصائرنا والمتآمرون يتلاعبون بأقدارنا! يا إلهي! ما أشقى هذه الأمة التي تتكالب عليها شياطين الإنس والجن كما تتكالب الأكلة على قصعتها!
مؤامرة.. مؤمرة.. مؤامرة
ليس هناك ما هو أهون على العقل العربي من إحالة خيباته إلى ما يعرف بالمؤامرة. الارتهان لثقافة المؤامرة يشف عن هزال العقل النقدي وهيمنة الأحكام المنمطة والخوف من مواجهة الذات والاستسلام لإغواء الإجابات السهلة. الاعتقاد الجازم والإيمان الصارم بوجود مؤمرات تحاك من وراء الستار ليس إلا تبريراً وهمياً لحالة التقهقر الحضاري والتشرذم السياسي والتدهور الاقتصادي والتراجع العلمي. بكلمات أخرى استفحال الفكر المؤامراتي هو تفسير مريح لتنازل العرب والمسلمين عن مكانتهم الحضارية ومنزلتهم التاريخية لمصلحة خصوم الأمس واليوم. لا يعني ما سلف نفي المؤامرة أو الدفع ببراءة المتآمرين بقدر ما يعني انتقاد الإسراف الدائم في استهلاك واستحلاب نظرية المؤامرة كلما جرت الرياح بما لا تشتهي السفن.
في زمن الثمانينيات الميلادية وأيام الشطط الصحوي كانت هناك قائمة طويلة بالمتآمرين كافة على الأمة وعقيدتها ومقدراتها ووحدتها ولغتها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها وشبابها ونسائها. كانت القائمة تضم دولاً، وأفكاراً، وأيدلوجيات ومنظمات وأفراداً، كمثل أمريكا النصرانية والاتحاد السوفييتي الملحد وفرنسا وبريطانيا والفاتيكان الحاقد والماسونية الخبيثة والعلمانية الماكرة ومنظمة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان. يا له حقاً من خليط عجيب وغريب! كيف استطاع هذا العقل أن يحشر كل الأضداد في صندوق واحد؟! المدهش أن هذا المزيج المتنافر والخليط اللامتجانس كان يدار من وراء الستار بخيوط تحركها أصابع يهودية. فالشيوعية صناعة يهودية والرأسمالية صناعة يهودية وماركس يهودي وفرويد يهودي وداروين يهودي والمؤسسات الإعلامية والمراكز المالية والأستديوهات الفنية بيد اليهود وحتى كرة القدم حيلة يهودية. لطالما تساءلت يومها: لماذا يبتكر اليهود الماركسية ليضربوا بها الرأسمالية التي صنعوها؟ ولماذا يلعب اليهود الكرة طالما هي حيلة لشغل شباب الأمة بتوافه الأمور وصرفهم عن جلائل الأمور؟! كيف لهؤلاء العباقرة أن يقاتلوا أنفسهم بأنفسهم؟! هل كل ما يفعلونه مجرد خدعة منهم؟ جائز! مشكلة هذا الفكر أنه يتجاهل قراءة التفاصيل ويتغافل عن رؤية الألوان والملامح والسمات بين هذا وذاك. إنه يقفز فوق الواقع مباشرة لكي يصل إلى الاستنتاج المحسوم والهدف المرسوم. الكل متآمر.. الكل متواطئ.. والكل حاقد.
أخيراً، قرأت كتاباً هاماً بعنوان «نقد نظرية المؤامرة في تفسير الهزائم القومية والإسلامية» للمؤلف الأردني عثمان العثمان(16). يعتمد الكتاب نظرة موضعية رزينة ورؤية تحليلية رصينة دون أن يسقط في فخ الغوغائية والسطحية أو يتردى في حمأة الشتائم والسخائم في تشخيص هزائم العرب السياسية والعسكرية المذلة خلال القرن المنصرم. من المؤكد أن كتاباً كهذا لن يعجب عشاق نظرية المؤامرة لأنه يستخدم لغة المكاشفة والمصارحة عوضاً عن لغة التخدير والمؤامرة التي ترتاح لها الأذن ويطمئن لها القلب. يفند الكاتب ما تواطأ عليه العامة والخاصة من أن المشروع الصهيوني الاستيطاني كان ثمرة التآمر البريطاني بقدر ما كان نتيجة حتمية للسذاجة السياسية الفاضحة والأخطاء الاستراتيجية الكارثية التي وقع فيها الشريف فيصل بن الحسين. وبالمثل لم تكن مسيرة النضال الفلسطيني الدامي وفضيحة يونيو 1967 ووحشية الغزو الصدامي للكويت في 1990 نتاج مؤمرات امريكية – صهيونية بل جاءت تلك الهزائم المدوية والمتكررة كتتويج لمسلسل البلادة السياسية والأخطاء الاستراتيجية الفادحة التي اقترفتها القيادات الاستبدادية بدءاً بالحاج أمين الحسيني ومروراً بجمال عبد الناصر وانتهاءً بصدام حسين.
لا أحسب أن بواكير نظرية المؤامرة تعود إلى مرحلة الهياج القومي أو ما أعقبها من الزحف الأصولي بل أحسبها تمتد بعيداً إلى زمن الفتنة الكبرى ومقتل الخليفة عثمان بن عفان. يتهم جل المؤرخين ابن سبأ (يهودي من اليمن) بزرع بذور الفتنة وبالتحريض على عثمان وبدس معتقدات فاسدة في صلب الدين. مؤامرة ابن سبأ على الإسلام والمسلمين لاتزال مفاعيلها ممتدة إلى اليوم وربما إلى أن يرث الله الأرض وما عليها! وبعد ابن سبأ بستة قرون جاء الدور على رجل يقال له ابن العلقمي. لايزال اسم ابن العلقمي (وزير الخليفة المستعصم وآخر الخلفاء العباسيين) أيقونة للخيانة والتآمر. كثرة كاثرة تتهمه بمكاتبة هولاكو المغولي وبتحريضه على اجتياح بغداد واسقاط الخلافة السنية وهو اتهام تفوح منه رائحة الطائفية ولكن ليس هذا مجال حديثنا. منذ زمن ابن سبأ إلى ساعة كتابة هذا المقال والأشباح تعبث بحياتنا والمؤمرات تتلاعب بمصائرنا والمتآمرون يتلاعبون بأقدارنا! يا إلهي! ما أشقى هذه الأمة التي تتكالب عليها شياطين الإنس والجن كما تتكالب الأكلة على قصعتها!
Page 9
باي باي اسرائيل
إجمالاً، الإنسان منذ طفولته على سطح هذا الكوكب وهو شغوف بفك شفرات المستقبل وخائف من المآلات بعد الموت. ولعلي لا أغالي إن قلت إنّ كثيراً من المعتقدات والأفكار والطقوس الدينية التي اعتنقها ومارسها الإنسان منذ القدم تمحورت حول توقعاته بالمصير بعد الممات. وبالرغم من تهافت كثير من التنبوءات وانكشاف خداع مروجيها إلا أن الإنسان لايزال مصدقاً بها ومطارداً لها. يقول شاكر النابلسي(17) في كتابه «أسئلة الحمقى» إن المصريين ينفقون ما يقرب من عشرة مليارات جنيه مصري سنوياً على قراءة الغيب وفك السحر. شخصياً، أظن أن السعوديين ينفقون أضعاف ما يدفعه المصريون. إن الإيمان بالخرافات والنبؤات ليس حكراً على الإنسان العربي المسحوق بل إن النخب السياسية تتعاطى بدورها الخرافات والدجل السياسي. يقول النابلسي في كتابه المذكور إن صدام حسين التقى بعدد من رجال أجهزة مخابراته بعد أيام من غزوه لدولة الكويت ليقول لهم إن قراره بدخول الكويت جاء استجابة لرؤية في المنام وإنها إرادة الله ودورنا هو أن ننفذها!
الإيمان بالخرافة والانسياق وراء نبوءات زائفة ليس مقصوراً على الإنسان العربي بل إن البشر عامة وعلى نحو نسبي لا يخفون ميولاتهم نحو تصديق النبوءات واعتناق التفسيرات الرؤيوية. يقول صقر أبو فخر(18) في كتابه «الدين والدهماء والدم» إن كثيراً من الناس حبست أنفاسها يوم السادس من حزيران 2006 انتظاراً لمعركة «هارمجدون» المرتقبة. وتعود قصة ذاك اليوم إلى رؤية وردت في «سفر يوحنا» تقول بأن التنين والمسيح الدجال سيظهران في اليوم (666) ليكون ظهورهما إشارة للمجيء الثاني للمسيح المنتظر. ولسوء حظ المؤمنين بتلك النبوءة فقد مضى ذاك اليوم بسلام فلا تنين ظهر ولا مسيح نزل!
ويكمل أبو فخر تقشيره للمزيد من المزاعم الكاذبة والرؤى الساذجة كتلك التي تلقفتها في حبور المواقع الأصولية الإسلامية بعيد كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001. تداولت تلك المواقع أكذوبة(19) تقول إن تلك النازلة التي حلت بمدينة نيويورك قد تنبأ بها القرآن الكريم في سورة التوبة إذ تقول الآية الكريمة(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)وإمعاناً في إيهام المتلقي وتضليله قالوا إن سورة التوبة هي السورة التاسعة من بين سور القرآن (يقابل الشهر التاسع)، ومكانها في الجزء الحادي عشر (يقابل اليوم الحادي عشر)، كما أن الآية المذكورة تحمل الرقم 110 (يقابل عدد طوابق البرج)، وأن عدد الحروف من بداية السورة حتى الآية 110 هو 2001 (يقابل السنة)، وأن المبنى المذكور يقع في شارع (جرف هار). يعلق أبو فخر على هذا الزعم بالقول إن برج التجارة يقع في شارع (ليبرتي) ولا يوجد ثمة شارع باسم (جرف هار)!. ويضيف قائلاً، إن ترتيب سورة التوبة لدى البعض ممن لا يعتبرون الفاتحة سورة مستقلة هي الثامنة. وفوق ذلك فإن ترتيب الآية المذكورة هو 109 وليس 110 وعدد الحروف منذ البداية حتى بداية الآية 109 هو 1731 حرفاً وليس 2001 كما قيل!!!
ويمضي أبو فخر مسفهاً كثيراً من التنبوءات اليهودية والفلسطينية والتي باءت بالفشل والخذلان. يلاحظ أن أكثر تلك التنبوءات الفلسطينية تتكئ على التلاعب بأرقام السور والآيات القرآنية لإيهام المتلقي أنها إذا ما التحفت بالقرآن فإنها ستحيط نفسها بسياج من المصداقية والتوقير. إحدى تلك التنبوءات لأكاديمي فلسطيني اسمه يوسف الأسطل(20) تقول إن تحرير التراب الفلسطيني من الرجس اليهودي سيكون في سنة 2017 اعتماداً على أن تاريخ فلسطين يشير إلى أنها لم تقع تحت الاحتلال لأكثر من مائة عام وأنها قد احتلت في عام 1917. لا أفهم لماذا اختار هذا «المتنبئ» تلك السنة تحديداً وليس سنة 1948 كما هو معروف تاريخياً!
ختاماً، الشيخ أحمد ياسين – رحمه الله – توقع زوال اسرائيل عام 2027 والشيخ سفر الحوالي – عافاه الله – توقعها في عام 2012 وصاحبنا الأسطل يتوقعها عام 2017. أي من تلك التنبوءات تستهويك أيها القاريء العزيز؟ أم ترى أن لك نبوءتك الخاصة؟ شخصياً، أتمناها كما قدرها الشيخ سفر الحوالي ولكن إذا محونا اسرائيل من الوجود فعلى أي مشجب سنبحث عنه بعدئذ لنعلق عليه عيوبنا وهزائمنا وإخفاقاتنا؟!
إجمالاً، الإنسان منذ طفولته على سطح هذا الكوكب وهو شغوف بفك شفرات المستقبل وخائف من المآلات بعد الموت. ولعلي لا أغالي إن قلت إنّ كثيراً من المعتقدات والأفكار والطقوس الدينية التي اعتنقها ومارسها الإنسان منذ القدم تمحورت حول توقعاته بالمصير بعد الممات. وبالرغم من تهافت كثير من التنبوءات وانكشاف خداع مروجيها إلا أن الإنسان لايزال مصدقاً بها ومطارداً لها. يقول شاكر النابلسي(17) في كتابه «أسئلة الحمقى» إن المصريين ينفقون ما يقرب من عشرة مليارات جنيه مصري سنوياً على قراءة الغيب وفك السحر. شخصياً، أظن أن السعوديين ينفقون أضعاف ما يدفعه المصريون. إن الإيمان بالخرافات والنبؤات ليس حكراً على الإنسان العربي المسحوق بل إن النخب السياسية تتعاطى بدورها الخرافات والدجل السياسي. يقول النابلسي في كتابه المذكور إن صدام حسين التقى بعدد من رجال أجهزة مخابراته بعد أيام من غزوه لدولة الكويت ليقول لهم إن قراره بدخول الكويت جاء استجابة لرؤية في المنام وإنها إرادة الله ودورنا هو أن ننفذها!
الإيمان بالخرافة والانسياق وراء نبوءات زائفة ليس مقصوراً على الإنسان العربي بل إن البشر عامة وعلى نحو نسبي لا يخفون ميولاتهم نحو تصديق النبوءات واعتناق التفسيرات الرؤيوية. يقول صقر أبو فخر(18) في كتابه «الدين والدهماء والدم» إن كثيراً من الناس حبست أنفاسها يوم السادس من حزيران 2006 انتظاراً لمعركة «هارمجدون» المرتقبة. وتعود قصة ذاك اليوم إلى رؤية وردت في «سفر يوحنا» تقول بأن التنين والمسيح الدجال سيظهران في اليوم (666) ليكون ظهورهما إشارة للمجيء الثاني للمسيح المنتظر. ولسوء حظ المؤمنين بتلك النبوءة فقد مضى ذاك اليوم بسلام فلا تنين ظهر ولا مسيح نزل!
ويكمل أبو فخر تقشيره للمزيد من المزاعم الكاذبة والرؤى الساذجة كتلك التي تلقفتها في حبور المواقع الأصولية الإسلامية بعيد كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001. تداولت تلك المواقع أكذوبة(19) تقول إن تلك النازلة التي حلت بمدينة نيويورك قد تنبأ بها القرآن الكريم في سورة التوبة إذ تقول الآية الكريمة(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)وإمعاناً في إيهام المتلقي وتضليله قالوا إن سورة التوبة هي السورة التاسعة من بين سور القرآن (يقابل الشهر التاسع)، ومكانها في الجزء الحادي عشر (يقابل اليوم الحادي عشر)، كما أن الآية المذكورة تحمل الرقم 110 (يقابل عدد طوابق البرج)، وأن عدد الحروف من بداية السورة حتى الآية 110 هو 2001 (يقابل السنة)، وأن المبنى المذكور يقع في شارع (جرف هار). يعلق أبو فخر على هذا الزعم بالقول إن برج التجارة يقع في شارع (ليبرتي) ولا يوجد ثمة شارع باسم (جرف هار)!. ويضيف قائلاً، إن ترتيب سورة التوبة لدى البعض ممن لا يعتبرون الفاتحة سورة مستقلة هي الثامنة. وفوق ذلك فإن ترتيب الآية المذكورة هو 109 وليس 110 وعدد الحروف منذ البداية حتى بداية الآية 109 هو 1731 حرفاً وليس 2001 كما قيل!!!
ويمضي أبو فخر مسفهاً كثيراً من التنبوءات اليهودية والفلسطينية والتي باءت بالفشل والخذلان. يلاحظ أن أكثر تلك التنبوءات الفلسطينية تتكئ على التلاعب بأرقام السور والآيات القرآنية لإيهام المتلقي أنها إذا ما التحفت بالقرآن فإنها ستحيط نفسها بسياج من المصداقية والتوقير. إحدى تلك التنبوءات لأكاديمي فلسطيني اسمه يوسف الأسطل(20) تقول إن تحرير التراب الفلسطيني من الرجس اليهودي سيكون في سنة 2017 اعتماداً على أن تاريخ فلسطين يشير إلى أنها لم تقع تحت الاحتلال لأكثر من مائة عام وأنها قد احتلت في عام 1917. لا أفهم لماذا اختار هذا «المتنبئ» تلك السنة تحديداً وليس سنة 1948 كما هو معروف تاريخياً!
ختاماً، الشيخ أحمد ياسين – رحمه الله – توقع زوال اسرائيل عام 2027 والشيخ سفر الحوالي – عافاه الله – توقعها في عام 2012 وصاحبنا الأسطل يتوقعها عام 2017. أي من تلك التنبوءات تستهويك أيها القاريء العزيز؟ أم ترى أن لك نبوءتك الخاصة؟ شخصياً، أتمناها كما قدرها الشيخ سفر الحوالي ولكن إذا محونا اسرائيل من الوجود فعلى أي مشجب سنبحث عنه بعدئذ لنعلق عليه عيوبنا وهزائمنا وإخفاقاتنا؟!
Page 10
ابن لادن لايزال حياً..!
عندما وقعت التفجيرات الإرهابية عام 2001 هلّل وكبّر أكثرية المسلمين لمنظر الدماء وهي تسيل من الأنف الأمريكي. رقص أكثرنا على الجرح الأمريكي لكننا أنكرنا بشدة تورطنا فيها. قال حسين هيكل: إنهم الصرب!، وقال مصطفى محمود: جماعة السبتيين!، وقال آخرون: بل اليهود. لا أفهم كيف لنا أن نفرح بآلام الغير ونحن نحلف بأن العملية برمتها مؤامرة خبيثة لاختلاق مبررات لغزو المنطقة! وعلى الرغم من تأكيدات زعيم القاعدة بن لادن أن العملية قد جرى طهوها في كهوف أفغانستان إلا أن أكثرنا أنكر ولايزال ينكر وسيظل ينكر!
بعد أعوام قليلة أخرج الأمريكان ضمير الأمة والقائد الضرورة صدام حسين من حفرته كأرنب مذعور. وقتها شكّك كثيرون أن يكون الرجل الأشعث الأغبر المقمل هو صدام. وبعد قرابة عامين كان جسد أبي عدي يتدلى على حبل المشنقة. بعدها بليلة أو ليلتين شوهد وجهه موشوماً على كف القمر!! يا لها من رومانسية حالمة! وأخيراً، وقبل أسابيع قليلة سرت شائعات عن تسريب تسجيل لمكالمة هاتفية يتحدث فيها صدام لأحد الأشخاص!
وأخيراً، قطع الأمريكان بعد عشرة أعوام من المطاردة رأس أفعى الإرهاب. نخل الرصاص جسد شيخ المجاهدين في غرفة نومه وليس في ساحة الوغى وميادين الجهاد. لقد تخلص (أكثر) سكان الأرض من رجل شطر العالم إلى فسطاطين وأشاع القتل في كل مكان وحصد من أرواح المسلمين أكثر مما حصده من أرواح (الكافرين). وكالعادة سمعت وقرأت كلمات تشكك في خبر مقتله وتحيل الأمر إلى مجرد خدعة أمريكية.
يسلك هؤلاء المنكرون طريق العقل في حشد البراهين العقلية من أجل تفنيد ما يسمعونه من مزاعم وتأكيد ما يرونه من ظنون. بكلمات أخرى يضع هؤلاء أمانيهم أولاً، ثم يقومون بالتفتيش عن ما يعضدها من قرائن ودلائل. يشبه هذا المنهج الانتقائي قيام أحد الباحثين بتأليف كتاب بقصد التشنيع بطائفة ما بعد أن يجمع ما يكفي من البراهين لخدمة أغراضه. إن انكارنا لغياب صدام وابن لادن هو جزء من انكارنا لواقعنا ورفضنا لمعطياته وتفاعلاته وتمسّك منا بحبال الأمل الذابلة. إذا كنا عاجزين عن تحريك دفة الأحداث وتوجيه مساراتها فإن خيارنا هو الاختباء وراء غابة الشكوك والظنون. إن علامات الاستفهام التي يزرعها هؤلاء المنكرون في عقول الآخرين هي في الأصل موجهة لأنفسهم لا لغيرهم.
إن هذا الداء معشعش في زوايا العقل العربي منذ القدم. فتاريخنا لا يخلو من شخصيات لاتزال إلى حد اليوم تتنفس في مخابئها بانتظار ساعة الظهور لتملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت جوراً! في النصف الثاني من القرن الهجري الأول برزت فرقة يقال لها الكيسانية ونظر أتباعها إلى محمد بن الحنفية (الابن الثالث لعلي بن أبي طالب) على أنه المهدي المنتظر. وبعد وفاة ابن الحنفية أنكر بعض الغلاة منهم أنه مات وأشاعوا أنه مقيم في جبل رضوى بالحجاز ما بين عينين من ماء وعسل وأنه سيعود آخر الزمان ليبسط العدل ويطوي الظلم(21). وفي منتصف القرن الرابع الهجري دخل محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر عند الشيعة الإمامية سرداباً في سامراء ولم يخرج منه حتى كتابة هذا المقال. ويؤمن الشيعة الإمامية بأنه سيعود يوماً من غيبته لينشر العدل في الأرض بعد أن استحر فيها الظلم! وعندما اجتاح المغول مشرق العالم الإسلامي تصدى لهم بشجاعة وثبات آخر سلاطين خوازم جلال الدين منكبرتي(22) ودارت بينه وبين المغول صولات وجولات إلى أن قتل على يد فلاح كردي في كوخ حقير. شكّل موته صدمة بالغة للمسلمين لأنه كان رمزاً للمقاومة (ليس على النمط السوري بالطبع!). ورغم موته إلا أن الناس ظلّوا ينكرون مقتله ويترقبون عودته حتى لا تنطفئ في قلوبهم شموع الأمل. إن ما يجمع الأسماء الواردة في المقالة أنها رحلت قبل إتمام رسالتها وإنهاء مشوارها وتصفية أعدائها. رحلت في منتصف الطريق تاركة وراءها جموعاً غفيرة من المؤمنين الغارقين في حزنهم وصدمتهم وعجزهم. أستطيع أن أتفهم إنكار الناس بالأمس لغياب رجل كالسلطان علاء الدين فالرجل كان محارباً رائعاً يصعب تعويضه لكني لا أستطيع أن أتفهم إنكار الناس اليوم لغياب رجلين كصدام وبن لادن لم يجلبا سوى الخراب والدمار! هل يمكن اعتبارهما رمزين للمقاومة؟ تلك والله إذن لمشكلة أخرى!
عندما وقعت التفجيرات الإرهابية عام 2001 هلّل وكبّر أكثرية المسلمين لمنظر الدماء وهي تسيل من الأنف الأمريكي. رقص أكثرنا على الجرح الأمريكي لكننا أنكرنا بشدة تورطنا فيها. قال حسين هيكل: إنهم الصرب!، وقال مصطفى محمود: جماعة السبتيين!، وقال آخرون: بل اليهود. لا أفهم كيف لنا أن نفرح بآلام الغير ونحن نحلف بأن العملية برمتها مؤامرة خبيثة لاختلاق مبررات لغزو المنطقة! وعلى الرغم من تأكيدات زعيم القاعدة بن لادن أن العملية قد جرى طهوها في كهوف أفغانستان إلا أن أكثرنا أنكر ولايزال ينكر وسيظل ينكر!
بعد أعوام قليلة أخرج الأمريكان ضمير الأمة والقائد الضرورة صدام حسين من حفرته كأرنب مذعور. وقتها شكّك كثيرون أن يكون الرجل الأشعث الأغبر المقمل هو صدام. وبعد قرابة عامين كان جسد أبي عدي يتدلى على حبل المشنقة. بعدها بليلة أو ليلتين شوهد وجهه موشوماً على كف القمر!! يا لها من رومانسية حالمة! وأخيراً، وقبل أسابيع قليلة سرت شائعات عن تسريب تسجيل لمكالمة هاتفية يتحدث فيها صدام لأحد الأشخاص!
وأخيراً، قطع الأمريكان بعد عشرة أعوام من المطاردة رأس أفعى الإرهاب. نخل الرصاص جسد شيخ المجاهدين في غرفة نومه وليس في ساحة الوغى وميادين الجهاد. لقد تخلص (أكثر) سكان الأرض من رجل شطر العالم إلى فسطاطين وأشاع القتل في كل مكان وحصد من أرواح المسلمين أكثر مما حصده من أرواح (الكافرين). وكالعادة سمعت وقرأت كلمات تشكك في خبر مقتله وتحيل الأمر إلى مجرد خدعة أمريكية.
يسلك هؤلاء المنكرون طريق العقل في حشد البراهين العقلية من أجل تفنيد ما يسمعونه من مزاعم وتأكيد ما يرونه من ظنون. بكلمات أخرى يضع هؤلاء أمانيهم أولاً، ثم يقومون بالتفتيش عن ما يعضدها من قرائن ودلائل. يشبه هذا المنهج الانتقائي قيام أحد الباحثين بتأليف كتاب بقصد التشنيع بطائفة ما بعد أن يجمع ما يكفي من البراهين لخدمة أغراضه. إن انكارنا لغياب صدام وابن لادن هو جزء من انكارنا لواقعنا ورفضنا لمعطياته وتفاعلاته وتمسّك منا بحبال الأمل الذابلة. إذا كنا عاجزين عن تحريك دفة الأحداث وتوجيه مساراتها فإن خيارنا هو الاختباء وراء غابة الشكوك والظنون. إن علامات الاستفهام التي يزرعها هؤلاء المنكرون في عقول الآخرين هي في الأصل موجهة لأنفسهم لا لغيرهم.
إن هذا الداء معشعش في زوايا العقل العربي منذ القدم. فتاريخنا لا يخلو من شخصيات لاتزال إلى حد اليوم تتنفس في مخابئها بانتظار ساعة الظهور لتملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت جوراً! في النصف الثاني من القرن الهجري الأول برزت فرقة يقال لها الكيسانية ونظر أتباعها إلى محمد بن الحنفية (الابن الثالث لعلي بن أبي طالب) على أنه المهدي المنتظر. وبعد وفاة ابن الحنفية أنكر بعض الغلاة منهم أنه مات وأشاعوا أنه مقيم في جبل رضوى بالحجاز ما بين عينين من ماء وعسل وأنه سيعود آخر الزمان ليبسط العدل ويطوي الظلم(21). وفي منتصف القرن الرابع الهجري دخل محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر عند الشيعة الإمامية سرداباً في سامراء ولم يخرج منه حتى كتابة هذا المقال. ويؤمن الشيعة الإمامية بأنه سيعود يوماً من غيبته لينشر العدل في الأرض بعد أن استحر فيها الظلم! وعندما اجتاح المغول مشرق العالم الإسلامي تصدى لهم بشجاعة وثبات آخر سلاطين خوازم جلال الدين منكبرتي(22) ودارت بينه وبين المغول صولات وجولات إلى أن قتل على يد فلاح كردي في كوخ حقير. شكّل موته صدمة بالغة للمسلمين لأنه كان رمزاً للمقاومة (ليس على النمط السوري بالطبع!). ورغم موته إلا أن الناس ظلّوا ينكرون مقتله ويترقبون عودته حتى لا تنطفئ في قلوبهم شموع الأمل. إن ما يجمع الأسماء الواردة في المقالة أنها رحلت قبل إتمام رسالتها وإنهاء مشوارها وتصفية أعدائها. رحلت في منتصف الطريق تاركة وراءها جموعاً غفيرة من المؤمنين الغارقين في حزنهم وصدمتهم وعجزهم. أستطيع أن أتفهم إنكار الناس بالأمس لغياب رجل كالسلطان علاء الدين فالرجل كان محارباً رائعاً يصعب تعويضه لكني لا أستطيع أن أتفهم إنكار الناس اليوم لغياب رجلين كصدام وبن لادن لم يجلبا سوى الخراب والدمار! هل يمكن اعتبارهما رمزين للمقاومة؟ تلك والله إذن لمشكلة أخرى!