eKtab
EN ع
نوارة
Read free sample

نوارة

by هدى عيد

Page 1
القسم الأوّل

أنا قَمَر: حفيدة صفيّة

الأشياء المفقودة

هل يذكّركم الغد بتلك الأشياء التي نفقدها؟

إنّها تتوسّل للمرّة الأخيرة إليكم عبثاً للبقاء إلى جواركم.

الشاعر الألمانيريلكه

تخبط يدي على المنبّه العصبيّ، ينال منّي أكثر من ضربة حتّى أتمكن من إسكات رنينه. يرنّ بداية، يأتيني صوته من مكان بعيد، كأنّه وضع في وادٍ، حتى أحسّ به يولول داخل جمجمتي فيشتعل جنوني، وتبدأ يدي تبحث عنه، عيناي مغمضمتان، ويداي تُفتّشان، أتمكن من القبض عليه، أُسكته بعد أكثر من خبطة.

هكذا يبدأ صباحي في الغالب... معركة حامية بيني وبين المنبّه، وأخرى أكثر ضراوة بيني وبين مربّيتي، إذ بمجرد أن يرتفعَ رنينه، يعلو صوتها برقّة بدايةً:

ـ يلّا يا قمر، يلّا يا حبيبتي.

أضع الوسادة فوق رأسي، أحاول العودة إلى عالم أحلامي السعيدة عادة، تزداد ولولة المنبّه، فيزداد الحماس في صوتها، ترافقه بُحّة، وهي تحاول جاهدةً ألا تغضب:

ـ قلت لك قومي، بعد قليل يصل الباص، لن نوصلك إذا ما تأخرت، السائق ليس هنا...

أحكم الوسادة فوق رأسي، أشتمها في داخلي، أضغط على أذنيّ الاثنتين كي أتمكن من القبض على بعض أطياف أحلامي، أحلم بمالك في معظم الأحيان، نتضاحك ونخترع المقالب؛ يصرّ المنبّه على مزيد من الرنين، أتمكن من إطفائه، لكني لا أتمكن من صوت المربّية التي تروح تدّعي الغضب:

ـ يلّا خلّصينا بقى قبل أن تأتي أمّك، هذه نتيجة السهر حتى الثانية بعد منتصف الليل، سأخبر والدتك الليلة، طيّب يا قمر طوّلي بالك عليّ، سأقطع كلّ الأسلاك، وسأجعل السيد وسيم يوقف اشتراك الستيلات، وسـ....

أنهض قبل أن تتم السين الأخيرة، لئلا نصل إلى ما لا تحمد عقباه، إذ للمرأة كلمتها في هذا المنزل، جدّي هو من اختارها للعناية بنا، وهي تدرك موقعها، أبتسم لها برقّة مزيفة:

ـ صباح الخير. أقول لها وألعنها في سرّي، كنت أحلم بمالك يقبّلني، لا أريدها أن تستمرّ بتهديداتها، تهدأ قليلاً، وتنطلق إلى غرفة أخي تمارس العملية نفسها:

ـ تناولي فطورك، لا تذهبي على الريق.

أكره اللّبنة التي تحاول إطعامنا إيّاها دائماً، الكالسيوم ضروري لعظامنا تقول، أكره البيض، وأكاد أتقيأ الحليب، أحبّ فقط سندويش الزيت والزعتر، أو زبدة الفستق على شرائح التوست.. سأكتفي بِلُقيمات قليلة، أكاد أُجنّ من وزني، كلّما سجّل الميزان نصف كيلو زيادة أتوتر، أنقطع عن الطعام مدة يوم، ثمّ تخونني شهيتي، أزدرد لقيمات، وأنا نصفُ غافية، أنطلق إلى الحمّام، أغسل وجهي، وأنظف أسناني، لا يعجبني وجهي هذه الأيام، أشعر أن أنفي يتضخّم يوماً بعد يوم، والرؤوس السوداء تغزو وجنتيّ. ما يشغل بالي كثيراً هو نتوء أسناني على الرغم من أنّها ناصعة، أحياناً أحسّ أنّ أذنيّ استطالتا بشكل ملحوظ، فيثور غضبٌ في داخلي، يصرّ الجميع على أني فتاة ناعمة، جذّابة، لكني أنظر المرآة فتجتاحني تهيّؤات، وأحاسيس، ورؤى... أفكّر أنّ فيّ زيادات كثيرة يجب التخلص منها، زيادة في وزني، في أنفي، وفي أذنيّ، كثافة في شعر ساقيّ، زيادة في مؤخرتي، آه، وماذا بعد؟ ازدادت هواجسي بعد موت جدّي.

ـ يلّا يا قمر، وصل الباص منذ وقت.

أجلس على أحد المقاعد وأنا نصف نائمة، أغرق فيه وأنزلق، حال رَام أخي ليست أفضل من حالي، جميعنا نجلس، ساهمين نكاد نغفو كأننا لم ننم منذ شهور، قلة منّا يثرثرون، يحاول أحدهم أن يطرح عليّ سؤالاً قائلاً:

ـ أنجزتِ فرض الـ Math ؟

ـ صه...

ألتفتُ نحوَه غاضبة، قد يفعل سوايَ ذلك أيضاً.

نغرق في الصّمت الجماعي مجدّداً، بعض الصغار ممّن يشتعلون حيويةً ترتفع أصواتهم.. واحد منهم يتجرّأ على النهوض، والتحرّش بطالب من الكبار، أو قد يتقافز بين مقعدين مُصدراً خشخشة، أحدجه بنظرةٍ غاضبة تكاد تحرقه، أشير له بإصبعي مهدّدةً:

ـ عُد إلى مكانك.

يرفع كتفيه بدايةً علامة الرفض، تستمرّ نظراتي النارية تَلسعُه، يتأكد من صرامتي، وأنّي لا أمازحه، يتراجع إلى موقعه، ويلتصق بمقعده. يسترق النظر إليّ بين آونة وأخرى عساني ألين. لا أفعل.

في الصف تتوالى علينا ثلّة من الأساتذةِ، كلّ منهم يعتبر نفسه أحدث معجزة اكتشفها زمانه، كنز من المعلومات الثمينة، علينا جميعاً أن نتسابق لننهل منها.

يدرّسنا واحد من هؤلاء الأساتذة يبدو كأنه سليل أسرة فرعونية، عريض المنكبين، ناتىء الأسنان، يضع نظارة سميكة على عينيه، يدلّي خصلة من شعره، يجعلها ممتدة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يُحكم إلصاقها بجمجمته، تخفّ رطوبتها ظهراً، فترتفع عن جلدة الرأس، وتروح تلوّح على مسافة كلّما حرّك رأسه، نجنّ مِنَ الضحك.

يعلّمنا مادة الأدب الفرنسيّ، أصغي إليه في بداية الحصّة، ثمّ يتبلّد ذهني، لا أعود أفهم ما يقول.. يلتفت الأستاذ ليسجل جملة أو مقطعاً على اللوح، ترميني سالي بورقة تثرثر عليها، أخربش على ظهرها، أردّها إليها، يبدأ وليد بإصدار أصوات اتفقنا عليها سابقاً، ترافقه جوقة من الزملاء فيما بعد، تسري همهمة في الصف، تروح تعلو، يتوقّف الرجل عن الشرح، تختفي الهمهمة، يعاود شرحه، فنعاود الكرّة، إلى أن يشتعل غضبه، فيخرج عن طوره، ويروح يشتمنا بالفرنسية، وحين يشتد غيظه أكثر يشتمنا بالعربيّة وبكل اللغات، ببساطة نُفقد الرجلَ تهذيبه.
Page 2
لا أحبّ حصصَ اللغات إلّا فيما ندر، بعض الشعر قد يستهويني، اللغة العادية استعضتُ عنها بالرموز والأرقام، تجذبني حصص الموادِ العلمية، يعروني حماس حيال الـ Math والـ Biologie تحديداً، أُسرّ ونحن في المختبر نكتشف بعض الحقائق الأولية التي تجاوزها العالم الكبير، نتبادلها ونحن نفتعل الدهشة والضحكات.

عالمي الحقيقي هو عالم الأنترنت، عالم الفرص المسحورة التي يفتحها أمامي، أعبر من خلاله إلى كل العوالم التي تعجبني، أدخل مواقعه ومحطاته، أشارك في التصويت عبر بعض النوادي، أجري الـ تشات، وسوى ذلك، أحسّ أنّني في عالم متجدّد لا أستطيع الابتعاد عنه. هناك أحيا في أوقات كثيرة، وقد أدخل مواقع تزعج مربّيتي المتذاكية. لم أعرف والدي إلّا فيما ندر، تولت والدتي طرده من حياتها حين كانا في فرنسا، وذلك بعد ولادة أخي رام، وبعد عودتنا إلى قصر جدّي زارنا الرجل، يبدو أنه كانَ يبحث عن بداية جديدة، داعب شعر أخي وشعري، حاول أن يقبّلني، كنت قد أنهيت الخامسة من عمري، لم أنجذب له، لا أذكر تفاصيل اللقاء، أذكر جمعاً من الناس في القاعة الكبرى، وشاباً ملتحياً بينهم، يحاول التودّد إليّ ولا يفلح، حمل أخي رام وقبّله، بعد ذلك غادر المكان.

قيل لي إنه كان أحد موظفي جدّي.

يبدو أنهم كانوا يحاولون عقد صلح بين الاثنين. لم يفلحوا، إذ لم أره بعد ذلك إلّا لماماً وفي مناسبات متباعدة، آخرها عند موت جدّي.

حضر مُعزّياً، انتبهت يومها، وكنت قد بلغت الثالثة عشرة، أنه رجلٌ ضعيف، لا يستطيع أن يكون أبي حقاً، متردد في سلامه، وفي مقاله ولباسه، تعامله أمي بتعالٍ، بدا خجلاً أمامي، أحسست بأنني غريبة عنه مجدداً، أخفقت قبلته بتعزيتي.

تدّعي أمي أنها هي من تولّى تربيتي، أو على وجه أدقّ رعايتي من بعيد، نلتقي أحياناً كغريبتين إلى مائدة الغداء. وحين لا تكون مسافرة تنتظرنا عند عودتنا من المدرسة، تقبّلنا، تعلّق على هيئتنا الفوضوية وعلى القميص المتّسخ، وقد كتبنا عليه أنا ورام... يغضبها حذاء رام المغبّر دائماً، نجلس لتناول الطعام بصمت كأنّنا غرباء التقوا في مطعم، نتبادل تعليقات سريعة، تحاول أن تستفسر عن سير الدروس، نتبادل أنا ورام نظرات ضاحكة، ننهي طعامنا بسرعة، نحمد اللّه، ثم ينطلق كلّ منا إلى غرفته، حين كان جدّي حيّاً كانت الأمور مختلفة...

كان الرجل طاقة متفجّرة دائمة التدفق (والانبجاس)، هذه المفردة أعجبتني وأستاذ الأدب العربي يتحدّث عن توظيفها عند السيّاب، وهو أحد الشعراء المعاصرين الذين أثّروا فيه كما يذكر لنا دائماً. يلقي نكاتاً آسرة تضحكنا، يُغرقنا بتعليقات ذكية، يطلق على كلّ منا لقباً، يسخر في غالب الأحيان من جدّتي التي تبدو قوية متماسكة أمام الناس، ضعيفة خفيضة الصوت في حضوره، يعلق على أصناف الطعام، يستحسن ويرفض، يبدو لطيفاً رقيقاً أحياناً، وفي أوقات أخرى يكون عصبيّاً معتكر المزاج، فننسحب من أمامه بهدوء.

أعترف أنه كان يحبّني بعمق، ويدلّلني كذلك، يُفضّلُني ببساطة على أمّي ابنته، كان بينهما، لا أدري، معركة صامتة باردة، وكانت في كلّ زواج لها تحاول تحدياً له، تفرض من تريد عليه، فإذا بها تتحدى نفسها، إذ تعود لتكتشف أن من تزوجته لا يعجبها، فتطلقه؛ أستغرب الآن كيف كانت تجد رجالاً يرضون أن تكون العصمة بيدها!!

أمّي امرأة جميلة أصلاً، وإن كانت عمليات التجميل التي بدأت تجريها قد راحت تشوّه جمالها، رفعت حاجبيها، وحقنت شفتيها أكثر من مرّة، في الأخيرة منها حينما كانت تحدّثني، أحسست أن شفتها السفلى تكاد تنفجر، لم أعلّق، لأنّها عصبيّة تكره التدخل في شؤونها. أخذتْ من جدّي عصبيّته، باتت دائمة السفر بعد موته، لا تكاد تستقرّ، انكفأت جدتي على حالها، خفّت الحفلات التي باتت تشارك فيها، وتلك التي كانت تدعو إليها، وتُثير الصخب في أنحاء القصر وحدائقه بسببها، أصبحت المرأة بعد موت جدّي أكثر صمتاً وانغلاقاً، صارت تنظر إلينا كأنها تبحث في ذاكرتها عن ظلال تشبهنا لكنها لا تجدها، أحياناً كانت لا تجدني وأنا تحت ناظريها، أرتقي الدرج الطويل، أسمعها تناديني قمر، أقف، أنتظر ما ستقول، تبقى تناديني وأنا واقفة أتأملها، أدرك الآن أن الموت هو الفراغ... أنا لم أفقه الموت بعد، لكن تعرّفت عليه من عينيْ جدّتي، أفرغها جدّي حين مات، جوّفها كما كان يفعل الفراعنة بمومياءاتهم، باتت المرأة مومياء غير ملتفة، تدور فقط في فَلَك جدّي، وتلاحق آخر التحقيقات حول موته، وتعبأ بكلّ ما كان يمتّ إليه بصلة. أهملت أمر الجمعية التي كانت تملأ فراغ أيامها، بل أعتقد أنها حلّتها.

أمّي صارت تقضي معظم أوقاتها مسافرة، كلّ يومين مؤتمر، اجتماع يبحث في شأن بعض الشركات، لقاءات مع مستثمرين أجانب، حفلات تأبين أحياناً للراحل العظيم، جدّي، بعدها تقدّم شيكات ممهورة بتوقيعها، شيكات بمبالغ ضخمة تتبرع بها، اصطحبتني مرتين إلى حفلين من ذاك النوع، جدّتي رفضت الحضور، قالت إنّ من يعنيها أمره ليس حاضراً في الحفل، طلبت والدتي أن أحلّ مكانها، فوجئتُ بكمّ الناس الحاضرين، وبعدد الرجال ذوي البزّات الرسمية، سمعت يومها كلمات كثيرة كلّها جعلت من جدّي رجلاً عظيماً عظيماً، يكاد يصنع المعجزات، في زمن يفتقدها؛ كان قد مضى على موته عامان، انتهى الحفل بتقديم درع تكريميّ له تسلمتها كريمته، ووقفت الحفيدة التي هي أنا إلى جوارها تضامناً، كذلك فعل رام، عدسات الكاميرات الكثيرة تسابقت لالتقاط الصور لنا في وضعيات مختلفة.

ونحن نخرج ضمن الجموع، ورجال الحرس الشخصي يحفّون بنا أحسست بلسعة قرب كاحل قدمي اليُمنى، انحنَيت أمَسّدها، فتأخرت قليلاً عن الموكب، سمعت أحد الرجال يقول، وأنا أرفع رأسي:

ـ اللّه لا يردّه كان أسوأ الناس، شو نسينا؟ لم ننسَ بعد. صُعقت، نظرت نحوه بغضب، لكنه لم يلتفت، كان متلهياً بالنظر إلى صبية جميلة تكاد توازينا، دخلتُ السيّارة، ورأسي الصغير لا يزال مشتعلاً بالعبارة المستفزة، أسأل نفسي دون أن أجرؤ على طرح السؤال علناً.

ـ هل حقّاً، كان جدّي أسوأ الناس؟!

منذ أربعة أيّام تقريباً لم ننم بسبب الفوضى التي أثارتها جدّتي... فوضى عارمة استدعت وجود محقّق، وبضعة رجال من الشرطة معه، كذلك استدعت إفساداً للهدوء الذي أستمتع به عادة.

أنا نومي ثقيل، لا شيء يهزّني، لكنّ صراخ جدّتي في بدايات ذلك الفجر أرّقني، صراخٌ مجنونٌ لم ينقطع حتّى انقطعت معه كلّ أحلامي، واضطررت بعدها إلى مغادرة الفراش، والنزول إلى الطابق الأوّل. بمجرّد أن لمحتني أخرج بالبيجاما الشورت، الزهرية اللون، رفعت حاجبيها مشيرةً بهما صعوداً، فهمت منها أنّها تريد منّي العودة إلى داخل غرفتي فأذعنتُ؛ في العادة لا أفعل ذلك، لكنّ وجود أولئك الغرباء، والحالة المتهالكة التي بدت عليها، دفعتني لاحترام إرادَتها.

لم أناكفها، غالباً ما كنتُ أفعل، أحياناً أتسلّى بمشاكستها، حين يخلو لنا القصر على اتّساعه... تسافرُ أمّي، ويتراخى الخدم المنتشرون في أنحاء المكان، وأمام أبواب الغرف في الطابق السفلي، أو في الحدائق المتوزعة، هل كانوا يجرؤون على فعل ذلك في حضرة جدّي؟
Page 3
كان صوته يرجّ المكان، الآن أراهم يسيرون بتمهل، ينقلون بعض القطع الخشبيّة متضاحكين، ينظفون الأثاث وكأنهم روبوتات ثقيلة الحركة، أحياناً أحاول ادّعاء شيء من السلطة، ورفع صوتي، فلا يهابونني كثيراً، يتعاملون معي على أني صغيرة المكان دائماً.

الوحيدة التي يخافونها حقاً بعد موت جدّي، هي والدتي بصراخها، وعصبيتها، وبدمها الذي يفور سريعاً لمجرّد هفوة أو حتى من دون هفوات.. المرأة صاعقة حقيقيّة لكلّ من يقترب منها، ولستُ استثناء في ذلك، المرات التي أحسست فيها بحبّها لي تكاد تكون نادرة، استعضت عنها، وعن أبي بجدّي أوّلاً، وبأخي رام بعد وفاة جدّي، باتت علاقتنا مَتينة الجذور، أحسسنا فجأة بيُتمٍ شديد لفقده، فتآلفنا أنا ورام يحمي واحدنا الآخر.

عُدت يَوْمَها إلى غرفتي، لكني لم أستطع الاستقرار طويلاً في الفراش، كان لا بدّ لي من مغادرته، في الأمر ما يُريب، القشعريرة اعترت جلدي، وأنا أسمع صوت جدّتي صفية وهي تتحدّث، تقول كلاماً غريباً مجنوناً، تدّعي عودة جدّي، والمحقّق، وهو قريبٌ لها فيما أعتقد إذ يدعوها خالتي طوال الوقت، ويتظاهر باحترام واضح لها، يهزّ رأسه، عدم التصديق يبدو على ملامحه، لكنه يواصل الإصغاء باهتمام ظاهر.

وقفت مسمّرةً قرب الباب الخشبيّ الكبير، وجدتي سابحةٌ في عالمها، تتحدّث، تجيب قليلاً لتغرق بعدها في بحرٍ تراه وحدَها. تجحظ عيناها، ويتجمّد البؤبؤ داخلهما، كأنما هي ترى عفريتاً أمامها، حدّثتني فيما حدّثتني بعض المرات في طفولتي عن العفاريت المهولة، لكنها كانت تصمت فجأة حين يدخل الغرفة علينا أحدهم.

جدّتي تخاف من جدّي، عاشت طوال عمرها هذا الخوف، على الرغم من أنها أمام الناس ادّعت غير ذلك.. سلطة الرجل عليها كانت تنبعث من عينيه، ينظر إليها بخطورة إذ يزعجه أمرٌ ما، أحياناً يُصدر بعض الهمهمَات فتسارع هي إلى تلبية ما يريد، أو إلى تجنّب ما يزعجه. هذه السطوة هشّمتها والدتي، التي كانت دائمة التمرّد على أبيها على الرغم من جبروته، دائمة الرفض لكلّ ما يقدّم لها، ترفضه في حضوره، وحين يغادر المكان تعود للإمساك به، وتَفَحُّصِهِ.

أذكر يوم أهداها جدّي السيّارة البورش الحمراء بمناسبة عيد ميلادها، كنت في التاسعة تقريباً، أمسكَ بها من كتفيها، احتضنها، قبّل خدّها، وقدّم لها علّاقة المفاتيح، خرجت لترى السيّارة متوقفة أمام البوابة الكبرى، وعلا صراخها، وسكنتها موجةٌ عصبية متشنّجة لأنّها تكره اللون الأحمر كما أعلنت، ولأنّها تكره أن يفرض أحدٌ مزاجه عليها، ولأنها تمقت بالذات هذا النوع من السيارات، ولأنها، ولأنّها...

أذكر أن جدّي لم يردّ عليها، ولم يرفع صوته في وجهها، اكتفى بنظرة طويلة رماها بها، وهو يغادر المكان بهدوء كلّي، دون أن ينبس بكلمة، بعد يومين اصطحبتني معها لتجرّب السيارة الجديدة...

في الآونة الأخيرة قبل مقتله لم يعد جدّي كما عرفته، ازداد شروده ونحولُه وطالت الفترات التي يقضيها وحيداً في مكتبته، أحياناً يدخلها صباحاً، ولا يخرج منها إلّا آخر الليل. يبدو عندها منهكاً زائغ العينين، يسأل عنه كثيرون طوال النهار، تضطر جدّتي للكذب أكثر من مرّة، تدّعي حيناً أنه مسافِرٌ، وحيناً آخر تقول: إنّه قد نام منذ قليل.

أناكفها مرّات، قائلةً لها، وأنا أفتح عينيّ في وجهها مواجـهة إيّاها:

ـ إنّه في الداخل، أنت تكذبين.

فتشير بإصبعها نحو فمي مهدّدة هامسة في أذني:

ـ اخرسي؛ هذا ليس كذباً. تدير محرّكِ سيارتها وتغادر المكان متحدية، ولا أفهم كيف يدوس الكبار كلامهم أمام أعيننا.

لعب جدّي دور الأب في حياتي، كان جدَاراً صلباً استندت إليه، لم أدرك ذلك إلّا بعد أن سرقه الانفجار الكبير منّي؛ أحبَّ أمي لكنها لم تسمح له بإغداق الحبّ عليها، أحبّني أنا، فأقبلت على حبّه كما أقبل على قرنِ الآيس كريم، ألتهمه، وأتلذذ بمذاقه، وبلعقه. الآن أدرك قسوة الحياة وهي تسلبه باكراً مني، وقفت تتحداني، وأنا في الثالثة عشرة من عمري، ما اشتدّ عودي بعد حتى تقارعني.

سنوات أربع مرّت على انفجاره وتناثره، ولا يزال ألمه عالقاً في حنجرتي.

حين كنت أتفق، وأصدقائي مالك، وصبا وجنى وبشّار على النزول إلى بيروت، كان يصرّ أن يكون سائقه الشخصي في خدمتنا، يلبّي كلّ طلباتنا، ويبقى حارساً أميناً لنا، لكننا كنا نتفنن بالهروب منه بمجرد أن يتوقّف في الباركينغ في وسط المدينة. كنّا نقفز سريعاً من GMC السوداء طالبين منه أن يلحق بنا عند [Scoozi] سكوزي مثلاً، ويقضي المسكين وقتاً، وهو ينتقل من مكان إلى آخر يبحث عنا، ونحن نبتكر خططاً للتخفي والابتعاد، مرة تركنا هناك، فركبنا سيارة تاكسي نقلتنا إلى الـ ABC في منطقة الأشرفية لنشاهد فيلم هاري باتر، [Harry Patter] ، وبقي هو ينتظرنا في الوسط التجاري. عند الخامسة عصراً اتصلت به، أخبرته بمكاننا، طالبة منه أن يعود بنا إلى المنزل. أظهر غضبه وضيقه، لكنه لم يجرؤ على إخبار جدّي، هدّدته أَن أخبر أمّي، إن فتح فمه بكلمة، وهو الذي يعرف جيّداً غضبها وحنقها.

كانت الأيام جميلة، وجدّي على قيد الحياة، أحياناً تعاودني تلك العبارة البغيضة التي خرجت من فم أحدهم إثر احتفال التأبين، فأحاول إسقاطها من رأسي... خمس سنوات مرّت، سأنهي دراستي الثانوية هذا العام، وأتخرّج من دون وجوده إلى جواري، أحياناً أحلم به يداعبني، ويجلسني في حجره، بعد ذلك، يرميني في الهواء عالياً عالياً، يدغدغني وهو يتلقاني فتنطلق ضحكاتي صافية، ترنّ في أنحاء المكان. علّمني ذاك العملاق كيف أحبّه نقطة نقطة، كان إنساناً آخر وهو معي، وأنا بين يديه.

اشتدت علاقتي بمالك بعد رحيله، يواسيني فترات طويلة في النهار، يفهم غضبي، يشفق عليّ من توتر علاقتي بأمي، يحفظ نكاتاً ذكية يلقيها في أذني حين يلقاني عساني أنسى حزني، وإحساسي بيتمي. وحين أتغيب عن المدرسة لمرض أو عارض لا يهدأ هاتفي أبداً، طوال الوقت يرسل SMS عبر هاتفه، يخبرني أنّه لا يفقه شيئاً من شرح الأساتذة، يضع هاتفه تحت الطاولة، ويروح يضغط الأزرار المرّة تلو الأخرى، وأحياناً يشتاق إلى صوتي كما يخبرني، فيدخل الحمّام ليحادثني من هناك بصوت خافت.

وأنا مرتبكة دائماً، يربكني فقدُ جدّي، وغياب أمّي، وذهول جدّتي، وتربكني وحدتي، أحياناً أمقتها وأتمنّى لو كان لي إخوة كثر يشاطرونني هواجسي، وأخرى أستمتع بها، وأحسّ بمساحة الحرية التي تتيحها أمامي.. صديقي صوت رهانا Rihanna التي أحسّ أنها تغني عني، أو لي، أو أنّ صوتها يخرج من فمي، ويفضح نفسي.
Page 4
You can See my heart beating

Oh you can See it through my chest

Said I’m Terrified but I’m not Leaving

Know that I must pass this test

And as my life Flashes befor my eyes

I’m Wondering will I ever See another Sunrise

So many Won’t get the chance to Say good Bye

But It’s too late to think of the value of my life.

يمكنك أن ترى أنّ قلبي يخفق

يمكنك أن تراه عبر صدري!

أنا خائفة، ولكنني لن أرحل

فعليّ أن أنجح في الاختبار

أرى شريط حياتي يمرّ أمامي

وأتساءل إن كنت سأشهد طلوع الشمس مرّة أخرى

الكثيرون لن يتمكنوا من وداع بعضهم بعضاً، لكن قد فات الأوان، ولا جدوى الآن من التفكير بقيمة حياتي.

أسمع أحياناً، فأحسّ بالأسى، وأحياناً أخرى يصدح صوتي بالكلمات، وأغلق أذني وأروح أغني بأعلى صوتي، وحين تنام صبا عندي يجنّ جنوننا ونبقى نتراقص ونرندح بأغاني Beyoncé و Avril Christina Aguilera . حتى منتصف الليل، وأحياناً حتى الثالثة فجراً، فلا نُصاب بالإعياء، ولا يزورنا نعاس.

صديقتي صبا تحيا عالمين متباينين كما تخبرني، تنطلق وهي بصحبتي على سجيتها، ترقص وتغنّي، ولا نتخاطب إلّا بالإنكليزية، لكنها حين تعود إلى منزلها تبدو وكأنها شخص آخر لا أكاد أعرفه.

حين زرتها في منزلها وجدتها أكثر هدوءاً ورزانة، تتعامل بدقة واضحة مع والديها، لا سيّما والدها، يبدو إنساناً متزمتاً يزن كلماته بميزان فائق الدقة، ولا يبدي ارتياحاً لوجودي، لذلك كنت أشجعها على زيارتي أكثر ممّا أزورها، نستمتع معاً بمساحة الحرية المتاحة لنا في قصر جدّي.

الصداقة التي انعقدت بيني وبين صبا قديمة بعيدة، ربّما مذ التحقنا بأوّل صفّ مدرسي، لا نعرف كيف يولدُ الحبّ في القلوب، لا يعنيني هذا الأمر، ولا أفكر فيه كثيراً، لكني أدرك أنّها أكثر مخلوقة أحبّها على هذه الأرض، أحبّها أكثر من جنى، وأكثر من أمّي حتى، بمجرّد أن نلتقي تولَد بيننا الضحكات، يسري بيننا تيار يجعلها تُفرّخُ بسرعة هائلة، نستعرض معاً كلّ شيء، كلّ ما مرّ بنا خلال النهار، كلّ الأقوال، كلّ المواقف، وأتفه الأحداث، كلّها تضحكنا، نجعل لها توليفات ومقدّمات ومؤخرات وتعليقات وننطلق نضحك بصفاء ليس له مثيل.

عيد ميلادي الحادي عشر، الحفلة التي أقامها جدّي للمناسبة كانت مذهلة. الفنّانون، والمدعوون، السيّارات الفارهة تتوالى، والمأكولات الشهيّة، والزينة الرّائعة، والمفرقعات، مفرقعات تشتعل وتتوهّج وتسلب الألباب، وأكثر، تجرأت وطلبت منه إحضار مطرب كنت أتابع حفلاته، وأسمع كلّ C.D جديد له، فرفض، لكن المفاجأة التي صعقتني ليلتها، ودفعتني لعدم الاهتمام بالهدية الثمينة التي قدّمها لي هي حضور ذاك المطرب وغناؤه معنا حوالى عشر أغنيات، جعلت صديقاتي وأصدقائي يجنّون قفزاً ورقصاً وفرحاً.

كانت الساعة قد بلغت الثانية بعد منتصف اللّيل عندما بدأ المدعوون يغادرون السهرة أفراداً وجماعات... غادر أصدقائي المكان وبقيت صبا، رجوتُها أن تكون ضيفتي تلك الليلة، واتصلت والدتي بوالدتها واعدة إياها بحرارة برعاية ابنتها، فهي مثلي بالنسبة لها، وبأنّ السائق سيوصلها صباح اليوم التالي عند التاسعة إلى منزلها، عند العاشرة، أو حتى عند السابعة، أو... فأذعنت الوالدة، وسمحت لصبا بالمبيت.

عند الساعة الثالثة فجراً، لم نكن قد انتهينا بعد من فتح علب الهدايا، نفتح العلبة فنعجب ونندهش، وقد نبرطم أو نصفّق. بعض الهدايا كان بديعاً، ولاحظت أن صبا قد أحبّت دمية سمراء، وخفضت بصرها أكثر من مرّة، وهي تنظر إليها، بل إنها وضعتها في مكان بعيد نسبياً عن سائر الألعاب، وكلّما فتحنا علبة جديدة نظرت إلى تلك الدّمية باشتياق خفي، قلت لها بعزم:

ـ خذيها، هذه لك.

لكنها رفضت، رفضت بإصرار، وألححت بإصرار وتجادلنا، وعلا صوتنا، ونحن نغرق في جدالنا رحنا نسمع أصواتاً بعيدة، تعلو صارخة حيناً، وتهمهم حيناً آخر، لم نعر الأمر كبير اهتمام بداية، واستمرّ جدالنا، لكنّ الأصوات راحت تشتد وتعلو، واتضح الألم في نبراتها، كان صراخاً بشرياً حادّاً مألوماً، ركضنا كلتانا إلى النافذة المطلة على الحديقة، رأينا شكلاً آدمّياً تدحرج على الأرض، قُذف من باب الكاراج، يركض خلفه ثلاثة شبان متأنقين، يلبسون بزّات سوداء، يتسارعون أيّهم يدوسه أو يصفعه، أو يقذفه مسافة أبعد، التفت مذعورة إلى صبا، وجدت وجهها شاحباً، قد انسحبت الدماء من شرايينها، شفتاها ترتجفان، قفزت عن المقعد الذي ثبّتنا رُكبنا عليه، وقفت بهمّة صائحة سأنادي جدّي، فجذبتني صبا من يدي، وأشارت برأسها كي ألتفت مجدداً إلى الخارج، كان جدّي يقف خلف الشبان الثلاثة وقفة جامدة متمعنة، سيجاره في يده، تتعالى دوائر الدخان كثيفة منه، لتبدو من خلال الضوء الخارج، وكأنها أرواح تتراقص إلى أعلى، قلت لها: