الاهــداء
الى تلك الكلمات التي تتساقط دهشة وجــــمال....
لازالت أعنون هويتي تحت ناصية عـــــيــناك.....
ولازالت تحتويني كل الطرق مسافات من شوق آسر بالدهشة
تحت فيافي سحرك..
اليــك..
بعض منك.....
المقدمة
تسعى كل ذات الى البحث عن هويتها، إذ ان الهوية ليست وجوداً مسبقاً ! بل وجود مكتسب تفرزه معطيات يتضايف فيها الواقعي بالفكري لتشكيل إنتماء الانسان وتكوين خصائصه التي يعرف بها في مجتمعه. والكتابة هي احدى الفعاليات الانسانية التي تشكل معلماً يتفرد من خلالها الكاتب عن غيره لما تمتلكه من وعي يتساوق مع تقادم الزمن لتحيين اللحظة التي تسعى الى الإمتداد من الماضي الى الحاضر في محاولة البحث عن الوجود ذلك الأرق الأزلي الذي أصاب الانسان مذ ان بدأ يفكر في ان الماء أصل الأشياء وتبعته دهشة أرسطو ليجادل بها الوجود بما هو موجود. وربما ان الكتابة ولاسيما بشكل كتابي جديد هي تعبير عن صحوة هايدجر حين تساءل لماذا ثمة وجود وليس ثمة عدم ؟ لتكون هذه المرواة للـ(د.عمار احمد) شكلاً من أشكال ذلك التفكير في العدم وإخراجه الى حيز الوجود بشكل صيغة فردية، إذ ان المرواة ليست شكلاً كتابياً جديداً فحسب؛ بل هي رؤية ذات الى الوجود واسلوب تفكير في حياة تحاول التعامل معها والتعالي على مسلماتها بإنشاء حضور يمتلك بيان ولادته دون أية مرجعية ! وهو ما جعل قراءتها تمثل تجربة إبداعية تضاف الى تجربة كاتبها وهو ما جذبني اليها قبل سنوات حين أهداني كاتبها نسخة منها، فكتبت مقالي الاول عنها سنة 2007 والمنشور في جريدة الزمان، إذ شعرت حينها أنني امام تجربة تختلف عما كنت أجده في نسق الاجناس الادبية، ولاسيما ان الخيال الذي أوحت به إليه (المرواة) لا يمتلك اتصالاً الى ذاكرة خيال الاجناس الادبية، وحين فاتحني صديقي العزيز الأستاذ (جعفر أحمد) في كتاب عن هذه التجربة المتفردة، وافقته على ذلك لما تمتلكه هذه التجربة من خصائص متميزة تجعلها جديرة بالوقوف عليها والتفاعل معها، ليس بوصف النقد عملية مجتزأة عن فضاء المرواة، بل تفاعل خلاق يستمد مكوناته من المرواة بكل تجلياتها الثقافية والفكرية؛ لأن الوعي الذي تقصد إنشائها من قبل (د.عمار أحمد) أنطلق من تمثلات ذاتية أختطت لنفسها نسقها وشكلها وعالمها بكل مُثله في إنتمائه الأفلاطوني وواقعيته الأرسطوية مندفعاً أكثر في تشييد دقائق ذلك الوجود من تقلبات وتداعيات لغوية (العنوان، الموسيقى، الجذاذات) تسعى كل واحدة منها الى الى التمايز عن غيرها وفتح عوالمها الثقافية وحيازة بؤرة العمل بإنتمائها اللغوي والدلالي وفضائها الطباعي.
فالمرواة أعتراض فكري لقواعد الالتزام والنزوع الجمعي من قبل دعاة التطبع مع الاجناس الادبية السابقة، وتقييماً ذاتياً من قبل (د.عمار أحمد) لواقعه وزمنه وانفتاح وعيه ومدى تفاعله مع العالم الذي يعيشه. والمرواة تَشكل مفتوح لا يسعى الى إستيفاء المعنى من خلال حكايته، إذ لا نفهم منها ما هو الآن فحسب ولاسيما شكلها الكتابي الذي يضمر مكيدة مقصودة نحو الوعي الذي استهلكته تقليدية الجنس، فهي (المرواة) تخلق تآلفها الثقافي بذاتها بعد أن تَعمد الى تحرير القارىء من تبعيته للذاكرة المقيدة بعناصر وتقنيات الاجناس ودفعه الى الوقوف بوعيه في فضاء (المرواة) في متواليات متتابعة من تمثلاتها العصية على الانتماء او انحيازها لذاكرة سابقة عليها.
إن تجربة (د.عمار أحمد) الكتابية تستفز ثقافة القارىء ولاسيما أنه تعمد هذا الاستفزاز الفكري بدءاً من العنوان الذي أثث ملامحه التشكيلة برؤيته الذاتية، وأضاف اليه الموسيقى في المتن بكل إيحاءاتها التجريدية ما تتطلب قارئا متميزاً يستطيع ان يتمثل ذلك الحراك التفاعلي بين بنية المرواة والموسيقى دون ان يقع في تقاطع فيما بينهما، ثم أضاف (د.عمار أحمد) الجذاذات التي تخللت المتن وهي حالة متفردة تضاف الى تفرد الحالات السابقة.
ومن الجدير بالذكر أنني كتبت عن الطبعة الأولى عن هذه المراوي الصادرة في نينوى عام 2003، قبل صدور الطبعة الثانية الصادرة عن دار الحوار 2011، فجاء هذا الكتاب وهو يؤسطر لتلك المثالية القرائية ولنظرية القراءة حين يتغير شكل الكتاب وشكل الورق وحتى تلك الرسوم التي تزين واجهة الغلاف، وهو السبب الذي دفعنا الى أن نضمّن كتابنا هذا غلافي الطبعتين كي لا يلتبس الأمر على القاريء.
إن هذا الكتاب هو وقفة تأملية لهذا التشكل الجديد للفضاء السردي بكل أسطرته الذاتية وحكاياته المُخلّقة من قبل كاتبها وتشخيص مواطن الجمال والتفرد فيها في محاولتها لتجاوز القادم والسعي الى كسر خطية التجنيس بطريقة تضمن لها البقاء رغم توالي الزمن، ونستطيع القول إنها الساعة الأن، إنها (المرواة) وهي ما تشير الى ساعة (د. عمار أحمد) بكل زمنه ومكانه وثقافته ونرجسيته الإبداعية وطموحه في بناء شكل يبعث حياته من تلقاء نفسه دون المرور بهواء سابق..!.
د. عامر جميل شامي
عنوان المرواة ونرجسية الإبداع
يعد العنوان موازياً نصياً يحتشد بثقل معرفي وإيحائي لا يقل عن نصه في إمتلاكه ذاكرة تكتظ بالتأويل والإيحاء الذي يشير الى طبيعة العمل الأدبي، إذ يعمد الكاتب الى أرشاد/تضليل قارئيه حين يضع عنواناً ملازماً/مفارقاً لعمله ليرفع بذلك من شدة التوتر الجمالي المرتسم من معنائية العنوان ودلالة النص، فالعنوان (( ضرورة كتابية، فهو بديل عن غياب سياق الموقف بين طرفي الاتصال))(1) وعتبة مهمة من عتبات النص وبؤرة التمركز الذي تتفلت منه الدلالات الموجهة لكل مجاهيل الابداع التي يتضمنها النص ويحتويها على وفق مرجعيات متباينة تحكمها آليات القراءة وطاقاتها التوجيهية والبيانات المنهجية في التعامل مع هذه البنية المكثفة والملغزة حد التقعر وانحنائه نحو هاوية مجهولة المقاصد لإختفاء مرجعيته السياقية وانقطاع بنيته النحوية فـ((العنوان مجموعة من العلامات اللسانية التي يمكن ان تدرج على رأس نص لتحدده، وتدل على محتواه))(2) لكن ليس قاراً ان يكون (دالاً) إذ ان العنوان طاقة مكتنزة الدلالة تجزيء عن دلالة النص حيناً وقد تنشق عن دلالته حيناً آخر كأن يكون العنوان دالاً على السعادة فيما النص يحتشد بالحزن.
وبتضايف خلاق تُفعّله القراءة يتحول العنوان الى فسيفساء لا تستقر على دلالة واحدة لتبدل التجليات التي يعيشها النص في انكشاف إسراره المتزامن مع تداعي القراءة، فالقارىء يدخل الى النص من خلال بوابة العنوان، ولكن هذه البوابة سوف يتجدد دخول القارىء منها مع كل سياق يكتشف فيه شيئاً جديداً، وهذه العودة في الدخول تتيح له اغناءً لقدرته على تأويل النص، لما يشكله العنوان من احالة(( الى عمله بكفاءته الفائقة في التحول من كونه واقعة لغوية والصعود بفضل التلقي الى مستوى النص، ان تعليق احالة العنوان الى عمله على امتلاكه نصيته يمثل اساس مقاربة العنوان نقدياً، وادخال التلقي كفاعل لهذه النصية هو نقطة ارتكاز مهمة فيما يخص اجراءات التحليل وما ان ينتهي القارىء من النص، حتى يكون العنوان قد اكتسب بوابته التي تليق بالتصور الذي خرج به القارئ عن النص ))(3) على ان لا ننسى ان ((العنوان بنية رحمية))(4) فربما تجدد دلالته بتجدد قراءتنا لنصه، وصولاً الى جمالية تخرق قانون الأشياء من أجل أن تؤسس واقع النص القلق في كل الأحوال؛ لأن الدلالة عائمة على سطح من التماوج والاهتزاز المستمر لأستقرار المعنى. فالكاتب يعيش حالة من النرجسية المتسامية حين يسعى الى إختيار عنوان نصه، في نوع من الحب الأفلاطوني في نظرته للأشياء غير المرئية (العالم المثالي) وهو يعاين ماهيات النص في صيرورته الأولى وليس في واقعه الكتابي فحسب، لأن في واقع النص المتخيل قبل ان يدون يكون الكاتب أقرب الى دلالات النص وهي في حالة إنعتاق من إنتمائها الكتابي ما يمكنه من الأطلاع على كلية فضاء النص واختيار العنوان المناسب له، على انه يبقى في جدلية هيغيلية مستمرة (مركبها) الذات التي هي من أوجد (النص) و(نقيضها) الذات التي تفكر بـ(العنوان) وتنتقل من واحد الى آخر وصولاً الى عنوان مناسب مع قصدية الكاتب بإختياره لعنوان يتناسب مع نصه (عنوان تجنيسي) أو بعيد عن نصه(غير تجنيسي) و(صيرورتها) المتولدة هي الذات حين يكون العنوان جاهزاً مع نصه التي تشكل العنوان والنص ويمثل فيها الكاتب(دور القارىء) في دورة خلاقة من الوجود يتعاطى فيها الكاتب مع كلية وجود النص حين يكون هو (الكاتب للنص) وهو (الشخص الذي يختار العنوان في حالة يعي فيها كلية النص وسعة أنفتاح دلالته) وهو (القارىء الذي يوافق على هذا العنوان ويرفضه الآخر)، فالعنوان لا يقل شأناً عن نصه؛ بل هو نص قائم بذاته قابل للتحليل والتأويل والمتعة؛ لأنه (( ذو حمولات دلالية وعلامات ايحائية شديدة التنوع والثراء، مثله مثل النص... واذا كان النص نظاماً دلالياً وليس معاني مبلغة، فإن العنوان كذلك نظام دلالي رامز له بنيته السطحية ومستواه العميق مثله مثل النص تماماً))(5) وإن أرادة القوة في البقاء / النيتشوية يمتلكها العنوان مثلما توجد في داخل النص، إرادة قوة تنتزع من القارىء حقها في البقاء لأنها الأقوى(سوبرمان/نيتشة) لتتحول إرادة العنوان الى (super language) تلك اللغة ليست المتعالية بدلالتها فحسب؛ بل وبقوة إزاحتها لقوة النسيان التي قد تمحو النص من ذاكرة القارىء لكن من الصعب جداً عليه ان ينسى عنوان النص، إذ يسعى كل من العنوان والنص الى حيازة هذه المرجعية وإثبات حق الوجود وفق مرتسمات الأنسان المبدع، فالإبداع علامة بوجه تقادم الزمن وسلطته الساعية نحو محو شواخص الذوات الثائرة على قوانينه والمتمردة على سلطته، ولوضع حد لقوة الزمن المستمرة في إجتياح ثبات الذاكرة حول كل مع ما يتعارض مع سلطتها تأتي مرواة (د.عمار أحمد) كإرادة تسعى الى التعالى على هذه السلطة.
فبنية العنوان في مرواتي (د.عمار أحمد) (بي_آبو_نان و الجوائح) خاصة إذا علمنا انه هو من قام بتصميم غلاف مجموعته بنفسه، ليضعنا أمام تصميم إبداعي ينمُّ عن نرجسية خلاقة أستطاعت صياغة العلامات اللغوية / الإيقونية في تأطير جمالي تجسد من خلال بنية العنوان، إذ أن أسم (د.عمار أحمد) الذي إعتلى صفحة العنوان في تلقيه الاول يعد بنية عادية الإنبناء في الإشارة الى صاحب النص؛ لكن الإشكالية في حرف (الواو) الذي جاء بعد أسم (د.عمار أحمد) فأصبحت (الواو) بنية إرباك وقلق تثير المتلقي في إيجاد الآليات التحليلية التي تستطيع ان تضمن لذات القارىء إطمئناناً معرفياً يرضي فضوله القرائي فتمكنها من فضاء طباعي دون مشاركة أي بنية لغوية يجعلها تنعتق من أية مرجعية نحوية محددة تقيدها وتكسبها دلالة التعيين أو الإنكشاف، فـ(الواو) دالة حرة قابلة للتأويل وفق طبقات متعددة المرجعيات دون معرفة أي من هذه الطبقات يتعالق دلالياً مع بنية العنوان، فإذا كانت (الواو) واو المعية/ فإن الكاتب يعمل على زج إسمه (د.عمار أحمد) مع (بي _أبو _ نان و الجوائح) كبنية من بنيات العنوان ما يدفع جذوة التوهج والإدهاش في إسمه الى مصافي عنوان المرواتين فهو قابل لتكرار التأويل مع كل تداعي معرفي يحصل أثناء القراءة، فإذا كانت الصدمة المعرفية للقاريء مع العنوان تتكرر إفرازات معطياتها مع كل إكتشاف يحققه القارىء أثناء قراءته لنص ((حتى تتحول الحمولة الفنية الثقافية للعنوان بالقياس إلى نصه إلى مسافة توتر جمالية خاصة اذا استطاع الاديب ان يفاجيء القارىء بشكل يغير توقعه الذي ابتناه لدلالة النص اعتمادا على عنوانه ))(6) الذي شكله بقصدية واعية جعلت إسمه يتضايف بصيغة/المعية مع بنية العنوان، ما جعل أسمه وبالرغم من كونه إسماً علماً دال على ذات مشخصة يتجلى بدلالات تتوازى مع تجليات التأويل التي تنتاب العنوان وهو ما يبرر الحاجة الماسة التي يتوق إليها الكاتب في إستبطان تقانات/سلوكيات تخضع لنواميس عالية التعقيد في سعيها الدائم نحو الممكن لتأسيس تواصل جديد يتخطى السائد والمتعارف عليه ويدفعها نحو التخلخل والتأرجح لتفكيك آصرتها التلازمية التي أبقت إسم المؤلف بعيداً عن إسم العنوان.
المسافة الجمالية و(واو) الإستئنافية
الجمالية لا تحقق بوجود الجمال مسبقاً في الشيء دون مشاركة ذواتنا في تقويم العمل وادراكه ضمن معطياتها الفنية التي يحتويها، او التي نكتشفها من خلال معاينتنا الجمالية له، وقد كان افلاطون ممن ينادون بموضوعية الاحكام الجمالية. ولأن الجمالية تتحقق اعتماداً على موقفنا الذاتي ومدى تأثيره على من يدركونه، لتزداد قيمته الجمالية بازدياد المعجبين بتأثيرها(7) هو ما يتحقق حين نعاين (الواو) في العنوان على أنها إستئنافية، فإن المسافة الجمالية تأخذ توتراً إدهاشياً آخر، إذ أنه سيرفع أسم (د.عمار احمد) بوصفه بنية لغوية الى مصافي التوازي مع بنية العنوان، ففي الجهة الاولى يكون الاسم (د.عمار أحمد) وفي الجهة الموازية لأسمه سيكون عنوان المرواتين (بي-آبو-نان والجوائح) ما يعني أنه يمتلك مشروعية التوازي والغموض والتكثيف المناط بالعنوان، ما يجعل إكتشاف مغامرة العنوان من خلال النص لا تقل مغامرة عن إكتشاف إسم الكاتب في معادلة تعزز واقعاً قرائياً بعيداً عن حالة الإقصاء والمحاصرة، وهو بهذا يخرج بالإبداع من المعنى الضيق الى فضاء أوسع يجعله ركيزة جمالية للتحول والقدرة من خلال تسخيره لأداة الإبداع (اللغة) بكيان تخطيطي قصدي يخرج عن مجال القياس الذي يسعى الى تهميش دعائم الإبداع بإرتكازه الى منطق التقابل والتقويم ليدخل إسم (د.عمار أحمد) بإتقاد شعري يوازي بنية العنوان (بي-آبو-نان والجوائح) من جهة وشعرية النص من جهة أخرى لنكون أمام منعطف جمالي يدفع أسم الكاتب الى مصافي بنية دلالية تتوسط البنية الدلالية الصغرى (العنوان) والبنية الدلالية الكبرى (النص) فلم يعد إسم الكاتب منتظراً على مصاطب التأويل المتكون من قراءة النص؛ بل أصبح يمثل بنية تأويلية تساعد بنية النص من الخروج من متاهة العنوان والدخول في متاهة أخرى، لأن ما يسعى إليه (د.عمار أحمد) هو التشكل لا الشكل بوصف الشكل بنية قارة في حين أن التشكل تجليات مستمرة من الإنزياحات والمغايرة، وجاءت البنية اللغوية (مرواتان) في اسفل العنوان لتصدم بشدة أكبر من صدمة (د. عمار أحمد) و( بي_آبو_نان و الجوائح) في تطرفها الإجناسي عن باقي الانواع الأدبية، فالمرواة كما يعرّفها (د. عمار أحمد) في مقال له في جريدة الزمان بتاريخ 28/8/2005 – بأنها (( نص مفارق يتحرك خارج دائرة التمايز والتنافس، نص مكثف بعلاقاته وقوانينه))(8) محلقاً بذلك في فضاء حكائي يسعى الى ان يكون موازياً للرواية والقصة القصيرة، على أن ظهور هذا (الشكل الكتابي) يدل على وعي عالٍ عاشه الكاتب وهو يحاور صوره الذهنية المجردة وصولاً الى نقلها من الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل، فقد سعى الكاتب الى ان يروض الأجناس الأدبية للخروج بزي حضاري الذي يتناسب ورؤيته الإبداعية عن كيفية تشكيل تفرده الذاتي وإنتمائه من خلال شكل كتابي أراد ان يكون هو المؤسس والحاضن الأول من خلال مسوغات (المرواة) التي نشرها في مقال ثانٍ في جريدة الزمان بتاريخ 29/8/2005 - فيما يأتي إيجاز منها( 9):-
• المرواة نص مسرود يقوم على نص موسيقي، ونحن معه في إضافة النوتات الموسيقية الى سياقات النص قد قفزت بالمخيلة للقاريء الى أعلى درجات التوتر وجعلت اللغة تتسامى فوق تعابيرها، فكانت الموسيقى أشبه بالميتافيزيقيا في اللغة.
• إلغاء المقدمة الإستهلالية فالكاتب دخل بزخم سردي وإبتداع معرفي ولغوي عنيف، ما جعل القارىء يعيش حالة من الإستنفار لكل حواسه مع لحظة إلتقائه بالمرواة.
• تشتيت المبنى الحكائي وتغييمه لحساب المتن الحكائي، وهو ما يفسر إلغاء المقدمة الإستهلالية.
• النشاط الشخصي للفضاء الحكائي، العنصر الأهم لأن الكاتب حرص منذ اللحظة الأولى على مد مرواتيه بالحكايا في إختلاق أصيل لذاكرة تؤسس لنفسها (بعيداً عن إدعاء باختين وجوليا كرستيفيا).
• إجترح شخصية رئيسة لم يعتمد عليها روائي او قاص، وهي التوليف ما بين الأدب والموسيقى (الموسيقار الأديب) بتراسل فني عالٍ يؤهله لاتخاذ موقف دقيق من العالم.
• توظيف التلقي البصري من خلال الحرف (الغامق) والحرف (الفاتح) للتمييز ما بين الراوي العليم والشخصية الرئيسة للمرواة.
• فالمرواة في سعيها أن تكون شكلاً كتابياً جديداً، هي محاولة لتخليق المكونات الجمالية الغائبة في الأجناس الأدبية، لأن العلاقة بين الأجناس الأدبية ليست علاقة إنطباق كلي، فلكل جنس أدبي إستقلاليته النسبية.
وهنا يتجلى الإبداع بوصفه تفرداً للذات وقدرتها على الموازنة بين المستحيل والممكن باستثمار الفسحة النسبية بين الأجناس الأدبية لإستيلاد أشكال جديدة، وهو ما يمثل إنتقالاً في وعي الكاتب من التلقي السلبي الخضوع القرائي الى مرحلة المصادمة والمناورة والخروج من سلطة الجنس الأدبي ونضوج الوعي وإتقاد جذوة الابداع في إنتشاء فني يعكس رغبة الكاتب في قراءة واقعه ونظرته لتقلبات الأشياء من حوله (بإشكال أدبية) ترقى الى ان تتعالى على هذه التقلبات لتبقى حاضنة مثالية لكل إنشطارات الواقع ونرجسية تتسامى عن كونها إضطراباً؛ بل بوصفه نرجسية إبداعية دفعت الكاتب الى ان يضع صورته وسط غلاف مجموعته، وهي محاولة أراد من خلالها ان يخلق توازناً بين فيتيشية اللغة وقدرتها على حيازة إستقطاب القارىء وقدرته لتكوين صورة بمثابة عنوان مجموعته (بي-آبو-نان والجوانح) وقدرتها على ضبط النص وتوجيهه وإغناء دلالته، فإذا كان العنوان وسيطاً لإكتشاف النص فإن (صورة د.عمار أحمد) أراد لها ان تكون وسيطاً ثانياً تبعث الغموض في النص مثلما تعطيه شواخص الهداية للخروج من متاهات النص، فضلاً عن أنها لم تعد صورة فقط؛ بل أصبحت تمثل إمتداداً سيميائياً (صورة) وكأن الفضاء الطباعي للعنوان لا تتم قراءة تضاريسه إلا بنظرة تساوي بين العلامة اللغوية والعلامة الإيقونية فلا وجود للإعتباطية في تأثيث العنوان من هذه التركيبة الفسيفسائية التي بالرغم من تنوعها ما بين الكتابي (العنوان) والإيقوني (الصورة) إلا أنها جاءت منسجمة مع فضاء المرواة بكل إنشطارات ذاكرتها، فالصورة ستبقى تحمل تعالقاً وجودياً في ذاكرة فضاء المرواة وذاكرة المتلقي برغم توالي السنين، فصورة (د.عمار احمد ) ستبقى ثابتة بكل ملامحها وتفاصيلها؛ بل وحتى موديل الملابس التي يرتديها في الصورة والذي يشير الى حقبة من الزمن، هذا كله أراد له أن يكون شاهداً بمدونته ومحموله الوجودي (الجسدي الثابت بكل ما عليه) على تلك اللحظة من الزمن التي شهدت ولادة مرواته؛ لأن ما كتبه لا يتقادم عليه الزمن وقابل للتجدد مثل صورته، إذ إنه دق أسفين إبداع فوق تداعي الايام وسطوة قوتها في تهرئة كل ما هو موجود، لتظل محاولة (د.عمار أحمد) في (المرواة) تحمل كثيراً من التساؤلات المثيرة للجدل وهي تعكس معياً عالياً يسعى الى ترويض فوضى الأشياء من حوله وغرابتها في شكل كتابي يسقط عنها أسباب الجمود والسكون.
المرواة واغتيال مفهوم الجنس
أن هيمنة الرواية على الذاكرة منذ القرن السابع عشر بوصفها جنساً أدبياً أدى الى جعلها أحد النماذج القارة التي شيدت لها حضوراً يتكيء على عناصر تتباين في الظهور ما بين الشخصيات والزمكان والحدث والسرد والوصف والحوار، وانعكست هذه الهيمنة على المخيلة التي ترسبت فيها هذه العناصر بفعل تكرار الذاكرة الثقافية التي أخذت تتكرر مع كل نتاج روائي، فإنتجت لنا كماً هائلاً من الروايات التي يتمايز بعضها عن بعضها الآخر حسب ظهور أو هيمنة عنصر دون آخر على مجريات الرواية.
وإذا كان ظهور الرواية متناسباً مع التغيير الحاصل بين طبقات المجتمع ومكوناته الإجتماعية وتعبيراً عن التنوع الثقافي الذي طرأ في بنية المجتمع، كظهور الطبقة البرجوازية التي إستدعت هذا الجنس الأدبي الذي يلبي حاجات هذه الطبقة بكل متطلباتها السسيو-ثقافية وكما يرى هيجل- أن ظهور الرواية مرتبط بالتطورات الإجتماعية/البورجوازية، وأن الانتقال من الشعر إلى النثر انتقال من المشاع إلى الرأسمالية، وأن كل واقع اقتصادي جديد يقرر شكله الأدبي اللائق(10) به، إلا أن المتغيرات الماركسية/ الاقتصادية ليست كافية فحسب، إذ إن المتغيرات السياسية تمثل دوراً بارزاً في فرض تأثيرها ليس على الواقع الإجتماعي فحسب؛ بل على الواقع الثقافي أيضاً. وهذا ما بدى واضحاً بعد الحرب العالميتين وما رافقهما من مساعٍ متصارعة في رغباتها الثقافية لتغيير كل معالم الثقافة والفنون، فكانت الرواية أحد هذه الأشياء التي أصابتها رغبات التغيير، فكان الخروج عنها يمثل خروجاً عن سلطة اللوغوس التي مركزت وجودها منذ قرون واكتسبت معها هيمنة لا يمكن زحزحتها بسهولة؛لأن الأفق القرائي قد حدد معالم تفاعله مع الرواية وفق عناصرها وإن أي خروج عنها سيعد مجازفة قد تودي بصاحبها الى الإتهام بالقصور من ضعف مرده الى عدم قدرته على تأثيث روايته كما إعتادته الأنساق الروائية وبالتالي وقوعه في الفشل والضعف. على أن الحركة الرومانسية الالمانية التي طرحت مشروعها النقدي عن الرواية في مجلة (أتينيوم L'Athenoeum) كانت تسعى الى طرح مشروع الرواية كـ(مطلق ادبي) يستطيع أن يتخطى مسألة الأجناس الأدبية لخلق (كلية عضوية) قادرة على خلق نفسها وخلق عالمٍ غير مجزأ قادر ان يكون خليطاً من المحكي، والنشيد، ومن أشكال أخرى لا تبتعد عن عناصر الرواية حتى ذهب شليغل الى أن (كل نظرية للرواية يجب أن تكون هي نفسها رواية) وضمن التأويلات التي قدمها لوكاش توصل الى أن الرواية شكل مطابق للتجزئة والتشظي والإستلاب ما يوقع شكلها في أتون من الصيرورة الدائمة وهو ما يسمح بتجاوز نفسها بنفسها (11). فكانت المرواة شكلاً جديداً إستولد نفسه بنفسه تمهيداً لتفكيك هذه المركزية الكتابية القائمة من قبل الرواية من خلال علاماتها الفارقة وسماتها المتفردة في وجودها، صراع قائم بين إنكشاف يروم إحتجاباً والمتمثل بعناصر الرواية التقليدية، واحتجاب يروم إنكشافاً والمتمثل بعناصر المرواة الجديدة التي كتب (د.عمار أحمد) بيانها الأول بـ(عين الغيمة بيان شخصي) عام 1993 ثم تحولت هذه التجربة الى مسمى (الكتابة الغيمارية) ناحتاً التسمية من (عين الغيمة) ومن (اسمه/عمار) واعتمدها كموجه قرائي في مرواته (يتفوضى هذا البريء الملغز) المنشورة في جريدة بابل عام 1994-1995 فقد إعتمد المرواتي (د.عمار أحمد) على الحكاية؛ ولكن بذاكرته هو بوصفه مرجعاً ومبتدءاً يخبر عن حكاياته كيف ما كانت تحت محك مخيلته ولغته وبسرد مفكك الترابط متراص الفكرة مع موسيقى شدّت عناصر المرواة الى فن إستطار في كل جمل المرواة مع إلغاء للمقدمة الإستهلالية وإنتزاع المكان من وضعه الجغرافي التاريخي ووضعه في سياق ذهني خلاق أستطاع ان يصور هذه الإمكنة بأشكال تتوقد بالحركة والحياة حتى ((صار الهدف الكبير إيجاد فضاءات كلامية تخرج بقوة على القائم والمنجز، فلا قداسة لجنس أدبي، والركون لسطوته بوصفه تابو منيعاً لا تجاوز لحدوده، نوع من التضامن مع الكل بحكم الخنوع لفكرة القطيع))(12) التي لم تجد صداها في نفسية المرواتي (د.عمار أحمد) الذي سعى الى إجتراح شكل جديد يتجاوز تلك المركزية اللوغوسية في أفكار القراء الذين توارثوا فكرة الجنس الأدبي بكل خصائصه التي كادت تكون مقدسة عند بعضهم، فالرواية عبر عقود من الزمن عملت على تعميق ذلك الوعي وخداعه بفكرة الجنس الذي لا يمكن تجاوزه حتى تم تضليله بأن (ليس بالإمكان أفضل مما كان) وأخذت هذه المركزية بالتوارث والتكرار مع كل المتغيرات التي كانت تعصف بالعالم (( فالذين إبتكروا الأجناس بشر، ولكن القبول الذي حضيت به هذه الأجناس والتقادم الذي رسخها، جعل التمرد عليها والرغبة بتجاوز سطوتها بنظر الكثيرين كفراً أدبياً))(13) لا يمكن إقترافه، وهو وعي زائف تلذذ بخداع نفسه وتسور حول أردية فارغة من المعقولية؛ إذ أن من غير المعقول القبول بالرواية بوصفها جنساً أدبياً والتسويق لها فكرياً وإجتماعياً كولادة شرعية للملحمة، دون القبول في الوقت نفسه بظهور جنس أدبي قد يحمل في بعض ملامحه إنتماءً للرواية لكنه في الوقت نفسه يمتلك بيان الولادة والإستقلال عن غيره، فالوعي يتقدم على نفسه، ولا بد أن يكشف اللعبة التي وقع فيها من إنسياق متوارث كان يصدق في فترة ما لكنه لم يعد صالحاً لفترات بدت تجد معقولية جديدة لا تعترف بتلك التقاليد العقلية من السببية والعلية وقدرتها على بناء فكري متراص، إذ ان المرواة تكشف عن حضورها بعيداً عن السياقات الواقعة تحت تسلط الفكر الأحادي المتمركز والمتعالي وهيمنة التماسك وتاريخ الشكل الإجناسي، فهي يقظة واعية تشكل وجودها بوصفها حركة واقعة ضمن مسارات التاريخ فرضتها ((الأنا المثاليةEgo Ideal وهي الصورة المثالية التي يتمناها الشخص ويحب ان يصل إليها أو أن يسلك مثلها ))(14)بدافع كوامن هذه الشخصية الفاعلة Type-Active والتي تفرض نفسها على الآخرين بسلوكياتها(15)، فالمرواة ليس شكلاً كتابياً جديداً فحسب؛ بل إنفتاح على الوجود برؤية ذات واعية لراهنها التاريخي وموقفها مما يدور حولها بكل زخم الوجود الذي تستشعره، إذ إن الذات الفاعلة تسعى الى تأثيت وعيها وفق منظومتها الذاتية بعيداً عن أي تأثير إستباقي يسعى الى تدجينها ومحو مواقفها المتعارضة مع السائد الذي كوّن قيم أصبحت وجوداً لا تستطيع الأكثرية أن ترى أوسع من هذا الوجود وصولاً الى مواقف قد تعدُّ كل شكل كتابي هو موقف موجه ضدها أكثر منه موقف مفتوح القصدية، ما يدفعها الى تكوين رؤية مشوهة بعيداً عن الموضوعية والإنعتاق من ربض هيمنة السائد.
فالمرواة تتجاوز أية مرجعية تحاول أن تحجز على عائديتها لها، فهي شكل ينمو ويتطور؛ لأن العناصر التي تعتمد عليها تفتقر الى قانون الحتمية باعتمادها على مبني حكائي يتخلق بعين رؤيوية لإنشاء واقع نصي مفارق يتعالى على المتن الحكائي بسرديته المفككة التي ترجيء القائم لتضمّنها للموسيقى كأحد آليات المرواة إلغاءً للمفترض مسبقاً الذي تمركز حوله الآخرون؛ لأن تلك الفكرة المتمركزة في ذهن القاريء تضمن له الحضور والوجود في فضاء المكتوب، في حين أراد (د.عمار أحمد) أن يجعل من مرواته نصاً أصلاً يكتسب بنفسه سيرة هذا الأصل، فهو لا يجد نفسه إلا بنسف الأقانيم التي سبقته لأنه لا يحب الإنصياع، متمرداً على التقعيد في مسعىً لهدم ذاكرة الجماعة ليؤسس ذاكرته هو والتي تشبه تفرده هو مقوضاً بذلك عالم الآخر بوصفه جنساً تأسس وفق متوالية تاريخية وجد مبرراتها حيناً من الزمن دون أن يعني هذا وجوداً لا يمكن تجاوزه أو زحزحته من مركزيته والتي وجدت لها وجوداً معقولاً أرتفع في مستواها من الظاهرة الى النموذج الذي رسخ في أذهان الآخرين/القراء تصالحاً وقبولاً جعل لهذه الأجناس قوة طاردة لكل ما يخالف نموذجها وعناصرها، فهي إنساق ثابتة أوجدتها أنساق عقلية تواطأت على تمثلات (أدبية واقعية) و(متخيلة عقلية) بل إن العقل زاد من تواطئه حين صدق ما قام هو بنفسه في إيجاده حين ظن أن هذه الأجناس لا تقبل التكرار أو التجاوز، وحين يحاول المبدعون ومنهم (د.عمار أحمد) تجاوز هذه الأنساق فإن أول ما يعترضهم هو ذلك الخداع والمسمى (بقدسية الجنس) وسلطته العقلية المركزية في عقول القراء وهم يظنون أن ما تعودوا عليه هو (الصحيح/المقدس/الثابت) فيما تناسوا أنهم قد دخلوا في قطيع الوهم ومخادعته المتمرسة في إقناع كل عقل يستطيب الإنسياق مع النسق، فالوهم الذي خلقته (مركزية العقل) والمتمثل بصنع نوع من الأنساق التي يجد لها مبرراً وجودياً وفكرياً في داخله، ثم في العدوى الفكرية التي يعمد على نشرها ولاسيما أنه قد جهز نفسه بمنظومة تستطيع أن تدخل الى مرتسمات العقل الآخر(لأن من قام بوضعها عقل وهو يدرك كل متاهات العقل ونمطيته الفكرية الداخلية) حتى يجعله يؤمن بما قاله (لا ننسى أن العقل الذي يصنع المرتسمات كالجنس الأبي مثلا هو عقل مميز عن عقول الآخرين) والذي يعرف كيف يخدع عقله اولاً دون ان يدرك عقله بمخادعته هو، فيما تمر السنون والعقل يتسرب أكثر فأكثر بتلك المرتسمات الفكرية حتى يصل الى مرحلة التقديس التي فطن إليها (د.عمارأحمد) حين حاول كتابة مرواته وهو مدرك لتلك الخديعة الكبرى (قدسية الجنس) بكل قوته التدميرية لخيارات الآخرين في الخروج عن مهيمنته، وهي اللعبة الفكرية نفسها التي يقوم بها (د.عمار أحمد) حين يسعى الى تثبيت المرواة (كجنس أدبي) في مثاقفة مع عقل القاريء الذي ما أن يتوافق مع نفسه في قراءة (المرواة) حتى تنشأ صيغة تعاقدية تجد مبررات توافقها حين ينبذ القاريء ما تعارف عليه من بنائية الأجناس ويتضامن مع الصيفة البنائية الجديدة لــ(المرواة).
ولا أنكر متعتي القرائية وأنا أنساق لهذا الشكل الكتابي الجديد وهو يشحذ الأفكار بطريقة جديدة، طريقة تخادع سلطة الجنس بإنتمائها إليه بالمكون السردي، وتنعتق منه في كيفية بناء هذا المكون، فالتفرد سمة قارة بكل تمثلات هذا التفرد من وعي يتقصد إنشاء مدونته الذاتية وفق خرائط وجودية تبحث عن أرضها التي تنتمي إليها ولكن بأدوات لغوية تحتشد بالفكر، فاللغة هوية الأنسان فهو يشكل وجوده حين يتكلم ويكتب، وحين تتفتح الذات على الوجود تدرك ان اللغة هي الواسطة لذلك التفتح، وحين كتب (د.عمار احمد) مرواته كان في حالة من الوجود المتسائل عن جدوى وجوده؟ وكيف يصنع تفرده؟ نداءً يمتد في داخله وقلق أرقه، فإندفع من خلال كوة (المرواة) يشكل ذاته مغتالاً هيمنة الجنس بكل إمتداده وخالقاً لشكل كتابي لا يتقصد إزاحة الجنس كمقصد أساسي بقدر ما يتقصد إنشاء هويته كذات، فإذا أردنا أن نعرف الخريطة الداخلية للـ(د.عمار أحمد) فعلينا أن ننظر الى مرواته سندرك حينها كثيراً من تلك الخفايا ولاسيما منها الفكرية والأجتماعية والنفسية، فكانت المرواة معادلاً فكرياً سعى الى التعالي على سلطة الجنس والتماهي في فضاء الذات.
عناصر المرواة وجدلية الإبتناء
إن ما يكوّن قوة المرواة أنها تُختَرع دون نموذج، فالاختراع والتصور يصبحان في حدود ما، موضوع المرواة نفسها !! فهي لا تعتمد على شكل سبقها بقدر ما تطرح نفسها كشكل كتابي يتقصد الاعلان عن وجوده؛ لأن الفن الحقيقي لا يُقلِد أو يعني بقدر ما يكون.
فقد عمد المرواتي (د.عمار احمد) الى توظيف الراوي، ولكن بملمح جديد ((يتجاوز نشاط الحاكي-الراوي-الذي تجاوز بدوره الحكواتي، فإذا كان الحاكي (الراوي) تجاوز الحكواتي بانتقال الحكاية الى القصة؛ فإن الحكاء (المرواتي) عليه أن يتجاوز الحاكي (الراوي) الى فضاء المراوة يتجاوزه بمهمة أولى هي توتير المنتزعات، ونقلها الى تلك المنطقة التي تمنحها خصيصة من خصيصات الشعر، وتجريداً يقترب حد التماهي مع الموسيقى))(16) إذ عمد المرواتي الى نزع الكلمات من ذاكرتها وشحنها بمدلولات عذراء كـ(عسل)ـي(( هذه رسالة الهواء والأوتار، تجربة عصية، وكلام غيمي، وفراغ مليء بالحسن، ومحاولة دائبة ومخلصة لتلقين الصمت دوره الآخر / لذا سأترك (عسل)ـي أنا ليقول، ويضحك، ويعاتب، ويزعل))(17) إذ فصل فيها ما بين كلمة(عسل) و(الياء) كي يؤسس لذاكرة جديدة لا تحيل الى معانٍ سبقتها أو العسل المتعارف عليه؛ لأن الدال الذي يحيل الى العسل المتعارف عليه قد تفكك وبالتالي أدى الى زعزعة المفهوم من تقليديته، ليبقى مدلول (عسل)ـي في حالة إرجاء مستمر دون الركون الى إستقرار دلالي، وقد تشير (عسل)ـي الى تلون هذا الطعم مع كل تذوق جديد يداخل أنفاسه ومحياه، فلجأ الى هذا الشكل الكتابي ليضخ في هذا الشكل كثافةً تكتظ بالتأويلات غير المستقرة مثل رسمها الكتابي المفكك والمتزحزح عن مركزيته، فضلاً عن تفرده في تشكيل لغته الخاصة بمرواته.
على أن المرواة سعت الى تشظية المكان حين جعلت مسرح أحداثها (مدينة الموصل) مقيداً لها حكايات متوارثة حيناً، وحكايات متخيلة حيناً آخر، تنبيء بما هو قد كان ولكنه لم يكن!! إذ أن المرواتي عمد الى توليد جديد لينابيع الحكاية الأولى، بدءاً من إغتيال مفهوم البطل التقليدي الذي يتحرك بقوة الراوي، إذ أصبح البطل عازفاً ليس بالمعنى السردي فقط؛ بل بالمعنى التجسيدي لذلك، عازفاً على فضاء الورقة ومتجاوزاً بذلك خطوط التلقي الاولى نحو تجريد مؤجل، لمرونة الموسيقى من جهة، وللشعرية العالية التي صاغت تلك المراوي التي تفرض متلقياً محتشداً بذخيرة ثقافية تتجاوز حدود التقليد في قراءة الروايات، فالجمل الموسيقية الواردة توقف المرواة عن التلقي البصري وتحوله الى التلقي السمعي الذي لا يسمع الألحان فقط؛ بل يعمد الى تعشيق ما يسمعه مع ما يقرأه في عملية متناوبة ومستمرة، حيناً يقرأ الجمل بملامح الموسيقى، وحيناً يسمع الموسيقى بملامح الجمل المسرودة وهي تصوغ تلك المراوي بتوتر جمالي تؤسطر أحد المناطق في مدينة الموصل كمرواة ((عبدو خوب)) أي ((العبد الصالح)) ((كان عبد (اسمه) يحب (خوب) ذهب بعد طول معاناة الى شيخ الشط (باسمه سميت المنطقة المطلة على النهر مباشرة) ليطلب منه المعونة على الزواج منها، (( قال له الشيخ: - ليك أن تلتقي بها سراً، حتى حين أقرره أنا. فقرر الشيخ أن تكون المدة خمسة وثلاثين يوماً، وقرارات الشيخ لم تكن لتأتي عفوية. فقد تمدد على سطح النهر، وظل يطفو الى أن وصل به المد الى حافة النهر))(18) وهو بهذا يؤجل الموروث الشعبي الموصلي حين يعمد الى خلق هذا الموروث المنعتق من ذاكرته الشعبية، إذ يصور علاقة حميمة ما بين (عبد) و(خوب) ويزيد من إرباك الذاكرة الجماعية حين يدخل (شيخ الشط) بكل زخمه الديني في تأثيث محموله الحكواتي واستلاب ذاكرة مدينة وجعلها تخرج بدلالات مطلقة الدلالة من عائديتها التاريخية وفي سياقات مرواتية ترفع مستوى الحدث الى الاسطرة وصناعة تابعة (للحكاء) تجعل المرواة شكلاً يمتلك خصائص فردية في إنتمائها الادبي لأن (( المرواة فضاء سردي يرتبط بروابط الإنتماء الى السرد الحكائي بوصفه البنية الفنية الأشمل للقص، ويقطع صلاته من ناحية أخرى بكل ما يؤدي به الى الاشتراك بفن القصة رواية كانت او قصة قصيرة او طويلة))(19) وهذا يمثل مفهوم التضايف الذي هو علاقة قائمة بين حدين/شيئين يتوارد حضورهما في حد آخر دون ان يلغي أحدهما الآخر ولا ان يغّير هذا التضايف صفات كل منهما، وهذا التضايف ما بين التجربة الكتابية /والسرد الحكائي عمد الى تكوين حد جديد (المرواة) التي تحمل صفات الحدين السابقين، فالتضايف ((كون الشيئين بحيث لا يتصور أحدهما ولا يوجد بدون الآخر؛ أو بحيث يكون تعلّق كل واحد منهما سبباً لتعلق الآخر به ))(20) فإن ((التضايف هو الترابط ويطلق على الصلة بين ظاهرتين تتغيران معاً في نظام متناسب الأجزاء، كالتناسب بين الطول والوزن في أجسام البشر، أو التناسب بين تقسيم العمل وكثافة السكان في المجتمع، ويقال على الحدين اللذين يوجد بينهما مثل هذا التناسب إنهما مترابطان))(21)، وهذا الترابط أدى الى غاية معرفية (المرواة) بتوفرها على التناوب ما بين حدود العلم الأول (التجربة الكتابية) وحدود العلم الثاني (السرد الحكائي) بما يبني معرفة موضوعية (المرواة) لا تميل الى علم دون أخر، ولا توقع التضايف في تكرار حدود كل علم؛ بل تأخذ ما يناسب حدود التضايف وتعمد الى إغنائه وإثرائه وهي بهذه العملية تضيف الى حدود كل علم عمقاً ونضجاً يوفر فهماً جديدا لحدود كل علم. فالتضايف الذي سعى إليه (المرواتي) هو ذلك الذي لا يبحث فيه عن حدود كل علم بطريقة الإستنباط والإكتشاف وكأنه مستور عن العيان؛ بل يكشف عن آلية إشتغاله المعرفي ويعلن عن حضور كل علم فيه دون إخفاء لتتحقق غاية التضايف وهو ترسيم حدود العلم الناتج من هذا العلاقة (المرواة) ومعرفة المفاهيم التي أخذت من كل علم وكيف تضايفت بطريقة أضفت بعداً معرفياً جديدا على نفسها وعلى ما تضايفت معه؛ لأن السرد الحكائي أخذ بعداً فنياً عندما تضايف مع المرواة، كما هو الحال بالنسبة (للمرواة) التي سرد حكاياتها بموسقة فنية أسست عالماً حكائياً خاصاً، ولا سيما ان بطل المرواة خلق عالمه وفق قوانينه هو وسيّر خطوط الأحداث الى مآلها برؤيته التي رسمت مجريات الأحداث دون المرور بتجربة مشابهة له قد تحمل معها رائحة الأجترار وبعملية تتجاوز كتلة المخيلة نحو التخيل للتراسل الحاصل ما بين السرد بتكوينه والموسيقى بنوتاتها المتغيرة مع تغير السرد، ما يوقع فضاء التلقي في ذهنية مفتوحة من الاحتمال والارجاء الدائم لما هو قادم من المعنى.