Page 1
إيقاعات أنثوية محرّمة
استيقظت مبكرًا على سخونة جسده الملاصق لجسدي، تناهى إلى سمعي صوت المطر المنهمر بالخارج، لم يتوقف عن التساقط منذ ليلة البارحة، ابتسمت، شعرت بسعادة تغمرني من أحداث الأمس، لم أتوقع الإقدام على مثل هذا الفعل· أزحت ذراعه المطوقة خصري برفق، نظرت إلى قسماته النائمة، حاولت إيقاظه بالعبث في شعر رأسه، الداكن اللون· نظر صوبي من تحت جفني عينيه المثقلتين، ثم أدار وجهه عني، مد ذراعه تجاه حقيبة صغيرة موضوعة على المنضدة بجواره، فتحها، غاص بيده فيها، أخرج حفنة من الدولارات، وضعها بجانبي، عاد للنوم مرة أخرى، شعرت بسخونة تسري في شراييني، إحساس بالخزي والعار يتملكني، كأنني أتعرّى من ملابسي لأول مرة في حياتي· لكزته في خاصرته قائلة بنبرة مضطربة ما هذا!! أجابني بصوت ناعس حقك خذيه·· دعيني أكمل نومي·· دقات قلبي تلاحقت، أحسست برغبة في التقيؤ، البكاء، الصراخ، الهروب من هذا المكان الذي غدا مقززا بالنسبة لي· تمنيت لو واتتني الشجاعة لصفعه على وجهه، رميه بأقذع الشتائم، تحاملتُ على نفسي، قذفت بملء يدي رزمة النقود، تبعثرت في أرضية الغرفة، ارتديت ملابسي على عجل، متحاشية النظر صوب الرجل الذي عاد يغطُّ في النوم· صفقت الباب خلفي بعنف، مرددة بوجع لست مومسًا·· لست مومسًا
خرجتُ مهرولة تجاه المصعد، بهو الفندق يعمه الهدوء، مازال نزلاؤه نيامًا، وقفت هنيهة عند بوابة الفندق، لفحتني نسمات الصباح الباردة، لاحظت أن المطر قد توقف عن التساقط، آثرتُ السير على قدميَّ، لأتحرر من كابوس الكآبة الجاثم على صدري· أعشق باريس في هذا الوقت من العام، أشبهها بالمرأة اللعوب التي ترتدي أجمل حليها لتغري القادم إليها· بدا نهر السين منسابا، زاد من تألقه انعكاس ضوء الشمس الذي ما زال يرتدي حلة النوم· من بعيد كانت تتراقص السفن السياحية على جانبي النهر، محدثا التحام قعرها بالماء، نغمًا خافتًا كهمس العشاق· تذكرتُ ليلة الأمس، التقيت به على ظهر إحدى هذه السفن، لفتت نظري أناقته، وسامته، فحولته التي كانت تشع في بؤبؤي عينيه، سيطر عليَّ إحساس لحظتها بأني أعرفه من زمن بعيد، نظرات إعجابي شجعته على الجلوس بقربي، لم أحاول الابتعاد، ازددت التصاقًا به، سألني: قادمة للتنزه، أليس كذلك؟ أومأت برأسي إيجابًا قائلة: أعشق باريس في فصل الخريف، أراها تتحرر من جمودها، وكبريائها العتيق، تصبح امرأة تلقائية في تصرفاتها، تنساق خلف رغباتها بلا تصنّع قاطعني قائلا بحبال صوتية رخيمة : ما رأيك في تكملة الليلة معي؟ أتمنى أن تكوني لساعات باريسية الهوى!! لم أجبه، تأملته بملء عينيَّ، ابتسمت له ابتسامة ذات مغزى، كانت في أعماقي رغبة لعصيان كل قواعد المحظورات في أعماقي·
Page 2
لسعة برودة اقتحمت مساحات جسدي، أيقظتني من غيبوبة تأملاتي، أعادتني لحاضري، دمعة حاولت التملّص عبر مقلتيَّ، داريتُ انفعالات وجهي خلف نظارتي الشمسية، انتابتني حالة من جلد الذات، تذكرت ليلة الأمس·· كيف واتتني الجرأة على إزاحة الستار عن هذا الجسد، لشخص لا يربطني به عقد زواج!! هراء·· أعرف كثيرات يخنَّ أزواجهنَّ، لهنَّ علاقات خاصة، يبحثن عن متعهنَّ خارج أسوار الزوجية، يرفضن الاعتراف والخضوع لعقد الملكية· تبًّا للرجل، إن أعطته المرأة ازدراها بعد أن تُصيبه التخمة منها، وإن ضنّت عليه اتهمها بالرجعية والتخلف، تُراني امرأة مبتذلة لتفكيري هذا!! منظر النقود يلوح في ذهني، يتملكني الغيظ والحنق، صوت أمي يخترق مسامعي، يحضرني عبر مسافات الزمن فاطمة ادخلي للبيت· لا تدعي أحدًا يرى ساقيك· أصبحت شابة· دلفت إلى عالم الأنوثة عندما كنت أسألها: ماذا تعني كلمة أنوثة!! كانت تنهرني ما زلتِ صغيرة· غدا تكبرين وتفهمين لمحتني يومًا أقف في شرفة المنزل برداء يظهر جيدي وزندي يديَّ، ضربتني ضربًا مبرحًا، هددتني إن كررت هذا الفعل ستطفىء أعواد الكبريت المشتعلة في جلدي جسدك هذا لا يجب أن يراه سوى الرجل الذي سترتبطين به في المستقبل ما معنى الزواج يا أمي؟ تصرخ في وجهي أنتِ لست مثل أخواتك اللاتي يتقبلن تعليماتي بلا مناقشة لم تحاول إشباع نهم فضولي، بل إنها دون أن تقصد أثارت بدواخلي زوابع من الرهبة تجاه جسدي، ورسمت في فكري علامات استفهام كبرى·
أول مرة التقيت بزوجي كان في حفل مختلط، ذهبت دون علم أهلي، تحفّظت في الحديث معه، توجسي منه طغى على إعجابي به، نجح بيسر في إيقاعي بأساليبه المحترفة، أحببته بعنف، من أول خلوة لنا سلمته نفسي، اخترقت العالم المجهول الذي حذرتني دومًا أمي من الاقتراب منه، تذوقت المحظور بشغف بالغ، استمرت علاقتنا ثلاث سنوات، تقدّم بعدها لخطبتي بعد إلحاح شديد مني، طلقني بعد شهرين من زواجنا· في البداية لم أصدق أن تنتهي قصة حبنا بهذه النهاية المفجعة، شكّه كاد يدمرني، في إحدى مرات شجارنا سألته معاتبة لماذا تُحيطني بهذا الكم من الشك والريبة؟ أجابني باستخفاف كيف أثق بامرأة وهبتني جسدها قبل أن أتزوجها!! هربت من جحيم شكه، قررت نسيان تجربتي الأليمة، وضعتُ قضبانا قاسية على مشاعري، كنتُ بحاجة إلى هدنة مع ذاتي، حتىَّ كانت هذه الرحلة التي أيقظت حواسي النائمة، أتيت باريس للترويح عن نفسي، عندما التقيتُ بهذا الرجل، لم تردعني وصايا أمي، وتهكمات مطلقي في معاودة تذوّق طعم التجربة من جديد·
الطقس ازداد برودة، قطرات المطر عادت للتساقط كالسيل العارم، التصق ردائي المبلل بجسدي، أخذتُ ارتجف، أسناني تصطك، تذكرت أنني تركت مظلتي بالفندق، لعنت تهوري الذي أوصلني إلى هذا الوضع، تلفّت يمنة ويسرة آملة العثور على سيارة أجرة، توقفت سيارة عابرة بجواري، لاح لي شاب وسيم بداخلها، مد رأسه من النافذة، عرض باسما إيصالي، تجسّدت أمامي أحداث ليلة الأمس الحمراء، مرّت تفاصيلها في فكري، السهرة الماجنة التي امتدت للفجر، صدى فحيح نشوتي التي رويتها بوحشية، عينا الرجل النهمتان اللتان نهشتا مفاتن جسدي طوال ساعات الليل، حفنة الدولارات التي ألقاها بجواري، ألفيتُ نفسي أصيح بلغتي العربية، في صاحب السيارة: لا أريد الركوب· أغرب عن وجهي أيها الوغد· وتحركت من مكاني لاهثة، وسط ملامحه المشوبة بالدهشة والاستغراب·
Page 3
هــل أمارس جنوني؟؟
- آلو·· الأستاذ علي؟؟
- نعم·· أنا هو·· من المتحدث؟؟
- أنا من المعجبات جدًا بمؤلفاتك، وآرائك التي تطرحها من خلال عامودك·· أنا أعتبرك مثلي الأعلى في الحياة·
- أشكرك·
- أعلم أن مشاغلك كثيرة، لكني أرغب في إطلاعك على نتاجي الأدبي· أنا كاتبة ما زالت تخطُّ بداياتها·
- بكل سرور· سأنتظر نتاجك، وأعدك بقراءته قراءة متأنية، وإبداء رأيي بصراحة·
حيّاها، وأقفل الخط· شعور بالغبطة تملّكها، لم تصدق نفسها، أنها كانت تتحدث مع علي الأمير، من أشهر الأدباء، وأغزرهم نتاجًا· بالنسبة لها يُعدُّ أسطورة، علامة بارزة في تنمية حسها الأدبي· أخذت تدور في أرجاء البيت وهي تُدندن بنبرة فرحة، ضامة أحد كتبه لصدرها، لقد عاشت سنوات مراهقتها بين دفات كتبه، جميعها قرأتها، تابعت مقابلاته الصحفية، طالعت مقالاته الساخنة، لم يفتها أي مما سطّره النقاد عن نتاجه الأدبي· سنوات طويلة وهي تحلم بهذا الرجل، كيف يأكل؟ متى ينام؟ أين يكتب؟ عرفت تاريخه، ماضيه المشرّف، آراءه الجريئة، إخلاصه لقضاياه، السنوات التي أمضاها في السجن نتيجة مواقفه الجريئة، حياته التي سخرها لتحقيق أهداف نبيلة لمجتمعه العربي·
ظلت أيامًا تدور في فلك نفسها، التفكير يعتصرها من كل جانب، متسائلة في قرارة نفسها هل سيعجبه قلمي!! هل ستنال قصصي استحسانه!! شعوران حاصراها ممزوجان بالإعجاب به، وبالرهبة من شخصيته، مرّ أكثر من أسبوعين، جمعت شتات شجاعتها، هربت من سياج جبنها، ضغطت الأزرار على رقم هاتفه، تسرّب إليها صوته رخيماّ، رجولياّ، هادى ء النبرة، ما إن سمع صوتها حتى حيّاها بسرور·
سألته على استحياء: هل اطّلعت على نتاجي؟؟
بالطبع· أستطيع بلا مجاملة القول بأنك كاتبة جيدة· إنني أتنبأ لك بمستقبل زاهر في عالم الإبداع
أجابت بنبرة تمتلئ حبورا هل ستساعدني للالتقاء بالقراء، من خلال تزكيتي لدى إحدى المطبوعات المعروفة؟؟
هذا حديث لا ينفع الخوض فيه عبر الهاتف··ما رأيك في قبول دعوتي لفنجان من القهوة؟
ارتبكت، لجمها طلبه، سهم من التوتر أصابها في أعماقها، لم تجبه، صمت سيطر على كل منهما· بتر الصمت بسؤاله لها هل وافقت على اقتراحي؟ أم تُفضلي إرجائه بعض الوقت؟
أجابته بصوت متقطّع أنا واثقة فيك، لكنّي متوجسة بعض الشيء· أنت تعرف بأننا نعيش في مجتمع محافظ لا يرحم
أعرف مكانًا جميلاً على البحر، لا يرتاده إلا عدد قليل من الناس· إنها فرصة سانحة للنقاش، خاصة أن جو جدة هذه الأيام ربيعي، لا رطوبة فيه، مما يُشجع على الالتقاء
Page 4
أعلنت موافقتها، أقفلت الخط، شعرت بسوط من اللوم يلهب تفكيرها، صهد من التقريع يربض في أعماقها كيف وافقته على طلبه المجنون؟ نظرت إلى ملامحها في المرآة، كانت تعلوه صُفرة غريبة، عضلات وجهها متقلصة، يداها ترتجفان، قلبها يخفق بشدة، تساءلت في نفسها أكلّ هذا من أجل فنجان قهوة؟! لا، السبب أعمق من هذا· أنا معجبة بشخصيته، مبهورة بثقافته· هل أنا خائفة من الوقوع في حبه!! لكنه رجل متزوج، ولديه أبناء، بالإضافة إلى أن عمره يتجاوز ضعف عمري!! طردت الهواجس من أفكارها، حاولت التعامل مع الأمور ببساطة، وإقناع نفسها أن الصلة بينهما لا يجب أن تتجاوز علاقة أديب بكاتبة واعدة·
عندما دلفت داخل المقهى، رأته جالسًا في ركن منزو، منهمكا في قراءة إحدى المطبوعات، عرفته من صوره المنشورة دومًا في الصحف والمجلات، حيّته، جلست، طلب منها رفع وشاحها ليرى وجهها، تلفتت يمنة ويسرة، أزاحته بعد أن تأكدت من خلو المكان تقريبًا، إلا من طاولات قليلة متفرقة· نظر إليها مبهورًا كم أنت جميلة!! علت حمرة الخجل وجنتيها، أرخت أهدابها، قدّم لها كتابه الأخير بعد أن سطّر عليه عبارة إهداءإلى من تسرّبت روحها لنفسي لحظة رأيتها ابتسمت لكلماته، وضعت الكتاب بجانبها، أخذ يُحدق فيها بجراءة أكثر، اختلست النظر إليه، لاحظت شعيرات فضيّة في أطراف فوديه تُطل من غترته، شواربه السوداء تخللتها أيضًا بعض الشعيرات البيضاء· بدا في الحقيقة أكبر سنًا من صوره المنشورة، وقاره، ابتسامته الساحرة، أضفتا على ملامحه شعاعًا من الجاذبية الغامضة، مما قد يدفع الكثير من النساء للجري خلفه· لاحظت أنه ما زال يصب عليها نظرات الإعجاب، زادتها ثقة في نفسها·
سألته بلهفة: هل ستساعدني على الولوج لعالم الأدب؟
أجابها بثقة أعدك أن أقف بجانبك حتى تصبحي كاتبة مشهورة· هذا الجمال يستحق أن يتعب الإنسان من أجله
رفعت حاجبيها قائلة بانفعال تلقائي لا أريدك أن تساعدني لأني جميلة· المهم أن تكون مقتنعًا فعلاً بموهبتي الأدبية
سيدتي·· لماذا تأخذين الأمور على هذا المحمل من الجد!! ألا تعرفين أن قضيتي الأولى في الحياة المرأة والحب!!
حدجته باستغراب قائلة كنت أعتقد أن قضيتك الأساسية حرية الإنسان، والتزامه تجاه قضاياه· ألم تكن دومًا تدعو لهذا؟!
ضحك ضحكة صاخبة، اخترقت طبقاتها غلاف قلبها، غرست فيه خنجرًا من الصدمة في شخصه، أحسّت كأن صرحًا عظيمًا تهدّمت أعمدته في زوايا نفسها·
أنت خيالية· ولكنها على أية حال صفة مطلوبة في الأديب· سأسدي لك بنصيحة· حاولي دومًا الفصل بين واقع المجتمع، وبين نفسك· الحياة أجمل ما فيها ممارسة الجنون· مجيئك للقائي فيه شيء من الجنون، لكن ما زال عليك ممارسة الجنون نفسه
سألته باستخفاف وكيف ذلك؟!
بالخروج من دائرة الواقع· ممارسة أفعال يرفضها المنطق والعقل·· أتدرين ما عيب قصصك!! أنها جامدة، تنقصها حرارة التفاعل مع تجربة حية، تجريدها من القيود الاجتماعية، وأغلال الكبت والحرمان
Page 5
أتريد إقناعي أن كل الإبداعات الخالدة، كانت نتيجة تجارب مجنونة؟!
معظمها، خاصة الإبداعات العالمية· لقد نجح الغربيون في القفز فوق سياج التقاليد، والعادات البالية· ثاروا على كل شيء في سبيل تذوق الحرية
لكن الحرية ليست سيفًا نرفعه في وجه قيمنا ومبادئنا· أداة نذبح بها معتقداتنا· الحرية في رأيي هي تمسكنا بقضايا تحترم إنسانيتنا
أتعرفين· لقد اكتشفت أنك لست أديبة فقط، بل وفيلسوفة أيضًا· صغيرتي من الواضح أنك لم تتذوقي شيئًا من متع الحياة· حرري نفسك من سجن العيب والحرام· اجعليني الأداة التي تحطمين بها خوفك وترددك· تعلّمي أن تغتنمي الفرص· تابعي ما يهم الناس، ويشغل بالهم، ويلفت انتباههم لتُسيطري عليهم، حتى لو كنتِ غير مؤمنة بقضاياهم وآرائهم· الحياة مركب فلا تجدّفي عكس التيار
اقترب منها، حاول أن يمسك يديها، سحبتهما، شبّكت أناملها بعضها ببعض عند ركبتيها· لم تعلّق على حديثه، أصابها خرس عقد لسانها، كانت تود أن تصرخ فيه، أن تقول له: أنت أكبر مخادع·كاذب· ما تقوله بين دفات كتبك شيء، وما تضمره شيء آخر· تُرى كم من الناس مخدوعون فيك؟؟ كم من الأفراد مؤمنون بحروفك النارية؟؟ ويعتبرون فلسفتك في الحياة نبراسًا لهم؟؟
اكتفت بالنظر صوبه باحتقار، ملأها شعور بالخيبة منه، مدت يدها بلا تفكير، أمسكت كتابه الذي أهداه إليها، سقطت عيناها على عنوان الكتاب الطريق إلى الحرية، أطلقت زفرة عميقة، ناولته إياه، قائلة بحزم آسفة· لا أريد ممارسة هذا الجنون قامت من مكانها، أصلحت الوشاح على رأسها، أولته ظهرها، اتّسعت حدقتا عينيه، لاحقها بعينيه الشبقتين، ثقب بوقاحة نظراته، استدارة عجزها الملفوف، نفث دخان سيكارته، متمتمًا ساذجة· جاهلة بأصول فن اللعب
Page 6
لا بد أن تُغرّد البلابل
- سيدتي، السيدة منى في غرفة الضيوف بانتظارك·
- قدّمي لها شيئا· أخبريها أني آتية في الحال·
ارتدت ملابسها على عجل، نظرت إلى ساعة يدها، لاحظت أن صديقتها حضرت قبل موعدها بنصف ساعة، قالت لنفسها بتأفف كم أحب دقة المواعيد ألقت نظرة أخيرة على منظرها في المرآة، شعرت بالرضا، بدت أكثر جمالاً، الهالات السوداء تحت عينيها خفّت كثيرًا عن السابق، نتيجة الأرق الذي صاحبها في الأسابيع الماضية·
مها· ما كل هذه الأناقة!! ستكونين نجمة الحفل هذه الليلة قالت لها صديقتها وهي تتأمل طلتها·
طوال الطريق لم تكف منى عن الثرثرة، الحديث عن تفاصيل الحفل، عن صاحبة الدعوة، الإشادة بذوقها، كرمها، أناقتها، عن مركز زوجها الهام في الدولة، ونفوذه، وثروته الطائلة·
فُتحت بوابة القصر، دلفت العربة للداخل، دارت مها بعينيها في أرجاء المكان، أنوار الحديقة الخافتة، الشجيرات المزروعة فيها بعناية وتناسق، كانت في الركن الجانبي من الحديقة مرصوصة أعداد كبيرة من الطاولات الدائرية، مغطاة بمفارش بيضاء مزركشة، محاطة بعدد من الكراسي، مربوط بظهرها شرائط من التل الزهري اللون·
أهلاً منى، تفضلي· ألا تعرفينني على صاحبة هذا الجمال الرائع؟! قالت صاحبة القصر·
إنها صديقتي مها التي حدثتك عنها· أتذكرين، لقد قصصت عليك قصتها· خرجت لتوها من تجربة زواج فاشلة بعد قصة حب عاصفة
لوّحت بيدها قائلة كل الرجال لا أمان لهم· انظري إليّ·كل الناس يحسدونني على الترف الذي أعيش فيه· لا يعرفون أنني أحيا في وحدة قاتلة· زوجي طوال العام في رحلات عمل خارجية، أعلم أنه يصطحب معه في كل رحلة صديقة جديدة ترفه عنه!!· متابعة بمرارة كل هذا لم يعد يهمني، لقد رميته منذ سنوات خلف ظهري، وكوّنت لنفسي مجموعة من الصديقات أستمتع بوقتي معهن
دققت مها النظر فيها، إنها بالكاد في الثلاثين من عمرها، جميلة الملامح، متناسقة الجسم، ألقت مها ناظريها حولها، كل شيء يدل بالفعل على البذخ، قاعة الضيوف الشرقية كانت مصممة على شكل جلسة عربية، السجاجيد الحرير مفروشة على الأرضية المغطاة بالرخام البرّاق، الخادمات الآسيويات كخلية نحل، لم يتوقفن طوال الوقت عن تقديم أفخر أنواع الحلوى السويسرية والمشروبات على اختلاف مذاقها، وقد ارتدين زيًا موحدًا، أضفى عليهن طابعًا مميزًا·
اقترحت صاحبة القصر على المدعوات بدء برنامج الحفل بعد العشاء، وافق الجميع بحماسة·كان عشاء مكلفًا يتضمن أصنافًا فرنسية وإيطالية وصينية بجانب الأطباق الشرقية المألوفة·
Page 7
قالت منى بانبهار حفلة رائعة· أليس كذلك؟؟ مخاطبة مها·
اكتفت مها بإيماءة من رأسها· اتجهت صاحبة القصر صوب مها، ألحت عليها أن تأخذ كأس عصير، ما إن ارتشفت منه رشفة حتى بصقتها، سألتها بشيء من التوجس عن نوعيته، ضحكت قائلة وهي تغمز بعينيها إنه كأس من الجين مع التونك· هذا النوع يجعلك تحلقين في الفضاء· ألا تريدين أن تنسي آلامك!! إنها أنجح وسيلة للنسيان· تجعلك تستغنين عن زيارة عيادات الأطباء النفسانيين فهمت مها مغزى كلامها، أخبرتها بإصرار أنها لا تحب الخمور بسائر أنواعها·
بدأت المغنية في الغناء، امرأة ذات بشرة داكنة السمرة، متوسطة العمر، تحيط بها من الجانبين مجموعة من الفتيات تتراوح أعمارهن ما بين العشرين والخامسة والعشرين، يُساندنها بالضرب على الدفوف· مهارة المغنية في العزف على آلة العود، براعتها في الأداء، دفعت بعض النساء للرقص وسط القاعة، وقد تمايلت أجسادهن في حركات منتظمة، وسط تشجيع الأخريات لهن بالتصفيق، وترديد الأغاني مع المغنية·
لاحظت مها شيئًا غريبًا يتسرب إلى جو الحفلة، الأنوار بدأت تخفت، العيون تُرسل إشارات ذات مغزى، وفي آخر القاعة بدأت تلتصق كل اثنتين في أوضاع مثيرة· أفاقت من ذهولها على صوت صاحبة القصر قائلة بصوت مخمور هل أنت مسرورة؟! لم تعلّق مها، ضغطت صاحبة القصر بيدها على كف مها، ثم كررت المحاولة بالضغط على أحد وركيها بأناملها الدافئة· شعرت مها كأن ماسًا كهرب جسدها، هباب ساخن طفح على وجنتيها، ارتفاع حرارة انفعالها· فقدت رباطة تماسكها، أحسّت بالبلل بين فخذيها، قامت مسرعة، لحقت بها صاحبة القصر قائلة بغنج هل ضايقتك؟! تحاشت مها نظراتها النارية، أبدت رغبتها في الانصراف، رفضت صاحبة القصر طلبها بحجة أن الحفل مازال يحمل الكثير من المفاجآت، دعتها للفرجة على أنحاء القصر، وهي مطبقة على يدها، وكلما حاولت مها سحبها، تشبثت بها صاحبة القصر أكثر، ساقتها إلى جناح نومها، ذُهلت مها من فخامته، رجتها صاحبة القصر أن تقعد بجانبها على الأريكة الموضوعة في إحدى الزوايا، أغرقتها بنظرات حارة زاخمة بالاشتهاء قائلة كل منّا مجروحة· جربي عالم النساء ستجدين أنه أروع كثيرًا من عالم الرجال انتاب مها الذعر، تملكها الهلع، وجدت صعوبة في التخلّص منها، خرجت مهرولة من الغرفة، أنفاسها تتلاحق، عندما غدت خارج القصر، تنفست الصعداء·
***
مها، ما هذا الذي فعلته بالأمس؟؟ قالت لها منى معاتبة:
ماذا فعلت؟!
لقد أحرجتني مع صديقتي بتصرفك الأهوج· كما إنك انصرفت دون أن تخبريني
بالتأكيد قصّت عليك صديقتك ما جرى
نعم، وكانت ردة فعلك غبية· لقد افلتِّ من يديك فرصة ذهبية· هذه المرأة كانت ستسد فراغك العاطفي، بدلا من أكذوبة الرجل الذي تجرعت منه كؤوس المرارة، الواحدة تلو الأخرى
وما المقابل لكل هذا؟!