eKtab
EN ع
نساء في الأدب - حوارات مع 20 كاتبة عالمية
Read free sample

نساء في الأدب - حوارات مع 20 كاتبة عالمية

by علي عبد الأمير صالح

Page 1
مقدمة المترجم
 
في سنة 1986أصدر الكاتب والمترجم العراقي كاظم سعد الدين كتابه الشيق (كبار الكتاب كيف يكتبون)، تحدث فيه 18 كاتباً شهيراً عبر مقالات وحوارات جميلة عن تجاربهم وعاداتهم في الكتابة،وعن آرائهم في كتاباتهم وكتابات زملائهم·
 
وفي السنوات التي تلت ذلك صرنا نطالع بشغف كتب الحوارات مع الكتاب العالميين، مدفوعين بالفضول الطبيعي للتحري عن خلفيات الأدباء الاجتماعية والثقافية ؛ من أين استقوا أفكارهم وصورهم وشخصياتهم وأحداث رواياتهم وقصصهم ومسرحياتهم وأشعارهم؟ كيف أبدعوا نصوصهم؟ وما هي طقوس الكتابة عندهم؟ وكيف كانت ردود أفعالهم على المراجعات النقدية التي تتناول أعمالهم الإبداعية؟
 
وللعلم نقول إن المجلة الأمريكية الشهيرة (باريس ريفيو) دأبت، ومنذ خمسينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، على نشر حوارات مطولة ومهمة وممتعة مع أشهرالكتاب العالميين بدءاً بـ وليم فوكنر، ومروراً بـ نجيب محفوظ، وانتهاءاً بـ فيليب روث·
 
كما أن دار النشر الأمريكية (يونيفرستي بريس أوف ميسيسبي) نشرت حتى الآن عشرات كتب الحوارات مع كتاب وفنانين يُعدون أعلاماً في ميادين إبداعهم·
 
وفي عالمنا العربي دأبت دور نشر عربية عديدة، وبتقليد ثابت، على نشر كتب الحوارات مع الأدباء العالميين شرقاً وغرباً ممن حققوا إبداعاً متميزاً وشهرةً لا يحدها حد·
 
اليوم، يحدونا الأمل أن نضيف كتاباً جديداً من كتب الحوارات إلى مكتبتنا العربية ؛ حاولنا من خلاله أن نقدم لقرائنا الأعزاء باقةً فواحةً من الحوارات الممتعة مع عشرين كاتبة عالمية، أربع منهن نلن جائزة نوبل للآداب في العقدين الأخيرين من الزمن، وسعينا قدر الإمكان إلى أن لا نكتفي بكاتبات أوربا أو الغرب فقط بل وقع اختيارنا على كاتبات من الهند والصين وأمريكا اللاتينية وإيران وهاييتي ونيجيريا والعالم العربي·· اخترنا ثلاث أديبات عربيات لأننا نؤمن بأننا جزء من العالم، ونحن لا نحيا خارجه بأي حال من الأحوال·
 
ورب سائل يسأل: ولماذا الحوارات مع الكاتبات فقط؟ أما جوابنا فهو إننا نؤمن أن من العدل أن تنال الكاتبة والروائية والشاعرة والناقدة والكاتبة المسرحية استحقاقها من الرعاية والاهتمام النقدي والدعاية والانتشار·
 
يأتي (نساء في الأدب) اعترافاً بالقيمة الإنسانية المتنامية لدور المرأة وإسهاماتها المتزايدة في الحياة الاجتماعية والثقافية وكذلك السياسية، سواء على مستوى العالم عموماً أو الوطن العربي خاصةً؛ إذ بتنا نسمع عن كاتبات عربيات وغربيات ينشطن في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان فضلاً عن حقوق النساء، وهن يقفن مع الرجل ضد التسلط وتكميم الأفواه والتطرف الديني والعبودية·
 
لا يندرج كتابنا هذا ضمن إطار ما يُسمى بـ (الأدب النسوي)·· بل جاء ليؤكد أن الإبداع النسوي في مجال الأدب يأتي استجابةً لتنامي وعي المرأة الذي جرى تهميشه والتقليل من شأنه على مدى حقب تاريخية طويلة، وأن منجزات النساء في الأجناس الأدبية المتنوعة لا تقل أهميةً عن إبداع الرجال، وأن نضالهن من أجل حقوقهن لا يأتي بمعزل عن نضال الرجال·
Page 2
طوال سنتين كنا نتصفح مواقع (الإنترنت) ونطلع على أشهر الكاتبات، وأبرز نتاجاتهن، وأهم الجوائز التي حظين بها، والمحطات الرئيسة في حيواتهن الأدبية والثقافية والاجتماعية·· وقد حاولنا أن ننتقي أفضل الحوارات وأعمقها وأكثرها متعةً للقارىء· الواقع كان يحدونا الأمل على العثور على حوارات مع كاتبات من مثل آنا أخماتوفا، فيسوافا شمبورسكا، ألفريده يلينيك، آسيا جبار، فاطمة المرنيسي، سلوى بكر، سحر خليفة وسواهن·· إلا أن الحظ لم يسعفنا في تحقيق رغباتنا·
 
لا ريب أن القارىء العربي يعرف جيداً معظم الأديبات العشرين في كتابنا الذي بين يديه؛ فهن يتمتعن بسمعة طيبة في العالم العربي، ويقرأ لهن جمهور غفير من عامة القراء ومن النخب الثقافية أيضاً من مثل توني موريسون، ودوريس ليسنغ، وإيزابيل أليندي، وسوزان سونتاج، وأناييس نن·
 
الحوارات التي ترجمناها من الإنجليزية لا تنحصر في ميدان الأدب فقط بل تتعداه إلى موضوعات إنسانية شاملة من مثل الهجرة، الاغتراب، الهوية، التفرقة العنصرية، الموت، الحياة، الاضطهاد الاجتماعي، مصادرة الحريات، الاستغلال ، الهيمنة الكولونيالية، الدكتاتورية، الفساد السياسي، البطالة، الفقر، تدني التعليم، التطرف الديني··إلخ·
 
ونحن، اليوم؛ إذ نقدم هذا الكتاب بوصفه جسراً للتواصل الثقافي والمعرفي والإنساني مع الآخر، نؤمن بأننا يجب أن نواجه، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، موجات الردة والتخلف والانغلاق تحت مزاعم شتى وشعارات شتى ؛ ذلك أن أمةً كأمتنا تنشد التحضر واللحاق بالعالم المتقدم لا ينبغي لها أن تنكفىء على نفسها وتغلق أبوابها ونوافذها أمام رياح التغيير والتجدد والابتكار والتلاقح الثقافي والفكري والمعرفي· نعم، علينا أن نواجه الجنود الظلاميين الذين يشوهون ويدمرون على أيديهم كل شكل من أشكال الحرية والابداع والجمال، بحسب تعبير الشاعرة والمترجمة جمانة حداد، وأن نواصل العمل والإبداع وبلا هوادة، وأن نتشبث بأحلامنا المشروعة كتشبث الطفل بحلمة أمه·
 
علي عبد الأمير صالح
 
الكوت / العراق
Page 3
تقديم
 
ولدت هيرتا مولر في السابع عشر من آب (أغسطس) 1953 في غرب رومانيا لوالدين من أقلية ألمانية· حازت مولر جائزة نوبل للآداب يوم الخميس 8/10/2 0 0 9 في مكافأةٍ فُهمت بكونها إيماءة للذكرى السنوية العشرين لانهيار الشيوعية·
 
وقالت مولر في تصريحٍ أطلقه ناشرها في ألمانيا، حيث تتمتع بشهرة واسعة: أنا جد منذهلة وما زلت لا أصدق الفوز بالجائزة· لا أستطيع أن أقول المزيد في هذه اللحظة
 
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مدحت عمل مولر، مسميةً إياه: أدباً بارزاً مستقى من تجربتها الحياتية في ظل الدكتاتورية· وقالت ميركل للمراسلين الصحفيين: اليوم، بعد عشرين سنة على سقوط جدار برلين، إنها رسالة مدهشة أن يتم تكريم أدب ذي منزلة رفيعة تناول هذه التجربة الحياتية بجائزة نوبل للآداب· من الطبيعي أننا شعرنا بالسرور لأن هيرتا مولر وجدت لها وطناً في ألمانيا
 
هاجرت مولر صحبة زوجها الروائي ريتشارد فاجنر إلى المانيا سنة 1987، قبل الانقلاب الذي أطاح بـ نيكولاي شاوشيسكو بسنتين وسط انهيار متزايد للنظام الشيوعي عبر أوروبا الشرقية·
 
هذه الجائزة هي اعتراف عالمي بالاضطهاد الذي جرى في رومانيا وأوروبا الشرقية، هذا ما قاله الممثل الروماني إيون جارامترو، وهو مناوىء للشيوعية صعد على سطح دبابة متجهة نحو محطة التلفاز في بوخارست، خلال انقلاب 1981 وهو الآن يترأس المسرح الوطني في بلاده·
 
معظم أعمال مولر الأدبية مكتوبة بالألمانية، إلا أن بعض الأعمال تمت ترجمتها إلى الإنجليزية، الفرنسية والإسبانية، بضمنها (جواز السفر)، (أرض البرقوق الأخضر)، (السفر على ساق واحدة) و (الموعد)·
 
رواية مولر الأخيرة (أرجوحة النَفس) نالت (جائزة الكتاب الألماني) لسنة 2009 والتي أُعلن عنها يوم الاثنين الموافق 12 / 10 / 2009·
 
مولر هي المرأة الثانية عشرة التي تنال جائزة نوبل للآداب· آخر امرأتين فازتا بالجائزة هما النمساوية ألفريدا يلينيك سنه 2004، والكاتبة البريطانية دوريس ليسنغ سنة 2007· وهي الفائزة رقم 13 من المؤلفين الذين يكتبون بالألمانية، حيث كان آخرهم غونتر غراس الذي فاز بالجائزة سنة 1999·
 
كان الظهور الأول لـ مولر سنة 1982 بمجموعة قصصية حملت عنوان (منخفضات) تصف فيها قسوة الحياة في قرية صغيرة يتكلم سكانها الألمانية في رومانيا· منعت الحكومة الشيوعية المجموعة حالاً·
 
في مؤتمر صحفي حاشد في ما بعد الظهر في مكاتب (جمعية الناشرين وبائعي الكتب الألمان) في برلين، حيث تقيم ، تكلمت السيدة مولر، ضئيلة الجسم وأنيقة، مجللة بالسواد وجالسة على كرسي طباعة يتخذ هيئة أسد، بدت مرتبكةً بالمصابيح الومضية وهي تنفجر بوجهها· تكلمت عن ثلاثين سنة أمضتها في ظل الدكتاتورية، وعن أصدقائها الذين فارقوا الحياة إلى الأبد·
Page 4
قالت مولر إن الجائزة تتويج لأعمالها وهي ليست لها شخصياً· إنها كتب وقد تم إنجازها· إنها ليست لشخصي· أنا هي الإنسانة التي يعرفها الجميع· أنا الآن لستُ أفضل ولا أسوأ حالاً البتة· إن الفوز شي جيد، إنه شيء جميل، إنما لا يغير أي شيء بالنسبة لي· باطني هو الكتابة· كوني أستطيع الاستمرار·
 
ولدت السيدة مولر وترعرعت في مدينة (نيتزكيدورف) التي تتحدث الألمانية في رومانيا· خدم والدها في الـ SS خلال الحرب الكونية الثانية، ونفيت أمها إلى الاتحاد السوفييتي سنة 1945 واُرسلت ْ إلى معسكر عمل في ما يسمى الآن أوكرانيا· حين كانت طالبة جامعية درست الأدب الألماني والروسي، عارضت نظام نيكولاي شاوشيسكو وانضمت إلى (أكشن غروب بانات)، وهي مجموعة من الكتاب المنشقين الذين يسعون إلى حرية الكلام·
 
صدرت مجموعتها القصصية (منخفضات) خلال عملها كمترجمة في أحد المعامل· مُنعت القصص وطُردت السيدة مولر من المعمل بعد أن رفضت العمل مع (البوليس السري)· وخلال عملها كمعلمة روضة أطفال تم تهريب هذه المجموعة إلى ألمانيا وطُبعت هناك فنالت استحساناً نقدياً فورياً·
 
مع أن السيدة مولر محترمة بصورةٍ واسعة في ألمانيا، هي مجهولة بكل معنى الكلمة في العالم الناطق بالإنجليزية·
 
في كتابتها في (ذه نيويورك ريفيو أوف بوكس) سنة 1996 وصفت لاري وولف رواية مولر (أرض البرقوق الأخضر) بكونها تسعى إلى خلق نوع من الشعر من القبح الروحي والمادي للحياة في رومانيا الشيوعية وفي مراجعة لرواية (الموعد) في (ذه نيويورك ريفيو أوف بوكس) سنة2001، كتب بيتر فيلكينس أن السيدة مولر استخدمت سفك الدماء من قبل الحكومة بوصفه ستارة مسرح خلفية للوحشية والتضليل اللذين يتعامل بهما الناس مع بعضهم الآخر في حيواتهم اليومية، سواء كانوا أزواجاً، أفراد أسرة أو أقرب الأصدقاء
 
لين مارفن، المحاضرة بالدراسات الألمانية في (جامعة ليفربول) التي كتبت عن السيدة مولر، قالت: إنه انفصال غريب الأطوار أن تكتب عن التجارب الصادمة في ظل الدكتاتورية بأسلوب شاعري جداً· إنه شيء لا نتوقعه بالتأكيد· نتوقع أدباً حافلاً بمزيد من الاعترافات والشهادات·
 
تقول السيدة مولر: بعد أن أنشر كل كتاب أفكر أنني لن أكتب كتاباً آخر، إنه كتابي الأخير· وبعد مرور سنتين أبدأ بالكتابة من جديد· لا أشعر بأي فرق بعد أن حصلتُ على جائزة نوبل·
 
من بين أشهر رواياتها (جواز السفر) التي نشرت سنة 1986 في ألمانيا وتُرجمت سنة 1989، و (الموعد) التي نشرت سنة 2001 وتصف فيها القلق الذي تعيشه امرأة بعد أن استدعتها مديرية أمن الدولة·
Page 5
وصفت مولر الدكتاتور الروماني السابق شاوشيسكو في مقال نشرته صحيفه (فرانكفرتر راوند شو) سنة 2007 بأنه: محدث نعمة يستخدم الصنابير وأدوات الطعام المصنوعة من الذهب، كما أن لديه ضعفاً خاصاً تجاه القصور وقالت إن رومانيا أُصيبت بـ فقدان الذاكرة الجماعي فيما يتعلق بماضيها القمعي·
 
وقالت إن سكان ألمانيا يتظاهرون بأن ذلك الماضي اختفى، لكن البلاد كلها مصابة بـ فقدان الذاكرة الجماعي· وأضافت: كانت رومانيا مأوى لأعتى دكتاتور في أوربا الشرقية وأكثرهم شراً بعد ستالين·
 
قبل يومين من إعلان الجائزة، انتقد السيد بيتر إنغلوند، السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، هيئة التحكيم المؤقتة بكونها شديدة التركيز على أوروبا؛ إذ حصل الأوربيون على تسع من بين الجوائز العشر الماضية في الآداب· لكنه قال بعد فوز السيدة مولر إنها: ذات لغة خاصة متميزة جداً، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى إنها تملك حقيقةً قصةً صالحة للروي عن عيشها في ظل نظام شمولي··· عن نشأتها كغريبة بين أهلها
 
قالت لجنة حكام جائزة نوبل للآداب في حيثيات منحها جائزة نوبل للآداب: إنها كاتبة عكست حياة المحرومين بتركيز لغة الشعر ووضوح لغة النثر·
 
أهم أعمالها المنشورة:
 
1· منخفصات (مجموعة قصصية)، نُشرت أول مرة في بوخارست سنة 1982 بعد حذف فقرات عديدة منها من قبل الرقابة الرومانية ؛ ومن ثم نُشرت سنة 1 984 في ألمانيا .
 
2· تانغو ثقيل الوطأة (قصص)، بوخارست، 1984 ·
 
3· جواز السفر، برلين، 1986 ·
 
4· شباط حافي القدمين، برلين، 7 8 9 1·
 
5· الرواية القصيرة الخاصة بالمبذر المطلق، برلين، 1987 ·
 
6· السفر على ساق واحدة، برلين، 1989 ·
 
7· الشيطان جالساً في المرآة، برلين، 1 9 9 1 ·
 
8· حتى وراءنا هناك، كان الثعلب هو الصياد، هامبورغ، 2 9 9 1·
 
9· البطاطا الساخنة هي السرير الدافئ، هامبورغ، 2 9 9 1·
 
10· الحارس يأخذ مشطه، هامبورغ، 3 9 9 1·
 
11· أرض البرقوق الأخضر، هامبورغ، 4 9 9 1·
 
12· الجوع والحرير (مقالات)، هامبورغ، 5 9 9 1·
 
13· الموعد، هامبورغ، 7 9 9 1·
 
14· الملك يركع ويقتل (مقالات)، ميونيخ، 3 0 0 2·
 
15· الرجال الشاحبون وفناجين القهوة خاصتهم، ميونيخ، 5 0 0 2·
 
16· كل شيء أملكه أحمله معي، ميونيخ، 9 0 0 2·
 
17· أرجوحة النَفَس، 2009· ]تُرجمت إلى العربية ضمن إصدارات مشروع (كلمة) للترجمة في (هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث) [·
Page 6
الحوار
 
الإذاعة: رواياتك كلها تشترك بشيء واحد· كلها تجري أحداثها في رومانيا· هذه مفارقة أو تفصيل لاحظته أيضاً الصحافة الألمانية· هل لديكِ تفسير لهذا الانشقاق بين عالمين·
 
هيرتا: لا، هذا الأمر يبدو طبيعياً جداً بالنسبة لي· وُلدتُ في رومانيا· نشأتُ هناك، وسكنتُ هناك حتى سن الثانية والثلاثين· غادرتُ رومانيا في حالةٍ عقليةٍ معقدةٍ بعض الشيء· دونتُ كتبي الأولى في رومانيا· كان كتابي الأول (منخفضات) حول وجهة نظر طفل عن بانات الألمانية (منطقة في غرب رومانيا)· في ذلك الكتاب وفي الكتب الأخرى الموضوع الرئيس هو الدكتاتورية· لم أكنْ أعرف شيئاً آخر· لم أرَ شيئاً سوى ذلك· وقد واصلتُ الاشتغال على ذلك الموضوع· وفي اعتقادي أن ثمة أدباً من نوعٍ ما عبر بلدان العالم، أدب بعض السير الذاتية، يسير بموازاة الأحداث المتطرفة، بموازاة أزمنة حيوات الكتاب· في سبيل المثال، في عقد الخمسينات من القرن العشرين، كانت المعسكرات موجودةً في أوربا الشرقية بأشكال معينة·] أو[ في سبيل المثال، معسكرات الأعمال الإلزامية· ومن ثم كانت لدينا حقبة الاشتركية القومية، زمن هتلر، إبادة اليهود، وهي ثيمة وصفها كثير من المؤلفين بموازاة سيرهم الذاتية الخاصة··· أعتقد أن هذا النمط من الأدب حاضر في كل مكان، من كوبا إلى الصين·
 
الإذاعة: إذاً إن المسألة الجغرافية ليست ْ هي المهمة جداً بالنسبة للقارئ؟
 
هيرتا: كلا· لا أعتقد أن المنظر الطبيعي الجغرافي مهم· أي أن المنظر الطبيعي أو المحيط ضروري - وليس لديّ منظر طبيعي آخر غير المنظر الطبيعي الذي أعرفه، المنظر الطبيعي الذي أتيتُ منه· تعكس شخصياتي الأدبية ما يحدث للإنسان في مجتمع أو نظام شمولي· وأحسب أن هذا ليس موضوعاً أختاره بمشيئتي، إنما بالأحرى هو الموضوع الذي اختارته لي حياتي· ليس لدي ّ حرية الاختيار· لا أستطيع أن أقول: إنني أريد أن أكتب عن شيء ٍ ما أو سواه كنت ُ مرغمةً على الكتابة عما يهمني وعن الأشياء التي لن تتركني بسلام·
 
الإذاعة: ولدت ِ في مطلع الخمسينات في منطقة (بانات) في جنوب غربي رومانيا·
 
هيرتا: ولدتُ سنة 1953، السنة التي مات فيها ستالين··· أو بالأحرى حين مات جسده ووضع كي ينعم بالراحة، لأن آراءه عاشتْ مدةً أطول، أليس كذلك؟
 
الإذاعة: أما زالت آراؤه حيةً اليوم؟
 
هيرتا: حسن، نعم، أعتقد أنها ما تزال حيةً· في أناس كثيرين· أو في الأقل بقايا من تلك الآراء· ربما نظريته كلها لا تتخذ ذلك الشكل الواضح جداً كما كانت عليه في الزمن الماضي، إنما أجزاء منها··· أنا متأكدة أن أحجاراً كثيرةً من تلك الفسيفساء ما تزال موجودة من حولنا·
 
الإذاعة: نشرت ِ منذ وقتٍ قريب، هذا الأسبوع تحديداً، على ما أعتقد، في (دير شبيغل)، مقالةً حول سلوبودان ميلوسيفيتش وصربيا·
Page 7
هيرتا: الواقع، لم تكنْ مقالةً، سُئلتُ عن ذلك من بين أشياءٍ أخرى··· سُئلتُ ما هو رأيي في هذه الحرب ]في كوسوفو [· تكلمتُ عن ذلك من قبل، عن الحروب السابقة في البوسنة أو كرواتيا، وحتى إنني يومذاك كنتُ أساند التدخل العسكري الغربي، معتقدةً حينذاك أن ميلوسيفيتش لن يتراجع، أنه يجب إجباره على التراجع بواسطة قوة خارجية· وهذا ما أؤمن به راهناً أيضاً (فيما يتعلق بـكوسوفو)· كنتُ مُغضبةً بسبب الحقيقة التي مفادها أن هذا الشخص يملك الفرصة لإشعال نار حرب ٍثالثة - أو ربما رابعة، إذا ما أحصينا سلوفينيا- أن هذا الشخص الذي يترك المقابر وراءه أينما يذهب، والذي جعل بلاده تمضي في مختلف الاتجاهات بعد سنة 1989 (إذا ما قورنتْ) ببقية بلدان أوروبا الشرقية· في اعتقادي أنه وصل نقطة اللاعودة· لقد خسر ثلاث حروب، والآن يريد أن يكسب الرابعة في كوسوفو· أغلب الظن لديه مونتينيغرو (الجبل الأسود) في قائمته بعد كوسوفو، لابد أن مونتينيغرو هو عمله اللاحق مالم يوقفه شخص ما· أعتقد أن هذا الشخص ستاليني·
 
الإذاعة: من خلال سؤالي كنتُ أحاول أن أعود بكِ إلى منطقة (بانات)، حيث وُلدت ِ· اعتادت هذه المنطقة أن تكون مكاناً متنوعا جداً بحسب مصطلح العِرقية· اعتادت أن يكون لديها مجتمعات ألمانية، و مجتمعات صربية، ومجتمعات رومانية، وهنغارية· اعتادت أن تكون فسيفساء خالية من الصراع العِرقي، إذا لم تخني ذاكرتي·
 
هيرتا: أعتقد أنه كان ثمة صراع في (بانات)، إنما في مستوى طبيعي، إذا جاز التعبير· إنما يوجد هنالك صراع بين كل أنواع الناس في كل مجتمعٍ من المجتمعات· نحن كلنا نحتاج إلى الصراع، في الأعماق· مع جيراننا، مع زملائنا، مع أزواجنا، والذي أعتقد أنه شيء طبيعي· أعتقد أن الأقليات القومية التي ذكرتها لم تعشْ مع الرومانيين· لقد عاشوا في الفضاء نفسه معهم· هذا يعيدني إلى نظرية تعدد الثقافات، التي كانتْ شائعةً جداً في ألمانيا قبل عقد ٍ مضى، ربما هي ما تزال كذلك··· إنها تطلب منا أن نجتمع كلنا معاً، أن نصبح شيئاً واحداً، لكن هذا لن يُكتب له النجاح·
 
الإذاعة: وكنت ِ آتيةً إلى ألمانيا من رومانيا شاوشيسكو، هل كانت كلمة السر هي: تجانس التكوين بسبب النشوء من أصلٍ واحد·
 
هيرتا: بالضبط· لقد عرفتُ ماذا يمكن أن يعني ذلك؛ لذا كانت فكرتي هي أن الشيء الناجح هو أن يعيش كل مجتمعٍ من المجتمعات بسلام إلى جانب المجتمعات الأخرى· ليس هنالك طريقة تستطيع من خلالها أن تصهر الثقافات القديمة كلها في ثقافةٍ جديدةٍ· في تيميسوارا (المدينة الرئيسة في بانات) يستطيع المرء أن يسمع في الشارع كل ضروب اللغات: الرومانية، الألمانية، الهنغارية، الصـربية، الغجرية - هكذا كانت الحال دوماً وهكذا يجب أن تكون· ما من أحدٍ يجب أن يخفي ثقافته· حين كنتُ أتكلم الرومانية في القطار، في سبيل المثال، يعرف الجميع أنني ألمانية أو هنغارية، لأن لديّ لكنة· لم يكنْ من عادتي أن أرتكب أخطاءاً نحوية يومذاك، الآن هي أكثر عدداً، لأنني أفتقر إلى الممارسة·
 
الإذاعة: حين كنتِ طفلة، كيف كان المجتمع الألماني في بانات، بعد الترحيل الجماعي للأجانب، والتخلص الجماعي من الأشخاص غير المرغوب بهم (التطهير) وما إلى ذلك؟
 
هيرتا: جئتُ إلى العالم سنة 1953· ما أتذكره من أسرتي هو أن جدي كان يُعد إقطاعياً هذا ما كان ينبغي لي أن أدونه في أوراقي حين قدمتُ طلباً للقبول في الجامعة· كان كذلك يتاجر بالحبوب؛ لذا كان ثرياً إلى حدٍ ما· كان لديه ما لا يقل عن عشرة إخوة وأخوات وكان يتذكر أن والديه يفكران بقلق بشأن المزيد من الأطفال· ماذا سنفعل إذا كان لدينا أطفال أكثر؟ كيف سنطعمهم؟ لذا فإن جدي لم يولدْ غنياً· ببساطة عمل من دون كلل· وُلد فلاحاً وبقي فلاحاً· لم يغيرْ أجدادي نمط حياتهم، لم يأخذوا عطلاً ولم يسافروا· إذا كان ثمة مال فائض، كانوا يستخدمونه لشراء المزيد من الأراضي·
Page 8
الإذاعة: الفلاحون في كثيرٍ من الأحيان لا يذهبون في عطل، أليس كذلك؟
 
هيرتا: بالضبط· كانت جدتي تعمل بمشقة من الفجر حتى الغسق إلى أن فارقتها القدرة على التحمل··· ربما كان هنالك في الأرجح المزيد من المال والمزيد من الأرض· كانوا يفعلون ما ينبغي لهم أن يفعلوا· ومن ثم، بعد سنة 1945، تبدد كل شيء· تم الاستيلاء على الأرض من قبل المزرعة التعاونية· رُحلتْ والدتي إلى الاتحاد السوفييتي· أمضتْ خمس سنوات في معسكر للأعمال الإلزامية، تدفع ثمن الإثم الجماعي لأفعال هتلر· كانوا يسمون تلك الإقامة عمل إعادة الإعمار· جدي لم يألفْ أبداً تلك التغييرات· إنه رجل فقير الآن· لا يستطيع أن يذهب إلى صالون الحلاقة ثلاث مرات أسبوعياً من أجل حلاقة ذقنه كما اعتاد أن يفعل في ماضيات الأيام· لم يكنْ ذلك بالشيء اليسير· كانت تلك حياته الاجتماعية· اعتاد أن يذهب إلى هناك كي يلتقي أفراد المجتمع، نظراءه· كان طقساً اُجبر على التخلي عنه· ما جرى له كان مهيناً اجتماعياً· وجدي، وجيل كامل من الأجداد تحولوا إلى منبوذين من قبل النظام الجديد، ولم يتقبلوا الاشتراكية على الإطلاق· بعدها رجعت أمي من الاتحاد السوفييتي في سنة 1950 بعد خمس سنوات سلختها في معسكر الأعمال الإلزامية، بعد أن شهدت الموت والمجاعة·
 
الإذاعة: هل تعرفين إلى أي منطقة أرسلوها؟
 
هيرتا: أعتقد أنها منطقة (يكاترينبورغ)· كانت أمي في موقع بناء، كانت هنالك مناجم فحم في مكان ٍ قريب· كان مخيماً من النمط العسكري، كانوا تحت السيطرة التامة، لقد اُرهقوا· وكانوا يتضورون جوعاً· كانوا يعانون من جوعٍ مزمن· غالبية السجناء ماتوا بسبب الجوع·
 
الإذاعة: كم كان عمر أمكِ حين عادتْ؟
 
هيرتا: كانت في سنتها السابعة عشرة حين أخذوها بعيداً· في بادىء الأمر اختبأتْ· إنما في قريةٍ كقريتها الكل يعرف الكل، لذا كان الموظفون يعرفون أن ثمةَ شخصاً يختبىء، شخصاً كانوا يريدون أن يأخذوه بعيداً· لذا هددوا جدي وجدتي قائلين إنهما إذا لم يسلما أمي سيأخذونهما بدلاً عنها· تم العثور على والدتي وقررتْ هي أن تخرج وتسلم نفسها·
 
الإذاعة: إذاً هي بين سن الـ 17 و الـ 22 كانت في معسكر الأعمال الإلزامية ذاك؟
 
هيرتا: نعم· وكل تلك الوقائع اخترقت طفولتي· ليست طفولتي فقط، أشياء من تلك الأنواع جرتْ لعوائل كثيرة، في القرية كلها، وفي المجتمع الألماني كله في رومانيا· حين تكون طفلاً لا تفكر بطريقةٍ سياسية· أنتَ لا تملك الملاحظات، وأنتَ لا تملك الكلمات لما يجري من حولكَ· إنما هنالك طرائق للتسجيل غير الكلمات· سلوكنا أكثر تعقيداً، إنه يتجاوز الكلمات، لذا تشربتُ الكثير وأحسستُ بذلك الضغط· شعرتُ أن ثمة شيئاً - مع أنني لا أعرف ما هو- كان خاطئاً وعدائياً بصورةٍ شديدة·
 
الإذاعة: في أي مكانٍ التحقتِ بالمدرسة؟
 
هيرتا: في تيميسوارا، في حي (لوسيفن)·
 
الإذاعة: هل كانت المدينة صدمةً كبيرة لكِ، بعد قريتكِ؟
 
هيرتا: أجل، كانتْ عالماً مختلفاً· وكذلك لأنني حينما أتيتُ إلى المدينة لم يكنْ بوسعي أن أتكلم الرومانية بطريقةٍ صحيحةٍ· تعلمتُ الرومانية في المدرسة منذ سن السابعة، إنما لأنه كان لدينا مدرسة ألمانية، كانت اللغة الرومانية بالنسبة لنا لغةً أجنبيةً، أو مادةً أجنبيةً، كالجغرافية، أو علم الفيزياء· كانت لدينا ثلاث حصص دراسية في اللغة الرومانية أسبوعياً: النحو، والأدب، والتهجئة، والله أعلم ماذا أيضاً، لكن قريتي كانتْ ألمانيةً خالصةً، لذا لم تكنْ لديّ فرصة أبداً كي أستعمل اللغة الرومانية بشكل يومي· في المدرسة فقط، وليس في أي مكانٍ سواها؛ لذا في سن الخامسة عشرة، حين انتقلتُ إلى تيميسوارا، لم أكنْ في الواقع قادرةً على التحدث باللغة· لكنني حقيقةً تعلمتُها بسرعة، في المدينة، لأنه كان يجب عليّ أن أفعل، تحولتُ إلى لغةٍ ثانية، إذا جاز التعبير· من الناحية الأخرى، كما أسلفتُ، كل أقلية قومية، وبضمنها الأقلية الألمانية، كانت تحيا في نوعٍ من التمركز العِرقي، الذي وجدتُه أمراً طبيعياً· هناك في القرية كان الألماني يعتقد أنه عرف على وجه الدقة ماهو الخاطىء أو السلبي في الفرد الروماني، والفرد الهنغاري، والصربي، أو الغجري، وهؤلاء أيضاً يراودهم الاعتقاد ذاته· ومن ثم في المدينة عقدتُ علاقات صداقة مع الرومانيين وأدركتُ أن ما كنتُ أعرفه عن الرومانيين من خلال عائلتي لم يكنْ دقيقاً·
Page 9
الإذاعة: لم يكنْ ذلك ينسجم مع الميثولوجيا·
 
هيرتا: بالضبط· وبشكلٍ من الأشكال اكتشفتُ أن كل تربيتي السابقة، التي كانت منعزلةً جداً، لم تعدْ تخدمني بعد الآن، إنها لا تساعدني كي أعيش حياتي· اكتشفتُ أنه إذا سافرتَ 30 كيلو متراً، ما كان من المسلمات في قريتكَ ببساطة لا يستطيع الصمود بعد الآن؛ لذا كان يلزمني أن أبدأ بتربية نفسي باتجاه جديد كل الجدة·
 
الإذاعة: لكن ألا توجد جزيرة ألمانية في تيميسوارا أيضاً؟
 
هيرتا: بلى، لكنها لم تكنْ ريفيةً·في اعتقادي سكان المدينة، في كل أرجاء العالم، يختلفون عن سكان القرية· في تيميسوارا كان لديّ أصدقاء وصديقات من مجموعة أدبية تُدعى مجموعة بانات الأدبية التي التقيتها في الجامعة· التقيتهم بمحض المصادفة، كنا نطالع الكتب ونذهب إلى الوقائع الأدبية· الحمد لله، في تلك الآونة لم أكن مهتمةً بـ مَن هو ألماني، ومَن هو روماني أو هنغاري· أعتقد أن كل أعضاء المجموعة كانوا هكذا· كنا مولعين بالآراء، وليس بالقوميات· مجتمع وجهات نظر، أو قيم أخلاقية وسياسية، ذلك ما كنتُ أفتش عنه· كنتُ أكره الانتهازيين· كنت لي جارة ممثلة وسنوياً تلقي قصائد الشعر إجلالاً للرفيق شاوشيسكو· كانت ألمانية· إنما ذلك، في نظري، لا يمنحها العذر البتة· لم يكنْ ذلك جوهرياً بالنسبة لي؛ وجهة النظر هي الجوهرية·
 
الإذاعة: لكن مع ذلك، مجموعة بانات الأدبية مؤلفة حصرياً من الكتاب الألمان·
 
هيرتا: نعم، لكن من السهل تفسير ذلك· كانت مجموعةً تتعامل مع الأدب، ولغة ذلك الأدب هي الألمانية· بالمناسبة، لم أكنْ عضواً من أعضاء المجموعة· لم أكنْ قد بدأتُ الكتابة حين تأسستْ، لكنني كنتُ صديقةً لكثيرٍ من أعضائها· فيما بعد، حين نشرتْ المجموعة بيانها، الذي قال إن الأدب يجب أن لا يستسلم للسياسة، وإنه ينبغي أن لا يكون انتقادياً، بل أن يستند إلى التجارب والآراء الشخصية، وليس الإيديولوجيا - حينذاك تدخل أفراد الشرطة السرية الشيوعية وقدموا رأيهم·
 
الإذاعة: وما هو؟
 
هيرتا: أننا كنا أعداءً، أعداء الدولة· حين بدأتْ مشكلتنا، اُرسل وليم توتوك إلى السجن وطُرد من المدرسة، وتعرض زوجها ريتشارد فاجنر للمصير نفسه· وكان هنالك أيضاً عدد من الأشخاص أمضوا بضعة أيام في الحجز القضائي··· طردوني من الشركة التي عملتُ فيها بعد تخرجي في الجامعة· بعدها بدأوا بحملات تفتيش للمنزل وهلم جراً· كانوا ينظرون إلينا كمجموعة· وكل واحدٍ منا كان يُعد مسؤولاً عن أفعال الآخرين؛ لأنهم هكذا كانوا ينظرون إلينا· لكن إذا عدنا إلى المجموعة المؤلفة كلها من الألمان، أريد أن أقول إنه مراراً، حين كنا نخطط لشيء ٍ ما، كنا نتصل بالكتاب الرومانيين· في سبيل المثال حين كنا نجمع التواقيع لمطلبٍ ما· إنما لم يكنْ هنالك رومانيون كثيرون مستعدون للتوقيع· وغالباً كانوا يسحبون تواقيعهم· وهذا شيء سيء بالنسبة لمنظم المطلب أو الالتماس· الحصول على تواقيع أقل أفضل من الحصول على تواقيع كثيرة نكون مرغمين فيما بعد على إلغائها· ذلك الأمر يضعف وضعكَ· كما تعرف، الأشياء لا تقاس دوماً بالأعداد، إنما في الثبات على النهج· حدث ذلك مرات قليلة جداً· كان ثمة تفسير لذلك· يقول الكاتب الروماني: أنتم أناس ألمان، إذا حدث شيء سوف ينتهي بكم المطاف في ألمانيا الغربية، لكن ماذا بشأننا؟ كان ذلك حقيقياً إلى حدٍ ما، لكنه لم يكنْ دوماً عذراً جيداً· على أية حال، باول غوما، الكاتب الروماني المنشق، لم يكنْ ألمانياً، وقد حطتْ به عصا الترحال في الغرب أيضاً، بعد أن عجز الشيوعيون عن إسكاته· لكنه شي ء واقعي أيضاً أنه كان ثمة آخرون لم يذهبوا إلى خارج البلاد· وبعضهم مات في الحبس·
Page 10
الإذاعة: كانت هنالك مجموعتان أدبيتان ألمانيتان في رومانيا، مجموعتكِ َ في تيميسوارا، ومجموعة أخرى في (كلوج)· كانتا قليلتي الاهتمام بالسياسة، صحيح؟
 
هيرتا: نعم، كانت هنالك مجموعتان· ذلك هو الاختلاف· ويومذاك إن اختلافاً كهذا كان يعني الشيء الكثير· بالنسبة لنا في تيميسوارا ما كانوا يفعلونه في كلوج لم يكنْ كافياً· أحسسنا أنه ينبغي لنا أن نكون سياسيين بشكل مباشر، أما هم فلم يبادلونا ذلك الإحساس· كانوا حذرين في استخدام لغتهم كي لا يستطيع البوليس السري العثور على أخطاء واضحة· بيد أننا أيضاً كنا في وضع ٍ مختلف· نحن في تيميسوارا كنا عاطلين عن العمل، سرحونا من أعمالنا· طردوني من تيهنومتال، الشركة التي تصنع العِدد والمكائن· عملتُ بصفة مترجمة للمصطلحات التقنية المتعلقة بالجرارات والقابلوات· كانوا يستوردون الجرارات من ألمانيا الشرقية أو النمسا، وغالباً حتى من ألمانيا الغربية، وكان المفروض بي أن أترجم كراس المستخدِم· الواقع لم أكنْ أفهم تلك القضايا· كان بحوزتي قاموس ضخم، كان يعطيني عشرين خياراً لكلمةٍ واحدةٍ· لكنني اعتدتُ أن أسأل العمال في المصنع، كانوا يتكلمون الألمانية والرومانية وماهو أهم كانوا حسني الاطلاع على المكائن· أمضيتُ ثلاث سنوات في المصنع، السنتين الأوليتين في قسم الترجمة، ومن ثم في قسم مختلف، قسم العلاقات العامة، إن شئت·
 
الإذاعة: الذي كان في الأرجح مصمماً من قبل البوليس السري·
 
هيرتا: نعم، عرفتُ ذلك لاحقاً· تدخل البوليس السري وقال لي إنه إذا كان لدينا ضيوف من ألمانيا في سبيل المثال، بعد لقائنا بهم ينبغي لي أن أكتب إلى البوليس السري عن إنطباعاتي كذلك، كانوا يريدون مني أن أدوّن ماذا أخبر زملائي الرومانيين، الإختصاصيين، الألمان· ولم يكونوا يهتمون إذا ما ذهبتُ مع الضيوف الأجانب - وتعين عليّ أن أخبرهم بأنني لستُ عاهرة· أخبرتهم كذلك أنني مراقِبة سيئة للناس، أنني أخطأتُ ألف مرة فيما يتعلق بالناس· لكن رجل البوليس السري قال إنه لا يبالي بذلك - إنه يريد رأيي إذا جاز التعبير، رأياً شخصياً صادقاً· وقتذاك كان يريدني أن أكتب أنني سوف أتعاون معهم وأخبرته أنني لن أفعل ذلك·
 
الإذاعة: وماذا بعد؟
 
هيرتا: صفق الباب وقال: سوف أدخلكِ في مشكلة أو سوف أرميكِ في الماء، باللهجة العامية الرومانية· لم يرمني حرفياً في الماء، إنما لم أعرفْ السلام بعد ذلك· على مدى أسابيع عدة كانوا يستدعونني في الساعة السابعة والنصف صباحاً إلى مكتب رئيسي كي يناقشوا المسألة معي، ومع سكرتير الحزب الشيوعي، وسكرتير الشبيبة الشيوعية· في كل مرة كانوا يقولون لي أن أستقيل وأبحث عن مهنة أخرى، لكنني أخبرتهم أنني أحببتُ العمل في الشركة حباً جماً بحيث أنني لا أستطيع أن أفكر في البحث عن مكانٍ آخر· قلتُ لهم إنه يجب عليهم أن يسرحوني من الخدمة إذا كانوا يريدون التخلص مني، وطلبتُ منهم أيضاً أن يحددوا سبب تسريحي من الخدمة· هكذا كان رفضي التعاون مع البوليس السري· من ثم مضيتُ للحديث مع أناس اتحاد العمال، أي أقدم شكواي، لكن قائد الاتحاد لم يشأ حتى الإصغاء لي· ما جرى هو سيرك كامل من الكوارث· بوسعي أن أضحك عليه الآن· إنما وقتذاك كنتُ على شفير الانهيار العصبي، إلى أن سرحوني من العمل· في البداية أعطوني مهنة عامل قليل المهارة، لكنني رفضتُ· وبعدها أنهوا خدمتي· بقيتُ من دون مصدر مالي· زوجي - آنذاك ريتشارد فاجنر هو الآخر طُرد من صحيفته· والأنكى من كل شيء كانوا يستدعونني يومياً تقريباً إلى البوليس السري· وهناك لم يتهموني فقط بالأشياء التي كنتُ واعيةً بها، من مثل حادثتي مع المصنع أو نشاطي الأدبي· قالوا لي إنني كنتُ مومساً، إنني نمتُ مع الطلبة الجامعيين العرب من أجل المال· لم يحدث لي أن التقيتُ بطالب جامعي عربي، لكنهم كانوا يحذرونني أن بوسعهم أن يرفعوا بحقي قضية محكمة، مع شاهد عيان وما إلى ذلك· قالوا أيضاً إنني أتاجر بالبضائع التي لا يمكن العثور عليها في السوق الرومانية··· قالوا إنني إعتدتُ بيع الأشياء في شارع (بوبا سابكا) في تيميسوارا، حيث موقع السجن· ربما كانوا يحاولون أن يقولوا لي أين سينتهي بي المطاف·